أي ملاحظات لتحسين فصل أتقبل النقد البناء
لا يوجد إنسان ناقص، إنما يوجد إنسان متفرّد لم يجد من يتقبّل اختلـَافه.
سديم
....
في منتصفِ صباحِ اليوم التالي...
قاربَ كل من إيفلين تشالرز و أليانور على الوصولِ للقصر الريفي الكبير الذي يقع على قمةِ تلة بعيدة وتحيطُ بهِ أشجارُ بلوط عالية بعد أن عقدا زواجهما صباحا ،
كان الهواء على قمةِ عليلـًا مما جـعل الجو منعشـًا يزيحُ غمم على القلبِ ، لوهلة نسيت إيفلين غرابة ما حدث معها و أخذت تستنشق عبـَقهُ كأنها تريد أن تحتفظ به في رئيتها لأبدِ ، ربما على الإنسان أن يتقبّل أقداره، وأن يستمتع بكل لحظة أينما ألقت به الحياة، فليس كل ما نتمناه ندركه، وليس كل ما نفقده خسارة. فبعض الطرق التي لم نخترها تقودنا إلى أجمل ما فينا، وبعض الأقدار التي قاومناها كانت تحمل لنا ما لم نتوقعه من خيرٍ ونضجٍ وطمأنينة هكذا كانت تحدثُ نفسها وهي تتجه نحو مصيرها الجديد بعدما راقت لها الأجواء الخارجية في هذا البيتِ الغامض .
.
.
.
أمام بوابة قصرِ كبير مهيبِ وقف ثلـَاثتهم بعدما عبروا السور الحـَديدي الذي يحاصرُهُ ، وقبل أن يطرقوه تقدمت نحوهم ثلـَاثةِ خدماتِ كأنهم كانو بإنتظارهمْ ، إثنانِ رحبتا بهم بإحترام و حملتا حقائبهم للداخلِ ، أما الثالثة فقد رافقتهم لغرفةِ الجلوسِ في ردهةِ القصرِ بعد أن أخبرتهم أنها ستعلمُ دوق بمجيئهم ..
كان المنزل من خارجِ حجريُ وقديم، فيه نوافذ كثيرة وطويلة وتتوسط ساحته الخضراء نافورة ماء دائرية.
وتحيط بهذا المنزل بوابات حديدية سوداء كأسوارِ تحميه من الخارج.
بعد ثوانِ معدودةِ وجدوا أنفسهم في داخلهِ في ردهةِ واسعة جداً بسقف عالٍ وأرضية رخامية لـَامعة، و أمامهم درج خشبي عريض يصعد للطابق العلوي.
أما غرفة الجلوس التي جلسوا فيها ، فكانت واسعة ودافئة، تتوسطها أريكة مريحة وكراسي كبيرة من الجلد حول مدفأة حجرية مطفئة، وتغطي الأرضية سجادة صوفية خضراء.
-----
كان الصمت سيد المكان قطعهُ دخول رجلِ أربعيني بملَامحَ جامدة يرتدي بذلة داكنة الواضحُ أنه سيدُ المنزلِ ' آرثر' تبعتهُ إمرأة متوسطة الطولِ ذات عيون لوزية خضراء ترتدي ثوبا بلونِ حدقتيها ، والمؤكد أنها زوجته ' مارغريت'
إستقام ضيوفُهم تشالرز في مقدمة وخلفه الفتاتانِ تبادلوا عباراتِ تحيات و مصفحات تتبعها التهنئة الحارة التي تباركُ زواجهم ؛ شعرت إيفلين بخجلِ طفيف وهي تتلقى تلك تهاني المزيفة .
لم يكن قد إنتهت مراسمُ ترحابُ بينهم ، حتى تقدمت الخادمة بقهوة الساخنة و الكعكِ محلى وضعت لكلِ واحدِ فنجانهُ أمامه و طبقِ صغير من حلوى بجانبهِ .
