دفء وسط فوضى

دفء وسط فوضى

10 0

صلو على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبهه اجمعين

قبل ما تقرأو الفصل قومو صلوه لانو ما يحتاج اقول لكم انو صلاتكم اهم من اي شي

واذا انتم مصلين تفضلو

『الأمـَـلُ هـوَ نــورٌ مُـنـبَـعِـثٌ مِـنْ أظْـلَـمَ، لا يُـرَى فِـيـهِ سِـوَى الـيـقِـيـن بـأنَّ الـفَـجْـر قَـادمْ』

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

هدوءٌ وسكونٌ يعمّ أرجاء دار كاميليا

لا حركة، لا ضجيج... كأنّ الزمن ذاته قرر أن ينام

الجميع في سبات، أو بالأحرى... الفتيات فقط

ففي هذا الصباح، ومع أنّه يوم عطلة، لم تستيقظ إحداهنّ ربما لأنّ الليلة الماضية سُرقت من النوم

دخلت السيدة داليا إلى الغرفة، تتبعها الآنسة جيزيل، التي كانت تحاول إيقاظ الفتيات بهدوء

قالت داليا بنبرة هادئة، وإن كان في عينيها شيء من الضيق"لم يستيقظن بعد"

ردّت جيزيل وهي تضع يديها على خاصرتيها"لا أعلم ما بهنّ... عادةً ينهضن قبل الجميع، حتى في أيام العطل. أما الآن... فكأنّ الموت قد زار الغرفة وتركهنّ خلفه"

ثم أضافت وهي تتأمل وجوههن النائمة"ولا واحدة منهن تحرّكت... غريب"

اقتربت داليا من الباب، ثم ضربته بكفّها ضربة قوية وصرخت"هيا! استيقظن، لا نملك اليوم بطوله، الأعمال بانتظاركنّ!"

رفعت ريڤين رأسها، نظرت إليهن بنصف عين مفتوحه ، وقالت بجفاف"اخرجن... وأغلقن الباب وراءكنّ"ثم أسندت رأسها إلى الوسادة من جديد، وكأنّ العالم كله لا يعنيها

زفرت داليا بصبرٍ نافد، ثم قالت بصوت عالٍ"أمامكنّ نصف ساعة فقط. إن عدتُ ووجدتكنّ نائمات... فانسين أمر الفطور والغداء"

ثم غادرت مع جيزيل، وأغلقت الباب خلفها

عمّ الصمت لثوانٍ... ثم انطلقت ريڤين وهي تركل الغطاء برجليها"ما هذا؟! هل نحن حيوانات حتى نُحرم من الطعام إن لم ننجز أعمالًا لم نطلبها أصلاً؟"

قالت أرورا وهي تفرك عينيها"لا أعرف ما الجريمة التي ارتكبناها لنُعاقب بهذه الطريقة..."

تمتمت ماريا من تحت الغطاء، بنبرة متذمرة متكسّلة"ليخبرها أحد أن اليوم عطلة... عن أيّ أعمال تتحدث عنها؟!"

قالت إيلاناي وهي تضغط بإصبعين على مقدّمة رأسها"آه... رأسي يكاد ينفجر. حتى في أيام العطل لا تتركنا نرتاح!"

ثم نطقت جازمين أخيرًا، بصوت ناصف للواقع"متى سترحل تلك المرأة وتريحنا من وجودها؟"

وما إن انتهت جملتها، حتى انفتح الباب من جديد، وظهرت الآنسة جيزيل وكأنها كانت تنتظر الجملة الأخيرة

قالت ببرود، ونبرة مشحونة بالتهذيب الظاهري"انتهيتن؟ هل أفرغتن كلّ ما في جوفكن؟ عبّرتن عن كلّ ما يختلج في دواخلكن؟"

ثم أضافت بصرامة، وهي تشير بيدها نحو الدولاب"هيا، بسرعة. تجهزن، يومكنّ طويل، والعمل لا ينتظر"

همهماتٌ، وتذمّرٌ، وتثاقل في الخطى... خرجت الفتيات من أغطيتهم الواحدة تلو الأخرى، يتأففن، يشتكين، ويتبادلن نظرات متضامنة لا تخلو من السخط

ماريا تجرّ قدميها وكأنها تحمل جبلًا فوق ظهرها، وأرورا تتثاءب كل ثلاث ثوانٍ، بينما كانت ريڤين آخر من نهضت، وهي تمسح على وجهها بيدٍ، وتمسك وسادتها بالأخرى، كأنها لا تزال ترفض التصديق

خرجن جميعًا من الغرفة في صمتٍ ساخر، ولم يلتفتن إلى الآنسة جيزيل التي وقفت عند الباب تراقبهن بوجهٍ جامد

وما إن ابتعدن قليلًا، حتى نظرت جيزيل إلى السيدة داليا، وقالت بصوت خفيض، يحمل من الازدراء بقدر ما فيه من القلق"ألم أقل لك إنّ الصراخ لا يُجدي نفعًا؟ أنتِ فقط تزيدين تمردهنّ"

تأملت داليا الباب المغلق لحظة، ثم ردّت بهدوء"ولم أقل إنني أُحاول كسب ودّهن، جيزيل"

رفعت جيزيل حاجبًا، وقالت بنبرة لاذعة"لكنّك لا تحاولين فهمهن أيضًا. هنّ فتيات، لا عاملات في معسكر!"

أجابت داليا وهي تمشي في الممر ببطء، تضع يديها خلف ظهرها"وأنا لا أريدهنّ كذلك. لكنّ الدار بحاجة إلى نظام. لا شيء ينمو في الفوضى، جيزيل... لا شيء "

سارت جيزيل خلفها، نبرتها أكثر خفوتًا"ليست الفوضى المشكلة... بل القلب. إذا خفتِ على قلوبهنّ كما تخافين على نظافة الأرضيات، سيفعلن ما تطلبينه دون كلمة"

توقفت داليا عند الزاوية، واستدارت نحوها فجأة، في عينيها شرارة مختلفة"وأنا... خائفة عليهن. أكثر ممّا تتخيلين"

صمتت جيزيل، كأنّ الكلمات علقت في حلقها، ثم أضافت داليا بنبرة منخفضة، وقد انكسرت حدّة صوتها"كل واحدة منهن تحمل ندبة، جيزيل. وأنا أراها كل يوم. في صمتهن، في غضبهن، في ضحكهن حتى. أنا لا أريد أن أزيد عليهن... لكن لا أريد أن يضعفن أيضًا"

همست جيزيل أخيرًا"إذن لا تُعامليهن كجنود... بل كطفلات يتيمات ما زلن يبحثن عن دفء... عن بيت"

سكنتا للحظة، ثم نظرتا إلى نهاية الممر، حيث اختفت الفتيات، وقد بدا على خطواتهن التردد

قالت داليا وهي تسير من جديد"سأحاول"

ثم أردفت، وكأنها تعلن عن قناعة جديدة تتشكل ببطء"لكن على طريقتي"

........................................................................

....

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

في فناء دار كاميليا الداخلي، حيث الشمس لم تعد ناعمة، بل بدأت ترسل أشعتها بقسوة، وقفت السيدة داليا وسط البلاط، تحمل ورقة صغيرة في يدها، تُقلبها بين أصابعها كأنها مرسومٌ إداري لا يقبل النقاش. إلى جانبها، وقفت الآنسة جيزيل متقاطعة الذراعين، وجهها خالٍ من التعابير، تراقب الموقف بعينيها النافذتين

الفتيات الستّ وقفن متقابلات، صفًّا متقاربًا، وتململ في الوقفة، وتمرد صامت في كل حركة

قالت داليا بصوتٍ واضح، دون التفاتة لأي منهنّ"بما أن عددكنّ قليل، وبما أن هذا البيت لكنّ كما هو لنا... فقد تقرّر اعتماد نظام جديد، كل واحدة منكن ستتحمّل مسؤولية محددة، بالتناوب كل أسبوعين"

رفعت الورقة، وبدأت تُعلن "جازمين، ريڤين: تنظيف الحمامات

ماريا، أرورا: ترتيب غرف النوم، الممرات، ومسح الأرضيات

إيلاناي، ليندا: مسؤولة المشتريات... كل ما ينقص من حاجات الدار، ستذهبان لإحضاره"

صمتت لحظة، ثم أضافت بنبرة حاسمة"البداية من اليوم"

ساد صمت ثقيل، حتى انفجرت ريڤين ساخرة، بنبرة حادّة "تنظيف الحمامات؟ أهذا ما نحن

عليه الآن؟ خادمات رسميّات؟"

جازمين قالت من جانبها، بصوت بارد لا يخلو من حدّة"لم نأتِ إلى هنا لنفرك البلاط ونقيس المماسح. ما هذا؟ سجن إصلاحي؟"

أرورا شهقت من شدة الغضب، ثم صاحت"وغرف النوم؟! هل هناك أحد غيرنا أصلًا ليستعملها؟ لماذا ننظفها كل أسبوع؟"

ماريا ضحكت بسخرية وهي تشير إلى الأرض"هل ستجلسين لتناول الشاي هنا يا سيدة داليا؟ أم أن الغبار آذاكِ فجأة؟"

أما ليندا، فوقفت بذراعيها المتقاطعتين، وقالت ببرود "مسؤولة مشتريات؟ نحن لا نملك حتى إذنًا بالخروج إلا إذا رحمتنا الآنسة جيزيل... من نضحك عليه؟"

إيلاناي، التي كانت في العادة الأكثر هدوءًا، قالت بلهجة لا تخلو من الغضب المكبوت"أعمال مفروضة، بلا نقاش، بلا عدالة... من الذي وافق على هذا أصلًا؟"

تقدّمت الآنسة جيزيل خطوة للأمام، وقالت بنبرة باردة تكاد تكون مستفزة"أفرغتن ما في داخلكن مجددًا؟ انتهى دور البكاء، والآن نعود إلى العقل"

ردّت ماريا بسرعة، دون تفكير "لم نبدأ حتى! هذه مهزلة، ولسنا عبيدًا في داركم"

فجأة، رفعت داليا يدهاوبصوتٍ حادٍ وقاطع"كفى"

سكتت الفتيات، لكن وجوههنّ ما زالت مشتعلة

قالت داليا بنبرة مختلفة هذه المرّة، لا قسوة فيها، بل ثقل تعبٍ طويل "أيّ شكوى، أيّ غضب... فليُوجَّه إليّ. لا علاقة لجيزيل، ولا لزيتا أنا من قررت، أنا من سأتابع، وأنا من سيتحمّل المسؤولية"

ساد الصمت.

