ظلال من الماضي

ظلال من الماضي

14 0

صلو على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبهه اجمعين

قبل ما تقرأو الفصل قومو صلوه لانو ما يحتاج اقول لكم انو صلاتكم اهم من اي شي

واذا انتم مصلين تفضلو

『الأمـَـلُ هـوَ نــورٌ مُـنـبَـعِـثٌ مِـنْ أظْـلَـمَ، لا يُـرَى فِـيـهِ سِـوَى الـيـقِـيـن بـأنَّ الـفَـجْـر قَـادمْ』

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

سايمون بيتريكوف......

لم يكن سايمون مجرد نابغة عادي، بل كان أحد أفراد مجموعة النخبة السرية في المدرسة، التي تهيمن على نتائج المسابقات الأكاديمية وتوجه مجرى مستقبل الطلاب بحسب مصالحها، هؤلاء الأفراد، الذين يملكون نفوذًا خفيًا وراء ستار التنافس الشريف، لا يتهاونون أبدًا مع من يحاول الوقوف في طريقهم أو يعترض على سلطتهم

سمعت من بعض الزميلات أن تلك المجموعة تفرض قواعدها بدقة، وتستخدم أساليب غير معلنة لضمان التفوق الدائم، كالتلاعب بالأوراق، والتأثير على الحكام، وأحيانًا الترهيب الخفي. وقد كان سايمون أحد أبرز وجوهها، يتسم بالذكاء الفذ، والدهاء، وبثقة شبه مطلقة في نفسه، مما جعله ينفرد بمكانة لا تنافس بين أقرانه.

عندما تحدّت جازمين سايمون، لم تكن مجرد مواجهة بين طالبين، بل كانت مواجهة رمزية بين حرية الفكر والتسلط الخفي، بين الحقيقة والهيمنة، بين الإصرار على التميز والقبول بالظلم

سرنا في صمتٍ لبضعة دقائق، كأنّ الكلمات تُهاب أن تُقال،كانت الريح تعبث بأوراق الأشجار من حولنا، تهمس بشيءٍ لا ندركه، وخطواتنا تتداخل مع صدى المساء المائل للغروب

"رأيتُه مرتين في نادي المناظرة... كان مُرعبًا، لا بصوته، ولا بنبرة حديثه، بل بأسئلته

يُجيد الزاوية الضيّقة، يحشر خصمه فيها، ثم يبتسم وكأنّ الأمر مجرّد تسلية"قالتها ماريا بصوتٍ منخفض بعد ان كسرت الصمت بكلامها عن سايمون

"يُقال إنه الأول على دفعتهم منذ سنته الأولى، وأنّ أبحاثه تُرسل دومًا للمنافسات العالمية. حتى الأساتذة... يتحاشون تصحيحه"أضافت ليندا على كلام ماريا

قهقهت ريڤين بخفة ثم أضافت"أعرف فتاة من صفّه، تقول إنه عبقري... لكن من النوع الذي يُخيفك، مرة جعل أحد الطلاب يبكي أثناء عرضٍ شفهي، فقط لأنه فنّد فكرته بالكامل، دون أن يرفع صوته أو يُهينه"

همست أرورا، وكأنها تتحدث عن شبح"لكنه... غريب، دائمًا بمفرده. لا أصدقاء له، لا يشارك في الفعاليات، لا يظهر في الصور، ولا يبتسم... إلا إن كان في نقاش"

نظرتُ إلى جازمين، كانت تصغي لكل كلمة، عيناها معلقتان بالأفق، لكن عقلها حاضر معنا تمامًا

سألتها بهدوء"وأنتِ، لِمَ تعتقدين أنه مهتم بتحديكِ أنتِ تحديدًا؟"

ترددت للحظة، ثم قالت"كتبتُ مقالًا في مجلة المدرسة قبل شهر، انتقدتُ فيه طريقة تحليل بعض الطلاب... وذكرت اقتباسًا من أحد أبحاثه دون اسمه

أظنّه أدرك أنّه المقصود"

ساد صمت قصير

نظرت ريڤين إلى جازمين بعينين تلمعان فضولًا، وابتسامةٌ خفيفة تعلو شفتيها"لو كان سايمون بهذا القدر من الثقة والمهارة، هل تعتقدين أنه يثق بنفسه حقًا، أم أن وراء هذا الغرور جدارًا يحمي قلبًا هشًّا؟"

هزّت ليندا رأسها ببطء، وهي تعانق ذراعيها وكأنها تحاول دفءً داخليًا"ثقة كهذه لا تولد من فراغ. هناك دائماً ما يدفع الإنسان لأن يكون هكذا، ربما ضغوط عائلية، أو رغبة جامحة في إثبات الذات وسط عالم لا يرحم"

أضافت أرورا بنبرة خافتة، وكأنها تهمس بخوف"سمعتُ أن سايمون كان وحيدًا في طفولته... لا أصدقاء له سوى الكتب، وأن تفوقه كان سلاحه الوحيد لكسب احترام الآخرين. أحيانًا، أشفق عليه"

ضحكت ماريا بسخرية مخبّرة، وهي تلمع عيناها بدهشة"إن كان الأمر كذلك، فهو بارع جدًا في إخفاء ذلك. لا يبدو أبدًا كمن يحتاج للعطف، بل كمن يتحكم بكل شيء في محيطه. أعترف، هو شخص مُثير"

نظرت جازمين إلينا جميعاً، وعيونها تنبض بعمقٍ يفوق الظاهر، وقالت"ربما هو مثلنا... يبحث عن مكان له بين الجميع، لكنه لا يعرف كيف يُظهر ذلك إلا بأسلوبه الخاص، بأسلوب قاسٍ أحيانًا"

وقفت بثبات، وصرخت همسًا عميقًا في قلب المجموعة"هذا التحدي... ليس مجرد امتحان أو مسابقة. إنه اختبار حقيقي لنا جميعًا، لمعرفة كيف نواجه مخاوفنا، وكيف نثبت أنفسنا، حتى في وجه من يبدو لا يُقهَر"

نظرت إليهن واحدةً تلو الأخرى، شعرت بتلك اللحظة كأننا لسنا مجرد فتيات في دار أيتام، بل أرواح تقف على حافة نضوجٍ قاسٍ، حيث لا رجوع بعد الآن

سكنت الكلمات في الهواء، وغاب ضوء الشمس خلف الأشجار البعيدة.

حتى صوت العصافير بدا وكأنه انسحب من المشهد، تاركًا لنا صمتًا أثقل من أي ضجيج

حينها فقط، أدركت أن القادم ليس اختبارًا لذكائنا... بل لقلوبنا

....................................................

كانت القاعة 4 تقع على أطراف المنطقة التعليمية الجنوبية، في حيّ يُعرف بهدوئه الظاهري، لكنه يضمّ أعقد النزالات الفكرية بين طلاب النخبة. المبنى خارجيًا لا يوحي بالعظمة، واجهة زجاجية رمادية يغطيها ظل أشجار البونسيانا المنتشرة على جانبي الطريق، ولكن من الداخل... كانت القاعة عالماً مختلفًا

مدخلها مزوّد بأبواب إلكترونية لا تُفتح إلا بإذنٍ مسبق، وتتقدّم عبر ممر طويل مليئ بإطارات من الصور القديمة لأبطال المسابقات الأكاديمية على مرّ السنوات. وبين تلك الوجوه، يبرز وجه سايمون بابتسامته الواثقة، في صورة ضخمة تتوسط الجدار الثالث

القاعة نفسها مستطيلة الشكل، تتسع لما يقارب مئتي شخص، وجدرانها مطلية بلون رمادي قاتم يمنحها طابعًا رسميًا باردًا. في المنتصف، ترتفع منصة بيضاء مقسومة إلى جانبين، مجهزة بكامل أجهزة العرض والميكروفونات، حيث يُجرى التحدي بين الطرفين

الإضاءة في القاعة مركّزة، تسقط على المنصة مباشرة، تاركة الجمهور في ظلال خفيفة، وكأن المسرح وحده يستحق الوجود. صفوف المقاعد مرتبة بنظام شبه مسرحي، ووراء كل صف، يجلس مشرفون ومراقبون يحملون أجهزة لوحية يسجّلون كلّ تفصيلة

أما في الزاوية الخلفية، فتوجد غرفة زجاجية صغيرة مخصصة للجنة التحكيم السرية، يمكنهم من خلالها متابعة الحدث من دون أن يُرَوا بوضوح

جلسنا في المقاعد المخصصة لنا، في صفوف جانبية منخفضة نسبيًا، بينما وقف سايمون على المنصة، يُراجع ملاحظاته بثقة غريبة. كانت يداه خلف ظهره، وعيناه لا تلتفتان، وكأن حضوره في هذا التحدي ليس إلا إجراءً روتينيًا آخر لتأكيد تفوّقه

في الصف الأول، جلس ثلاثة طلاب بملامح صارمة. أحدهم كان معروفًا باسم "أورفيوس"؛واحد من عباقرة المدرسة الذي لا يتحدث كثيرًا، لكنه يُقال إنه رفض منحة أكسفورد لأنه "غير مهتم"

دخلت جازمين القاعة وكأنها تدخل ساحة معركة كل خطوة خطتها على البلاط البارد كانت صدى لنيّة معلنة: لن أنحني، حتى لو خسرت.

أما سايمون، فقد كان واقفًا هناك قبل الجميع، محاطًا بثلاثة طلاب ببدلات رسمية، هم أعضاء "مجموعة النخبة" الذين لم يظهروا علنًا من قبل... وجوههم جامدة، أعينهم فاحصة، وكأنهم يحاكمون كل من يقف خارج دائرتهم.

همس أحدهم في أذن سايمون، فابتسم، ثم أدار عينيه الباردتين نحو جازمين وقال

"أنتِ هنا لأنكِ ظننتِ أن الذكاء وحده كافٍ؟ هذا مضحك"

جازمين تقدّمت خطوة للأمام، ردّت بصوت مسموع"أنا هنا لأنني لم أعد أحتمل أن تُدار مدرستنا من خلف الستار. حتى لو لم أربح... سأكسر وهم سلطتكم"

الجمهور صامت. الكل متوتر

بدأت الجولة الأولى: معادلة خادعة متداخلة من ثلاث مستويات، تمزج بين الفيزياء والمنطق والرياضيات.

الزمن: 60 ثانية.

النتيجة: تعادل.

الجولة الثانية: تحليل تشفير رقمي من نوع غير شائع. سايمون أنهى الحل في 32 ثانية. جازمين انتهت في 40 ثانية، لكن حَلّها كان أكثر اختصارًا.

الحكم تردد ثم قال:

"النقطة... لجازمين"

همهمة خافتة من ركن "النخبة"

في الجولة الثالثة، جاء السؤال من نوعٍ غريب، نموذج محاكاة موقف واقعي سياسي أخلاقي، يتطلب القرار في ظرف 90 ثانية

جازمين أجابت أولًا، وكان ردّها جريئًا

سايمون أجاب بعد تفكير طويل... لكنه قال

"المعطيات غير كافية. ارفض الإجابة ضمن هذا الإطار"

الحكم صمت

"النقطة... لا تُمنح"

الضغط تصاعد، بعض الطلاب همسوا

"هذا لم يحدث من قبل... سايمون يرفض الإجابة؟"

الجولة الرابعة كانت فخًّا نفسيًا. سؤالٌ بسيط ظاهريًا، لكنه مبني على مبدأ معرفي غير تقليدي، لا يُدرّس غالبًا

جازمين أجابت بسرعة. سايمون ضحك بخفة... ثم كتب شيئًا أقصر من جملة

الحكم:

"كلاكما... خاطئ. لا نقاط"

وأخيرًا... الجولة الخامسة

تم خفض الأضواء قليلًا، عرضت شاشة عملاقة حالة طوارئ افتراضية، فيها عوامل متشابكة من طب، علم أعصاب، سياسة، قانون، وسيناريو اجتماعي. المطلوب: اتخاذ قرار، مع التبرير الكامل، خلال دقيقتين

جازمين تنفست بعمق، وبدأت تدوّن

سايمون لم يكتب، بل جلس مستندًا على الكرسي، مغلق العينين

العد التنازلي وصل إلى العشر ثوانٍ... فرفع سايمون رأسه، كتب ثلاث جمل فقط، ووضع قلمه.