إنزوى كل من السيد آرثر و تشالرز بعيدا قليلـَا عن الجموعِ ليجمعهم حديثُ رسمي سريُ العملِ و أوضاعهِ ..
بينما جلست السيدة مارغريت بجانب إيفلين أمسكت كفيها بيدها المرتعشة وقالت بصوت متحشرج و الدموع تنسابُ من عيونها :
ــ عزيزتي أنتِ ستكونين المربية الجديدة لإولادي الثلـٰاث أرجوكِ إعتني بهم ، فالحياة قست عليهم كثيرًا حرمتهم من السمعِ والنطقِ ...
تنهدت وأضافت بإستياءِ:
ــ العائلة أيضا !
لم يرق لـإيفلين سماعُ الكلمة الأخيرة 'حرمتهم من العائلة 'وشعرت بغضبِ عارِم يكادِ ينفجر لكنها سيطرت عليه ، فمن خلـَال كلـامها إتضح أن ماقاله تشالرز صحيح فطبقة الأرستقراطية ومن بينهم الدوق آرثر و زوجته مارغريت كانو يخجلونَ بأولـَأدهم المعاقين ويخبؤونهم بعيدا على الأنظارِ خوفا من أن يتم السخرية منهم ' حمقى إنهم لـَا يعرفونَ معنى التميزْ من قال إن فقدانَ أحدِ الحواسِ نقصُ وعيب أليسٰ بإمكانِ هذا أن يكونَ تفرُدا ! لماذا هم سطحيونَ لهذه الدرجة ويقيسونَ الـِإنسان بمظاهرِ و ..
قطعَ شرودها كلـَام مرغريت :
ــ قمنا بزيارةِ صغيرة لهم و سنعود لندن بالرغمِ من أولـادي ناقصين إلى أنهم مؤدبون ولن يزعجوكِ و لن تدرسيهم دروسا جديدة فقط مراجعات سابقة .
ــ مؤكدِ أن لديهم مواهب مخفية و سأسعى لـإكتشتفها !
قالت إيفلين بنبرة يشوبها التحدي ردًا على كلـَام مرغريت التي وصفتهم ' بأولادي الناقصينَ ' .
رمقتها أمهم بنظرة مستهترة كأنها لم تستوعب كلـَامها :
ــ إفعلي ما ترينهُ مناسبا .
قالت كلـامتها هذه ثم ساد صمتُ مجـددًا بينهـُم ، إتضح لـإيفلين أن مرغريت فيها سلكُ من التكبرُ لـأنها لم تتبادلْ أطراف الحديث بينهم كضيفتانِ بل كواحدةِ من طبقةِ نبيلةِ وأخرى عادية ، فمثلـَا الـآن إتجهت مشاركة للحديثِ مع زوجها و تشالرز بعد أن أبدت طلبهـا ثم أنه كان واضحا ضعفُ شخصيتها فكيف لها أن تهتم بحديثِ الناسِ و تركت أولـَادها وحيدين هـُنا .
بعد خطابِ طويل مع نفسها شعرت إيفلين بمللِ خاصة وأن إليانور كانت كتمثالِ لـَا تعلقُ أبدا ، في لحظة ما ترآت لـَها فكرة لكسرهِ و هي رؤيةُ الأطفال فسألت عنهم بشغفِ :
ــ أين الأطفال أريد أن أراهم ؟!
سرَ الزوجانِ وتشالرز كثيرا بسؤالها فقد أحسوا أن فيه إهتمام صادقً بهم نادت مارغريت الخادمة وطلبت منها إحضارهم .
-----
بعد قليل دخلت الخادمة معها ثلـَاثةْ أطفال 'ولدان وبنت '
(إدوارد ، شارلوت ، ويليام) أشارت الام بيدها تسميهم .
