"الفنانُ أداةٌ تُعيدُ صياغةَ الوجعِ لِيُولدَ منهُ الجمال."
سديم
في مساء اليومِ التالِي ..
---------
كانت إيفلين تجلس وسط كومة من الكتبِ ذاتِ الـاغلفة السمكيةِ والـأوراق الصهباءِ التي تشبهُ المخطوطات القديمةِ لحدِ كبير تنفض الغبارَ المتجمع فوقها لكي ترتِبَــها .
لم تكن إيفلين من نوعِ شغوفِ بالقراءة كأمها بل كانت قراءتها محدودة تقتصرُ في ليالِ الشتاء الطويلةٍ فقط.
لـا تنكرُ أن الكتبَ هي التي آنستها في وحشةِ ظـلـَامِ وبرودة العواصفِ في كل السنواتِ الفائتةِ
'كوبِ قهوة ساخن كان يساعدُها على الاسترخاءِ و إبعادِ الضوضاءِ وتناسـِي أنها في أكثر فصلِ تمقـتهُ، كتابُ يسليها وقلم لترسم بهِ مشاهد الموصوفة بين سطور عناق ؛ حب ؛ حرب ؛ إنفصال ؛ أسطول ؛ دموع ؛ عيون .. '
هكذا كانت تمضي جلستها القرائيةَ .
وربما كان أكثر ما يعجبها في القراءة ويحفزها عليها هي تلك الصورٌ البديعية التي يتزودُ بها خيالها فتجدُ نفسها تخطُ على أوراقِ الكتابِ رسمةً مستندةً لـأوصافِ المشهدِ الذي ذكرَ في الـأحداثِ ، تارة و في دفترها ولوحتها تارة أخرى خاصة الذي بقي عالقًا في ذهنِهـَا.
فمثلـَا أنتَ عندما تقرأ حدثا بكلماتِ فإنك تتخيلهُ وعندما تتخيلهُ تحدث في دماغكَ عملية رسم صورِ التي تحاكيهِ والتي كانت تبقى تنقرُ في رأسها هيَ بحماسِ
لكي تولدهـَا في شكلِ لوحاتِ وإلـَا فإنها لن ترتاحَ من طنينها ،
ورغم بأن الصورة المولدة تنتجُ نسخةُ مشوهةً قليلـََا فـي اللوحةِ ــ ففي خيالها أجمل ــ لكن كان في نظرها هو إنجازُ عظيمُ تكبدتْ فيهِ عناءََ رغم نقائصهِ ' إنه إبداع على كل حال ' ،
لطالما تأملت إيفلين عظمةَ الخالقِ وكيف يمنحُ لـأناسِ مخصوصين قدرة التعبير عن خيالهم ليحولوهِ إلى إبداعُ راقِي يقفُ الفخمونَ ذوي الإحساسِ المرهفِ منبهرينَ بهِ ، 'ربما فن هو حكمة ' 'الفنانُ هو حكيم' يعرف كيف يستثمرُ ألمه و أوجاعهُ في صنعِ جمالِ إستثنائِي يميزهُ عن غيرهِ من عامةِ الناسِ هكذا كانت تحدثُ نفسها ؛ وأيضا ذالك التواصلُ الفني بيننا الذي يجعلنا نفهم ونحسُ بعضنا البعضَ دون أن نحتاج لنتكلم ــ فدوما منعتنا غصةُ كبرياءِ من فعلِ ذالـكَ أي الشكوى ــ ؛ إن مجرد التفكيرِ في هذا يجعلها تشعر بأنها متفردةُ عن غيرها فتعتزُ أكثر بذاتها ،فهي تصنعُ من ألمها جاملـَا لـا يدركه السطحيونَ من الناسِ الذين يـمرُون أمامه كمن يـمرونَ بشجرةِ ــ لكن حتى شجرة فهي قاموسها معبرةُ ــ أولئك الذين يظنونً أن هذه الهوايات مضعية للوقتِ هم أغفلُ البشرِ هكذا تصفهم!
أما من يتأملُ هذا الجمالً ويقف مبهورا أمامه، من يحاول فكَ شفيرتهِ من يغرق في تفاصيلهِ ، من يعشقهُ ويدمنه و يبحث عن إستثنائي منهُ و من يأثرُ أن يشبع نفسه بفخامة الفنونٍ بعيدًا عن ملهياتِ دنيا هو شخصُ مميزُ عن غيره ربما فقط لم يسعفهُ الحظ ليولدَ لنا إبداعَا لكنه ساهم في تحفزنـَا على أن نكملَ ونبدعَ فكأنه يقول :
"أنا هنا أتنفسُ الفن قدمـُوا لِـي مزيد كي لا أموت حـيًا "
لطالما أقنعت نفسها بذالك.
المهم أن 'المبدع و محب للإبداعِ' 'الفنانُ وعاشق الفنون' على حدِ سواءِ ممميزانِ بطريقتهما الخاصةِ !
ــ وضعت إيفلين لمسةَ أخيرَة رتبت كتب حسب تصنيفها كتبُ تاريخِ فلسفَة أدَب وروايـَات فـِي جهـة و دَوَاويين شعرية لم تقرأها من قبل لكن تريد تجرببيها كهوايةِ جديدة فوضعتها في الِـأعلـَى...
---------
بعد أن إنتهت سمعت طرقاتَ البابِ نهضت من مكانها لتفتحهُ وهي تتساءلُ من قد يزورها في هذا الوقتِ .
كان الزائرُ طفلُ صغير حافي القدمين يلهثُ من شدة الركضِ عقدت حاجبيها بإستغرابْ ــ ملامحهُ تبدو مؤلوفةً لها بشكلِ واضحِ ــ كانَ حدقَ بها بعينينِ غائرتينِ كأنهُ رأى شبحًا .
' محلكِ يحترقُ '
لم ينتظر منها أن تتعرف عليهِ قَـالها مِن بيـن لهاثهِ !
في تلك اللحظة تراجعت إيفلين خطوتينِ إلى الوراء لوهلةِ وضعت يدها على صدرها من هولِ ما سمعتهُ ثم وبكلِ ما أوتيت من قوةِ ركضت خارجَ بيتها حافية القدمين،
ركضت في الممر الترابي المؤدي إلى وسط القرية، كانت خطواتها سريعة وغير متزنة، تتعثر بالحجارة الصغيرة لكنها كانت تواصل الركض دون أن تأبهَ لـألم.
كان شعرها يتطاير عشوائياً خلفها، وعيناها مثبتتان على الأفق الذي تلون بلون برتقالي مخيف.
مع كل خطوة تقترب فيها، كان نبضها يتسارع وصوت طقطقة الخشب المحترق يعلو عندما إقتربت أكثر بدأت ترى الشرر المتطاير في السماء،
فركضت أسرع، دافعة بيديها كل من يقف في طريقها من أهل القرية الذين حاولوا إمساكها أو تهدئتها.
وصلت إلى حافة الشارع المقابل للمحل، ووقفت فجأة وهي تلهث بشدة، تضع يدها على صدرها المحترق بالأنفاس المتسارعة، وتنظر بذهول إلى واجهة محلها التي كانت النيران تلتهمها بالكامل.
حاولت الدخولَ وإنقاضِ لوحاتها لكن بعض الـأشخاص أمسكوا بها وأبعدوها فجثت على ركبتيها من شدة الصدمة و علـَا نحِبُيها صارخا ثم أغميَ عليها .
-----------
في صباحِ اليوم التالي و أو بأحرى صباح مابعد الكابوس ،
كانت إيفلينْ مـمدة على فراشِ أبيض ناصع في مستشفى القريةِ تتمم بكلمات غير مفهومة بنبرةِ مخنوقـةِ ،
'داخلي من إحترق أتفهمون ..
داخلي هو من صارَ رمادًا أتدركونَ ما أعنيهِ
ليست ألوانا على كرتون كما تظنون إنها روحْي
صدري، فكري، ذكرياتي، مسكنُ ألمي ، رئتي .. أكلتها النارُ .