انتهى الوقت.

لجنة التحكيم تراجعت إلى الخلف، تناقش بهمس.

الكل ينتظر.

الحكم:

"بناءً على الدقة، التحليل الأخلاقي، والربط بين المعطيات... النقطة الحاسمة تذهب إلى..."

سكت ثانية

"...سايمون بيتريكوف..."

الجمهور لم يصفّق فورًا

نظرت إلى جازمين من مكاني بين الصفوف وقفت مستقيمة، لكنها بدت متعبة. لم تُظهر انكسارًا، لكن في عينيها... ألم خافت مع ذلك، ابتسمت بخفة، وقالت:

"خسرت المعركة، لكن الحرب لم تنتهِ"

وسارت خارج القاعة، بينما أعين الجميع تتبعها

أما سايمون... وقف يراقبها......... وابتسامته اختفت.

..............................

......

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

ركضتُ خلف جازمين، ومعي أرورا ثم ريڤين والبقيّة

كانت تسير بخطى سريعة نحو الحديقة الجانبية خلف مبنى القاعة، كتفاها مشدودان ويديها معقودتان خلف ظهرها

لم يجرؤ أحد على كسر الصمت، حتى ماريا، التي عادةً ما تجد الكلمات في أقسى اللحظات، كانت تشيح بوجهها إلى الجانب وكأنها تلوك شيئًا في قلبها

تقدّمتُ خطوة إلى جانب جازمين، ناظرة إلى عينيها"لقد كنتِ شجاعة" همست

لكنها لم تجب

ريڤين كانت في الخلف، تهمهم "ذلك المتغطرس... خطّط لكل شيء، حتى الأسئلة، حتى المنصة، حتى... حتى الإضاءة! مَن يفعل ذلك في تحدٍ بسيط؟"

ليندا تمتمت "كان كأنه عرض مسرحي، لا مناظرة علمية..."

جازمين توقفت فجأة. التفتت إلينا، والنظرة في عينيها جعلتني أبتلع كل ما كنتُ سأقوله"خسرتُ، نعم... لكنني لم أهرب ولم أجبن وهو يعلم ذلك، أنتم تعلمن ذلك. أنا ذهبت حتى النهاية"

أرورا تقدّمت منها وربتت على ذراعها"لم تخسري أمامه، بل أمام لعبته. نحن نعلم من تكونين يا جازمين. حتى إن دوّن هو في دفتره أنكِ 'خاسرة'... نحن كتبنا في قلوبنا أنكِ كنتِ الأصدق"

جازمين أنزلت عينيها للحظة، وكأن كلمات أرورا لامست شيئًا كان يتألم بصمت في داخلها. شفتاها ارتجفتا، ثم تنفست بعمق، وأدارت وجهها نحو السماء الرمادية كأنها تُخفي غيمًا آخر في عينيها

قالت بصوتٍ هادئ، لكنه مكسور"أنا فقط... أردت أن أثبت أنني قادرة، أن لا أحد يمكنه إسكاتي أو دفعي للزاوية. لكنه لم يكن تحديًا نزيهًا... لم يكن يومًا كذلك"

ماريا اقتربت، وضعت يدها على كتف جازمين وقالت بحنانٍ نادر"ولم تكوني وحدكِ، كنا هناك، نراكِ، ونشعر بكل شيء. سايمون لم ينتصر... فقط كسب جولة"

ريڤين عقدت ذراعيها، بنبرة ساخرة لكنها مشبعة بالغضب"أقسم إنني سأُسقطه عن عرشه هذا، حتى لو اضطررتُ لسرقة دفتره ذاك وتوزيعه على كل جدار في المدرسة"

ضحكت ليندا بخفة، لكنّها كانت ضحكة فيها مرارة"قاعته تلك؟ جنوب المدينة؟ أشبه بعرش ملك الظلام لكننا كنا نورًا، على الأقل، لم نكن زينةً لتفوقه المزيف"

نظرتُ إلى الفتيات واحدة تلو الأخرى، وكلّ واحدة منهن كانت تشتعل بعينين مليئتين بالعزيمة. شعرتُ في تلك اللحظة أننا لم نعد مجرد فتيات في دار أيتام... بل كنا شيئًا آخر. شيئًا بدأ يتشكل من وسط الهزيمة

جازمين ابتسمت أخيرًا، ابتسامة خفيفة بالكاد تُرى، لكنها كانت حقيقية.

قالت بهدوء"لا أريد الشفقة، ولا التصفيق. فقط... تذكّروا هذا اليوم، لأنه لن يتكرر. المرة القادمة، سأكون أنا من يكتب النتيجة"

وهنا، أومأنا جميعًا. ولم نكن نُقسم لطمأنتها فقط... بل كنا نُقسم لأنفسنا.

واصلنا السير عبر الأزقة الخلفية المؤدية إلى موقف الباص، كانت خطواتنا متثاقلة، كأن كل واحدة تحمل على كتفيها ما هو أثقل من حقيبة، أثقل من الهزيمة نفسها. المدينة حولنا كانت قد بدأت تخلع قناع النهار، وتلبس صمت المغيب، بينما النسيم يعبث بأطراف عباءاتنا، كأنّه يواسي أو يعاتب، لم نكن نميّز الفرق

ريڤين رفعت ياقة معطفها، تمتمت دون أن تنظر لأحد"هل تتخيلن كمية الكاميرات التي كانت مزروعة في تلك القاعة؟ لا أحد يقيم تحديًا بهذا الحجم لمجرد إثبات الذات... هذا عرض قوى، عرض سلطة"

أرورا نظرت إليها بتمعّن، ثم قالت بصوت خافت"أتعنين أنّه كان يختبر شيئًا؟"

جازمين كانت تسير في الأمام، لم تلتفت، لكن نبرتها أتت حاسمة"هو أراد أن يُحرجني، وأن يكسرنا جميعًا برسالة واحدة. لكنه نسي شيئًا..."

سكتت، فبادرتها ليندا بنبرة فضولية"وما هو؟"

توقفت جازمين عند حافة الرصيف، ورفعت رأسها نحو السماء، تلك الابتسامة القديمة عادت لوجهها، متحدّية رغم الألم"أننا لا ننكسر، بل نتصدّع لنفهم كيف نعيد ترتيب أنفسنا بشكل أقوى"

لم ينبس أحد بكلمة. كنا نعلم أنها لم تقلها لتبدو قوية، بل لأنها فعلاً تؤمن بذلك

ركبنا الباص بصمت، لكن الهدوء لم يدم طويلًا. ريڤين كانت أول من خرقه، عاقدة ذراعيها وناظرة إلى السقف وكأنها تحادث الفراغ"غريب... كان بإمكانه تحطيمها من أول جولة، لكنه مدّد التحدي. وكأنه لم يريد النصر، بقدر.. استمتاعه بالمواجهة"

ماريا رفعت حاجبها، وأطلقت ضحكة قصيرة"تقولين إنه كان معجبًا؟ سايمون؟ معجب بجازمين؟ مستحيل"

أرورا نظرت إليها بتمعن، ثم قالت"لا تستبعدي ذلك. في لحظة مناظرتهم، نظراته كانت مختلفة. لم تكن نظرة خصم، بل كأنه يراقب ردة فعلها، كأنه ينتظر منها شيء... تحدٍ على مستوى آخر"

أخرجت ليندا قطعة حلوى من جيبها، ومرّرتها بين أيدينا واحدة تلو الأخرى، ثم قالت بصوت

هادي وقد شرد بصرها قليلًا" كثيرًا ما يختبئ الإعجاب خلف ستار المنافسة. حين ينبهر أحدهم بشخصٍ قوي، لا يعاديه حقًّا... بل يختبره، ليرى: هل يستطيع أن يجاريه؟ أن يواجهه وجهًا لوجه، لا ضعفًا... بل احترامًا مقنّعًا بالتحدّي."

ساد صمت قصير، كأن كلمات ليندا فتحت بابًا للتأمل، قبل أن تتنحنح أرورا وتقول مبتسمة بخفة"إذا كان هذا ما يُسمّى إعجابًا، فسايمون في ورطة. لأن جازمين لن تترك له فرصة لالتقاط أنفاسه"

ضحكت ماريا نصف ضحكة، ثم مالت برأسها قائلة"أو ربما هو بالفعل لا يريد أن يلتقط أنفاسه… بل يريد أن يفقدها أمامها"

همست ريڤين ، وقد شبكت ذراعيها أمام صدرها"كلامكن رومانسي أكثر من اللازم. نحن لا نعلم إن كان معجبًا حقًا، أو فقط... مهووسًا بالسيطرة"

نظرتُ إلى جازمين، كانت تجلس على المقعد المقابل، تنظر من النافذة، وشعرها يحجب جزءًا من وجهها. بدا لي أن كلماتهن كانت تصلها، لكنها اختارت أن تصمت

اقتربتُ منها قليلًا وهمست"إن كان معجبًا فعلًا، فقد اختار أغرب طريقة ليُظهر ذلك"

همست دون أن تلتفت"إن كان هذا هو الإعجاب، فأنا أفضّل اللامبالاة"

ضحكتُ بصوت خافت، لكن في داخلي… لم أستطع نفي الفكرة تمامًا

.............................................................

توقفت الحافلة أمام البوابة الحديدية الكبيرة، التي كانت تبدو في تلك اللحظة أشبه بحاجز بين عالمين؛ عالم الخارج بكل ما فيه من تحديات وجرح، وعالم الداخل المألوف، رغم قسوته أحيانًا

انفتحت الأبواب ببطء، وكأنها تواسي من خرج منكسرًا

هبطنا واحدةً تلو الأخرى، وأقدامنا تلامس الأرض ببطءٍ لا يشبه خطواتنا المعتادة.

جازمين كانت أوّل من نزل، ترفع رأسها عاليًا، كما لو كانت لا تريد لشيء أن يُرى في عينيها

السماء ما زالت ملبدة، والهواء رطبٌ، يحمل معه رائحة إسفلت مبتل وغيمٍ ثقيل.

كان كل شيء في المكان مألوفًا، الساحة، الدرج الحجري، الشرفات ذات النوافذ المفتوحة…

لكن شيئًا فينا قد تغيّر.

همست ماريا وهي تتنهد"أكره العودة حين نكون منهزمين"

فردّت أرورا بنبرة رقيقة"نحن لم نُهزم… لقد خضنا معركة لم يكن فيها النصر هدفًا"

ضحكت ريڤين بسخرية،  وهي تمشي إلى جوارهن"قولي ذلك لسايمون، وانظري إن كان سيضيفه إلى تقاريره"

كنت أمشي خلفهن، عينيّ على جازمين، التي تسير وحدها دون أن تلتفت

كنت أعرف، بل أشعر، أن في داخلها ضوضاء لا يسمعها أحد

ورغم الكبرياء الذي يغلف مشيتها، كان في ظهرها انحناءة خفيفة… كأنها تحمل أكثر مما ينبغي

وحين دخلنا باحة الدار، رأيناهم.

الآنسة جيزيل، واقفة عند الباب الأمامي، ذراعاها مشدودتان، وعيناها تشتعلان بنار لم نرَها منذ زمن. إلى جوارها وقفت الخالة زيتا، وجهها مشدود وكأنها تجاهد لتكتم انفعالها. أما المرأة الثالثة… فقد كانت جديدة.

بذلتها الأنيقة، وشعرها المرتب، ونظرتها التي تُقيّم كل واحدة منا وكأنها تدون ملاحظات في رأسها… كل شيء فيها قال إنها ليست ضيفة عابرة.

تقدّمت جيزيل خطوة، وقالت بصوت حادّ"أين كنتن؟! هل تظنّون أنكن فوق النظام؟! فوق القانون؟!"

صرخت الخالة زيتا: "خارج المدرسة؟ دون إذن؟! هل فقدتن عقولكن؟!"

قالت ماريا محاولة الدفاع "لم نفعل شيئًا خاطئًا، كنا–"

قاطعتها جيزيل ببغض: "اسكتي، لا تبرري. نحن نعلم كل ما حدث. وصلتنا الشكاوى قبل عودتكن!"

نظرت المرأة الجديدة نحونا ثم قالت بهدوء، لكن بنبرة سلطوية"يبدو أن الأمر يتجاوز مجرد خرقٍ بسيط. ما رأيته اليوم يدل على خلل في الانضباط… وهذا يتطلب عقابًا جماعيًا"

رفعت ريڤين حاجبها بازدراء"ومن تكونين أنتِ بالضبط لتقرّري؟"

قالت المرأة، بابتسامة باردة "أنا السيدة داليا، مسؤولة إدارية جديدة. ابتداءً من اليوم، سأشرف على تنظيم سلوك نزيلات الدار. والفوضى... ستُمحى"

قهقهت ماريا بسخرية "فلتبدأي بنفسك، نحن لسنا جنودًا في معسكر"

هتفت ليندا: "لن نقبل أن نُعاقب لأننا وقفنا مع صديقتنا!"

قالت داليا "أنتم في مؤسسة، وليست مشاعركم من تحدد القواعد. إن لم تلتزموا... ستكون هناك تبعات."

خطوتُ إلى الأمام، نظرت إليها في عينيها مباشرة، وقلت بهدوء

"التبعات التي نخافها... اختبرنا ما هو أشد منها. فلا تظني أن التهديد سيكفينا"

سادت لحظة صمت، كانت جيزيل خلالها تحدق بي كأنني خرجت عن حدودي، لكني لم أندم

نظرت السيدة داليا إلينا مطولاً، ثم استدارت

وعادة الى الداخل

ما إن اختفت السيدة داليا خلف الباب، حتى ساد صمت ثقيل، قاسٍ، كأن الهواء ذاته ثقل في صدورنا

ماريا كانت أول من انفجر، رفعت يدها في الهواء وقالت ساخرة"ومن تلك المتعجرفة التي ظهرت فجأة وأخذت تصرخ في وجوهنا؟! من أين خرجت؟ من خلف الستار؟!"

قالت ريڤين وهي تشبك ذراعيها"جاءتنا ببدلة رسمية ونظرة استعلاء، وتعتقد أنها ستخيفنا؟ تظن نفسها المديرة العظمى؟"

نظرت إلى الآنسة جيزيل، وسألتها بنبرة صريحة، لم أخفِ فيها امتعاضي"من هي، آنسة جيزيل؟ ومن سمح لها أصلاً بأن تتدخل في شؤون الدار هكذا؟"

زفرت جيزيل بحدة، كأنها كانت تتوقع هذا الانفجار، ثم قالت"داليا موظفة من الإدارة العليا، تم تكليفها رسميًا بالإشراف على الانضباط بعد تكرار الحوادث في الأشهر الأخيرة. هي لا تحلّ محلي، لكنها ستساعد في الأمور التنظيمية"

قالت ماريا وهي تضحك بسخرية"تنظيمية؟! تقصدين إذلالية."

أضافت ريڤين"إن كانت هذه بدايتها، فما الذي ستفعله لاحقًا؟ تربطنا بالسلاسل وتضع جدولًا للتنفس؟"

قاطعتهم جيزيل بصرامة"كفى. لن أسمح بالإساءة لمسؤولة جديدة أمامي، سواء رضيتم بها أم لا. وعقوبتكن... تبدأ الآن."

تقدمت الخالة زيتا، تحمل ورقة كتبت فيها شيئًا بخط عريض، ثم رفعتها قائلة"ابتداءً من الغد، ستتكفلن بتحضير وجبة الغداء… يوميًا، ولمدة أسبوع"

شهقت ماريا كأنها تلقت صفعة"الغداء؟! ذاك الشيء الذي يلتصق بالقدور ويجعل رائحتي كرائحة مطبخ؟!"

قالت ريڤين"هل تحاولون إذلالنا فعلاً؟! هناك من لا يعرف حتى كيف يمسك مقلاة!"

ضحكت أرورا بمرارة"هذا انتقام مقنّع تحت اسم النظام"

أجابت جيزيل ببرود"بل هو مسؤولية، وستنفذنها. ويمكنكن اعتبار هذا تدريبًا على الحياة الواقعية، إن كن تظنن أنفسكن ناضجات كفاية للتمرد"

اقتربت ماريا منها، ثم قالت بنبرة تحدّ"حسنًا... سنفعل. لكن لا تتوقعي طعامًا يشبه طعام البشر."

ضحكت ريڤين وقالت"سأحرص على أن يحترق الأرز ثلاث مرات قبل أن يُقدَّم"

نظرت إلى جيزيل، ثم قلت بهدوء"قد تظنون أن العقوبة ستكسرنا... لكنها لن تزيدنا إلا يقظة"

لوّحت ماريا بيدها"ليكن، لتُشعل داليا الحرب… لكن لا تنسَوا، لسنا فتيات الدمى التي تُملى عليها الأوامر دون رد"

دخلنا الى الداخل الدار، وكل واحدة منا تجرّ خلفها نارًا صغيرة، تزداد اشتعالًا مع كل خطوة

......................................................................

....

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

في غرفة النوم كان الضوء الخافت يتسلل من أسفل الباب، وكل شيء في الغرفة بدا وكأنه يحبس أنفاسه. الأصوات خفتت، لكن الهمسات كانت أكثر ضجيجًا من أي صراخ

استلقيت على ظهري، أحدق في السقف المظلم، وقلبي لم يهدأ

قالت ريڤين، بصوتها الرتيب الذي يشبه الموج المتعب"هل لاحظتن طريقة نظرتها؟ كأنها تعرف كل شيء عنا... قبل أن ننطق"

ماريا، من فوق سريرها العلوي، تمتمت"بل كأنها تنتظر أن ننهار. عندها فقط سترضى"

أرورا كانت على الجانب، ظهرها لنا، صوتها جاء ناعسًا لكنه واضح"أظن أن لديها ملفًا عن كل واحدة منا…"

قاطعتها ليندا، بنبرة ناعمة"ملف؟ نحن لسنا جواسيس… نحن فقط… فتيات بلا أهل"

تسللت نبرة مرارة في صوتها، سكنت بعدها الغرفة للحظة، قبل أن تقول ماريا بسخرية مغموسة بالحزن"فتيات بلا أهل... لكن يبدو أن هذا وحده تهمةٌ كافية في نظرها"

قلتُ بهدوء، وأنا أراقب ظل أرورا يتحرّك على الحائط"غدًا... سنطبخ، كما أرادوا. لكننا لن نُطهى. هذه النار لن تلتهمنا"

قالت ريڤين"أنا فقط أطلب شيئًا واحدًا… أن نحرق قدرًا واحدًا على الأقل. لأجل الكبرياء"

ضحكت ماريا بخفة"سنحرق القدر… ونُقدّم الرماد على طبق من فضة"

همست أرورا وكأنها تحدّث نفسها"إن كانت هذه بدايتهم… فليستعدوا لنهاياتنا"

أغمضت عينيّ أخيرًا، وابتسمت بمرارة. حتى وسط الظلام، حتى تحت وطأة القهر، كنا نعرف كيف نزرع بذرة مقاومة.

......................................................................

......

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

الصباح أتى ثقيلاً، كأن الدار تنفّست غضب داليا ثم زفرته في وجوهنا.

كنا جميعًا في المطبخ، يرتدي بعضنا المآزر كأنها دروع في معركة، والبعض الآخر يجرّ قدميه وكأن المطبخ منصة إعدام.

وقفت ماريا أمام القدر الكبير وهي تنظر إليه وكأنه خصم شخصي، ثم قالت"هل يَغلي الماء إذا نظرت إليه بازدراء؟"

ضحكت ريڤين من الزاوية وهي تقطع البصل بطريقة عدوانية"جرّبي التنهيدة العميقة، أحيانًا تشعل أزمات كاملة."

قالت ليندا وهي تحاول فتح كيس الأرز"على الأقل لم يطلبوا منّا إعداد حفل عشاء للدالية العُظمى"

أرورا، التي كانت تحرّك ملعقة خشبية في الهواء أكثر مما تحرّك بها في القدر، قالت"اسمها داليا. لكن أنا سأسميها 'المديرة المؤقتة لنهاية العالم' "

ضحكت ماريا ضحكة صغيرة، ثم التفتت إليّ"إيلاناي، أنتِ صامتة جدًا. أخبرينا، ما رأيك في داليا العظيمة؟"

نظرتُ إلى وجوههن جميعًا، ثم إلى المطبخ الذي بدا وكأنه يشهد أول ثورة مطبخيّة في تاريخ الدار.

قلتُ بهدوء، بينما أضع الزيت في المقلاة"هي لم تأتِ لتساعد. أتت لتُثبت شيئًا... لكننا لسنا المشروع المناسب لإثبات الذات"

قالت ريڤين، وهي تمسح دمعة من أثر البصل"خسارة… كنت أتمنى أن تثبت على باب الدار وتغادر"

وفي لحظة صمت قصيرة، دخلت الآنسة جيزيل للمطبخ، ووقفت بصمت تراقبنا.

كل واحدة فينا تصنّعت الجدّية فجأة، كأننا مجموعة راهبات يُحضّرن وجبة للقديسين.

رفعت جيزيل حاجبًا وقالت"هل تُحضّرن الطعام... أم مسرحية؟"

ماريا قالت بنبرة رزينة مصطنعة"مزيج من الاثنين، آنسة"

ثم دخلت داليا، تحمل دفترًا وتسجّل الملاحظات.

نظرت إلينا بنظرة تقييم، وقالت"انضباط جيد… أرجو فقط أن أجد الجودة مع الالتزام"

تمتمت أرورا بصوت منخفض جدًا، لكنها كانت تعلم أنها مسموعة"ما رأيك بالقليل من السُم كتوابل؟"

أطلقت جيزيل شهقة مكتومة، لكني رأيت زاوية فمها ترتفع للحظة، قبل أن تعود الجدية لملامحها.

قالت داليا، دون أن تلتفت"الفكاهة ليست جزءًا من الواجب"

قلتُ في داخلي: لكنها كانت دائمًا جزءًا من النجاة.

بعد مغادرة الآنسة جيزيل وداليا، تنفّس المطبخ قليلًا من الحرية

رفعت ريڤين الغطاء عن القدر ونظرت إلى محتواه نظرة متحفظة"هل يفترض أن يبدو هكذا؟"

قالت ماريا وهي تغسل الطماطم"إن لم يُغمَ علينا بعد أول لقمة، سنعتبره نجاحًا"

كنت أقلب المعكرونة، حين دخلت جازمين أخيرًا، وربطت مئزرها بصمت، ثم وقفت قرب الطاولة الخشبية، وأخذت تقطّع الخضار بدقة كأنها تُجري عملية جراحية.

قالت ماريا، مبتسمة بخبث"جازمين، أتعلمين أن هذه أول مرة نراكِ في المطبخ دون أن تحملي دفترًا؟"

رفعت جازمين نظرها نحوها دون أن تبتسم، وقالت"السكين أكثر فائدة من القلم حاليًا"

قهقهت ريڤين وقالت"قول فلسفي... لكن مرعب قليلًا"

قالت أرورا وهي تشير إلى القدر"جازمين، ما رأيك؟ هل هذه الوجبة ستجعل داليا ترحل طوعًا؟"

ردت جازمين، وهي تعصر الليمون بهدوء"إن لم ترحل من الطعم... فقد ترحل من التعبير الموجود على وجوهنا حين نقدّمه لها"

قالت ليندا، بنبرة أكثر هدوءًا"هل تعتقدين أنها ستُبقي العقوبة علينا طويلًا؟"

توقفت جازمين عن التقطيع، ومسحت يديها، ثم نظرت إلينا جميعًا"لا أدري... لكنها اختارت أن تبدأ وجودها بيننا بفرض سلطة، لا بثقة. وذلك النوع من السلطة… لا يعيش طويلًا هنا"

نظرتُ إليها، وشعرت بلحظة تقاطع حقيقي بيننا

ثم قالت ماريا، وهي تبتسم"إذا أُعجبت داليا بالوجبة، فسنعتبر ذلك فشلًا ذريعًا"

ضحكت جازمين... نعم، ضحكت. ضحكة قصيرة ومفاجئة جعلتنا جميعًا نلتفت نحوها بدهشة.

قالت وهي ترفع الملعقة لتتذوق الصلصة:

"حسنًا... على الأقل طعمها لا يُشبه الهزيمة"

بينما كنا نعمل على الوجبة كأننا طاقم مطعم تحت التهديد، بدأت الكوارث بالتسلل واحدة تلو الأخرى.

صرخت ماريا فجأة"آه! البصل دخل عيوني! من الجاهل الذي قال إن التقطيع بالطول أسهل؟!"

قالت ليندا وهي تضحك وتغطّي أنفها بمنديل"ومن الجاهل الذي قال إن قلي البصل على نار عالية فكرة جيدة؟ المكان اصبح غرفة غاز!"

كانت جازمين تهمّ بتحريك الشوربة، لكنها توقفت حين سمعت صوت غليان غريب. نظرت إلى القدر، ثم إليّ"أيلا… هل وضعتِ سكرًا بدل الملح؟"

قلت مرتبكًا"أظنه كان علبة بيضاء… لا أحد سمّى العلب!"

أطلقت ريڤين صفارة وهمية وقالت"كوارث مطبخية، الموسم الأول، الحلقة الثالثة: حين تصبح الشوربة حلوى"

انزلقت ماريا فجأة، ووقعت على الأرض وهي تصرخ"من رمى قشرة طماطم على الأرض؟ هذا اعتداء!"

ضحكت أرورا وهي تساعدها على النهوض"هذه ليست قشرة، هذا كائن حي هرب من المقلاة."

وقفت جازمين وسط كل ذلك، تحاول أن تتمالك أعصابها. كانت تقلب المعكرونة بقوة، ثم قالت بنبرة هادئة بشكل مريب"إن لم تنضبط الأمور خلال خمس دقائق، سأغلق الغاز… وأفتح كتاب الكيمياء."

صرخت ماريا"لااا! لا تستدعي الكيمياء علينا، نحن أبرياء!"

قالت ريڤين وهي تغسل الأطباق ببطء مبالغ فيه"أنا فقط أريد أن أعيش لأرى وجه داليا حين تذوق هذا الطعام نظرتها ستكون مرآة لخيبات الحياة"

قلت وأنا أضع الصلصة فوق المعكرونة المغلية زيادة عن اللزوم"هل نكتب وصايانا الآن أم بعد تقديم الوجبة؟"

ثم فجأة، دوى صوت فرقعة، وقفز غطاء القدر في الهواء، وارتطم بالسقف قبل أن يسقط قرب قدم جازمين

تقدّمت جازمين نحو القدر، نظرت داخله، ثم تنهدت"أعتقد أن هذا المزيج… صنع نفسه بنفسه"

ضحكت ماريا وهي تمسح جبينها بمنشفة مطبخ"جازمين… أرجوكِ، قولي شيئًا يجعلنا نشعر أننا لم نرتكب جريمة ضد الإنسانية"

نظرت جازمين إلينا جميعًا، ثم قالت بجديتها المعتادة"قد تكون هذه أسوأ وجبة في تاريخ دار كاميليا… لكنها صنعت بأيدي من قالت لا لداليا. وهذا يكفيني"

ساد صمت لثوانٍ، ثم ضحكنا جميعًا، حتى وهي تدمع أعين ماريا من البصل، وحتى وأنا أشعر أنني أطبخ انتقامي لا غدائي.

ورغم كل الفوضى… لم نشعر أن هذا مجرد عقاب

بل بدا وكأنه… تحالف جديد يُطبخ على نار عالية.

داخل المطبخ، قبل التقديم بدقائق

كنا نرتب الأطباق على الصينية الكبيرة، كمن يجهز قرابين لآلهة قاسية.

قالت ماريا وهي تضبط زاوية الملعقة الذهبية المزيفة"هل نظّفتِ الحواف؟ يجب أن تكون الجريمة مغلفة بذوق"

ردّت ريڤين ساخرة"جريمة؟ بل مجزرة. وإن نجت داليا من الطعم، لن تنجو من الشكل"

نظرت إليهن جازمين وهي تربط شعرها للخلف"احرصن على التزام الصمت… على الأقل في البداية"

قلت وأنا أضع وعاء الشوربة على الصينية"صمتنا سيكون أعظم من أي ضجيج، سيصرخ الطعم عنّا"

ثم التفتت إلينا ليندا، وهي تنفخ على يديها بعد أن احترقت بإحدى الصحون"هل من أحد يملك مرهمًا؟ أم نوزعه مع الطعام كجزء من التجربة؟"

ضحكت أرورا"مرهم، إسعافات، وربما طبيب نفسي… داليا لن تنسى هذه الوجبة"

..................................................................

...

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

قاعة الطعام – بعد دقائق

دخلنا القاعة صفًا واحدًا، نحمل الصينية كأنها تاجٌ على رؤوسنا، وكلّ واحدة منا تحاول أن تبدو أكثر نبلًا مما في قلبها من نكاية

جلست داليا عند الطاولة برفقة الآنسة جيزيل والخالة زيتا، وكلتاهما تراقبنا بنظرات متباينة؛

الأولى صارمة كعادتها، والثانية متحفّظة بتوجّس واضح

قالت داليا وهي تتفحّص الأطباق بعين فاحصة"هذا هو غداؤنا إذاً؟ أعددتنّه بأنفسكن؟"

ردّت ماريا بابتسامة مصطنعة"بكل حبّ وعناية… وعصارة دموع"

قالت داليا، دون أن ترفع عينيها عن الصحن"حسنًا… فلنرَ إبداعكن"

أمسكت الملعقة، غمستها في الشوربة، ثم تذوّقت رشفة صغيرة

توقف الزمن للحظة.

ثم التفتت ببطء نحو الآنسة جيزيل، وهمست"هل هذه… شوربة حقيقية؟"

قالت ريڤين، وهي تضع يدها على صدرها"نعم، ومرّت بكل مراحل الألم"

رفعت داليا قطعة من المعكرونة، وتأمّلتها لحظة ثم قالت"ماذا فعلتن بها؟ هذه معكرونة وليست إسفنج مطبخ"

قهقهت ماريا، ثم قالت بوقاحة ناعمة"نحن نؤمن بإعطاء المكونات فرصتها للتعبير عن نفسها"

حدّقت داليا فينا واحدة تلو الأخرى، ثم قالت ببرود"إن كانت هذه طريقتكن في التعاون… فأخشى أنني مضطرة لوضع قوانين صارمة"

قاطعتها ليندا بنبرة تمرد"وإن كانت طريقتكِ في الإدارة هي فرض العقاب بالجملة، فأخشى أن دار كاميليا لن تصبح أهدأ"

نظرت داليا إلى الآنسة جيزيل، متوقعة منها التأييد، لكن جيزيل اكتفت بالصمت، وكأنها تراقب المشهد لاختبار الجميع.

أما الخالة زيتا، فتمتمت وهي تقطع قطعة خبز"هذه بداية عاصفة، حفظنا الله من نهايتها"

قالت جازمين أخيرًا، بهدوء قاتل"ربما لم يعجبك الطعام، لكنكِ أكلتِه، أليس كذلك؟"

رفعت داليا حاجبها وقالت"أكلته… مضطرة"

قالت أرورا بابتسامة واسعة"وأنتِ ستضطرين لنا كثيرًا، يا داليا"

ارتفعت ضحكاتنا في الجو المشحون، وكانت تلك اللحظة أول نصر صغير في وجه "السلطة الجديدة"

وكلنا أدركنا... أن معركتنا مع داليا، بدأت توا

.............................................................

في وقت متأخر من الليل...

كان السكون يخيم على دار كاميليا، ولم يكن يُسمع سوى صوت الريح الخافت وهي تحرك أوراق الأشجار خلف النوافذ.

تسللتُ بخفة من غرفتنا، حافية القدمين كي لا يسمع صوتي، حاملة مصباحًا صغيرًا في يدي. لم أكن متأكدة مما أبحث عنه… أو ربما كنت أعلم جيدًا، لكنني فقط لا أريد الاعتراف

دخلت غرفة الأرشيف القديمة، تلك التي يُقال إنها مغلقة ولا يُسمح لنا بالدخول إليها. وجدت المفتاح في درج مكتب الآنسة جيزيل منذ أيام، سرقته دون أن يلحظ أحد، وها أنا الآن... أضعه في القفل.

"طَقّ"

انفتح الباب بصرير طويل، كأن المكان ذاته يتنهد.

مررت يدي على الرفوف المغبرة، أتفحص الملفات بعشوائية، حتى وقعت عيني على ملف كتب عليه اسمي بخط قديم

تجمدت يدي، ثم فتحت الملف ببطء… لم يكن يحوي الكثير، لكن ما كان فيه... قلب كياني

شهادة ميلاد… بتاريخ مختلف عن الذي أعرفه.

اسم أم: "غير معروف"

اسم الأب: شُطِب بالحبر الأسود

ملف ثانٍ مرفق… يحوي خطابًا إداريًا داخليًا"بناءً على طلب الجهة العليا،  تم تعديل على أوراق الطفلة و إلحاقها بدار دون توثيق رسمي.

التوصية:  ممنوع الحفر في ملفها دون إذن خاص"

ارتجفت يداي… الجهة العليا؟ من؟ ولماذا؟!

ورقة أخرى... خربشات بخط يد شخصي، كتب في آخرها"احمِ اسمه، ولو كلّفك الأمر أن تمحو وجودها"

أغلقت الملف سريعًا، وقلبي يخبط صدري بعنف

هل كنت... صفقة؟ هل أنا ابنة فضيحة يجب دفنها؟

خرجت من الغرفة والهواء حولي يضيق شيئًا فشيئًا. نظرت إلى السماء من النافذة... لم يكن فيها قمر، فقط عتمة تُشبهني.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

بوووووممم

ايش رايكم بالفصل😘

مين حبيتو اكثر وحده من بناتي 🥹🥹

صحح  للمعلومية بموضع سايمون وشلته حقت النخبه والاشياء اللي يسونها ب الأكاديمية

ما راح اتطرق لها كثير هي بس موضوع جانبي

واصلاً البنات نفسهن ماراح يدخلن ب الموضوع

يمممكن بسس جازمين ماندري

المهم ايش رايكم ب داليا وهل راح تسكت للبنات

مين تتوقعون البنت اللي كانت ب  نهاية الفصل

وبسس

استودعتك الله

☆👈🌟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Symbiosis.

المؤلف فلك
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة