صلو على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبهه اجمعين
قبل ما تقرأو الفصل قومو صلوه لانو ما يحتاج اقول لكم انو صلاتكم اهم من اي شي
واذا انتم مصلين تفضلو
『الأمـَـلُ هـوَ نــورٌ مُـنـبَـعِـثٌ مِـنْ أظْـلَـمَ، لا يُـرَى فِـيـهِ سِـوَى الـيـقِـيـن بـأنَّ الـفَـجْـر قَـادمْ』
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
❀ارجاء التصويت والتعليق بين الفقرات، أتمنى من القراء الشباح أن يتفاعلو ❀
عاد كايدن إلى المنزل الذي يقطن فيه مع جده في وقت متأخر من الليل، بعد أن أخبره مارسيلو بأنه لن يستطيع الذهاب إلى مكانهما المعتاد
لذا ألغى هو الآخر فكرة الخروج، وقرر العودة
ما إن خطا أول خطوة داخل المنزل حتى خلع حذاءه ووضعه بجانب الباب، تتجول عيناه في الأركان بصمتٍ ثقيل
المنزل هادئ على غير العادة، جميع الأضواء مطفأة باستثناء ضوءٍ خافت ينبعث من غرفة الجلوس
تنهد وهمس لنفسه"يبدو أن جدي نائم الآن"
توجه نحو المطبخ ليبلّ ريقه ببعض الماء، فوجد طعامًا على الطاولة أرزًا ودجاجًا، طبقه المفضل
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها سرعان ما تلاشت؛ لم يكن يشعر بأي شهية
أعاد الطعام إلى الثلاجة، ارتشف قليلًا من الماء، ثم خرج بخطواتٍ هادئة
توجه إلى غرفة جده ليتفقده
وجده نائمًا كما توقّع، تنفس الصعداء وهو يرى وجهه المطمئن تحت ضوء المصباح الخافت
لاحظ أن النافذة مفتوحة، فأحكم إغلاقها، ثم اقترب وعدّل الغطاء فوقه كي لا ينزلق أثناء الليل
كانت غرفة كايدن مقابلة لغرفة جده لم تكن غرفته الأصلية، لكنه انتقل إليها منذ مرض الجد ليكون قريبًا منه، يسمع ندائه عند الحاجة، ويمنحه أدويته في أوقاتها
دخل غرفته وأغلق الباب خلفه
الغرفة كانت فوضى كاملة؛ الحقيبة مرمية على الأرض، الكتب مبعثرة، والقمصان الرياضية كوّنت ما يشبه جبلًا صغيرًا أمام الخزانة المفتوحة
لم يتذكّر أنه تركها هكذا، لكنه لم يملك طاقة كافية ليهتم
على مكتبه، تكدّست الميداليات والكؤوس التي حصدها من المسابقات الرياضية، لدرجة بدأت تزعجه أثناء الدراسة
ورغم كونه من أبرز الرياضيين في المدرسة، إلا أنه لم يهمل دراسته يومًا ليس لأنه يحبها، بل لأنه وعد جدّه أن يصبح طبيبًا جرّاحًا
جلس على طرف السرير وأمسك الحقيبة، أعاد الكتب بداخلها بلامبالاة، ثم رماها قرب الباب. حاول ترتيب قمصانه قليلًا، لكنه استسلم سريعًا، وتمدد على السرير متعبًا
غطّى وجهه بذراعه وهو يتثاءب، ثم مدّ يده نحو هاتفه وفتحه
توقفت عينيه عند اسمٍ واحد في قائمة الاتصال إيلاناي
تردّد للحظة الساعة تجاوزت الثانية عشرة لكن رغبة الحديث معها غلبت تردده
ضغط زر الاتصال
ظل الهاتف يرنّ لدقائق قبل أن يتحول إلى مشغول
أعاد المحاولة مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة… النتيجة نفسها
تنهد بيأس وهمّ بأن يطفئ الهاتف، لكنه فجأة سمع صوتًا من الجهة الأخرى
"أهلاً كايدن... هه، هل هناك شيء؟"
كان في صوتها شيء غريب، غصّة خفيفة حاولت إخفاءها
قال بقلقٍ واضح"ما به صوتك؟"
ردّت بسرعة، لكن هذه المرة بدا وكأنها على وشك البكاء"لا شيء... فقط كنت نائمة، واتصالك أيقظني"
لم يقتنع تمامًا، أراد أن يسأل أكثر، لكن قبل أن يتكلم، سمع صوتًا آخر من بعيد، غير صوتها، يناديها"إيلا! هيا، داليا وصلت... أظن أنها أحضرت ماريا معها!"
تجمّد لوهلة، ثم سمعها تقول بصوتٍ مرتجف
"كايدن... وداعًا، نتكلم لاحقًا"
وأغلقت الخط
بقي صامتًا، يحدّق في شاشة الهاتف لثوانٍ طويلة قبل أن يضحك بخفةٍ متعجبة
"أغلقت الخط في وجهي..." تمتم ساخرًا، لكنه شعر بانقباضٍ في صدره
رما الهاتف بجانبه واستلقى على ظهره، أحدق في سقف الغرفة طويلاً
كان صدى صوتها لا يفارقه، ونبرتها المكسورة تلتصق في رأسه كهمسٍ ثقيل
هناك شيء حدث... لكنه لم يعرف ما هو بعد
أغمض عينيه، محاولًا طرد الأفكار، واعدًا نفسه أن يسألها غدًا وجهًا لوجه
وبينما كان عقله يغرق في ضباب النعاس، تسلّل النوم إليه أخيرًا، غارقًا بين تعب الجسد وثقل الأسئلة التي لم تجد جوابًا
أحكم الظلام قبضته على الغرفة، ولم يعد يُسمع سوى أنفاسٍ متقطّعة تنساب من فم كايدن النائم
لكن في أعماق نومه، لم يكن الهدوء أكثر من ستارٍ يخفي ما يجري خلفه
كان يقف وسط شارعٍ مبلّل، تمطر السماء بغزارة، والمصابيح الخافتة تعكس ظلالًا متكسّرة على الأرض
صوتٌ غاضبٌ مألوف يخترق الضجيج صوت والده
صوتٌ ثقيل، يصرخ باسمه وسط المطر
"أنت لا تستحق أن تحمل اسمي، كايدن!"