أيها العالم لـايمكنكَ إنقاذِي !'
إنزلقت عبارتها بمرارة من عيونها المغلقةِ وهي ترثي لواحتهَـا الفنيةَ ، تشكلت غصة كجمرةِ في حلقها أخرصتها بعدها ، همست داخلها:
'محل أمي إنـْهار ؛ الورد ذَبُـل وذَبلـت معهُ ، لوحَاتِــي أُبِــيدَتْ ..
كـُل شي مـاتَ و إنتهَـى بالنسـبةِ لـِي في هـَذه القريةِ اللعينةَ سأغادِرْ ! '
كانت أوليفيا جالسة بجانبها تحترقُ أسى على صديقتها إيفلين ممدة على فراشِ لم تكن تستطع فعل أي شيء لتواسيها كانت الفاجعة رهيبة - كل شيء تدمر في لحظة خاطفة-
مسحت بحنوِ على رأسِ صديقتها المبلل بحباتِ العرق بسبب حرارةِ الجوِ ، كانت تدركُ أن صديقتها مستيقظة لكنها لاتستطيع فتح عينيها ولا تحدث بسبب الصدمةِ التي شلتها ، ثم خاطبتها بنبرة يشوبها الحزنُ :
ــ أرجوكِ لـَا تفعلي ذالك بنفسكِ سيكون كل شيء على مايرام ، سنصلحُ المحلَ وسترسمين مجددًا و ...
قاطعتها إيفلين بنبرة مخنوقة :
ــ أريد الخروجَ والعودة لمنزلي .
لكنها كانت تقصد -أريد عودة إلى منزلِ وحزمِ حقائبي- وبالتأكيد أوليفيا لم تفهم ذالك فقالت :
ــ أعلم أنكِ تشعرين بملل لكن جروحُ في قدميكِ تحتاج ليومينِ لتشفى ثم يمكنكِ المغادرة .
هنا إنتبهت إيفلين لألمِ طفيفِ في قدميها اللتانِ إحترقتا بجمرِ المشتعلِ ؛ لم تأبهْ لهذا كانت تفكر كيف ستقضي يومينِ آخرينِ في هذه القريةِ المشؤومة؛ فطلبت من أوليفيا أن تذهبَ لمنزلها وتحضر لها دواوين الشعرِ التي أعلمتها بمكانها ؛ شعرت أوليفيا بشيء من السرورِ داخلها ربما هذه خطوة منها لتحسنٰ مزاجَها صديقها لكن كانت غافلة فالقراءة هي هروبُ من الواقعِ الموحشِ وليس تقلبهْ .
-----------
أسدلَ الليلُ ستارهُ وكل أوى إلى بيتهِ ودَعت أوليفيا إيفلين وتركتها وحيدة تصارعُ أفكارهــَا ، كانت تحاولِ جاهدةِ إبعادها لكنها لم تستطــع ْ فتذكرت داويين الشعرِ التي طلبتها صباحًا لكي تغرقَ في حسنها فتنسيها وحشةَ كبوسها ،رفعت واحدًا إليها دون أن تقرأ المدونٰ في غلافِ ثم فتحت صفحةِ عشوائيةِ وإنغمست في سطور قصيدة .
'I wandered lonely as a Cloud
That floats on high o'er Vales and Hills,
When all at once I saw a crowd,
A host, of golden Daffodils;
Beside the Lake, beneath the trees,
Fluttering and dancing in the breeze.
Continuous as the stars that shine
And twinkle on the Milky Way,
They stretched in never-ending line
Along the margin of a bay:
Ten thousand saw I at a glance,
Tossing their heads in sprightly dance.
The waves beside them danced; but they
Out-did the sparkling waves in glee:
A Poet could not but be gay,
In such a jocund company:
I gazed—and gazed—but little thought
What wealth the show to me had brought:
For oft, when on my couch I lie
In vacant or in pensive mood,
They flash upon that inward eye
Which is the bliss of solitude;
And then my heart with pleasure fills,
And dances with the Daffodils.'
'Daffodils ' William Wordsworth (1770–1850)
'تَجَوَّلْتُ وَحِيداً كَسَحَابَةٍتَطْفُو عَالِياً فَوْقَ الأَوْدِيَةِ وَالتِّلالِ،حِينَ لَمَحْتُ بَغْتَةً حَشْداً،جَمْهَراً مِنَ النَّرْجِسِ الذَّهَبِيِّ؛بِجِوَارِ البُحَيْرَةِ، تَحْتَ الأَشْجَارِ،تَتَمَايَلُ وَتَرْقُصُ مَعَ النَّسِيمِ.مُتَّصِلَةً كَالنُّجُومِ الَّتِي تَسْطَعُ وَتَمْرَحُ فِي مَجَرَّةِ دَرْبِ التَّبَّانَةِ،امْتَدَّتْ فِي خَطٍّ لا يَنْتَهِي عَلَى طُولِ حَافَةِ الخَلِيجِ:عَشَرَةُ آلافٍ رَأَيْتُهَا بِلَمْحَةٍ،تَهُزُّ رُؤُوسَهَا فِي رَقْصَةٍ مُبْهِجَةٍ.الأَمْوَاجُ بِجَانِبِهَا كَانَتْ تَرْقُصُ؛ لَكِنَّهَافَاقَتِ الأَمْوَاجَ المُلْتَمِعَةَ بَهْجَةً:مَا كَانَ لِشَاعِرٍ إلَّا أَنْ يَفْرَحَ،فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّحْبَةِ المَرِحَةِ:حَدَّقْتُ—وَحَدَّقْتُ—لَكِنِّي لَمْ أُدْرِكْ حِينَهَاأَيَّ ثَرْوَةٍ جَلَبَهَا لِي هَذَا المَشْهَدُ:فَغَالِبًا، عِنْدَمَا أَسْتَلْقِي عَلَى أَرِيكَتِي فِي حَالَةِ فَرَاغٍ أَوْ شُرُودِ ذِهْنٍ،تَمْضِي النَّرْجِسَاتُ فِي عَيْنِي البَاطِنِيَّةِالَّتِي هِيَ نَعِيمُ العُزْلَةِ؛وَعِنْدَهَا يَمْتَلِئُ قَلْبِي بِالسُّرُورِ،وَيَرْقُصُ مَعَ زُهُورِ النَّرْجِسِ.'
المؤلف: ويليام وردزورث.¹
( أزهار النرجسْ )²
__________________
1-ويليام وردزورث (1770–1850): شاعر إنجليزي من أبرز رواد الحركة الرومانسية في الأدب الإنجليزي. اشتهر بقصائده التي تمجد الطبيعة والعواطف الإنسانية، ويُعد من أهم شعراء القرن التاسع عشر.
2 أزهار النرجس: قصيدة كتبها ويليام وردزورث سنة 1804 ونُشرت سنة 1807. تصف مشهدًا من أزهار النرجس الذهبية وتأثير جمال الطبيعة في نفس الشاعر، وتُعد من أشهر قصائد الأدب الإنجليزي.
--------------
رَاقت القصيدة لـإيفلين فقد تسللــت لـأعـماقها وبثـت فيها بصيصَ أَمـل بالرغمِ من أنها لاتجيدُ تحليل القصائدِ لأنها تحسست قيمتها الجمالية ،فكانت تبتسم وهي تعيد قراءتها مرارًا ثم تناولت القلم من طاولة بجانبها ورسمت المشهد الذي تغنـَى بهِ 'وردزورث، ويليام'.
ربما هذه الأبياتُ إستطاعت أن تزيحَ بعضـًا من خيبتـَها و تحسنَ مزاجها فأمضت الليل كلهُ هكذا تتمتعُ بعُذوبتـها.
ـــ
نهايه الفصل رأيكم يهمني أعزائي..🤍
لاتنسو التصويت..☆
سديم 'ے