بخطواتِ مترددة و ملـَامح خجولة تقدم أطفالُ نحوهم ، حدقوا في الجالسين بنظرةِ خاطفة ثم أنكسوا رؤسهم لـأسفلِ ، وعقدوا أصابعهم من فرطِ التوترِ ، كان ظنُ الجميعُ أنه هذا من آدابِ تعاملِ لكن وحدها إيفلين التي قرأت تعابير خوفِ على وجهوهم وأطرفهم أشفقت لحالهم وتقدمت منهمْ جثت على ركبتها و طلبت منهم التقدم بإشارةِ يدها للعناقِ 'تحتِ أنظارِ متفاجأة للطبقةِ النبيلة التي لم تكن تعرف معنى الِـإنسانيّة.'
لكن أطفال لم يلبوا نداء وكأنهم إعتادوا على القسوةِ فقط ، كادوا أن يفروا هاربين لولـَا خوفهم من نظراتِ والدهم المتوعدة ؛
إيفلين لم تهتم لرفضهـم لـَأنها كانت تعذرهم فتقدمت منهم أكثر و أعادت طلبـَها بإبتسامة وديعـةِ رسمت كبيرة على ثغرها ، فأقبلـَت طفلة صغيرة تحتضنها بسرورِ بادلتها إيفلين العناقَ بذاتِ الشعورِ وطبعت قبلة على خدها ، بعدها تقدم الأخوين الباقينِ نحوها فإحتضنتهم تبث فيهم الحنانَ ثم طبعت قبلـًا على جبينهم و قطعت وعدا على نفسها أن تخرجهم من الظلـَام الذي هم فيهِ .
---------
بعد ساعة غادر كل من الدوقٍ وزوجتهِ وإليانور القصرَ إلى لندن ، تاركين كل من تشالرز ليتدبر أمره و إيفلين لتعتني بأولـادِ و الخدمِ والحراسِ ،
تمددت إيفلين على سريرها في غرفتها التي جهزتْ لها كانت كل عظامها تنبضُ بِألم الناتجِ عن تسلقِ التلِ ،لتصلَ إلى هنا ..
تجاهلت كل هذا وغرقت في فلسفتها الحياتية ' غريبُ حقا هو أمري كنت حبيسة تلك القرية اللعينة سنين طويلة ثم فجأة إحترق محلي ظننت أنها نهاية لكنها كانت بداية لحياة جديدة أعيشها الآن ، مجرد تفكير في أني تركتُ القرية وسرتُ وحيدة لـَأسلك دربا مجهولـًا كان أمرا جنونيا ، تزوجتُ أيضا فحأة وإن كان مزيفا ،'
'ما حدث غريب كحلمِ ستستيقظُ منه قريبا كل هذا حدث رردت وكأنها غير مصدقة ، والـآن أنا نائمة بهدوءِ بعد ضجيج طويل و افكر كيف سأنقضُ أطفالـا يتعذبونَ لقد جرتني الأقدار إليهم و أنا ممتنة لذالك لأنه بات عندي سبب حقيقي للوجودِ ، وهو مساعدتهم وإثباتُ أنه لا يوجد إنسان ناقص، إنما يوجد إنسان متفرّد لم يجد من يتقبّل اختلـَافه.'
صدقا كل شيء يبدو مثاليا ماعدا زواجي من تشالرز لم أتقبله إطلـاقًا ، هل يمكن ان أتقبله فيما بعد تسألت ثم طردت فكرة بعيدا عنها مشمئزة لم تتحمل حتى تفكير فيها مازلت تشعر بنفورِ وحده وتصفه بمخادعْ ، وفسرت أن زواجها منه ماهي إلا حكمة من القدرْ لتجتمع بأطفالِ .
وعلى ذكرِ الـَأطفال خمنت في نوعية الدروسِ التي ستقدمها لـهم لتساعدهم على التعبيرِ لكنها عجزت لِـأن تعبَ و نعاسِ أنهكاها فقررت النومَ وتركِهُ أمرهِ للغدِ ،
.
.
.
سديم 'ے