"الحياةُ غريبةٌ، فما أكثرَ ما تلتقي بنا في أحضانِ الخوف."
سديم.
------
الساعة الخامسة مساء:
وصلَ القطارُ أخـِيرًا لمدينة لنوكن نزل كل من إيفليـن ، إليانـور و تشـارلز من عليهِ وهم يـجرون حقائبهم الثقليةَ مغادرينَ المحطةَ دون أن يلتفتوا خلفهم فكل غارقُ في أفـكارهِ وعـالمهِ الخـاصِ يحاولُ البحثَ عن حـلَ مشاكلهِ ؛ خاصة إيفلين التي بدأ ضِـميرها يؤنبها على طلبِ مساعدةِ من هذانِ الغريبانِ ، شيء ما داخِلها يـقولُ أنهما لن يسديا لها أي خـدمةِ دونَ مقابلِ ، وهذا المقابلُ سيكونُ كبيرا خاصة وأن الأخوين كان يسيرانِ في مقدمةِ يتهماسانِ بخفوتِ -كأنهما يتناقشانِ في أمرها - هذا بثَ الرهبةَ أكثر في دواخلِ إيفلين :
ــ هل أخطأت عندما وثقتُ بهم ؟
تساءلت داخلها بحيرةِ و أجابت تحاولُ طمأنة نفسها لكي لا تتملص وتهربَ منهم ، وربما ستندم أكثر .
ــ لم تخطئ هذا هو عينُ الصوابِ ، هذا افضل من تجولِ وحيدة في مدينةِ لا أعرفها.
في تلك الأثناء إستدار كل من الأخوين لها بعدما إنتبهى أنها متأخرة وقالت إليانور بصوت عالي:
ــ إيفلين أسرعي سيحلُ الظلامُ قريبا !
إنصاعت لـَأمرهم وأسرعت تلحقهم وهما بدورهما كان ينتظرانها ، ساروا قليلا في مكانِ مزدحمِ ثم ركبوا عربة خشبية ..
------
داخل العربة جلس الغريبانِ في نفس المقعدِ على ظهر العربة بينما إيفلين جلست مقابلةً لهم ــ تشارلز بالتحديد ــ لم تكن بينهما سوى المسافة الضيقة التي تفصل مقاعد العربة، ومع كل اهتزاز خفيف كانت إيفلين ترفع عينيها نحو النافذة تتفحصُ جمال المدينة الآسر ، متجنبًة نظراته الغريبةَ .
وبينما هي على ذالك أبطأت العربة الخشبية سيرها وهي تشق الطريق المرصوف بالحجارة الرمادية ، في تلك الأثناء لمحت إيفلين بائعا واقفا أمام متجره الصغير يرتب صناديق التفاح، بينما مرّت أمامه امرأة تحمل سلة من القش وحيّت إمرأة أخرى ربما جارتها بإيماءة سريعة.
لاحظت إيفلين أن الشارع كان يعج بالناس، لكن دون ضجيج مزعج؛ أحاديث متفرقة، وقع أحذية على الحجارة، وصوت حوافر الخيل وهي تضرب الأرض بإيقاع هادئ.
ثم رفعت الكاتدرائية التي تعلو البيوت جميعها. لم تكن قد اعتادت رؤية هذا البناء الضخم في قرية لذالك شعرت بإنبهار وهي تنظر له لأولِ للحظة ترأى لها أن الأبراج تراقب المدينة بصمت منذ مئات السنين ، دققت في مشهد جيدًا كأنها تحاول أن تحتفظ به كصورة في مخيلتها.
بعد دقائق مرّو بجانب مخبز تفوح منه رائحة الخبز الساخن، فأوقف تشارلز السائق بعد أن تأمل الأرغفة الشهية خلف الزجاج و أخرج قطعًا نقدية من جيبه و طلب منه أن يشتري أغرغفة صغيرة ،
توقفت العربة نزلَ السائق يلبي طلبه ثم عاد السكونُ ليخيمَ على المكانِ قاطعتهُ إيفلين قائلة كلحظةِ إدراكِ متأخرة :
ــ إلي أين نحن ذاهبون ؟!
لم يجبها أحد و كأنهم لم يسمعوها تجمدت الدماء في عروقها من شدة الخوفِ وأعادت سؤالها بكلِ حزمِ :
ــ أنا أتحدث إليكم ماهي وجهتنا ؟ أين سنذهب أخبرني وإلا سأنزلُ هنا !
رمقها بنظرة طويلة تختصر طلبهما المريب ثم قال أليانور بصوت هادئ:
ــ إهدئي إيفلين لن نقوم بخفطفك !
هنا عاد السائق ناولهم الأرغفة و أكمل سيرهُ بالعربة ، قدم تشارلز رغيف خبز لأختهِ فتحت الغلاف بسرعة وقضمت قضمة و أبقى واحدًا لنفسه و قدم آخر لـإيفلين لكنها رفضته و قالت بصوت غاضب:
ــ إلى أين تأخذنني !