لم تكن الجملة متوقعة

نظرت داليا إليهنّ واحدةً تلو الأخرى، ثم قالت بنبرة أخف "هذا ليس عقابًا... هذه محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. النظام ليس عدوكن... الإهمال هو العدو الحقيقي"

همست ريڤين"وسلب الحريّة؟ أليس عدوًا أيضًا؟"

نظرت إليها داليا، ثم قالت دون أن ترفع صوتها"حين تُستعمل الحرية للهروب، للكذب، للضياع... تصبح قيدًا"

وانسحبت، وورقتها بيدها، بينما ظلت جيزيل واقفة للحظة، تراقب الفتيات... ثم لحقت بها

وقفن في أماكنهنّ، لا تجرؤ إحداهنّ على كسر الصمت، ولا على التراجع خطوة

لم يكن الصمت هدوءًا... بل صخبًا مكتومًا

كلّ واحدةٍ منهنّ كانت تمضغ جملةً لم تُقل، وتخفي في نظراتها أكثر ممّا تنطق به الشفاه.

تنهدت جازمين، ثم همست وهي تحدّق في إيلاناي"أيعقل أن تكون هذه حياتنا فعلًا؟ نُحكم بالقوانين ونحن لم نختر حتى وجودنا هنا..."

تمتمت أرورا، بنبرة خافتة، كأنّها تخشى سماع صوتها"أحيانًا أشعر أننا نعيش داخل فيلم... لكن دون مخرج لا أحد سيصرخ'اقطع'، ليعود كل شيء كما كان"

قالت ماريا بسخرية وهي تلف خصلةً من شعرها بين أصابعها"بل هناك مخرج... لكنه شرير، ويستمتع بتعذيب الممثلات"

ضحكت ريڤين ضحكة قصيرة، يملؤها الألم، ثم رفعت يدها تحجب بها أشعة الشمس عن عينيها، وقالت"أنا فقط... أنتظر اللحظة التي يُرفع فيها الستار عن هذا الجنون، لحظة تتوقف فيها هذه المسرحية الرديئة"

صمتت لحظة، ثم أضافت بنبرة أكثر مرارة"لكن يبدو أنّ الدور الوحيد المتاح لنا... هو دور الضحايا"

قالت إيلاناي بهدوء، لكن بثبات لا يخلو من وجع"لن أبقى ضحية إلى الأبد. لن نبقى كذلك... علينا أن نصنع مشهدنا الأخير، نحن، لا هم"

تبادلَت الفتيات النظرات

في عيونهنّ شيء يتغيّر... لا هو قرار، ولا تمرد. بل وعدٌ صامت، يتشكّل في الأعماق

ثم سارت كل واحدة منهن في اتجاه، تحمل داخلها شيئًا جديدًا.

ربما لم يفهمنه بعد...

...............................................................................

.........

...

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

في ساعات الظهيرة المتأخرة، حين بدأت الشمس تميل ببطء نحو الغرب، تحوّلت دار كاميليا إلى خليةٍ صامتة

لا ضحك، لا صراخ، لا موسيقى خافتة تأتي من نوافذ الطابق العلوي كما اعتدن... فقط صوتُ الماء، وصرير المماسح، والأنين الخافت بين جدران لا ترحم

في الممر الطويل المؤدي إلى غرف النوم،

كانت أرورا تمشي أمام ماريا وهي تجرّ دلواً مليئًا بالماء، يتأرجح مع كل خطوة فتنسكب منه قطرات صغيرة على الأرض. تمتمت وهي تنظر خلفها

"انظري... حتى الأرض ترفض التنظيف، كلّ شيء يعود كما كان..."

ماريا أمسكت بالممسحة كأنها سيفٌ في معركة، وقالت بسخرية جافة"فلننظفها كأننا نحضّر ساحة لمعركة قادمة. على الأقل إذا سقطنا... يكون المكان لامعًا"

ضحكت أرورا، ضحكة مشوبة بالمرارة، ثم قالت بصوت منخفض"هل تعتقدين أننا خسرنا حريتنا؟"

أجابت ماريا وهي تمسح الأرض بحركات غاضبة"لم نخسرها... فقط وُلدنا من دونها"

في الجهة الأخرى، داخل غرفة صغيرة قرب المدخل،

كانت جازمين تُقفّل باب الحمّام بإحكام، وتلف شعرها قبل أن تضع القفازات.

نظرت إلى ريڤين وقالت بنبرة تجمع بين الواقعية والتهكم"من نادي القراءة... إلى نادي التنظيف العميق"

رفعت ريڤين حاجبًا، ومسحت الغبار عن الرفّ السفلي، وقالت"على الأقل في هذا النادي لا نضطر لقراءة النهايات الحزينة... نحن نعيشها"

ثم ساد بينهما صمت قصير.

أخيرًا قالت جازمين، بصوت خافت وهي تنظف حافة المغسلة"هل تظنين أن داليا تحاول فعلًا مساعدتنا؟"

ردّت ريڤين دون أن تلتفت"لا أعرف... لكن ما أعلمه، أن النظام وحده لا يبني بيتًا. المشاعر تفعل"

في الساحة الخلفية، قرب الباب الحديدي الصغير المؤدي للسوق

كانت إيلاناي وليندا تتفقدان ورقة المشتريات

قالت ليندا ببرود، وهي تتصفح القائمة"سكر، شاي، فُرش، صابون... هل نبدو الآن كأمهات؟"

ردت إيلاناي بنبرة ناعمة لكنها حادة"لا. نحن فقط نحاول أن نعيش دون أن نفقد ما تبقى من كرامتنا"

نظرت ليندا إليها لثانية، ثم تنهدت وهي تقول"كنت أظن أنكِ الأضعف بيننا"

ابتسمت إيلاناي دون أن تنظر إليها، وقالت"ربما... لكنّي من النوع الذي ينكسر بصمت، ثم يعيد جمع نفسه دون أن يُري أحدًا الشقوق"

ثم خطوا معًا نحو الباب، خطوات ثقيلة تحمل ظلّ نضجٍ قادم

في غرفة النوم، بين الأسرة غير المرتبة والوسائد المتناثرة،

كانت أرورا تقف على طرف السرير وهي تحاول بتركيز إعادة ترتيب الشرشف، بينما ماريا تمسك بالمكنسة وتدور بها بطريقة لا تخلو من عدوانيّة

قالت ماريا بنبرة ساخطة"لو كان لدي الخيار، لفضّلت تنظيف قلوب البشر بدل الأرض... على الأقل هي أقل وسخًا"

أرورا، التي كانت تصارع زاوية الشرشف العنيدة، تمتمت وهي تشدّه بقوة"القذارة في الناس لا تذهب بالماء... تحتاج نزع كامل للجلد"

توقفت ماريا، نظرت إليها باستغراب، ثم ضحكت"منذ متى اصبحتِ فلسفية؟"

أجابت أرورا دون أن تبتسم"منذ بدأت أشعر أني عالقة في مكان لا يرحب بي، ولا يسمح لي بالخروج"

أكملت ماريا الكنس بصمت، لكن ملامحها تغيّرت... كأن شيئًا من كلام أرورا أصاب وترًا خفيًا في داخلها

في الحمّام، داخل تلك المساحة الضيّقة، كانت جازمين وريڤين تعملان بصمت... لأول مرة

جازمين تمسح الجدار بالاسفنجة، وملامحها مشدودة، كأنها تعاقب الحائط نفسه، بينما ريڤين كانت تنظف الحوض بانزعاج واضح

قطرات الماء تتناثر، ورائحة المنظفات تملأ المكان، ثم قطعت جازمين الصمت بقولها"تعلمين؟ أشعر وكأننا نمسح شيئًا أكبر من هذا المكان... كأننا نحاول أن نطهر أنفسنا"

ضحكت ريڤين، لكن ضحكتها كانت قصيرة، مجروحة"نفسي تحتاج أكثر من إسفنجة وكحول، تحتاج حياة جديدة"

جازمين توقفت، نظرت إليها للحظة طويلة، ثم قالت"أو تحتاج أحد يصدق أنك تستحقين حياة جديدة"

ريڤين لم ترد. فقط شدّت على يدها، ثم أكملت الفرك بصمت

...........................................................................

.....

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

الشارع مكتظّ بالحركة، أصوات الباعة تختلط بروائح الخضروات، وضربات الأكياس، ونداءات العروض

كانت إيلاناي وليندا تمشيان بخطى هادئة نسبيًا، تحملان حاجيات الدار في أكياس ورقية، تتفادين المارّة، وتراقبان الناس بصمت

ليندا تمسح عرق جبينها وتقول"أتمنّى فقط أن تكون داليا راضية... لقد جلبنا كل شيء، حتى الخردل"

ضحكت إيلاناي بخفّة"وحتى الخصم، لا تنسي... الرجل المسنّ رقّ لحالنا بعد ما اخبرته عن دار الأيتام"

ليندا تبتسم وهي تهمّ بالرد، لكن فجأة... توقفت عن المشي

صوت ارتطام الأكياس ببعضها خفّ، والضجيج اصبح وكأنه بعيد

نظرت إيلاناي إليها باستغراب"ما بكِ؟"

لكن ليندا لم تجب، فقط أشارت بعينيها نحو الزاوية المقابلة... عند محلّ صغير للفواكه

إيلاناي التفتت، ببطء...

ثم توقفت هي الأخرى

عند طرف الطريق، يقف أورفيوس

ثيابه بسيطة، قميص أبيض قديم أطرافه متآكلة، يلف حول خصره مئزر رمادي متّسخ قليلًا، يحمل كرتونًا كبيرًا ويمسحه من الغبار

وجهه شاحب لكن هادئ، شعره منكوش قليلًا، يداه مجروحتان بخدوش صغيرة، لكن عينيه... لا تزالا تحملان شيئًا من الكبرياء

ليندا تمتمت، بالكاد يخرج صوتها"هل هذا... أورفيوس؟"

قالت إيلاناي بسرعة"انخفضي! لا تدعيه يرانا"

واختبأت الاثنتان خلف طاولة صغيرة لبيع التوابل، انحنتا بين الظلال، وراحتا تراقبانه بصمت مشحون

مرت لحظات

ليندا همست، وهي تحدّق في وجهه من بعيد"لماذا هو هنا؟ ألم يكن...؟ أعني، أليس هذا الفتى من الطبقة العليا؟"

إيلاناي لم تُبعد نظرها عنه، لكنها قالت ببطء"لااعلم. لكن يبدو أنّ شيئًا تغيّر"

ليندا كانت ستسأل أكثر، لكن حركة مفاجئة من أورفيوس جعلتهما تتجمدان في مكانيهما

فقد توقّف فجأة عن العمل، ومدّ يده إلى جيبه، وأخرج ورقة صغيرة ملوّنة. فتحها، قرأها، ثم طواها ووضعها في صدره

كان في عينيه حزن... حزن نادر، صامت، غريب

راقبتاه بصمت... كيف يتعامل مع الزبائن، كيف ينحني ليرفع كيسًا سقط، كيف يتلقى ملاحظة قاسية من المشرف ثم يرد بكلمة مقتضبة فقط

بينما كانت إيلاناي وليندا تقفان خلف طاولة التوابل الصغيرة، تراقبان أورفيوس من بعيد، كانتا تعتقدان أن همسهما الخافت ونظراتهما المتخفية كافيتان لتبقيهما في مأمن من الانكشاف

لكن...