يتراجع خطوةً إلى الوراء، والماء يتناثر حول قدميه
تتضح الصورة أكثر… والدته جالسة على الأرض قرب سيارة محطّمة، يداها ترتجفان وهي تحاول النهوض،
وجهها مغطّى بالكدمات، تنظر إليه بعينين متعبتين،
تمدّ يدها نحوه وتهمس
"توقّف… لا تجادله، أرجوك…"
لكنه لا يستطيع الحراك
يرى والده يلتفت إليها، والغضب يشتعل في عينيه
يتقدّم منها، يصرخ بكلماتٍ لا يسمعها كايدن بوضوح، وكأن المطر يبتلع الأصوات.
يحاول الركض نحوها، لكن قدميه كأنهما مغروستان في الأرض.
يصرخ دون صوت،
يرى يد والده ترتفع ثم فجأةً تنطفئ كل الأضواء
يسود الصمت، والمطر يتوقف
تظهر أمه أمامه، قريبة منه هذه المرة، تنظر إليه بعينين دامعتين وتقول بصوتٍ خافتٍ مؤلم
"لن تغفر له إن استمعت لغضبه، يا كايدن..."
ثم تختفي
يختنق صدره، وصوت والده يعود من الخلف، أبطأ، أعمق، كأنه يخرج من داخله لا من الخارج
"أنت مثلي تمامًا..."
استيقظ كايدن فجأة، جسده مبلل بالعرق، وصدره يعلو ويهبط بسرعة
أمسك رأسه بيديه، يبحث عن أنفاسه بين الظلام.
الساعة تشير إلى الثالثة فجراً
مرّت لحظات قبل أن يدرك أنه ما زال في غرفته، وأن ما رآه لم يكن سوى كابوس…
لكن طعم المطر ما زال على شفتيه، وصدى تلك الجملة ما زال عالقًا في رأسه
"أنت مثلي تمامًا..."
همس لنفسه بصوتٍ خافتٍ ومختنق
"أنا لست مثلك… ولن أكون"
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
في صباح اليوم التالي استيقظ كايدن متأخرًا على غير عادته، أشعة الشمس تتسلل بين الستائر لتلسع وجهه بلطف
فتح عينيه بتثاقل، رفع رأسه عن الوسادة وتنهّد وهو يتمتم
"تأخّرت... اللعنة"
ثم جلس على السرير، يفرك وجهه بأنامله الثقيلة. لم يشعر براحة… وكأنّ الليل كلّه لم يمنحه دقيقة نوم حقيقيّة
نظر إلى الساعة، السادسة والنصف صباحًا.
تمطّى قليلًا، ثم نهض بتكاسل إلى الحمّام ليغسل وجهه. الماء البارد أيقظ شيئًا من حيويّته، لكن ملامحه بقيت مرهقة
غيّر ملابسه الرياضية المعتادة وارتدى زي المدرسة قميصًا أبيض بسيطًا مع بنطال رمادي تعمد أن لا يرتدي سترة المدرسة لانها تضايقها ولا يحبها
لم يكن يحب المبالغة في مظهره، لكنه كان يملك تلك الهالة الهادئة التي تجعل الناس تلتفت نحوه دون قصد
خرج من غرفته بخطوات هادئة، تفقد غرفة جده كانت فارغةوجد ملاحظة صغيرة على الطاولة كتبها بخط متعب
"ذهبت إلى الطبيب. لا تقلق عليّ، عد مباشرة بعد المدرسة"
ابتسم كايدن بخفة، وضع الورقة في جيبه وخرج متجهًا نحو المدرسة
الطريق كان مزدحمًا كعادته، لكن هناك شيء في الجو مختلف
الهواء الصباحي البارد أيقظ عقله أكثر من القهوة، لكنه لم يطرد ذلك الإحساس المزعج الذي لازمه منذ مكالمته مع إيلاناي. شيءٌ ما في صوتها البارحة لم يكن بخير
دخل باحة المدرسة، زحام الطلبة، ضجيج صباحي مألوف. سلّم على بعض أصدقائه، ثم اتجه نحو صفّه
كان يحدّق في كل طاولةٍ وهو يخطو إلى مقعده… حتى توقّف عند الطاولة المجاورة له خالية حقيبتها ليست هنا، ولا دفترها الوردي المعتاد
جلس في مكانه ببطء، نظر حوله، كأنه ينتظر أن تظهر في أي لحظة، أخرج دفتراً ثم أغلقه دون أن يكتب شيئًا
رفع رأسه نحو النافذة، ثم عاد ببصره إلى المقعد الفارغ، وسأل زميله بجانبه
"إيلاناي… لم تحضرت اليوم؟"
هزّ زميله كتفيه بلامبالاة
"لم أرها منذ الصباح، ربما مريضة أو شي من هذا القبيل "
أطرق كايدن برأسه، يحاول إقناع نفسه بالجواب، لكن القلق بدأ يزحف إليه شيئًا فشيئًا. أخرج هاتفه خفية من جيبه، كتب لها رسالة قصيرة
"صباح الخير، إيلاناي. تأخرتي اليوم؟ كل شيء بخير؟"
ترك الهاتف على الطاولة، لكنه لم يترك تفكيره عنها. مرّت الحصص ببطء قاتل، كل دقيقة تمر كانت تزيد إحساسه بالغرابة
في منتصف اليوم، وبينما كان كايدن يجلس في ساحة المدرسة متظاهرًا بأنه يراجع دروسه، شعر فجأة بظلٍ يخيم فوقه. رفع رأسه بتثاقل ليرى من القادم،
لتتقاطع عيناه الخضراوان مع الرماديتين الباردتين لأورفيوس
عبس كايدن على الفور، وعاد ببصره إلى الكتاب أمامه متجاهلًا وجوده، ثم قال بنبرة جافة
"ماذا تريد؟"
لم يُبدِ أورفيوس أي انزعاج من طريقته، فهو يعرف تمامًا سبب كره كايدن له، ولم يعد يكترث لذلك منذ زمن. اكتفى بالقول ببرود
"إيلاناي، هل رأيتها اليوم؟"
رفع كايدن نظره مجددًا نحوه، وهذه المرة لمح على وجه أورفيوس كدماتٍ خفيفة وخدوشًا عند مفترق خده وفكه، لكنّه لم يُعلّق عليها، وسأله بشكٍّ واضح
"ولماذا تسأل عنها؟"
أجابه أورفيوس دون أن يتغير صوته
"هناك أمر بيني وبينها"
قطّب كايدن حاجبيه، وقال بحدة
"وما هي هذه الأمور التي بينكما؟"
لكن أورفيوس تجاهل السؤال تمامًا. ظلّ صامتًا لبرهة، ثم قال ببرودٍ قبل أن يستدير مغادرًا
"يبدو أنها غائبة اليوم"
استشاط كايدن غضبًا من تجاهله، ونهض من مكانه قائلًا بصوتٍ مرتفعٍ كفاية ليسمعه
"قلت أجبني يا أورفيوس، لا تتجاهلني!"
توقف أورفيوس لوهلة عند باب الساحة، ثم قال دون أن يلتفت
"من الأفضل ألا تعرف، كايدن"
ومضى بخطواتٍ ثابتةٍ نحو مبنى المدرسة، تاركًا كايدن خلفه يحدّق فيه بامتعاضٍ وقلقٍ في آنٍ واحد
شيءٌ ما في نبرة أورفيوس الباردة أيقظ في داخله شعورًا غامضًا، شعورًا بأنّ الأمر يتعلّق حقًا بإيلاناي.....
تجمّد كايدن في مكانه لثوانٍ، يحدّق في ظهر أورفيوس الذي ابتلعته أروقة المدرسة شيئًا فشيئًا.
لم يكن يعرف ما الذي أزعجه أكثر… تجاهله أم نبرته الباردة التي تحمل شيئًا خفيًا لم يتمكّن من تفسيره
رمى كتابه جانبًا، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم مرّر يده بين شعره الفوضوي وقال بصوتٍ منخفض
"ما الذي يجري بحق الجحيم؟"
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كان الجو داخل المكتبة أكثر هدوءًا من المعتاد، والضوء المتسلل من النوافذ العالية ينكسر على رفوف الكتب كأنها خطوط من غبارٍ ذهبيٍّ ساكن
دخل كايدن بخطواتٍ بطيئة،
يبحث عن ركنٍ منعزل ليصفّي ذهنه بعد صباحٍ فوضويٍّ ومزعج
سحب أحد الكراسي وجلس، أسند ذقنه على كفّه وراح يحدّق في لا شيء، يتأمل رفوف الكتب التي يعرفها عن ظهر قلب، لكن عينيه لم تكونا تريانها حقًا
كان ذهنه لا يزال عند إيلاناي، يحاول تفسير كلّ ما جرى، وكلّ نظرة غامضة رآها في عيني أورفيوس قبل قليل
تنفّس بعمق، وقبل أن يغرق أكثر في أفكاره، التقط سمعه صوتًا مألوفًا خلف أحد الرفوف
كانت جازمين
صوتها ناعم لكن فيه ارتباك، كأنها تحاول إقناع أحدهم بشيءٍ ما
"أنا فقط أحتاج مساعدتك هذه المرة، لن يأخذ الأمر وقتًا… أعدك"
ارتفع صوت شابٍ يردّ عليها بنبرةٍ هادئة وباردة بعض الشيء
"حسنًا، سأفعل… لكن بشرط"
انقبض صدر كايدن فورًا عندما تعرّف على الصوت سايمون
تقدّم ببطء، يخطو بين الرفوف بخفةٍ محاولًا ألا يُصدر صوتًا، حتى وقف عند زاويةٍ ضيقة تتيح له رؤيتهما
كانت جازمين تقف أمام سايمون، تمسك كتابًا بين يديها بقوةٍ واضحة، عيناها تهربان منه بين لحظةٍ وأخرى، بينما هو يبتسم ابتسامة صغيرة بالكاد تُرى، ويقول بصوتٍ خافت
"لكن بشرطي، اتفقنا؟"
لم يسمع كايدن ردّها جيدًا، لكن طريقة انحناء رأسها الخفيفة كانت كافية لتدلّ على موافقتها.
ثم فجأة التفت سايمون نحو الممر الذي يقف فيه كايدن، وكأن إحساسه نبهه بوجود أحد، فابتسم بخفة وقال لها
"نكمل لاحقًا"
مرّ بجانب كايدن دون أن يتبادل معه كلمة، سوى نظرةٍ سريعةٍ جامدة جعلت قلب كايدن يخفق بارتباك،
لكن الأغرب من ذلك، أنه لاحظ بعض الكدمات على وجهه، بدت وكأنها حديثة
وبعد لحظةٍ خرج سايمون من المكتبة
اقترب كايدن من جازمين وسألها بصوتٍ حذر
"كنتِ مع سايمون؟"
توتّرت قليلاً، ثم رفعت رأسها لتجيبه بابتسامةٍ سريعة تحاول أن تبدو طبيعية
"آه، نعم… كنتُ فقط أطلب منه شيئًا يخصّ نادي القراءة"
لم يقتنع تمامًا، لكنه لم يعلّق
سألها بعدها مباشرة
"جازمين… هل تعلمين شيئًا عن إيلاناي؟ لم تحضر اليوم"
توقّفت لحظة وكأن السؤال فاجأها، ثم أجابت بسرعة
"نعم، هي فقط… مُتعبة قليلًا، لا تقلق، ستكون بخير"
لم تترك له مجالًا للرد، أغلقت الكتاب الذي كانت تحمله، وضمت حقيبتها إلى كتفها وقالت بنبرةٍ متوترة
"أراك لاحقًا يا كايدن"
وغادرت المكتبة بخطواتٍ سريعةٍ دون أن تلتفت
ظلّ واقفًا هناك للحظات، يحدّق في المكان الذي اختفت منه، يحاول استيعاب ما رآه بين جازمين وسايمون
كان المشهد غريبًا عليه، فجازمين نادرًا ما تطلب شيئًا من أحد، وسايمون بدوره ليس ممن يوافق بسهولة، خصوصًا حين قالها بلهجته البارده "لكن بشرط"
شيءٌ ما يحدث خلف الكواليس، وهو يشعر أنه آخر من يعلم
خرج من المكتبة وهو لا يزال غارقًا في دوامة التساؤلات التي أثارها ذلك اللقاء الغريب
الهواء خارج المبنى كان عليلًا، لكنه لم ينجح في تبديد شعوره الثقيل بالريبة
رفع نظره نحو الساحة الأمامية، فرأى كينث واقفًا بجانب السور الحجري القصير مع كين، يتحدثان بمرحٍ واضح، والابتسامة لا تفارق وجهيهما
تبادل الأخوان الضحك، ثم أخرج كين هاتفه ليُري كينث شيئًا على الشاشة، فمال الأخير ناحيته متحمسًا، وضربه على كتفه بخفة
مرّ كايدن بجانبهما دون أن يقاطعهما، رفع يده بتحيةٍ قصيرة فردّاها بابتسامةٍ سريعة، ثم واصل طريقه
كان يعرف أن كينث كثير الاختلاط، بينما كين أكثر تحفظًا، ومع ذلك فهما ثنائي لا يفترقان أبدًا
واصل السير حتى وصل إلى الملعب الرياضي خلف مبنى المدرسة، حيث كانت أصوات الكرات ترتد في أرجاء المكان
دخل إلى غرفة تبديل الملابس، ثم بدأ بتبديل ملابسه إلى الزيّ الرياضي، الذي كان عبارة عن قميصٍ أحمر وبنطالٍ أبيض قصيرٍ يصل إلى ما تحت ركبته. وما إن انتهى وأغلق خزانته، حتى شعر بيدٍ توضع على كتفه
التفت ليرى من صاحبها، فوجد أحد التوأمين أمامه، لكنه لم يميّز إن كان كين أم كينث، فخجل أن يسأله
لكن الآخر بادر بالحديث بتصرفٍ لبق، كأنه اعتاد على هذا الالتباس، وقال مبتسمًا
"أحمم، أنا كينث… وأردت أن أسألك سؤالًا صغيرًا"
استجاب له كايدن بهدوء
"تفضل، اسأل"
قال كينث بنبرة متأنية وكأن في ذهنه ما يشغله
"هل تعرف شيئًا عن الكاميليات؟… وتحديدًا عن ريڤين"
تفاجأ كايدن في البداية، لم يفهم تمامًا ما الذي يقصده بكلمة الكاميليات، لكن حين أنهى كينث سؤاله، أدرك أنه يقصد فتيات دار كاميليا
ردّ بارتباكٍ بسيط
"ماذا تقصد؟ إن كنت تسأل إن كنت أعرفها، فلا أدري… لم أفهم"
أجابه كينث موضحًا، وعيناه تتنقلان بين الأرض ووجه كايدن
"أنا وأخي تركنا إسبانيا عندما كنا في الإعدادية، وعدنا مؤخرًا. بعض الكاميليات كنّ معنا في الصف، مثل ريڤين وجازمين… لكننا لم نرَ أيًّا منهن منذ عودتنا، فساورني الفضول لمعرفة ما حدث لهن"
أجابه كايدن بنبرةٍ عادية
"جازمين الآن في الصفوف العليا، أما ريڤين فهي في نفس مرحلتي الدراسية"
لم يعرف السبب، لكن شيئًا في داخله انقبض، وكأن أسئلة كينث تحمل ما هو أكثر من مجرد فضولٍ عابر شعر بعدم ارتياح، فاختار أن يقطع الحديث قبل أن يطول
قال متظاهرًا بالعجلة
"اعذرني، لا أريد أن أتأخر عن التدريب"
ثم غادر بخطواتٍ سريعة، تاركًا كينث يراقبه وهو يفكر بصمت
كان في نظراته ما يوحي بأن وراء سؤاله ما هو أعمق من مجرد ذكرياتٍ قديمة
خرج كايدن من غرفة تبديل الملابس متجهًا نحو الملعب، والضوء الذهبي المنعكس من نوافذ المدرسة كان يضرب الأرض الخضراء بنعومة. الهواء كان عليلًا، محمّلًا برائحة العشب المبتل، وصوت الكرة يرتطم بالأرض من بعيد
حين وصل إلى الملعب، وجد معظم اللاعبين مجتمعين في المنتصف، يضحكون ويتبادلون الأحاديث بينما المدرب لم يحضر بعد. جلس كايدن على أحد المقاعد الجانبية يربط حذاءه الرياضي بصمت، محاولًا صرف ذهنه عن الحوار الذي دار قبل قليل مع كينث
لكن كلمات الأخير ظلت تدور في رأسه
"ريڤين... الكاميليات..."
رفع رأسه نحو المجموعة القريبة، وكان من بينهم لوكاس، وجوليان، وعدة طلاب آخرين من فريق المدرسة. سمع أحدهم يقول وهو يضحك
"واضح إن اليوم فيه غياب جماعي للبنات، بنات دار كاميليا وخصوصاً تلك البالوعة!"
ضحك آخر وردّ ممازحًا
"أكيد لديهم عطلة خاصة، ولكن من تقصد بالبالوعة!"
رد الثالث بسخرية "ومن يقصد غير ريڤين"
تعالت الضحكات، لكن كايدن لم يشاركهم. اكتفى بنظرةٍ جانبيةٍ قصيرةٍ نحوهم ثم عاد يحدق في العشب
لم تكن الفكرة بحد ذاتها تثير فضوله
أخذ نفسًا عميقًا، ثم نهض وسار نحو الملعب، بينما المدرب بدأ ينادي بأسماء اللاعبين للتدريب.
ورغم صوته الحازم وتعليماته السريعة، لم يكن ذهن كايدن حاضرًا تمامًا
بدأت صفارة المدرب تُعلن عن بدء التمارين، ووقف كايدن في موقعه المعتاد، في الجهة اليسرى من الملعب. كانت الشمس تميل نحو الغروب، وأشعتها البرتقالية تنعكس على وجوه اللاعبين، تجعل العرق يلمع فوق جباههم.
تقدّم كايدن بخطوات ثابتة، محاولًا التركيز على الكرة التي تتدحرج أمامه، لكن ذهنه كان في مكانٍ آخر. كل تمريرة، كل نداء من المدرب، كان يمر كصدى بعيد في أذنه
صرخ المدرب من بعيد
"كايدن! انتبه على التمريرة!"
أفلتت الكرة من أمامه دون قصد، فركض خلفها بسرعة، التقطها، ثم سدّدها بقوةٍ نحو المرمى كأنه يفرّغ غضبه في تلك الركلة. اصطدمت الكرة بالعارضة وارتدت عالياً، ليعلو صوت التصفيق من زملائه
ارتفعت صفارة المدرب معلنةً نهاية التمرين، وبدأ اللاعبون يتجهون نحو غرفة تبديل الملابس، يتبادلون النكات والضحكات، بينما جلس كايدن على حافة الملعب يمسح العرق عن جبينه. كان ذهنه مشتّتًا رغم المجهود الذي بذله، وكأن أفكاره تركض أسرع من جسده
اقترب منه كين وهو يحمل زجاجة ماء، قدّمها له مبتسمًا وقال
"تبدُو مرهقًا اليوم، هل كل شيء بخير؟"
تناول كايدن الزجاجة وشرب منها جرعة طويلة قبل أن يجيب
"لا أعلم، أشعر أنّ رأسي مثقل بالأفكار. ربما بسبب قلة النوم"
ضحك كين بخفة وقال
"أو ربما لأنك تفكر كثيرًا. سمعت أن من يُفكّر كثيرًا يخسر تركيزه حتى في اللعب"
رمقه كايدن بنظرة جانبية وقال بابتسامة باهتة
"أفكر كثيرًا لأني أكره أن أخسر"
جلس كين بجانبه، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه
"الخسارة ليست دائمًا سيئة يا كايدن. أحيانًا تُريك ما كنت تجهله عن نفسك"
ظلّ كايدن صامتًا للحظات، ثم قال بنبرة جادة
"كلامك صحيح، لكنني لم أتعلم بعد كيف أقبل الخسارة. كل مرة أخسر فيها، أشعر وكأن شيئًا داخلي يُكسر"
تنهّد كين وقال بصوتٍ هادئ
"ربما لأنك تُقاتل لتُثبت شيئًا لشخصٍ ما، لا لنفسك"
التفت إليه كايدن بدهشة، وكأنه لم يتوقع تلك الدقّة في ملاحظته
أراد الرد، لكن المدرب ناداهما من بعيد طالبًا حضورهما لاجتماع الفريق. نهض كين وربت على كتفه قائلاً بابتسامة جانبية
"فكّر في كلامي لاحقًا، الطبيب لا بد أن يعرف علة نفسه قبل أن يُشخّص الآخرين"
ابتسم كايدن بفتور وهو يردّ عليه
"وأنت تتحدث كأنك فيلسوف لا لاعب كرة"
ضحك كين بخفة وغادر، تاركًا كايدن ينظر إلى الأفق شارد الذهن، وقد علقت كلماته في رأسه أكثر مما توقع
بعد انتهاء التدريب واجتماع الفريق، بقي كايدن للحظات في الملعب الفارغ، يراقب آثار الأقدام التي تركها اللاعبون على العشب، وكأنها بقايا معركة قصيرة لم يُكتب فيها نصرٌ لأحد.
عاد إلى غرفة تبديل الملابس، أخذ حمّامًا سريعًا، ثم ارتدى ملابسه المدرسية على عجل. لم يكن في مزاج يسمح له بالحديث مع أحد، فاكتفى بوداعٍ مقتضبٍ لرفاقه وغادر
خرج من البوابة الكبيرة متجهًا نحو ساحة الحافلات، والهواء البارد يلامس شعره المبتلّ. كانت الشمس تميل إلى المغيب، والسماء تتلوّن بدرجات من البرتقالي والرمادي.
وبينما يسير بخطواتٍ هادئة، لمح من بعيد جازمين وهي تركض بخفة، شعرها يتطاير خلفها، وملامحها متوترة كمن يحاول الهرب من شيء
ظلّ ينظر إليها دون أن يشعر بما حوله، عيناه تتبعانها وهي تصعد بسرعة إلى الحافلة، يحدّث نفسه بصمتٍ
ما الذي يجعلها على هذا القدر من الاستعجال؟
وفي تلك اللحظة، وبينما لا يزال عقله معلّقًا بها، اصطدم بجسدٍ أحدهم بقوة جعلته يتراجع خطوة إلى الخلف واعتدل ببطء وهو يقول بارتباك
"آه، المعذرة… لم أنتبه"
رفع بصره، فرأى شابًا أطول منه قليلًا، ذا ملامح هادئة وصوتٍ منخفضٍ كأنّه لا يحب لفت الأنظار.
تبادل معه نظرة قصيرة قبل أن يقول الشاب بهدوءٍ لا يخلو من برود
"لا بأس، لم أُصب"
أومأ كايدن دون أن يعرف ما يردّ به، فبادره بالسؤال بنبرة خافتة
"أنتَ جديد هنا؟ لا أظنني رأيتك من قبل"
أجاب الآخر بهدوءٍ متزن
"نعم، انتقلت هذا الأسبوع فقط"
ثم أضاف بعد لحظة صمت قصيرة، وهو يشيح بنظره نحو الساحة
"يبدو أنك كنت تفكّر في أمرٍ ما"
لم يجد كايدن ما يقوله، فاكتفى بابتسامةٍ خفيفة وعبارة مقتضبة
"ربما"
مرّ صمت قصير بينهما، تلاه صوت صفير الحافلات معلنًا موعد الانطلاق.
ألقى الشاب نظرة سريعة نحوه، وقال ببساطة
"أنا كارلوس"
"كايدن"
هزّ كارلوس رأسه تحيةً قصيرة ثم تابع سيره بخطواتٍ ثابتة دون أن يلتفت.
راقبه كايدن للحظة، وهو يشعر بشيءٍ غامضٍ في هدوئه، شيء لم يستطع تحديده
ثم التفت نحو الباصات، زفر بهدوء، وضع يديه في جيبيه، وسار بخطواتٍ متثاقلة نحو البوابة، متمنيًا أن ينتهي هذا اليوم أخيرًا
اختار أن يعود سيرًا على قدميه بدلًا من ركوب الباص، كان بحاجةٍ إلى أن يصفّي ذهنه قليلًا
الهواء البارد يلامس وجهه بخفّة، والسماء تميل إلى الرمادي مع غروبٍ وشيك
كانت خطواته تتردد على الأرصفة الرطبة، والمباني القديمة تكتسي بلون الشمس الأخيرة، بينما أصوات السيارات تختلط بضحكات المارة ونداءات الباعة في الزوايا
رفع رأسه قليلًا نحو السماء، يراقب أسراب الطيور وهي تعود إلى أعشاشها، وابتسم بخفة دون سببٍ واضح، كأنه وجد في المشهد طمأنينة مؤقتة
بعد مسافةٍ ليست قصيرة، وصل إلى الحي الذي يسكن فيه
البيوت متقاربة، والجيران يتبادلون التحايا أمام الأبواب
وحين فتح الباب، لمح جدّه في الفناء يحمل أكياسًا كبيرة من السوق ويحاول إدخالها إلى الداخل
تقدّم كايدن نحوه سريعًا وقال وهو يمدّ يده
"اتركها يا جدي، سأهتم بالباقي"
ضحك الجد بخفة وهو يقول
"أخيرًا قررت أن تساعد العجوز المسكين"
فابتسم كايدن قائلًا
"لما تقول هذا عن نفسك مازلت بعمر الشباب"
جلسا معًا بعد أن أنهيا ترتيب الأغراض
وضع الجد إبريق الشاي على الطاولة الصغيرة في الفناء، وبدآ يتحدثان عن أمورٍ بسيطة؛ عن السوق، عن الجيران، وعن فريق كرة القدم الذي خسر المباراة الأخيرة
كان صوت الجد يحمل دفئًا يجعل المكان أكثر حياة، فيما اكتفى كايدن بالإنصات، يراقب ملامح وجهه التي تحمل سكون السنين وهدوءها
بعد فترة، أخرج هاتفه من جيبه، بعد أن شعر به حين اهتزّ معلنًا وصول اتصال تسارعت دقات قلبه ظنًّا منه أن المتصل هي إيلاناي، غير أنّ الشعور لم يدم طويلًا بعدما رأى الاسم على الشاشة مارسيلو
انبعث صوته عبر السماعة قائلًا
"أين أنت؟ فلنخرج قليلًا، أحتاج إلى تغيير الجو. هناك مكان جديد فُتح بالقرب من النهر، الجميع يتحدث عنه، هل نذهب؟"
أجابه كايدن بخفّة
"لا مانع لدي، عشرون دقيقة وسأكون هناك "
أغلق الخط ونهض من مكانه، ثم ألقى نظرةً على جده الذي كان منشغلًا بقراءة الصحف
قال بهدوء
"سأخرج قليلًا يا جدي، لن أتأخر"
لوّح الجد بيده دون أن يرفع نظره، فاكتفى كايدن بابتسامة قصيرة قبل أن يغادر
كانت السماء تميل إلى العتمة، والمدينة تبدأ بالاتّساع ضوءًا بعد ضوء، كأن مدريد تنثر بريقها استعدادًا لليلةٍ جديدة
وما إن خطا إلى الخارج حتى داهمه شعور غريب بالحنين، شعورٌ ممزوج بالاشتياق والضياع
توقّف عند الدرج، لم يستطع الرحيل دون أن يراها
غير أنّ خطواته قادته لا إلى الداخل، بل نحو المرأب
فتح الباب الحديدي الذي أطلق صريرًا خافتًا، فتحت أنفاسه على رائحة الغبار والحديد
كانت دراجته تقبع هناك في الزاوية المظلمة، مغطّاة بطبقةٍ من الغبار، وكأنها تعاتبه بصمتها الطويل
كم شعر بالأسى كلّما رآها على هذا الحال؛ قطعةٌ من روحه تُركت في السكون
لكن الأيام الماضية لم تكن رحيمة مرضُ الجد، والعمل في المحل، والدراسه كلّها سرقته منها
اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، ومدّ يده يمسح الغبار عن مقودها، فبدا بريقٌ خافت تحت ضوء المصباح المتدلّي
ابتسم ابتسامةً صغيرة وهمس وكأنّه يقطع وعدًا
"سأعود إليك يومًا"
ثم حمل خوذته القديمة من الرف، مسحها هي الأخرى، ووقف لحظة يتأمل الدراجة بصمتٍ طويل، قبل أن يدفعها إلى الخارج ويستشعر برودة المساء وهي تلامس وجهه
تنفّس بعمق، أدار المحرّك الذي أصدر أنينًا خفيفًا قبل أن يستجيب
كان صوته مألوفًا… كأن الدراجة هي الوحيدة التي تتذكره تمامًا كما كان
ثم أدار المقود واتجه نحو الطريق المؤدي إلى النهر
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
قاد كايدن دراجته عبر شوارع مدريد المتلألئة بأنوار المساء، والهواء البارد يتسلّل إلى صدره كأنه يغسل ما تبقّى من تعب اليوم. كان الطريق إلى النهر يمرّ بين المقاهي الصغيرة والمحال التي بدأت تُغلق أبوابها ببطء، وأصوات الموسيقى الإسبانية تنبعث من بعض النوافذ المفتوحة، تحمل شيئًا من الدفء في هذا الليل الهادئ
حين وصل إلى المكان الذي ذكره مارسيلو، أوقف الدراجة على جانب الطريق وأطفأ المحرّك
كان المقهى مطلًّا على النهر، تتلألأ الأضواء على سطح الماء كأنها قطع زجاجٍ مكسورة،
والهواء يحمل رائحة القهوة ممزوجة برطوبة المساء
دخل فوجد مارسيلو جالسًا في ركنٍ هادئ قرب الزجاج، يحرّك كوبه بمللٍ خفيف
رفع رأسه فور أن رآه وقال مبتسمًا
"ظننتك لن تأتي"
جلس كايدن قبالته، وأسند ذراعيه على الطاولة
"قلت لك عشرون دقيقة"
ضحك مارسيلو
"وأنت التزمت بالدقيقة الحادية والعشرين بالضبط"
مرّ لحظات صمت بينهما قبل أن يمدّ مارسيلو يده إلى جيبه ويُخرج بطاقة صغيرة، كانت داكنة اللون يتوسّطها شعار فضيّ على شكل ثعلب، وضعها على الطاولة أمام كايدن وقال بصوت منخفض "أتعرف ما هذه؟"
رفع كايدن نظره إلى البطاقة ، مرّر أصابعه على نقش الثعلب الفضي، وكأنه يتحسس معنى غامضًا سأل بهدوءٍ امتزج فيه الحذر والدهشة"من أين… من أين حصلت عليها؟"
راده مارسيلو "كنت أتابع أحد الأشخاص قبل أيام، يقال إنه من منظّمي سباقاتٍ ليلية في أطراف مدريد. اختفى بعد أن سلّم هذه البطاقة لأحدهم، ولم أره بعدها أبداً"
ظلّ الصمت بينهما للحظة، لا يُسمع سوى صوت الملاعق المتلاصقة بالأكواب في المقهى وصوت النهر بالخارج
قال كايدن وهو ينظر للبطاقة
"الثعلب الإسباني... سمعتُ بهذا الاسم من قبل، يقال إنه مكان لا يدخله إلا من يحمل هذه البطاقة"
انحنى مارسيلو قليلاً للأمام، وقال بصوتٍ أخفض
"صحيح، ليس مكانًا عاديًا يا كايدن. فيه سباقات غير شرعية، مراهنات، وأشخاص لا يأتون إلا بحثًا عن شيءٍ يغيّرهم... للأبد"
أخذ كايدن نفسًا عميقًا وأعاد البطاقة للطاولة
"ولماذا تُريني إياها؟"
أجابه مارسيلو بابتسامةٍ خفيفة وعيونٍ تلمع تحت ضوء المقهى
"لأني أعرفك. تملك فضولًا لا يُشبَع، وتبحث دائمًا عن ما يكسر رتابة الأيام. فما رأيك… أن نذهب ونستكشف المكان بأنفسنا؟"
تجمدت ملامح كايدن، حاول أن يقرأ نبرة صديقه، هل يمزح أم يعني ما يقول؟
لكن مارسيلو لم يكن يمازح، كان جادًا تمامًا
"أنت تمزح، أليس كذلك؟" قالها كايدن محاولًا إخفاء توتره
ضحك مارسيلو بهدوء وهو يأخذ البطاقة بيده
"لن أُجبرك، ولكن فكّر بالأمر... الحياة لا تُروى من الكتب وحدها. بعض القصص تحتاج أن تُعاش"
بقيت الجملة عالقة في ذهن كايدن، بينما كان ينظر إلى البطاقة اللامعة،
وفي داخله شعور متناقض بين الحذير والإغراء…
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
على الساعة الثانية عشرة وخمسٍ وخمسين دقيقة، كان كايدن في غرفته مستلقيًا على سريره، لكن عقله لم يتوقف لحظةً عن التفكير بتلك البطاقة
في كل مرة يحاول إقناع نفسه أن الأمر لا يستحق، كان صوت مارسيلو يتردد في رأسه
"بعض القصص تحتاج أن تُعاش."
وفجأة، تلقّى رسالة قصيرة منه
"الواحدة بعد منتصف الليل، كن مستعدًا"
لم يردّ عليه، فقط نظر إلى الشاشة للحظات قبل أن يضع هاتفه جانبًا
الفضول كان أقوى من الحذر
ارتدى سترة سوداء خفيفة وخرج من المنزل بهدوء
كانت الشوارع في تلك الساعة شبه خالية، وأضواء المصابيح تنعكس على الأرصفة المبللة من مطرٍ خفيفٍ تساقط قبل قليل
الهواء باردٌ، يحمل رائحة البنزين والرطوبة، وكأن المدينة تهمس بأسرارٍ لا تُقال إلا لِمن يسهر
وصل إلى المكان المتفق عليه، عند زاوية شارع ضيقٍ تقف فيه سيارة مارسيلو السوداء.
فتح الباب، وجلس بصمت، وما إن تحركت السيارة حتى قال دون أن ينظر إليه
"هل أنت متأكد مما نفعله؟"
أجابه مارسيلو بثقةٍ وهو يشعل سيجارته
"لن يحدث شيء، سنكتشف المكان فقط. إن لم يعجبك نغادر فورًا"
لم يردّ كايدن، واكتفى بالتحديق في الطريق المظلم الذي يزداد وعورة كلّما تقدّما
وبعد مسافة طويلة، بدأت أضواءٌ خافتةٌ تلوح بين الأشجار، وصوت موسيقى ينبعث من بعيد، يمتزج به هدير محركاتٍ وصفير عجلاتٍ تلتهم الإسفلت
قال مارسيلو بابتسامةٍ جانبيةٍ وهو ينزل السرعة
"مرحبًا بك في الثعلب الإسباني"
ركن السيارة على جانب التلّ، ونزل الاثنان.
تسلّلت إلى أنفي كايدن رائحة البنزين المحترق، والدخان الذي يغطي الأجواء بضبابٍ كثيف
الأرض تهتزّ من قوة الأصوات، والمكان بأكمله يشبه عالَمًا خفيًّا يعيش في قلب مدريد دون أن يشعر به أحد
صفوف من السيارات الرياضية مصطفّة على جانبي الطريق الترابي، بعضها مطليّ بألوانٍ فاقعةٍ تلمع تحت الأضواء المتقطعة، وأشخاصٌ يرتدون أقنعة وأوشحة سوداء يتحركون في فوضى منظّمة
تتداخل ضحكاتهم مع أصوات المحركات والموسيقى الصاخبة التي تملأ المكان بإيقاعٍ يشبه نبضًا جماعيًّا واحدًا
في بعض الزوايا، تُبادل أوراق نقدية بسرعةٍ بين الأيدي، بينما آخرون يفحصون الدراجات أو يلمّعون خوذهم استعدادًا للجولة التالية
كل شيء في ذلك المكان بدا كأنه خارج الزمن، كأن مدريد نفسها نُزعت من حقيقتها ووُضعت هنا في عالمٍ لا يعترف بالقانون
أضواء المصابيح الكاشفة تتراقص فوق وجوه المتسابقين، كأنها تمتحن جرأتهم، بينما العيون الخفية تراقب كل تفصيل من خلف الأقنعة
وقف كايدن متجمّدًا للحظات، عيناه تتفحصان المكان بذهولٍ وريبة
همس بصوتٍ بالكاد يُسمع
"هذا… أكبر بكثير مما توقعت"
ردّ مارسيلو وهو ينظر إلى الحشد المزدحم بنشوةٍ واضحة
"لهذا السبب جئت بك. أردت أن ترى العالم كما هو، لا كما تصوره الكتب أو القوانين"
الهواء كان مشبعًا بالدخان، والأنوار تومض كأنها نذرُ خطرٍ قريب، والناس يصرخون من شدّة الحماس
شعر كايدن بأن الأرض تحت قدميه تنبض بالحركة نفسها، نبضٌ صاخب يشدّه رغم خوفه
قال مارسيلو وهو يشير إلى مضمارٍ نصف دائريّ مبلل بالزيت، تحيط به أضواء حمراء تتوهج مثل شياطين صغيرة
"ما رأيك؟ سباق بسيط، دراجات لا سيارات، الفائز يحصل على مئتين. مجرد تجربة صغيرة"
رفع كايدن حاجبه بعدم اقتناع
"أتريدني أن أشارك في سباق غير قانوني؟ أنت تدرك أن الشرطة إن داهمت المكان..."
قاطعه مارسيلو بابتسامةٍ متعاليةٍ ونظرةٍ متحدّية
"إن داهمت المكان، فسنكون قد فزنا وانتهينا قبل أن يصلوا"
ثم أضاف بنبرةٍ مستفزة
"أو ربما خفتَ أن تخسر"
حدّق كايدن به لثوانٍ، ثم تنفّس بعمقٍ وقال ببرودٍ جافّ
"أنت تعلم أني لا أتهرب من التحديات"
اقترب منه أحد المنظّمين وقدّم له خوذةً سوداء لامعة ودراجة نارية بلونٍ داكنٍ يلتهم الضوء من حوله
أدار كايدن المحرك، فاهتزّ المكان بصوتٍ عميقٍ كزئيرٍ مفترس، فتسلّل الأدرينالين إلى عروقه حتى شعر أن قلبه ينبض مع نبض الدراجة
اصطفّ المتسابقون عند خط البداية، وارتفع صوت العدّ التنازلي
في اللحظة التي انخفضت فيها الراية، انطلقت الدراجات دفعةً واحدة، وصوت المحركات يخترق ليل المدينة كعاصفةٍ من نارٍ وحديد
كانت السرعة تزداد، والهواء يصفع وجهه بعنف، كل نبضة في صدره تشتعل كشرارة.
لكن وسط الحماس، لمح شيئًا في الجانب البعيد من المضمار…
ظلال تتحرك بسرعة، وصوت صراخٍ خافتٍ امتزج بالموسيقى والضجيج
حاول التركيز أكثر، ثم تجمّدت يداه على المقود
إنهن… الفتيات
واقفات في مواجهة مجموعةٍ من الرجال،
وأكثر ما صدمه… كانت إيلاناي في المقدمة، تدافع بعنف وهي تمسك عصًا معدنية بيدها
اختلّ توازنه للحظة، لم يعد يسمع سوى دقات قلبه
ضغط على المكابح بقوة، لكن العجلات انزلقت،
وانقلبت الدراجة به على الأرض بقوةٍ جعلت الرؤية تتلاشى من أمام عينيه
آخر ما رآه قبل أن يغيب عن الوعي،
هو وجه إيلاناي وسط العتمة، ينعكس عليه الضوء الأحمر القادم من لوحات السيارات،
وصوت مارسيلو يصرخ باسمه من بعيد…
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
بوووووووووووووممممممممممم
أعرف أعرف الفصل عليه أكثر من أسئلة
وصادم بنفس الوقت خصوصاً النهاية
بس حبيت اعرفكم على ولدي كايدن مع أني احس ما عرفتكم عليه اكثر
الفصل ناقصه الكامليات):
المهم أيش رأيكم بالفصل
كايدن
أورفيوس
سايمون
كينث
كين
مارسيلو
احمم هذي المرة قررت احط شروط إذا ما وصل الفصل 15 تعليق مو من نفس الحساب وعشر نجوم ما راح انزل الفصل القادم وأتمنى من القراء الشباح أن يتفاعلو
صلو على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين اجمعين
الحمدلله
استغفرالله العظيم واتوب إليه
لا إله إلا الله وحده لا شريك له
سبحان الله العظيم
سبحان الله وبحمده
الله اكبر
رَضيـتُ بِاللهِ رَبَّـاً وَبِالإسْلامِ ديـناً وَبِمُحَـمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نَبِيّـاً.
سُبْحـانَ اللهِ وَبِحَمْـدِهِ عَدَدَ خَلْـقِه ، وَرِضـا نَفْسِه
زِنَـةَ عَـرْشِـه، وَمِـدادَ كَلِمـاتِـه.
حَسْبِـيَ اللّهُ لا إلهَ إلّا هُوَ عَلَـيهِ تَوَكَّـلتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظـيم.
بِسـمِ اللهِ الذي لا يَضُـرُّ مَعَ اسمِـهِ شَيءٌ في الأرْضِ وَلا في السّمـاءِ وَهـوَ السّمـيعُ العَلـيم.
حسابي في الانستا
falak222_
استودعتكم الله
مع السلامه
☆👈🌟
فلك