قطعت إليانور جملتها ، ومالت بجسدها نحو إيفلين ، قائلة بصوت خفيض ودافئ:
ــ يا عزيزتي، يمكنكِ التوقف عن ارتعادكِ هذا. نحن لسنا قطاع طرق، لكننا – تماماً مثلكِ – نبحث عن طوق نجاة في هذه الليلة الكاحلة.
نظرت إليها إيفلين بعيون متسعة من الخوف، وابتلعت ريقها لقد صدقَت توقعتها خدمة مقابل خدمةَِ :
ــ أنزلاني هنا لا أريد أي مساعدة منكم أيها المغدعان !
ابتسم تشالرز ابتسامة باهتة ، وخلع قبعته الطويلة ليضعها جانباً، ثم قال بنبرة هادئة وصوت جهوي :
ــ الشارع لا يرحم النساء الوحيدات يا آنسة إيفلين ! الناس هنا تفترس من لا مأوى لها، نحن لا نريد بكِ شرا ، بل نريد أن نمنحكِ سقفاً، وراتباً، وحياة جديدة.. مقابل خدمة تنقذ شرف عائلتنا.
استندت إليانور إلى حافة النافذة ، وقد أعجبت بطريقة التي فتح بها أخوها الموضوع :
ــ أي خدمة هذه أنا فتاة بسيطة لا أملك شيئًا
أمسكت الأخت بيد إيفلين الباردة، وضغطت عليها برفق لتطمئنها:
ــ أخي شاعر ، وكان من المفترض أن نصل غداً إلى قصر (الدوق) في الريف. لقد رتّبنا أن يعمل هناك، وكان شرط الدوق الصارم أن يصطحب معه زوجة صالحة لتعمل كمربية لأطفاله الصم والبكم.. كان يريد عائلة مستقرة لترعى صغاره. لكن العروس.. العروس هربت قبل ركوب القطار بساعات خوفاً من العزلة، وتركتنا نواجه فضيحة إلغاء العقد والطرد.
فغرت إيفلين فمها ، وقد تملكها العجب:
ــ زواج؟! تريدون مني أن أتزوج غريباً؟ هذا جنون.. أنا رسامة، لست مربية ولست..
قاطعها تشالرز بجدية، وعيناه تشعان بالحدةِ :
ــ ليس زواجاً حقيقياً! بل صفقة.. زواج على الورق فقط أمام الدوق والخدم. ستحملين اسمي كغطاء شرعي، وتدخلين القصر بكرامتكِ كمربية وسيدة محترمة. ستحصلين على غرفتكِ الخاصة، وثلاث وجبات ساخنة يومياً، وراتب المربية كاملاً سيكون في جيبكِ لتأسيس حياتكِ من جديد. وبالمقابل، تحمينني من خسارة عملي ومن نظرات المجتمع الخانقة.
التفتت أختهُ إليها، وأضافت بإلحاح حانٍ:
ــ أعلم أنكِ خائفة، وليس بيدكِ حيلة. لكن فكري في الأمر.. داخل ذلك القصر، لن يبحث عنكِ أحد من قريتكِ المحترقة. ستكونين في أمان خلف أسوار حجرية لا يجرؤ أحد على اختراقها. أطفال الدوق لا يتحدثون، ولن يطالبكِ أحد بمهارات خارقة، يكفي أن تمنحيهم وقتكِ.. ورسمكِ.
نظرت إلى النافذة حيث يبتلع الظلام معالم الطريق و تذكرت نيران دكانها، والإفلاس الذي هي فيه والضياع الذي ينتظرها في المدينة لم يكن أمامها خيار، فالخوف من المجهول في القصر، كان أرحم بمليون مرة من رعب الشارع.
رفعت رأسها ببطء، وتلاقت عيناها بعيني الشاعر وأخته، وقالت بصوت متحشرج لكنه حاسم:
ــ على الورق فقط.. لمدة محدودة !
تنفست الأخت الصعداء، في حين أومأ الشاعر برأسه احتراماً، وقال:
ــ لكِ كل ما تريدين.. مبارك لكِ هويتكِ الجديدة، يا زوجتي المصونة !
لم ترد عليه بقيت صامتة تنظر للفراغ أمامها شاردة تفكر في مصيبة التي ألقت فيها نفسها ،تحسست أطرافها الباردة وابتلعت ريقها بصعوبة شعرت بمرارة في حلقها كادت تبكي لكنها تمساكت ، و حاولت تهدئت نفسها فرغم كل هذه حيرة التي تأكلها كان هناك شعاعُ خافت داخلها يدفئها ويهمسُ لها بأن أمور ستكون بخير.
.
.
التصويت أعزائي..🤍
رأيكم يهمني رأيكم في شخصية الأخوين و ما حدث ، شخصية إيفلين !
توتعاتكم لأحداث القادمة 💙
سديم 'ے