"تبدوان وكأنكما في مهمة تجسّس فاشلة"

جاء الصوت من الخلف، هادئًا، لكن واضحًا بما يكفي ليجمّدهما في مكانهما

التفتت ليندا أولًا، تلتها إيلاناي بسرعة... فكانا فتىً يقف على بُعد خطواتٍ منهما. شعره البني الكستنائي يتدلّى بخفة فوق عينيه ذاتَ لون السماء الصافي، وملامحه تحمل خليطًا من الهدوء والثقة واللامبالاة... لكن نظرته كانت دقيقة، كمن يقرأ ما وراء الوجوه

قالت ليندا، مترددة"مَن أنت؟"

أجاب الفتى وهو يضع يديه في جيبيه ويتكئ على طاولة "أوه، مجرد متسوق عادي... أو هذا ما كان يجب أن أكونه"

ثم رمقهما بنظرة جانبية وأضاف بابتسامة ساخرة"لكن يبدو أنني اخترت الأشخاص الخطأ لأتجسس عليهم"

قالت إيلاناي، وقد ازداد عبوسها"هل كنت... تراقبنا؟!"

رد بنبرة هادئة، أقرب للمزاح"لا أحب هذه الكلمة، تزعجني. فلنقل... كنت أراقب مَن يراقب"

رفعت ليندا حاجبًا"هل هذا منطقي في عقلك؟"

ضحك قليلًا، ثم قال وهو يشير بإبهامه إلى صدره

"ليونارد. وصلت الى المدريد قبل أسبوع فقط، أحاول أن... أتعرف على وجوهها، وأسرارها"

نظرتا إليه بقلق، والريبة ظاهرة في عيونهما

قالت إيلاناي، بلهجة حادة قليلاً"ومراقبة الناس دون إذن طريقة غريبة للتعارف"

ردّ بهدوء، دون أن تفارق الابتسامة وجهه"وهل مراقبة صديقكما في السوق طريقة طبيعية؟"

سكتت ليندا، لكنها نظرت نحو أورفيوس من بعيد، ثم قالت"هذا ليس من شأنك"

أجاب ليونارد ببطء، وهو يتراجع خطوة"ربما... لكنّ الأمر أصبح يخصّني الآن"

قالت إيلاناي وقد ضاقت عيناها"ما الذي تعنيه؟"

نظر إليهما للحظة، ثم استدار وكأنه يهمّ بالرحيل، وقال"إن كنتما تريدان معرفة من هو أورفيوس حقًا... فلا تسبقاه إلى ماضيه، دعاه يخبركما... إن أراد"

ثم اختفى بين الممرات، تاركًا وراءه أثرًا من الغموض... وظلالًا من الشك في ذهن كل منهما

خرجت إيلاناي وليندا من السوق، والشمس تميل للغروب، ترسل ظلالها الطويلة على الأرصفة المبللة بحرارة النهار

كان الصمت بينهما أثقل من الكلمات... كل منهما غارقة في أفكارها، تتساءل من يكون ذلك الفتى؟ ولماذا يشعرانه وكأنه يعرف شيئًا لا يعرفنه عن أورفيوس؟

قالت ليندا أخيرًا، وقد قطعت سكون الطريق"أخبريني بصدق، أكنتِ تتوقعين أن نراه... هنا، في هذا المكان، يكدّح مثل أي عامل بسيط؟"

هزّت إيلاناي رأسها ببطء "لا. كنت أظنّه من أولئك الذين لا تتسخ أيديهم أبدًا... أورفيوس دائمًا بدا متعالياً، متماسكًا... لا يُكسر"

أجابت ليندا، وهي تضع يدها على حافة الجدار أثناء سيرها"ربما هذا هو وجهه الآخر... الوجه الذي لا نراه في المدرسة"

وصلا إلى زاوية الشارع، وأوقفت إيلاناي خطواتها فجأة، ثم نظرت إلى صديقتها وقالت "أتعلمين... رؤيته هناك لم تكن هي ما صدمتني"

رفعت ليندا حاجبها"بل ماذا إذًا؟"

قالت إيلاناي بهدوء "الطريقة التي ينظر بها... كأنّ كل ما حوله لا يستحق الثقة. كأنه... خائف من أن يُكشف"

ارتبكت ليندا للحظة، ثم تنهدت "ربما نحمل عنه الكثير من الأحكام... ونحن بالكاد نعرفه"

نظرت إليها إيلاناي وقالت بنبرة منخفضة "أو ربما... بدأنا نعرفه الآن فقط"

ثم تابعتا السير بصمت، وكل واحدة منهما كانت تشعر بثقلٍ جديد على قلبها. ثقل لا يُفسَّر، لكنه حقيقيّ

وعندما عادتا إلى دار كاميليا، كانت الشمس قد اختفت تمامًا خلف المباني القديمة، واكتست الجدران بلون رمادي باهت يوحي بأن الليل على وشك أن يسدل ستاره

كان صدى الخطى في ممرات دار كاميليا أبطأ من المعتاد، وكأنّ كل خطوةٍ تحمل ثقلًا لا يُرى

فتحت ليندا الباب بهدوء، دخلت أولًا، تتبعها إيلاناي، التي ما زالت ملامحها تترنّح بين الصدمة والذهول. نظرتا حولهما، فلا أثر للفتيات في الصالة، فقط صوت خافت آتٍ من المطبخ، ربما ماريا تتشاجر مع إبريق الشاي

قالت ليندا وهي تضع الأكياس على الطاولة"هل... من المنطقي أن يكون أورفيوس يعمل هناك؟"

ردّت إيلاناي دون أن تلتفت إليها "لا أعلم... لكن رؤيته بزيّ العمل... كان غريبًا، بدا كأنّه... مختفٍ عن شيء ما، أو يُخفي نفسه عن شيء"

جلستا بصمت للحظات، ثم قالت ليندا بخفّة محاولة كسر الجمود"والأعجب من أورفيوس... ذلك الفتى. ليونارد. من أين خرج؟ وكيف سمعنا؟"

قالت إيلاناي وهي تميل إلى الأمام، تهمس كمن يحاول فك شفرة"قال إنه جديد في المدينة. لكن طريقته في المراقبة... في الحديث... لم تكن عشوائية"

ليندا أومأت، ثم أضافت بهدوء"وكأنّه لم يكن يراقبنا فقط... بل يراقب أورفيوس أيضًا"

قبل أن تكملا حديثهما، دخلت ريڤين فجأة، وعلى وجهها ملامح توتر مغطّى بستار من اللامبالاة، كعادتها

"كنتما في السوق، صحيح؟" سألت دون مقدمات

نظرتا إليها، تبادلتا نظرة سريعة، ثم قالت إيلاناي

"نعم... وجلبنا الأغراض"

"ورأيتما شيئًا؟ أو... أحدًا؟" قالت ريڤين بنبرة وكأنها تعرف شيئًا ولم تجرؤ بعد على البوح به

قالت ليندا"رأينا أورفيوس"

صمتت ريڤين لحظة، ثم أغمضت عينيها، تمتمت"إذن... لم أكُن أتوهّم"

"تعرفين شيئًا، أليس كذلك؟" قالت إيلاناي،وهي تتقدم خطوة نحوها

نظرت ريڤين إلى الفتاتين، ترددت، ثم قالت"رأيته مرة... قبل أسبوع، كان في شارع جانبي، يحمل صندوقًا على كتفه. تظاهر أنه لم يرني، وأنا فعلت المثل"

قالت ايلاناي بحدة"ولم تخبرينا؟!"

"ولماذا أفعل؟ بالكاد أعرفه... ثم لم أكن متأكدة أنه هو" ردّت ريڤين ببرود

سكتن جميعًا، ثم دخلت ماريا فجأة، تلوّح بمنشفة مبللة، وقالت"من الذي نسي تنظيف الردهة؟! ولِمَ وجوهكنّ تشبه وجوه من رأى شبحًا؟"

همست ليندا وهي تنظر إلى إيلاناي"أورفيوس... لم يكن الشبح الوحيد"

لم تمر سوى لحظات حتى دوّى في أرجاء دار كاميليا صوتُ صراخٍ حادّ، تلاه صوت آخر أكثر ارتباكًا. انتفضت الفتيات واقفاتٍ، وركضن بسرعةٍ ليتفقدن ما يحدث

كانت أرورا تشير إلى باب الغرفة بإصبعٍ مرتجف وهي تصرخ بانفعال "هناك فأر! رأيتُه... إنه كبير، وكان يركض بين الأسرّة!"

وعلى بعد خطوات، كانت جازمين تجثو أرضًا أمام باب الحمّام، تشير بيدٍ مرتعشة وتقول بصوت خافت متقطع "صرصور... لكنه يطير! أول مرة في حياتي أرى صرصورًا يطير!"

قالت ريڤين وهي تعقد ذراعيها بسخرية "ما هذا؟ أرورا وجازمين؟! تشجّعن قليلًا، لم أعهدكما جبانتين هكذا!"

أجابت أرورا وهي تعقد يديها بانفعال "لو أنكِ رأيتِ الفأر وهو يسرح ويمرح بين الأسرّة، ما قلتِ هذا الكلام!"

وأضافت جازمين، وهي تهمّ بالوقوف بمساعدة إيلاناي "ولو رأيتِ صرصورًا يطير حولكِ في مكان مغلق، ولا يوجد مفرّ منه... لما بدوتِ بهذه السخرية!"

قالت إيلاناي بنبرة جادة، تقاطع الخوف بالعقلانية "كفى. علينا أن نهدأ ونتخلّص منهما بسرعة قبل أن تأتي..."

لكن قبل أن تكمل جملتها، دوّى صوت داليا من نهاية الممر "ما هذا الصراخ؟! أتظنّن أنفسكنّ في الشارع؟!"

اتسعت أعين الفتيات، والتفتت ليندا إليهنّ وهمست "ماذا نفعل الآن؟ هل نخبرها بأمر الفأر والصرصور؟"

صرخت ماريا فورًا معترضة "بالطبع لا! ستتّهمنا بأننا مهملات، وبأن الحشرات دخلت بسبب قلّة النظافة!"

هزّت ريڤين رأسها موافقة "لديها وجهة نظر، وسنُلام نحن في النهاية... لا، لن نُخبرها!"

وبينما كنّ في خضمّ قرارهنّ، بدأت خطوات داليا تقترب من هن، إيقاعها صارم، يكاد يقطع أنفاسهنّ

قالت داليا بصوت أعلى وهي تقترب"لماذا هذا الصمت الآن؟ ما الذي يجري؟"

تحركت إيلاناي بسرعة، استدارت نحو نهاية الممر، ثم مشت باندفاعٍ مصطنع، وصاحت بنبرة مرتفعة قليلاً"أوه، سيدة داليا! كنت أبحث عنك. أردتُ الحديث بشأن لائحة الطلبات..."

توقفت داليا، نظرت إليها بعين ضيقة"أهذا وقت الطلبات؟ ما الذي كان يحدث هنا؟ سمعت صراخًا!"

ضحكت إيلاناي بخفة وهي تلوّح بيدها "مجرد جدال... أرورا كانت تصر على أن نشتري نوعًا محددًا من مسحوق التنظيف، وجازمين رفضت بشدّة... فاتسع النقاش، كما ترين"

رفعت داليا حاجبها، نظرت إليهن جميعًا ثم قالت"إن سمعتُ هذا الصراخ مجددًا... فسأعتبره تمردًا صريحًا، وستُلغى ساعة الراحة"

ثم استدارت ومضت

بمجرد أن ابتعدت داليا، أسرعت إيلاناي إلى الفتيات وهمست"انتهى وقت المزاح، أين الفأر؟ وأين الصرصور؟!"

قالت ماريا وهي تمسك بمكنسة خشبية "الفأر في الزاوية خلف الستارة بالغرفة ... وأنا أتكفّل به!"

صرخت جازمين "والصرصور الطائر لا يزال في الحمام! لا أحد يفتح الباب وحده، مفهوم؟!"

هتفت أرورا بحماسٍ مصطنع: "هيا يا فتيات... حان وقت الحرب! "

ضحكت ريڤين وهي تتقدم نحو الحمام ممسكة بحذاء"الجيل القادم من المحاربات... ضدّ الفئران والصراصير!"

تقدّمت ريڤين بخطوات بطيئة نحو الحمّام، تحمل حذاءها كأنّه سلاح، وعيناها تتحركان بحذر يمينًا ويسارًا

قالت جازمين وهي تتراجع للخلف "كوني حذرة... إنه في الزاوية، خلف السطل"

ردّت ريڤين دون أن تلتفت"أجل، وكأنني ذاهبة لصيد تنين"

وقفت عند الباب، استنشقت نفسًا عميقًا، ثم دخلت ببطء

ثوانٍ مرت...

ثم دوت ضربة عنيفة

تبعها صرخة مختنقة من ريڤين

ثم صمت

صرخت أرورا بفزع"هل ماتت؟! هل هجم عليها؟!"

وفجأة... خرجت ريڤين من الحمام، تمسك بالحذاء المنتصر كدرع، وقالت بانتصار "تمّت المهمة بنجاح"

قفزت جازمين مكانها وهي تصفق "أقسم أنني لم أحبّك كما أحببتكِ الآن!"

قالت ماريا ساخرة "ومن كان يظن أن نهايته ستكون على يد حذاء ريڤين... نهاية تليق بأسطورة"

ضحكت ليندا وقالت"حسناً، ماذا عن الفأر؟"

نظرت ماريا يمينًا ويسارً "اختفى... ربما هرب من الضوضاء، أو من ريڤين"

ضحكت الفتيات جميعًا

قالت إيلاناي وهي تضع يدها على قلبها"نجونا من الكارثة، بنات... هذا يستحق حفلة صغيرة"

أجابت ماريا وهي ترفع حاجبيها "حفلة؟ نحن بالكاد خرجنا من معركة بيولوجية!"

همست جازمين وهي تبتسم"حفلة شاي... في المطبخ، دون علم داليا"

قالت ريڤين بتحدٍّ وهي تتجه إلى المطبخ "أنا أول من سيغلي الماء!"

راكضت إيلاناي خلف ريڤين وهي تصرخ ساخرة"خسئتِ! دائمًا يكون الشاي حالي بسببكِ!"

ضحكت ريڤين دون أن تلتفت، وزادت من سرعتها وهي تهتف بتحدٍّ"إذن أوقِفيني إن استطعتِ!"

وبدأ سباق جنوني نحو المطبخ، يعلو فيه الضحك أكثر من الخطوات

وفجأة، صاحت ليندا من خلفهما، بصوت مليء بالحماس"آخر من تصل إلى المطبخ... بيضةٌ فاسدة!"

وانطلقت تركض بأقصى سرعتها، وشعرها المجعد يتطاير خلفها

نظرت جازمين إليهنّ وهنّ يتسابقن، وقالت بيأس وهي تعدّل نظارتها "لا أصدق أنهنّ لا يكبـــ..."

ولم تُنهِ جملتها حتى دُفعت برفق من ماريا وأرورا، اللتين مرّتَا بجانبها وهما تركضان بتدافع مرح

وقفت جازمين مكانها لثوانٍ، تحدّق بهن، ثم صرخت بحدّة مصطنعة "هذا غش! وغير عادل! توقّفـــن!"

وانطلقت تركض خلفهنّ، وهي تضحك رغمًا عنها

وصلت الضحكات إلى المطبخ قبل أن تصل أقدامهن، ومع كل خطوة، بدا كأنّ شيئًا من ثقل الأيام قد زال

لحظة واحدة من الجنون، سباق على لا شيء، لكنه يعني كل شيء.

في عالمٍ ضاق عليهنّ حدَّ الاختناق، كان الركض هذا اليوم انتصارًا صغيرًا... لكنه حقيقي

وفي المطبخ، بدأت المعركة الجديدةمن تُحضّر الشاي؟ ومن تُسكبه أولًا؟

تداخلت الأصوات، وتعالت الاعتراضات، ولم يسمع أحد أيًّا منهنّ تقول "أنا حزينة"

لكن الضحك وحده كان كافيًا ليقول"نحن ما زلنا هنا... معًا"

........................................................................

.....

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

انفجرت ضحكات الفتيات الستّ داخل المطبخ، وقد انتشر عبق الشاي بالنعناع في الأرجاء

ماريا تُلوّح بالمغرفة الخشبية كأنها سيف، وتقول بتصنّع الجديّة

"من التي ستُغلي الماء؟ من التي ستضع الشاي؟! النظام ينهار، البنات يتقاتلن، والشاي لم يُصبّ بعد!"

قالت أرورا وهي تحاول إبعاد ريڤين عن الغلاية"دعيها لي! أنتِ تُغرقين السكر حتى يفقد الشاي هويته!"

ردّت ريڤين بضحكة"وأنتِ تجعلينه مرًّا كأيام الامتحانات!"

بينما كانت الفتيات يتناوبن على تحضير الشاي في مطبخ دار كاميليا، تسللت لحظة هدوء نادرة بين أصوات الأكواب والضحك المتقطع

إيلاناي كانت تقف قرب الطاولة، تضع أوراق النعناع في الكوب وتسكب الماء الساخن بخفة، فيما كانت ماريا تراقبها بصمت، قطعة بسكويت بين أصابعها، وعيناها لا تترك تلك الخصلة البيضاء في مقدمة شعرها الداكن

قالت ماريا فجأة، بنبرة ليست ساخرة كما اعتادت"إيلا... لمَ ما زلتِ تحتفظين بتلك الخصلة؟"

توقفت يد إيلاناي لثانية، ثم تابعت الحركة وكأنها لم تسمع

وفجأة الفتت إليها ، لكن ملامحها لم تتغير. نظرت إليها لثوانٍ، ثم قالت"لم أفكر يومًا أن أتخلص منها"

ريڤين رفعت حاجبها، وقالت بفضول"أي خصلة؟"

أشارت ماريا برأسها نحو شعر إيلاناي"التي في الجهة اليمنى من شعرها... بيضاء تمامًا، وسط كل السواد هذا. لو كنتُ مكانك لصبغتها فورًا"

ضحكت أرورا بخفة وأضافت"أحيانًا أظن أن الخصلة تمثل جزءًا منكِ... كأنها علامة فارقة"

نظرت إيلاناي إليهنّ بصمتٍ لحظة، ثم قالت بهدوء وهي تمسح حافة الكوب بإبهامها"ربما... لكنها ليست مجرد خصلة. إنها تذكرني بشيء"

ليندا سألت، بنبرة أخفّ مما تبدو عادةً"بماذا؟"

صمتت إيلاناي قليلًا، ثم رفعت نظرها وقالت"بأنني نجوت"

ساد المطبخ لحظة من الصمت الثقيل، ثم تمتمت جازمين وهي تُحرك الشاي في كوبها"أحيانًا الأشياء الصغيرة تحمل أعنف الذكريات"

أضافت إيلاناي بصوتٍ خافت، وكأنها تُحدّث نفسها"لستُ متأكدة كيف ظهرت... لكنني كنت صغيرة، وكان الليل طويلًا جدًا تلك الليلة... بعده، كانت هناك الخصلة فقط"

قالت ماريا، هذه المرة بصوت صادق "لهذا لا تصبغينها؟"

هزّت إيلاناي رأسها، والابتسامة على شفتيها لا تشبه أيّ ابتسامة أخرى"لأني لست مستعدة أن أنسى"

وفي تلك اللحظة، لم تكن الخصلة البيضاء مجرد شعرة مخالفة...بل كانت علامة. ذكرى

وشيئًا يشبه الوعد...أنّ الماضي لا ينهزم دائمًا

ساد الصمت للحظة، بعدما هدأ الوضع وخفّت أصوات الفناجين، وكأن شيئًا غير مرئي مرّ بينهن وترك أثره بهدوء

رفعت ليندا عينيها من فوق حافة كوب الشاي، وحدّقت بإيلاناي نظرة جانبية، فيها فضول خافت كمن يعرف الجواب لكنه يريد أن يسمعه

قالت بنبرة خفيفة لكنها مباشرة "بالمناسبة، إيلا... هل ستذهبين غدًا لمباراة الكرة الطائرة؟"

رفعت إيلاناي حاجبها قليلًا، وكأنها لم تكن تتوقع السؤال الآن بالذات

"مباراة كايدن؟" سألت، وهي تنقل بصرها بين البنات

أومأت ليندا وهي تضع كوبها على الطاولة "نعم، الم يقل لكِ بنفسه أنه يريدك هناك. فهل ستذهبين؟"

تسللت ابتسامة صغيرة إلى طرف شفتي ريڤين، وقالت وهي تتظاهر بأنها تتفحص ظفرها"همم... ولماذا يطلبكِ أنتِ تحديدًا؟"

ماريا ضحكت وهي تغمز"ربما يريد تشجيعًا مميزًا"

ارورا، كعادتها، تدخلت بنبرة عقلانية أكثر"أو ربما يثق برأيك... أو صوتك، لا تنسي أنه يحب الموسيقى"

ماريا تنهدت وكأنها ملت من الالتفاف حول الموضوع، وقالت بصوت واضح "أجبي على السؤال يا ناي ، هل ستذهبين أم لا؟"

أخذت إيلاناي نفسًا عميقًا، ثم قالت وهي تحدّق في بخار الشاي المتصاعد "لم أقرر بعد"

ردّت جازمين، وهي تميل للأمام قليلًا"لا نراكِ تترددين كثيرًا عادةً"

هزّت إيلاناي كتفيها بهدوء "الأمر ليس عن المباراة... بل عن كل ما حولها"

ثم نهضت من كرسيها وأخذت كوبها معها، متجهة نحو الباب، وقالت دون أن تلتفت"سأفكر"

وقفت إيلاناي عند عتبة الباب، لكنّها لم تخرج مباشرة... كأنّ في داخلها شيئًا لم يستقر بعد نظرت نحو الفناء الخارجي، حيث انعكس ضوء القمر المائل على البلاط الباهت

ثم استدارت، ببطء، وعادت بضع خطوات إلى الداخل

قالت بصوت هادئ، لكنه واضح، كمن حسم أمره أخيرًا "نعم... سأذهب"

رفعت ريڤين حاجبيها، وفي عينيها بريق ساخر"أوه؟ أخيرًا؟ ظننتكِ ستقضين الليلة بين صفحات التردد"

ماريا ضحكت وقالت وهي تضع يديها خلف رأسها "أعتقد أن سبب حضورك ليس الكرة... بل كايدن نفسه، أليس كذلك؟"

رمقتها إيلاناي بنظرة جانبية، لم تكن غضبًا ولا نفيًا، بل شيء أشبه بالصبر الجميل

ردّت بهدوء"سألني بلطف... وكان صادقًا. لا أحتاج إلى أكثر من ذلك"

همست ليندا، وكأنها كانت تقيس نبض الكلمات"أنتِ تثقين به، أليس كذلك؟"

أجابت إيلاناي بعد صمتٍ قصير "لا أعلم تمامًا إن كنت أثق... لكنني لا أريد أن أترك كل من يقترب يرحل، فقط لأن الماضي ما زال يلاحقني"

سادت لحظة من الصمت، بدت فيها وجوه البنات أكثر جدية

أرورا وضعت يدها على كتف إيلاناي وقالت بلطف"إذا كنتِ ستذهبين، فلن تكوني وحدكِ. سنأتي معكِ... حتى لو لم نفهم شيئًا من قوانين اللعبة"

ضحكت جازمين "وأنا سأقرأ القوانين الليلة، فقط لأجعل الأمر دراميًا"

ماريا رفعت يدها وقالت بتحدٍ"أنا سأحضر لأجل المنافسة. أريد أن أرى إن كان كايدن يستحق كل هذا الضجيج"

نظرت إيلاناي إليهنّ، واحدة تلو الأخرى، وارتسمت على وجهها ابتسامة نادرة... تلك التي تحمل امتنانًا أكثر مما تحمل كلمات

أرادت ريڤين أن تتكلم، لكن قبل أن تنطق، فُتح باب المطبخ فجأة

دخلت الآنسة جيزيل تتبعها الخالة زيتا، وتوقفتا عند عتبة الباب

قالت جيزيل بصوتها الهادئ ذي البحة الخفيفة، وهي ترفع حاجبها بدهشة

"ماذا تفعلن هنا؟"

قالتها قبل أن تدرك تمامًا أنّ الفتيات في "حفلة شاي" ليلية خاصة

ضحكت الخالة زيتا ما إن رأت الطاولة المرتجلة المملوءة بأكواب الشاي والبسكويت، ثم قالت مازحة وهي تضع يدها على فمها"من يقيم حفلة شاي في هذا الوقت من الليل؟ لو رآكن الإنجليز لضحكوا عليكن!"

ثم بدأت تضحك، وشاركتها جيزيل ضحكتها، مضيفة تعليقات ساخرة بصوتها الخافت، تُلقيها واحدةً تلو الأخرى

نظرن إليهما الفتيات بوجوهٍ عابسة، خالية من التعبير، وتوقفن عن الشرب، وكأنهنّ ينتظرن أن تنتهي وصلة السخرية، لكن بدا أن الضحك لن يتوقف قريبًا

عندها، قررت جازمين أن تُنهي هذه "المهزلة" قبل أن تنضم إليهن السيدة داليا، وقالت بنبرة جافة"هل أتيتما للسخرية منا، أم هناك أمر آخر؟"

قالت الآنسة جيزيل، وهي تمسح دمعة صغيرة سالت من عينها من شدة الضحك"أوه يا إلهي، لم أضحك هكذا منذ مدّة! أجل، جئت لأتفقد أحوالكنّ... والعمل، هل أنجزتُنّ كل شيء؟"

بادرت ليندا بالحديث سريعًا، وعلى شفتيها ابتسامة صغيرة"أنا وإيلا ذهبنا إلى السوق وأحضرنا جميع اللوازم والمشتريات"

تبعتها ريڤين، التي رفعت إبهامها نحو صدرها بفخر"وأنا وجازمين انتهينا من تنظيف الحمّامات... وقتل الحشرات الدخيلة أيضًا"

تحوّلت الأنظار نحو ماريا وأرورا، فبادرت أرورا بالتحدث، بينما تُجاهد لترتيب أفكارها"أحم... نعم، انتهينا من تنظيف الغرف والممرات جميعها، ولكن... "

قاطعتها جيزيل والخالة زيتا بصوت واحد"ولكن ماذا؟"

تدخلت ماريا بسرعة قبل أن يسبقها أحد"تبقّى لنا مكتب السيدة داليا فقط... لم ننتهِ منه بعد"

وضعت الخالة زيتا يدها على صدرها وقالت متصنّعة الذعر"آه، يا قلبي! كدتِ تصيبينني بسكتة قلبية!"

أما جيزيل، فتنهدت وهي تغمض عينيها لحظة، وقد اعتقدت للحظة أنهن ارتكبن مصيبة جديدة لكن حين تأكدت أن الأمر بسيط، تمتمت بصوت داخلي يشكر الرب، ثم قالت بهدوء"آه، حسنًا... إن كان هذا كل ما في الأمر، فأنهِينه بسرعة"

تقدّمت خطوة نحو الفتيات، وأعلنت بصوت مسموع"لأنكن التزمتن بمهامكن، قررت أن أمنحكن غدًا عطلة إضافية مني... ويمكنكن الخروج والتنزّه أينما شِئتن"

وقبل أن تكمل جملتها، قاطعتها الخالة زيتا قائلة بجدية مصطنعة"لكن بشرط... أن تعُدن قبل الساعة العاشرة مساءً"

تبادلت الفتيات النظرات، ثم صرخن فرحًا دفعة واحدة كأنّ زوبعة صغيرة انفجرت في المطبخ، وبدأن يتحدثن فوق بعضهن، يخططن لما سيفعلنه غدًا، وكأنّ الغد هو أوّل أيام الحرية بعد الأسر

ضحكت جيزيل وقالت وهي تهز رأسها"كأنني حررت ساحة معركة، لا منحت عطلة!"

أما زيتا، فاكتفت بالابتسام، تميل بجسدها إلى الحائط، وهي تهمس"دعيهن يفرحن... فالعمر لا ينتظر أحدًا، خاصةً في مكانٍ مثل هذا"

وبينما كانت الفتيات يتحدثن ويخططن ليوم الغد، لم تنتبه ليندا إلى كوب الشاي الساخن الموضوع على طرف الطاولة، وبحركة خاطئة منها، تمايل الكوب وسقط على فخذ جازمين

وما إن شعرت جازمين بسخونة السائل، حتى صرخت بألم حاد، "آااه!!"

قفزت الفتيات من أماكنهن، وقد علا الوجوم وجوههن، بينما هرعت الآنسة جيزيل نحو جازمين، وكأنها أمٌّ رأت ابنتها تتأذى، وقالت بصوت مرتجف "ابنتي... جازمين! بسرعة، أحضرن مرهم الحروق من علبة الإسعافات!"

تجمّعت الفتيات حول جازمين، التي كانت تتأوه وتتلمّس مكان الحرق، بينما انطلقت أرورا تركض لإحضار علبة الإسعافات من إحدى الغرف. أما إيلاناي، فقد أسرعت بإحضار منشفة صغيرة مبللة بالماء، وبدأت بضغطها على موضع الحرق برفق

قالت ريڤين وهي تحاول أن تطمئنها، على طريقتها الجافة"تحمّلي... كلها لسعة شاي، أنتِ أقوى من لسعة!"

لكن ماريا ردّت عليها بصدمة "أي لسعة يا عزيزتي؟! هل قرصتك نحلة؟! الحرق واضح وكبير، أتمنى فقط ألا يترك أثرًا دائمًا!"

كانت ليندا تقف بجانبهنّ، تقضم أظافرها بتوتر، والغصة في حلقها. كانت تضع اللوم كله على نفسها، وتكاد تبكي من شدّة تأنيب الضمير

لاحظت جازمين نظرة ليندا، وأرادت أن تطمئنها وتخفف عنها هذا الشعور، لكنها لم تُمهَل، فقد دوّى صوت جيزيل مجددًا وهي تنادي من بعيد"أين أنتِ يا أرورا؟! كل هذا الوقت من أجل علبة الإسعافات؟!"

ركضت أرورا عائدة وهي تلهث، وقالت بسرعة وهي تمدّ يدها بالعلبة "أتيت، أتيت! فقط أردت أن أتأكد من وجود مرهم الحروق... ها هو!"

تناولت الآنسة جيزيل العلبة، وبدأت تدهن المرهم على موضع الحرق بحذر شديد، تحاول ألّا تؤلم جازمين. لم يكن على وجهها سوى القلق، عيناها تتابعان كل ردّة فعل تصدر من الفتاة. ثم لفّت الجرح بقماشة صغيرة

ما إن انتهت، حتى تجمّعت الفتيات مجددًا حول جازمين، تتحدث كل واحدة في آن واحد "هل أنتِ بخير؟" "هل يؤلمك؟" "هل تحتاجين مساعدة في الحركة؟"

لكن الخالة زيتا قاطعت ضجّتهن، وقالت بصوت خفيف، فيه مسحة من المزاح"هيا يا فتيات، لم يحدث شيء كبير. مجرد حرق بسيط ولن يدوم تستطيعين التحرك، أليس كذلك يا جازمين؟"

ترددت جازمين قليلًا، ثم أجابت وهي تتحسّس مكان الحرق "نعم... أظنّ ذلك"

همّت الآنسة جيزيل بأن تساعدها على الوقوف، وقالت بسرعة "إذاً، دعيني أ...... "

لكن الخالة زيتا قاطعتها بلطف حازم "لا يا جيزيل، دعي الفتيات يقمن بذلك"

فتحت جيزيل فمها لتعترض، "ولكن..."

إلّا أن الخاله زيتا لم تمنحها فرصة لتُكمل. فقد تقدّمت نحو جازمين وساعدتها، بمشاركة إيلاناي وريڤين، على الوقوف والمشي ببطء

قالت الخاله زيتا بنبرة مشجعة، تنظر في عيني جازمين "ها أنتِ تتحركين. جيد... هيا، اذهبن إلى غرفتكن. أمامكن يومٌ طويل غدًا"

غادرت الفتيات، تتحدث كل واحدة منهنّ بصوت خافت، يتخلله القلق، والراحة، وبعض العتب

لكن بعد خروجهن، التفتت جيزيل إلى زيتا وقالت بتذمرٍ ظاهر "لم يا زيتا؟ لماذا لم تسمحي لي أن أساعد جازمين؟! أكاد أجزم أنها تتألّم الآن!"

ابتسمت زيتا ابتسامة هادئة وقالت محاولة طمأنتها"لا تقلقي، إنها بخير. الفتيات يعرفن كيف يعتنين ببعضهن، ولا تنسي... أرورا تجيد بعض الأمور في التمريض"

ردّت جيزيل، بنبرة يغلبها الانفعال "لم أنسَ، لكنك قلتِ'تجيد قليلاً'، وهذا لا يكفي! لا يعني أن أتّكل على أرورا..."

لكن قبل أن تُكمل، وقفت الخاله زيتا تنظر إليها نظرة غريبة، فيها شيء من التمحيص... شيء من الاستفهام

شعرت جيزيل بالنظرة، فحدّقت بها، ثم قالت باستغراب "ما بكِ تنظرين إليّ هكذا؟ ماذا هناك؟"

أجابت الخاله زيتا، بنفس النظرة العميقة "لم أركِ من قبل بهذه العصبية تجاه واحدة من الفتيات... ما سرّ هذا الانفعال على جازمين تحديدًا؟"

اتسعت عينا جيزيل، وارتبكت، ثم قالت بصوت مدهوش "ما هذا الكلام يا زيتا؟ كلّ الفتيات هنا بناتي! حتى إن لم أُنجبهن، فقد ربيتهن واحدةً واحدة. أنا أخاف عليهنّ من نسمة هواءٍ باردة في شتاء قارس،ومن ضربة شمس في ظهيرة قائظة... وتريدينني ألّا أقلق إذا أصيبت إحداهن بخدش أو حرق؟!"

سكتت زيتا، وعيناها لا تزالان مثبتتين في وجه جيزيل، ثم همست بخفوت "لكن هناك شيء مختلف... في عينيك حين نظرتِ إلى جازمين"

هنا، لم تُجب جيزيل، فقط أدارت وجهها، تخفي شيئًا... أو تحاول أن تفهمه لأول مرة

خرجت الفتيات من المطبخ بهدوء، خطواتهن مثقلة، ليس بالتعب وحده، بل بمزيج من القلق والندم والانفعال غير المألوف الذي لمسنه في صوت الآنسة جيزيل

كانت جازمين تسير بين إيلاناي وريڤين، تمشي ببطء، ويداها تمسكان بذراعيهما برفق، خشية أن تخذلها قدماها من أثر الحرق

"أنتِ متأكدة أنك بخير؟" همست إيلاناي وهي تميل قليلاً نحوها

أومأت جازمين برأسها، ثم تمتمت بصوت خافت"مجرد لسعة... سأكون بخير"

ابتسمت ماريا من الخلف وقالت وهي تضع يديها خلف رأسها"على الأقل كانت حفلة شاي تاريخية"

ضحكت أرورا، ثم نظرت إلى ليندا التي ما تزال ملامح الذنب مطبوعة على وجهها، فاقتربت منها وهمست"لا تلومي نفسك، لم يكن ذنبك... كان كوبًا عنيدًا، وهذا كل ما في الأمر"

ترددت ليندا، ثم همست بقلق وهي تنظر إلى جازمين"لكنّي كنت السبب... كنت مَن دفع الكوب، حتى لو لم أقصد"

قالت جازمين فجأة، وكأنها سمعت كل همساتهن"إن عدتِ لتتحدثي عن الكوب مجددًا، سأجعل ريڤين تسكب الشاي عليكِ عن قصد، وتري الفرق"

توقفن في الممر أمام باب الغرفة، وانطلقت ضحكة خفيفة من ماريا قالت فيها"الآن عرفتُ أن الحروق توقظ روح السخرية لديكِ، جازمين"

فتحت أرورا الباب، وسبقتهن بالدخول، ثم قالت وهي تنظر إلى السرير"أقترح أن ننام الآن... غدًا لدينا حرية لم تُمنح منذ أسابيع"

دخلت الباقيات واحدة تلو الأخرى، وجلست إيلاناي بهدوء قرب جازمين، وساعدتها على الاستلقاء

قالت ريڤين وهي تسحب بطانيتها نحوها"أتمنى فقط ألّا تكون هذه'العطلة' خطة تمويه لمصيبة أكبر"

ردّت ماريا"كفانا سوء ظن، لنستمتع بيوم الغد... فقد لا يتكرر"

وقبل أن تنطفئ الأنوار، وقبل أن يُغلق الليل جفونه على دار كاميليا، همست جازمين بصوتٍ خافت، بالكاد يُسمع"شكرًا لكن... كلكن"

لم يجب أحد، لكن السكون الذي عمّ المكان حمل في طياته وعدًا صغيرًا

«أن يكون الغد أخف من الليلة، وأقل ألمًا... ولو قليلاً»

.........................................................................

......

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

في صباح اليوم التالي، داخل غرفة الفتيات

كان باب الغرفة مفتوحًا، والأصوات تنبعث منها كأن الحياة قد ضُخّت فيها من جديد

تحركت الفتيات هنا وهناك في أرجاء الغرفة الصغيرة، تلك التي احتضنتهن منذ الصغر، وعاشت معهن لحظاتهن كلها من الحزن والانكسار، إلى الضحك والفرح

وقفت إيلاناي أمام المرآة وهي تتشاجر مع ريڤين

"ريڤين، هيا... أنا أولى منكِ بالمرآة، شعري طال جدًا وأحتاج وقتًا طويلًا لترتيبه!"

ردّت ريڤين بعناد وهي ترفض أن تتحرك"لا يهمّني، أنا من وصلت أولًا ولن أتحرك"

"ريڤين ارجوكِ"

تدخّلت جازمين من طرف الغرفة وهي تغلق أزرار قميصها"لا تحاولي معها يا ناي، إذا عنَدَت ريڤين لن تتحرك. اذهبي إلى مرآة الحمّام"

وقفت إيلاناي للحظة تتأمّل انعكاس وجه ريڤين في المرآة، ثم رمقتها بنظرة تعرفها ريڤين جيدًا' تلك النظرة التي تعِد بالرد لاحقًا' ثم استدارت وغادرت باتجاه الحمّام

فجأة، صرخت ماريا وهي تقف أمام خزانة الملابس المفتوحة"ما هذا! لا يوجد أي قميص مناسب هنا... أفف!"

نظرت إليها ليندا بدهشة وقالت"حقًا؟ وماذا عن قميصك الرمادي مكشوف الكتفين، ذو الأكمام الطويلة؟"

جلست ماريا على السرير بتذمّر، تتأمّل الملابس المبعثرة حولها"ذلك القميص بالذات... تمزق! لا تذكّريني به، يا إلهي..."

تقدّمت أرورا منها، وضعت يدها على كتفها وقالت بلطف"أين هو؟ أريني إيّاه، أستطيع إصلاحه. لا تنسي أنني أجيد الخياطة... كل ملابسي المحتشمة هذه من تصميمي"

قالتها وهي تدور في مكانها لتُريهم فستانها الفضفاض الواسع، فابتسمت ماريا على الفور وأمسكت بيدها"حقًا؟ يمكنك إصلاحه؟"

ضحكت أرورا، وقالت بحماس "نعم، بكل تأكيد!"

عانقتها ماريا سريعًا، وعيناها تلمعان بالأمل"إذن هيا! ماذا ننتظر؟ أين ماكينة الخياطة؟"

ردّت ليندا، وهي تضع لمساتها الأخيرة على تسريحة شعرها"تجدينها عند الخالة زيتا، دائمًا ما تحتفظ بها في غرفتها"

اندفعت ماريا خارج الغرفة وهي ممسكة بيد أرورا، تنادي على الخالة زيتا، وأصوات خطواتهما تتلاشى في الممر

ما إن خرجت ماريا وأرورا من الغرفة حتى ساد هدوءٌ مؤقت، كأن الغرفة تنفّست الصعداء بعد العاصفة الصغيرة

جلست ليندا على طرف السرير، تتفقد حذاءها الرياضي وهي تقول"هل تظنّون أن ماريا ستتمكن من ارتداء القميص في الوقت المناسب؟"

أجابت جازمين وهي تمشّط شعرها أمام المرآة"إن لم تتأخر أرورا في الخياطة... ربما. لكن إن بدأت بالثرثرة، فسنبقى هنا حتى الغروب"

ضحكت ريڤين بسخرية وهي تتفقد أظافرها"أرورا لا تفوّت فرصة لإلقاء محاضرة عن الخياطة المحتشمة والفن الراقي. مسكينة ماريا، وقعت في الفخ"

رفعت ليندا حاجبًا وقالت"لكنها تحبها رغم كل شيء، أرورا هي الوحيدة التي تعرف كيف تمتص غضب ماريا"

قالت إيلاناي وهي تخرج من الحمّام، شعرها مبلل ومتدلٍ على كتفيها"أنا فقط لا أريد أن أراها تخيط ذلك القميص الرمادي المزعج... لو عاد للحياة، سيعود معه مزاج ماريا السيئ"

نظرت إليها ريڤين وقالت بمكر"أقترح أن نخفي القميص بعد إصلاحه"

قهقهت ليندا، وردّت"ونتحمّل عاصفة ماريا؟ لا، شكرًا"

في هذه اللحظة، عادت أرورا وهي تركض بحذر داخل الغرفة، حاملة القميص بين يديها"لقد أصلحته! ونجا بفضل موهبتي!"

دخلت ماريا بعدها مباشرة، تقول بصوتٍ عالٍ وفخر"والآن، من منكن تجرؤ على إنكار أني أبدو مذهلة بالقميص الرمادي؟!"

نظرن إليها جميعًا بعضهن انبهر فعلًا، وبعضهن كتم ضحكته أما ريڤين فقالت بلهجة مسرحية"والآن... تعلن دار كاميليا رسميًا عن عودة القميص الأسطوري!"

فانفجرت الضحكات في الغرفة من جديد، وكأن مشهد الأمس لم يكن إلا ذكرى عابرة في دفاتر أيامهن

وما إن خفّت الضحكات تدريجيًا، حتى التفتت جازمين نحو ماريا وقالت، وهي ترفع حاجبًا بشكّ"بالمناسبة... ماريا، أرورا، هل انتهيتما من تنظيف مكتب السيدة داليا؟"

تبادلت ماريا وأرورا النظرات في لحظة حرجة، قبل أن تجيب أرورا بارتباك خفيف"في الحقيقة... لا"

أمالت ليندا رأسها وقالت باستغراب"لماذا؟ ألم تقل السيدة داليا أمس إن المكتب جزء من المهام؟"

تنهدت ماريا وجلست على حافة السرير وهي تتفقد كمّ قميصها الرمادي بفخر زائف"حاولنا. صدقًا حاولنا، ولكن..."

قاطعتها أرورا متابعة التوضيح"لكن السيدة داليا قالت إن المكتب لا يحتاج للتنظيف الآن، وطلبت منا ألا نلمسه"

قالت ريڤين وهي ترفع يدها لتسند ذقنها"غريب... البارحة كانت تصرخ لأننا لم ننظفه، والآن لا تريدنا أن نقربه؟"

أجابت إيلاناي بنبرة تفكير"ربما خافت أن نُفسد ترتيب أوراقها. أو ربما هناك شيء لا تريدنا أن نراه"

تبادلت البنات نظرات قصيرة. لم يكن في الأمر ما يُقال، لكن الشعور المعلّق في الجو كان أوضح من الكلمات

قالت جازمين محاولة كسر الصمت"لنأمل فقط ألا تندم لاحقًا على تركه كما هو... وأن لا تُحمّلنا مسؤولية الفوضى إن وُجدت"

أجابت ماريا بابتسامة ساخرة"إن وُجدت؟ مكتب داليا؟ أراهن أنه يعجّ بالأوراق القديمة منذ عهد الديناصورات"

ضحكت أرورا وهمست"وهناك في الزاوية خريطة كنز سرّي، مؤطرة بإطار ذهبي، محفوظة تحت غلاف من الغبار النبيل"

ضحكن مجددًا، وإن كان الضحك هذه المرة مزيجًا من الحقيقة والمزاح

ثم قالت ليندا وهي تنهض"على أي حال، لقد تأخّرنا. من ستذهب للمباراة، فلتستعد. والبقية... تنزّه في المدينة؟ أو نكتفي بجلسة هادئة تحت أشجار الحديقة؟"

رفعت إيلاناي يدها قائلة"أنا ذاهبة للمباراة، لا أحد يغيّر رأيي"

ضحكت ريڤين، وغمزت لإيلاناي بصوت خافت"لا تنسي أن تصفّقي لكايدن نيابة عنّا"

ردّت إيلاناي بثبات وهي تفتح خزانتها"سأصفّق... لنفسي، إن استطعت احتمال هذا اليوم المزعج"

همسَت ماريا وهي تشدّ حذاءها"كل واحدةٍ منا بحاجة إلى هذا التصفيق"

ثم بدأَت الاستعدادات بجدّية أكبر، وامتلأت الغرفة مجددًا بأصوات الحركة والضحك والكلمات المتقاطعة...

لكن خلف الأحاديث والنكات، بقيت عبارة "مكتب السيدة داليا" تدور بهدوء في الخلفية... كأنّها وعد مؤجل، أو باب لم يُفتح بعد

.......................................................................

....

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

في الحديقة الخلفية لدار كاميليا، حيث الأشجار القديمة تتشابك كأنها أسرار لم تُروَ، وكان الهواء مشبعًا برائحة الأرض الرطبة، يقف ظلٌ غريب متكئًا على جذع شجرة متهالكة

كان يرتدي معطفًا داكنًا وقبعة واسعة الحواف تخفي ملامحه، وكأن الشمس وحدها لا تستحق أن تراه

بين كل حين وآخر، ينظر إلى ساعته بقلق، كمن ينتظر شيئًا لا يعرف إن كان يتمنى قدومه أم يخشاه

ثم... سُمع خشخشة أوراق خلفه

خطوة خفيفة. تلتها ثانية

وما إن اقترب الصوت حتى نطق دون أن يلتفت

"لم أتوقّع حضوركِ في الموعد... لكنكِ فاجأتِني"

خرجت من خلف الشجرة امرأة ملامحها شاحبة، نظراتها تائهة، ويدها ترتجف بخفة لا تخطئها العين

قالت بصوتٍ خافت أقرب للهمس، فيه توتر وغضب مكبوت"ماذا تريد الآن؟ ألم نتفق أن لا تأتي قبل عدّة أشهر؟ لماذا غيّرت رأيك فجأة؟"

استدار نحوها ببطء، ثم قال ببرود"نفدت الأموال"

شهقت بخفة"ماذا؟! كان المبلغ كبيرًا... كيف ينفد بهذه السرعة؟ ماذا تفعل بها؟ إلى أين تذهب تلك النقود؟"

نظر إليها بثبات، وفي عينيه برودة تُشبه شتاءًا لا ينتهي"ليس من شأنك. أنا فقط أحتاج المزيد"

تابعت المرأة بصوتٍ مرتجف"لا أعلم من أين أحضر لك مالًا آخر... لقد أعطيتك كل ما لدي، كل ما استطعت جمعه!"

اقترب منها خطوة، فبدت وكأن الأرض تهتز تحت قدميها، ثم قال بصوتٍ منخفض لكنه حاد كحدّ السكين"ذلك ليس مشكلتي. افعلي ما تشائين اسرقي، اكذبي، اقترضي... المهم أن أستلم المبلغ كاملًا، وإلا..."

سكت لحظة، ثم مال برأسه قليلًا ناحية كتفها وهمس"سأخبر الجميع من تكونين فعلًا... من أنتِ قبل أن تدخلي دار كاميليا"

توسّعت عيناها، ولمع فيهما مزيج من الخوف والذل والحنق

ارتجفت شفتاها لكنها لم تتكلم، كأن الكلمات علقت في حلقها

ابتسم ابتسامة جانبية ساخرة، ثم استدار مغادرًا

قال بصوتٍ مسموع وهو يبتعد دون أن ينظر خلفه"لديكِ أسبوع. بعده... سأكسر الصمت"

تركت واقفةً، كأن الأشجار نفسها تراقبها وتتهمها

وضعت يدها على صدرها، تتنفس بصعوبة،تحاول أن تُمسك بعقلها المتداعي

همست لنفسها"لا... لا يمكن أن يعرفوا... لن أسمح له أن يدمّر كل شيء. ليس الآن..."

ثم رفعت عينيها نحو السماء الرمادية فوق دار كاميليا، وقالت كأنها تقطع عهدًا"سأجد طريقة... بأي ثمن"

خرجت الفتيات من بوابة دار كاميليا الرئيسية، الهواء العليل يلاعب أطراف شعرهن، وضحكاتهن تتعالى بخفة نادرة بعد أيامٍ من التوتر والتعب.

كانت ماريا تمشي في المقدمة، تتحدث بحماس عن فستان رأته في السوق، وليندا تمازح أرورا بخصوص خياطتها، بينما كانت ريڤين وإيلاناي تتناقشان عن أي طريق يسلكن

لكن فجأة... توقفت جازمين في مكانها، وقطّبت حاجبيها

"هل رأيتن ما رأيت؟" قالت وهي تشير برأسها نحو الحديقة الخلفية

توقفت الفتيات واحدة تلو الأخرى، والتفتن باتجاه إشارتها

كان هناك رجل، يقف متكئًا على جذع شجرةٍ مائلة، ويرتدي قبعة تغطي ملامحه، لكن حركاته كانت مريبة... ظلّه لا يتحرك، لكنه لم يكن يبدو كواحد من أهل الحي

قالت إيلاناي بخفوت"لا أظن أنّه من هنا... لم أرَ أحدًا يقف هناك من قبل"

تقدمت ريڤين خطوةً، ثم عقدت ذراعيها"وما الذي يفعله هناك؟ هذا المكان نادرًا ما يمرّ به أحد..."

تأملته ماريا بنظرة حادة، ثم همست"وكأنه... ينتظر أحدًا"

قالت أرورا بقلق"ربما واحد من العمّال؟ أو أحد المارة؟"

هزّت جازمين رأسها"لا... لا يبدو كذلك. نظراته... فيها شيء غريب"

في تلك اللحظة، التفت الرجل نحوهن للحظة خاطفة

لم يطل النظر، لكن أعينهن التقت بعينيه للحظة قصيرة لكنها كافية لزرع الريبة

قالت ليندا وهي تمسك بذراع إيلاناي"عيناه... كانتا باردتين... وكأنّه يعرفنا"

لكن الرجل، ما إن رأى أنهنّ لاحظنه، حتى انحنى قليلًا، ثم استدار ببطء، واختفى بين الأشجار خلف الجدار

ساد صمت غريب بين الفتيات، كأن شعورًا غامضًا تسلل إلى صدورهن

قالت ريڤين أخيرًا، وهي تنظر إلى الفراغ الذي كان يقف فيه الرجل"علينا أن نخبر أحدًا. هذا لا يبدو عابرًا"

ردّت جازمين بنبرة متيقظة"أجل... لكن ليس الآن. لنراقب أولًا..."

نظرت إيلاناي إلى البوابة، ثم إلى حيث اختفى الرجل، وهمست دون أن يسمعها أحد"شيء ما... على وشك البدء"

تبادلت الفتيات نظرات قلقة، لكن ماريا صفّقت بيديها فجأة وقالت بحماس مفتعل"لن نسمح لغريب غامض أن يفسد علينا هذا اليوم، صحيح؟"

قالت أرورا وهي ترفع حاجبًا"أحاول أن أقتنع... لكن ما زلت أراه أمام عيني"

ضحكت ليندا بخفة وقالت وهي تمسك ذراعها"إذًا لننسَ أمره لبعض الوقت... أخبرنني، من التي تملك الخريطة؟"

أخرجت جازمين ورقة مطوية من جيبها وقالت"أنا. اتفقنا أن نبدأ من الحديقة القديمة قرب السوق، بعدها نمر على المكتبة الصغيرة اللي تحبها إيلاناي، ثم نكمل إلى الساحة مبارة الكرة الطائرة ... وربما نحضر الآيس كريم"

أضاءت عينا إيلاناي وقالت بحماسة مفاجئة"مكتبة 'ألف صفحة'؟ ياااه، لم أزرها منذ الشتاء الماضي"

ردّت ريڤين وهي تمط شفتيها"طالما لن نضطر لشراء كتب ثقيلة، فأنا معكم"

قالت ماريا بمكر"وأنا أراهن أن أرورا تريد شراء دفتر خياطة جديد... أو قماش"

أرورا رفعت أنفها بتصنّع"أنا مثقفة يا عزيزتي... سأشتري كتاب طبخ"

ضحكت الفتيات معًا، وشيئًا فشيئًا، انقشع التوتر الذي خلفه ذلك الرجل الغريب

قالت ليندا وهي تدفع باب الحديقة الخارجية"يبدو أن هذا اليوم سيصبح لطيفًا بعد كل شيء"

ثم مضين بخطى خفيفة، يتقدمن في الطريق المبلل قليلًا بندى الصباح، وضحكاتهن تتعالى وتختلط بنسيم المدينة.

لم يكن في أذهانهن الآن سوى هدف واحد

الحرية... ولو لساعات قليلة، بعيدًا عن جدران دار كاميليا

لكن خلف الأشجار، كان هناك ظل آخر... يتابعهن

كانت خطوات الفتيات تتباطأ قليلًا بينما بدأ الهدوء يخيّم على الجو. السماء صافية، والنسيم يبعثر أطراف شعرهن. لم يُردن التسرع... كل لحظة في الخارج لها قيمة

قالت ليندا وهي تنظر نحو إيلاناي"بالمناسبة... ايلا متى تبدأ مبارة كايدن؟"

رفعت إيلاناي حاجبها وقالت"نعم"

اقتربت منها أرورا بحماس وسألت"متى تبدأ؟ نريد أن نراها، أظن أنه يلعب جيدًا"

ابتسمت إيلاناي وقالت وهي تسند حقيبتها على كتفها"الخامسة مساء... في الملعب المفتوح عند طرف الحديقة الغربية. ستكون مباراة نصف النهائي"

صفّرت ماريا بدهشة"نصف النهائي؟! واو... كايدن بدأ يتقدّم"

ردّت ريڤين بسخرية لطيفة"طبعًا، ما دام كل من في الدار اصبحوا فجأة من مشجعيه"

قالت جازمين بنبرة أكثر جدية"أنا فقط أريد أن أرى إن كان يستحق فعلاً كل هذا الثناء الذي نسمعه"

علّقت ليندا ضاحكة وهي تشير إلى إيلاناي"وهل ستحملين له لافتة تشجيع مكتوبًا عليها (فوزك يعني الحياة)؟"

احمرّ وجه إيلاناي وقالت وهي ترفع يدها لتضرب ذراع ليندا مازحة"ليندا! اخرسي!"

........................................................................

.....

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

في الخامسة مساءً، عند الملعب المفتوح في الطرف الغربي من المدينة

تجمّع حشد صغير من الطلاب وبعض الأهالي على المقاعد الخشبية القديمة، تتخللهم هتافات متقطعة وتشجيع متحمس. كانت الشمس تميل نحو الغروب، ترسل أشعتها الذهبية الأخيرة فوق رؤوس اللاعبين، والنسيم يحمل أصواتًا متداخلة من صفارات وصيحات

كانت الفتيات يجلسن معًا في الصف الثاني من المدرجات؛ إيلاناي تتوسّطهن، تنظر إلى الملعب بتركيز شديد، بينما جازمين بجانبها تدفع نظارتها كل مرة تنزلق من أنفها

قالت ماريا، وهي ترفع يدها لتحجب ضوء الشمس عن عينيها"أيّهم كايدن؟ إنهم جميعًا يبدون متشابهين من هذه المسافة"

أشارت ليندا نحو شاب طويل القامة، يحمل الرقم 11، يتحرك برشاقة ويلتقط الكرة بمهارة ملحوظة"ذاك هو... الطويل، صاحب الشعر الاسود، كأنه نسر ينقض على فريسته"

علّقت ريڤين وهي تتكئ بمرفقها على حاجز المدرجات، تنظر نحو إيلاناي بطرف عينها"من الواضح أنّه الأفضل... ومن الواضح أيضًا أنّ إيلا قد نسيت كل من حولها"

التفتت إليها إيلاناي بسرعة، وركلت قدم ريڤين برفق"أراقب المباراة، لا أكثر"

دوّت صافرة البداية، وتحوّلت الأحاديث إلى همسات متقطعة

انطلق كايدن في الملعب بخفة وكأنه وُلد ليركض. كلّ لمسة من يده للكرة كانت محسوبة، وكلّ قفزة تُقابل بصيحات إعجاب

وفي الدقيقة الخامسة، سجّل أول نقطة لفريقه،فارتفعت التصفيقات في الأرجاء

لم تصفّق إيلاناي... لكنها ابتسمت

همست جازمين، وهي تميل نحوها دون أن تزيح نظارتها"رأيت تلك الابتسامة، يا إيلاناي"

قالت إيلاناي، متظاهرة بالبرود، بينما تتحاشى نظراتهن"إنه لاعب جيد... فقط لا أكثر"

وقبل انتهاء الشوط الأول، كانت إيلاناي تتابع المباراة بعينين شاردتين، لم تكن تركز على الكرة، بل على الفريق المقابل... على وجهين مألوفين بطريقة أربكتها. لاعبان متشابهان إلى حدّ مخيف، كأن أحدهما انعكاس للآخر، شعرها الأسود الطويل تدلّى على كتفها وهي تضيّق عينيها أكثر، محاولة أن تتأكد...

"أليس هذان كينث وكين؟" قالت ماريا، وهي تشير بإصبعها إلى الطرف الأيسر من الملعب، حيث كان التوأمان يتحركان بانسجام تام

تقدمت ريڤين ببطء، تدور بعينيها بين اللاعبين واللافتات، ثم سألت وهي تمطّ عنقها في اتجاه الملعب"من كينث وكين؟ أين؟"

فأمسكت أرورا وجه ريڤين بين يديها، وأدارت رأسها بلطف نحو الزاوية اليسرى، قائلة"هناك... في الجهة اليسرى من الملعب"

اتسعت عينا ريڤين وهي تهمس بدهشة"غريب..."

التفتت إليها جازمين ببرود ظاهر، وهي تمسح على عدسة نظارتها"وما الغريب فيهما؟ لاعبان، توأمان، طبيعي"

نظرت ريڤين إليها بحدّة كأنها أصيبت بصاعقة، وهتفت"جازمين! هل نسيتهما؟ كين وكينث! كانا معنا في الإعدادية! انفصلا والديهما وأخذتهما والدتهما إلى البرازيل! ألا تتذكرين؟"

ردت جازمين بهدوء بارد"بلى... تذكرتهما. ولكن ما زلت لا أرى ما يدعو إلى كل هذا التوتر"

فتحت ريڤين فمها لترد، لكن صفارة نهاية الشوط الأول قطعت الحديث. الفريقان انسحبا لأخذ استراحة، وساد ضجيج الجمهور

رفعت إيلاناي بصرها، فرأت كايدن يلوّح لها من بعيد، فبادلت التحية بابتسامة خفيفة، قبل أن تلتفت إلى ريڤين وتقول"لم تُجيبي، ما الذي يثير قلقك بشأن كين وكينث؟"

زفرت ريڤين، وضربت الأرض بقدمها قائلة"أووووووه! ألم تتذكري الإشاعات التي كانت تدور حولهما؟!"

نظرت إليها جازمين باستغراب"أي إشاعات؟"

اتسعت عينا ريڤين أكثر، لكنها لم تجب، بل تمتمت بعبارة غامضة"إن كنتِ لا تذكرين... فانسَي الأمر"

ثم التفتت وانطلقت تسير بخطى سريعة مبتعدة عن المقاعد، والغضب واضح في نبرة حذائها وهي تضرب الأرض

صرخت ماريا فجأة، وهي تمسك بيد أرورا وتجرّها خلفها"ريڤين! إلى أين تذهبين؟ انتظرينا!"

ثم التفتت نحو الباقيات وقالت"نحن آسفتان، يبدو أن ريڤين بحاجة إلى أن تُهدّأ، سنرافقها... لا تقلقن"

وغادرتا الملعب خلفها، تاركتين خلفهنّ صمتًا مشحونًا، كأن شيئًا غير مريح بدأ يتشكل... شيءٌ من الماضي، لم يُغلق بابه بعد

نظرت إيلاناي إلى جازمين وهمست"أكانت تقصد تلك الشائعة التي... تتعلق بما جرى في الصف التاسع؟"

لم تجب جازمين، لكنها أخفضت نظرها وأمسكت طرف قميصها بشيء من التوتر، وهي تهمس"لا أعلم... لكن لو كان صحيحًا أنهم عادو، فربما هذا ليس مجرد صدفة"

..............................................................

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

بووووووممم

ايش رأيكم في الفصل

من حبيتو اكثر وحده من بناتي 🥹🥹

السيده داليا

أورفيوس رأيكم

مين هو ليونارد و ايش هي نوايه

قصة خصلة ايلا البيضاء تحسوها ناقصه صحح

الخاله زيتا

الانسه جيزيل و ردت فعلها على جازمين

من هو الرجل الغامض

ومين تتوقعون المرأة اللى معو

كين وكينث

وايش هو سر انفعال ريڤين وقت شافتهم

هذا حسابي بالانستا_falak222

ضيفوني

صلو على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين اجمعين

وبس

استودعتكم الله

مع السلامه

☆👈🌟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Symbiosis.

المؤلف فلك
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة