الشرارة الاولى

الشرارة الاولى

17 0

صلو على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبهه اجمعين

قبل ما تقرأو الفصل قومو صلوه لانو ما يحتاج اقول لكم انو صلاتكم اهم من اي شي

واذا انتم مصلين تفضلو

『الأمـَـلُ هـوَ نــورٌ مُـنـبَـعِـثٌ مِـنْ أظْـلَـمَ، لا يُـرَى فِـيـهِ سِـوَى الـيـقِـيـن بـأنَّ الـفَـجْـر قَـادمْ』

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

استيقظتُ دون سبب، كما لو أن أحدهم نادى اسمي في الحلم، ثم سحبني منه فجأة

فتحتُ عينيّ على ظلمة ساكنة، لا يُسمع فيها سوى أنفاس الفتيات المنتظمة. كان الليل ثقيلاً، وقلبي... لا أعلم،كأن حجرًا وُضع فوقه، لا يهتز لكنه يمنعني من التنفس بعمق ، كأن شيئًا ما يتحرك في أرجاء الدار، ولم يصلني بعد

جلستُ على طرف السرير، أحاول السمع. لا شيء

ثم... صوت خافت، مقبض باب؟ أم خطوات؟ لم أكن واثقة، لكنني نهضت، ومشيتُ بهدوء حتى باب الغرفة

فتحته قليلًا، ونظرت إلى الممر الطويل

وهناك، في آخره... لمحتها

ريڤين

تتحرك بخفة، تحمل مصباحًا صغيرًا في يدها، حافية القدمين، شعرها يتمايل خلفها كظل طويل

لم تكن تمشي وكأنها ذاهبة لشرب ماء، أو لتقضي حاجة عابرة... كانت تتسلل. نظرتها مشوشة، لكنها مركزة... كما لو كانت تعرف وجهتها بالضبط.

اختفت خلف الزاوية المؤدية إلى الطابق السفلي، وتركتني واقفة، عاجزة عن الحركة

لم أتبعها. لا أعلم لماذا، لكن شيئًا ما قيّد قدميّ... ربما خوفي من معرفة ما لا يجب أن يُعرف

بقيت واقفة هناك، أراقب العتمة التي ابتلعتها، وأحسب الثواني

ثم عادت

كانت أبطأ، كأن الهواء أثقل، أو أن قدميها خذلتاها. وجهها بدا شاحبًا، غريبًا... ويدها ترتجف، رغم أنها لا تحمل شيئًا

توقفت فجأة، حين رأتني. عيناها التقتا بعينيّ، لكن لم تنطق

"ريڤين؟" همستُ، بالكاد خرج صوتي "ما بكِ؟"

هزّت رأسها نفيًا، ثم قالت بصوت مكسور"لا شيء... فقط أرق"

أكذوبة... واضحة كوضوح ارتجاف يديها

حدقتُ فيها، وقلبي لا يطمئن. كنت أعرفها... أعرف صمتها حين يغضبها أمر، ونظراتها حين تخفي سرًا، لكن هذا؟ هذا مختلف

"ريڤين..." قلت ببطء، بخوف يشبه الارتجاف، "أنا أعرف متى تكذبين"

تجمدت، ثم انخفضت عيناها إلى الأرض. بدا أنها تفكر، لحظة فقط، أن تقول شيئًا. أن تبوح، أو حتى تنفجر.

لكنها لم تفعل

"ليس وقت الحديث، إيلا" همست،وبتعدت

.............................................................................

........

....

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

في الصباح، استيقظتُ قبل الجميع

لم يكن النوم قد زارني حقًّا بعد تلك الليلة. ظل وجه ريڤين يلاحقني بين كل رمشة وأخرى، وتلك النظرة... ما زالت عالقة في ذهني كأنها طُبعت بداخلي

ارتديتُ ملابسي بهدوء، وتوجهت إلى الصالة، متظاهرة بأنني أبحث عن كتاب، أو ربما كوب ماء

لكني كنت أبحث عن شيء آخر

مررت بجوار السلم المؤدي إلى الطابق السفلي، حيث تقع غرفة الأرشيف... الباب مغلق كعادته، لا شيء يوحي بأن أحدًا مرّ من هنا. لكنني كنت هناك الليلة الماضية. أنا رأيت

عدتُ إلى غرفة الفتيات. ريڤين كانت لا تزال في سريرها، مستلقية على جانبها، ظهرها لنا، لا تتحرك، لا تتحدث

لم أكن انا الوحيدة التي شعرت أن هناك شيء تغير في ريڤين فالفتيات شعرنَ بذلك أيضاً

اقتربت إلي ارورا وهمست "ما بها" لم أكن اعرف بماذا إجيبها ولكني اخترت الصمت

في الإفطار، جلست على طرف الطاولة. لم تتبادل النظرات مع أحد، حتى ماريا لم تجرؤ على إزعاجها كعادتها

تأملت وجهها، شاحب، متعب. وعيناها متورمتان قليلًا... هل بكت؟ مستحيل... ريڤين لا تبكي

لكنني كنت أعرف ما رأيت

حين اقتربتُ منها وهمست، "صباح الخير"، لم ترد. فقط هزّت رأسها قليلًا، ثم واصلت تقليب الشوكة في طبقها

بعد الإفطار، تسللتُ إلى الحديقة الخلفية الصغيرة، حيث اعتدنا الجلوس في فترات الراحة. جلستُ على المقعد الخشبي تحت الظل، لا أنتظر أحدًا، لكنني لم أبقَ وحدي طويلًا

جازمين جاءت أولًا، تحمل كوبًا من الشاي الدافئ، وجلست بصمت إلى جانبي

همست، دون مقدمات"هي لم تخبرك بشيء، أليس كذلك؟"

نظرتُ إليها، وشعرت برجفة خفيفة تعبر صدري"كنتِ مستيقظة؟"

أومأت ببطء، وقالت"سمعتك تهمسين لها، وسمعت صوت الباب يُفتح... ثم لم أستطع النوم بعدها"

ارتشفت من كوبها، وأردفت"ريڤين... ليست على ما يرام اليوم"

هززت رأسي موافقة، ثم سألتها بخفوت"تظنين أنها تُخفي أمرًا ما؟"

هزّت كتفيها بتردد"ربما... لكن إن كانت تخفي شيئًا، فهي خائفة"

جاءت ماريا بعد قليل، بطريقة أقل حذرًا، ورفعت حاجبها وهي تقترب"ما بالكما؟ تجلسان وكأنكما في مشهد تحقيق"

زفرت جازمين"ليس هذا وقت المزاح، ماريا"

قالت ماريا وهي تجلس أرضًا عند أقدامنا"أنا لا أمزح، لقد تصرّفت ريڤين بغرابة، وأنا سمعتها تتسلل قبل الفجر"

التفتُّ إليها بسرعة"هل تبعتِها؟"

هزّت رأسها نفيًا"لا، لكني سمعت خطواتها، أعرف مشيتها... خفيفة، لكنها تحمل نية"

ساد الصمت، حتى انضمت إلينا أرورا، تحمل بين نظراتها شيئًا من التردد، لكنها نطقت بثقة غريبة

"أظن أنها خبّأت شيئًا في الطابق السفلي"

التفتت إليها العيون كلها دفعة واحدة.

تمتمت جازمين"وكيف عرفتِ؟"

قالت أرورا"لا أدري... إحساس فقط. ورأيتها تمسك يدها طيلة الوقت، كأنها تضغط على شيء بداخلها. ربما كانت تحمل ورقة، أو مفتاحًا، أو شيئًا آخر..."

قلتُ بتروٍّ"أظن أنها دخلت غرفة الأرشيف"

همست ماريا"لكن تلك الغرفة مقفلة دائمًا"

أجبتها"ليس دائمًا. الانسة جيزيل تملك المفاتيح، وأحيانًا تنسى الخالةزيتا قفل الباب"

تنفست ماريا بقلق واضح"أتظنون أنها وجدت شيئًا يخصها؟ عن ماضيها؟"

ساد لحظة صمت ثقيلة، ثم قلتُ بصوت يكاد يُسمع"لا أعلم... لكن ما رأيته في عينيها لم يكن شيئًا عابرًا"

وضعت جازمين يدها على كتفي، ونظرت إليّ بجدية"إن احتاجت إلى مساعدتنا، يجب أن نكون إلى جانبها... حتى وإن لم تطلب"

أومأت برأسي، وقلت"بالتأكيد... لكن كيف نساعدها إن كانت لا تريدنا أن نعرف؟"

تكلمت ماريا أخيرًا، بنبرة لم أعتدها منها، جدية وحزينة"أحيانًا... لا يكون السر مخيفًا بقدر ما تكون الحقيقة التي تأتي بعده"

بقينا على المقاعد، نظراتنا تتقاطع، والقلق صامت بيننا. لم تقل أيٌّ منا شيئًا لدقائق، لكن الفضول كان ينهشنا ببطء

قالت أرورا فجأة، كأنها تفكّر بصوت مرتفع"غرفة الأرشيف... ألا توجد نافذة صغيرة خلفها؟"

جازمين ردّت مباشرة"نعم... لكنها عالية جدًا، وبالكاد يُمكن لأحد رؤيتها من الخارج"

ماريا نهضت، ومسحت يديها في تنورتها"إذن، فلننظر من الخارج"

"ماريا!" همستُ، "نحن لا نعلم حتى إن كان هناك شيء لنراه!"

لكنها نظرت إليّ بعينين واسعتين فيهما لمعة عناد مألوفة"وإن لم نبحث، فلن نعرف أبدًا"

ترددنا لحظة، ثم نهضنا جميعًا. كأننا نعلم أننا نرتكب شيئًا خاطئًا، أو على الأقل... ممنوعًا. لكنّ الريبة التي زرعتها ريڤين فينا كانت أقوى من الخوف

سرنا بمحاذاة الجدار الخلفي للدار، حتى وصلنا إلى الجهة المعتمة حيث تطل نافذة الأرشيف الصغيرة

ماريا كانت أول من وقفت على حافة الحجر المرتفع، ترفع قامتها قدر استطاعتها. ثم قالت بصوت خافت

"لا أرى شيئًا واضحًا... فقط رفوف كثيرة... وانتظري... هناك شيء على الأرض"

"ماذا؟" سألتها وأنا أحاول أن أسترق النظر أيضًا

"ورقة... أو لا، إنها مظروف... مفتوح"

خفق قلبي بسرعة. "هل يمكنك رؤيته جيدًا؟"

"لا... لكني أظن أنه لا يشبه أوراق الأرشيف المعتادة"

تبادلتُ النظرات مع جازمين، التي تمتمت"لا يمكن أن يكون هذا مصادفة"

قالت أرورا وهي تنظر للنافذة"إن نزلت ريڤين الليلة الماضية، وخرجت شاحبة بهذه الصورة... فلا بد أن ما رأته لم يكن عاديًا"

ماريا قفزت من الحافة، ونفضت الغبار عن كفّيها"أقترح أن نُراقبها، بهدوء... لا نُواجهها بشيء الآن، فقط نراقب"

جازمين نظرت إليها بريبة"وتظنين أنها لن تلاحظ؟ إنها ريڤين... تشعر بأي حركة خلفها حتى لو لم تنظر"

ابتسمت ماريا ابتسامة صغيرة خالية من المرح"لهذا قلت: بهدوء"

نظرت إلى النافذة مرة أخرى، شعرت بشيء ثقيل في صدري

لم أكن أريد أن أكون جاسوسة على من أحب، لكن... في تلك الليلة، شيء ما تغيّر.

ريڤين لم تكن كما نعرفها، وإن كان هناك سر... فنحن نستحق أن نعرف

حين عدنا إلى الداخل، بدت ريڤين كما كانت في الإفطار... صامتة، هامدة، غارقة في أفكارها، جلست في زاوية الصالة تقرأ، أو تتظاهر بذلك، لم ترفع رأسها نحونا، ولم تنطق

كانت ليندا جالسة على طرف الصاله، بعيدة عن الضجيج، ترسم بهدوء في دفترها، كدت أذهب إليها لأشاركها اللحظة، لكن قدوم الخالة زيتا أوقفني

"هيا يا بناتي، اذهبن وتجهزن للمدرسة"، قالتها بنبرة حنونة اعتدناها منها، تحمل دفء الأمومة وصرامة المسؤولية

بعد أن ارتدينا ملابسنا وتجمعنا عند الباب، لاحظنا غياب ريفين

"لماذا ريفين ليست هنا؟" سألت أرورا وهي تتلفت حولها، تبحث بنظرات قلقة عن أثرٍ لصديقتها

"إنها متعبة، لن تذهب إلى المدرسة اليوم"

جاء صوت السيدة داليا هادئًا لكنه حاد، ونظراتها تمسح وجوهنا واحدة تلو الأخرى، كأنها تزن ردود أفعالنا بعناية

وقبل أن نجد فرصة للتعليق، أشارت بيدها نحو الخارج وقالت"لقد تأخرتن، الحافلة قد وصلت"

تبادلنا النظرات بصمت، لا أحد نطق بشيء، ولم يكن أمامنا سوى أن نمضي

خرجنا إلى الفناء الأمامي، والهواء الصباحي البارد يلامس وجوهنا. صعدنا إلى الحافلة بصمت غير معتاد، شعور غريب يثقل صدورنا، شيء ما في غياب ريفين لم يكن عاديًا

جلست قرب النافذة، وعيناي لا إراديًا تعودان نحو مبنى الدار... نحو نافذة الطابق الثاني، وهناك للحظة خاطفة ظننت أنني رأيت ظلًا يتحرك خلف الستار

هل كانت تلك ريفين؟

أرورا كانت أول من كسرت الصمت، قالت وهي تعقد ذراعيها بانزعاج"ريڤين لا تتغيب هكذا، حتى حين تتعب، تأتي وتشتكي. لم تقل شيئًا هذه المرة"

جازمين أومأت بخفوت، ثم تمتمت"وكأنها... تختبئ، لا ترتاح، ولا تريد أن يقترب منها أحد"

ماريا كانت تحدق من النافذة، لا تنظر إلينا حين قالت"أنا لا أظن أنها مريضة أصلًا"

نظرتُ إليها فورًا، وقلت"ما الذي تعنينه؟"

استدارت نحونا ببطء، وقالت بجدية"أظن أنها وجدت شيئًا. شيئًا كبيرًا... شيء جعلها تشك، أو تخاف، أو حتى تنهار"

سكت الجميع لحظة، ثم قالت ليندا "لكن لماذا لا تخبرنا؟ نحن معها، دائمًا كنا معها"

همست جازمين، وكأنها تخاطب نفسها أكثر منّا"ربما لأنها تعرف... أن بعض الأجوبة تغير كل شيء"

شعرت بقشعريرة تسري في ظهري. الكلمات كانت بسيطة، لكنها لمست شيئًا في داخلي. شعور بأننا نقترب من لحظة فاصلة...

لحظة لن يكون بعدها كل شيء كما كان

قلتُ بصوت متهدج"هل... تظنون أن لها علاقة بماضيها؟ بشيء كانت تبحث عنه منذ زمن؟"

أجابت ليندا بسرعة"أو شيء هرب منها طوال هذا الوقت، حتى وجدته أخيرًا"

جازمين عضّت شفتها السفلى، ثم قالت"مهما كان، إن لم تُخبرنا به قريبًا... علينا نحن أن نكتشفه"

أرورا نظرت إليّ، ثم إلى ماريا وليندا، وهمست

"لكننا وعدنا... أن لا نضغط عليه"

أجبتها بهدوء، ونظري معلق على الطريق أمامي"نعم... لكننا لم نعد أنفسنا أن نبقى مكتوفين، حين تنكسر إحدى منا بصمت"

ساد الصمت من جديد، هذه المرة أثقل من قبل. كل واحدة منّا غرقت في أفكارها، والحافلة تتابع طريقها بين الأزقة الصباحية.

لكنّ قلبنا ظلّ هناك، في دار كاميليا... خلف النافذة المغلقة، حيث تجلس ريڤين وحدها، تحمل سِرّها بصمت

كان الجو ثقيلاً، والصمت يثقل الأجواء بيننا. جلستُ أراقب المارة، لكن ذهني مشغول بريڤين وسرّها الذي بدا يطفو كظل لا يُرى بوضوح

جازمين لم تستطع الاحتفاظ بهدوئها كثيرًا، كانت تتحرك على مقعدها بين حين وآخر، وكأنها تكتم شيئًا

أرورا لاحظت ذلك، فنظرت إليها وسألت بهدوء"جازمين، ما بكِ؟، تبدين غير مرتاحه "

تنهدت جازمين ببطء، ورفعت عينيها لتلتقي بنظرات أرورا،

ثم قالت بصوت خافت"أنا قلقة جدًا... ليس فقط بسبب ما حدث مع ريڤين، بل بسبب خسارتي أمام سايمون. ماذا لو بدأ الطلاب يستهزئون بي؟ ماذا لو انتشرت النكات؟"

كانت كلماتها تحمل قلقًا دفينًا، وكأنها تخشى أن تكون محط سخرية أو نظرات استهزاء من باقي الطلاب في المدرسة

ليندا مدت يدها وربّتت على كتف جازمين برفق"جازمين، أنتِ اقوى أكثر مما تعتقدين. ما حدث ، لا يحدد مين أنتِ أو قيمتك "

أضافت ماريا بنبرة مطمئنة"وحتى لو حاولوا يستهزئون بكِ ، نحن هنا مع بعضنا. لن ندع اي أحد يقلل من قيمة أحد منا"

جازمين ابتسمت ابتسامة خافتة، لكن التوتر لا يزل واضحًا في عينيها، وقالت"لكن لو صادفت سايمون أو أحد من المجموعة النخبة، لا أعرف ماذا افعل... لاأريد أكون هدف للسخرية، أو محط انظار الآخرين "

ابتسمت أرورا وهي تقول"صدقيني، أنتِ لستِ لوحدك. كلنا في نفس السفينة. وإذا احتجتي دعم، نحن هنا دومًا"

نظرت إليها، أرى التوتر يتغلغل في عينيها، وأدركت كم تشعر بالخوف من نظرات الآخرين، من كلامهم الذي قد يجرح أو يحطّم

قلتُ لها بهدوء"جازمين، لا تدعي مخاوف الآخرين تُثني عزيمتك. نحن هنا جميعًا، لنقف معك، ولا يهمني ما يقوله الطلاب"

تنفست بعمق، لكنها لم تستطع الرد، فقط أومأت برأسها، وكأن كلمات الطمأنينة تحتاج إلى وقت لتغرس في قلبها

وأخذت الحافلة تسير بهدوء نحو المدرسة، بينما كانت صداقتنا تتقوى أمام كل عاصفة، والوحدة تصبح حصنًا لا يُخترق

........................................................................

......

...

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

عند بوابة المدرسة، استقبلنا ضجيج الطلاب المعتاد، حركة الصباح، رائحة الخبز والقهوة من المقصف، وأصوات الخطى المتجهة نحو الصفوف. بدا كل شيء طبيعيًّا... عاديًّا، لكننا لم نكن كذلك

دخلنا إلى ساحات المدرسة كأن ظلًّا يتبعنا، شيء ثقيل في قلوبنا لا نبوح به

وقفت أنا وجازمين وأرورا وماريا وليندا في طرف الساحة، نتبادل النظرات قبل أن يُفرقنا الجرس نحو حصصنا

قالت جازمين بصوت منخفض"إن لم نعرف اليوم ما حدث... ربما لن نعرف أبدًا"

أومأتُ، ثم قلت"بعد المدرسة، نعود ونبحث. إن كانت في الدار فعلًا، يمكن أن نتأكد من غرفة الأرشيف... أو حتى من ريفين نفسها"

ماريا عقدت حاجبيها وقالت بحدة"لن ننتظر أن تخبرنا، نحن من سنكشف السر"

رنّ الجرس، وبدأ الطابور الصباحي ينتهي شيئًا فشيئًا. نظرت كل واحدة منا للأخرى، كأننا نعلم أن لحظة التفرّق الآن ستترك فينا شيئًا ثقيلاً، لكن لا مهرب منه.

جازمين كانت أول من تحركت. عدّلت حزام حقيبتها وقالت بهدوء وهي تنظر إليّ"نلتقي في الفسحة... نفس المكان"

ثم رحلت بهدوء، تمشي على الرصيف الحجري باتجاه الصفوف العليا، حيث تكون دومًا أول من تصل

وأجابت ماريا بنبرة متحدية"ولو حصل شيء قبلها، راسلوني فورًا"

ثم التفتت ومضت بخطاها السريعة نحو مبنى العلوم، حيث حصتها الأولى

أرورا بقيت لحظة تنظر إلينا، ترددت قليلاً، ثم همست"لا أحد يتصرف وحده... رجاءً"

وغادرت نحو الجناح الأدبي، و حجابها يتمايل خلفها مع خطواتها المترددة

ليندا أعطتني نظرة طويلة قبل أن تقول"اعتني بنفسك، إيلاناي"

وثم مضت الى الجناح الفني

بقيتُ وحدي للحظة، أراقب كيف تفككنا فجأة، كل واحدة تبتعد في مسارها، تحمل في ذهنها سؤالاً مختلفًا... وخوفًا مشتركًا

سحبتُ نفسًا عميقًا، وتوجّهت إلى مبنى الموسيقى، خطواتي بطيئة، وكل شيء من حولي بدا صاخبًا بلا معنى

..........................................................................

......

...

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

صوت الكراسي وهي تُسحب على الأرضية اللامعة لم يكن جديدًا عليّ، لكن في هذا الصباح بدا كأنه مزعج أكثر من المعتاد. دخلت إلى قاعة الموسيقى بخطى مترددة، وجلست في مقعدي المعتاد قرب النافذة، حيث يصلني نور الشمس بشكل مائل، وكأنه يعزلني عن بقية المكان

زفرت بصمت، ثم رفعت نظري لأحاول أن أهرب من دوامة الشك التي تحاصرني. بدأت أراقب من حولي... الفصل، التفاصيل الصغيرة، الحركة الهادئة التي تسبق دخول المعلمة

في الزاوية اليمنى كان يجلس كايدن مرتينز ، لا اعرف لِمَ هو هنا تحديدً أنه لا يوجد العزف على اي آلة موسيقة موجوده هنا،

مكانه ليس هنا هو افضل بنادي الرياضه، كان يستند إلى الكرسي بزاوية مائلة قليلاً، كأن الصف لا يعنيه كثيراً،

كانت ملامحه جامدة، نظراته تجول في المكان دون تركيز، لكنني لاحظت أنه لمحني... ولو لثانية، ثم صرف بصره

اما في المنتصف، جلس، أروفيوس بترفيلد ، لا يزال بذات الهالة الغامضة التي ترافقه أينما

ذهب.، ظهره مستقيم، يده تحرك القلم بانضباط فوق دفتره، وكأن لا شيء في العالم يمكن أن يُربكه ، لكن هناك شيء في عينيه دائمًا... كأنهما

تخفيان ما هو أكثر من مجرد ذكاء

المعلمة لم تصل بعد. والطلاب تفرّقوا كعادتهم، بين من يجهز آلته الموسيقية، ومن يتهامس في الزوايا، ومن ينقر على الطاولة بأطراف أصابعه بملل

أنا لم أحرّك شيئًا. نظرت إلى آلة الكمان داخل العلبة أمامي، لكنني لم أفتحها،

كأنني خفت مما قد تبوح به لو فعلت

"صباح الخير، إيلاناي"

رفعت رأسي بسرعة. كان ذلك صوت "كايدن " واقفًا إلى يساري، بابتسامته الهادئة ودفتره تحت ذراعه

أومأت له بإيماءة خفيفة، وقلت بهدوء"صباح النور"

جلس بجانبي، ووضع آلة الموسيقى جانبًا، كان يتحدث إلي، لكنني لم أكن أركز

"هل كل شيء بخير؟" سألني فجأة

ارتبكت

هل كان وجهي يعكس اضطرابي لهذه الدرجة؟

قلت"نعم... فقط لم أنم جيدًا"

صمت لوهلة، ثم قال بنبرة أخف"رأيتكِ في الطابور... كنتِ متوترة، مشاعرك واضحة أكثر من موسيقاك "

أردت أن أبتسم، أو أن أغيّر الموضوع... لكن قبل أن أفعل، دخلت المعلمة

"صباح الخير، أريد من الجميع أن يُنصت جيدًا، فلدينا إعلان مهم"

توقفت الهمسات، وتوجهت الأنظار نحوها، وأنا و كايدن من بينهم. لم أكن مهتمة كثيرًا بالبداية، حتى نطقت بالجملة التالية

"تم اختيار فصلنا للمشاركة في مسابقة الموسيقى السنوية التي ستُقام الشهر المقبل"

ارتفعت بعض الأصوات المتفاجئة، وبعض التصفيق المتحمس. أما أنا، فتسارعت دقات قلبي، لمجرد سماع كلمة "موسيقى"

هذا عالمي... ملاذي... الشيء الوحيد الذي أشعر فيه أنني أتنفّس حقًا

تابعت المعلمة

"سيتم تقسيم الطلاب إلى فرق صغيرة، كل فرقة تتكون من اثنين . وسيكون التحدي هذا العام هو تأليف مقطوعة أصلية بالكامل"

بدأت تكتب أسماء الطلاب على اللوح، كل اسمين تحت عنوان فريق... وكنت أتابع بعين قلقة، كأن قلبي معلق بيدها

ثم كتبت

"الفريق السابع: إيلاناي راميريز - أروفيوس بترفيلد"

تجمّدت في مكاني

أروفيوس ليس من النوع الذي تقترب منه بسهولة. ليس ذلك الطالب الشعبي الذي يحبه الجميع، ولا الغريب الذي يُبقي رأسه منخفضًا. إنه شيء مختلف تمامًا... كأنه واقف على الحافة، لا داخل الدائرة ولا خارجها، يراقب فقط، بعينين ثابتتين ونبرة لا يمكن قراءتها

كثيرًا ما سمعته يعزف على البيانو، متأخرة بعد انتهاء الدوام. لا أعلم لماذا لم أقترب يومًا، مع أن أنامله كانت تقول أشياء لم ينطقها لسانه قط. عزفه لم يكن عشوائيًا، ولا رتيبًا، بل فيه شيء يشبهه تمامًا

حزين، غاضب، ومُنظَّم أكثر مما ينبغي

لا أحد يعرف الكثير عنه. أو عن عائلته، دائمًا هناك هالة من الغموض تحيط به، لكن لا أحد يجرؤ على سؤاله مباشرة.

بعض المعلمين يبدون حريصين بطريقه غريبة حين يخاطبونه... كأنهم لا يريدون إزعاجه. وهذا وحده، يكفي لزرع علامات استفهام

أن أكون معه في فريق موسيقي؟

هذه ليست فقط تجربة فنية... بل اختبار. وربما، نافذة

نظرت إليه لا إراديًا، لم يكن ينظر إلي، بل إلى كايدن، الذي كان يجلس قليلاً مبتعدًا لكنه يراقب أروفيوس بحذر، والابتسامة على شفتي أروفيوس كانت أشبه بتحدٍ صامت

رفعت يدي بتردد وسألت"أستاذة... هل الفرق مكوّنة من اثنين فقط؟"

أجابت المعلمة وهي ترتّب أوراقها"نعم، قررت الإدارة هذا العام أن تكون الفرق ثنائية، حتى يكون التعاون أوضح. كل فريق سيؤلف مقطوعة خاصة به، ويؤديها خلال العرض أمام اللجنة"

نظرت إليّ نظرة مباشرة، وأضافت"أعرف أنكِ تعزفين ببراعة يا إيلاناي، و أروفيوس لديه خلفية موسيقية متقدمة أيضًا، نعتقد أنكما ستكونان فريقًا قويًا"

رنّ الجرس معلنًا نهاية الحصة، وبدأت المقاعد تصدر أصواتها المعتادة وهي تُسحب، وعلب الأقلام تُغلق بعجلة

جمعتُ اغراضي دون استعجال، بينما كان الطلاب يتدفقون نحو الباب كتيار ماء انفك من سده. نهضت، وخرجت من الفصل بخطى هادئة، لا أعلم إن كنت أفكر في المسابقة... أم في الشخص الذي سأقضي معه وقتًا طويلاً دون أن أعرفه حقًا.

لكن شيء ما شدّ انتباهي عند الزاوية المقابلة للممر

كانت أرورا واقفة وحدها، تحاول ترتيب حجابها الذي بدا أنه قد التف بفوضى حول رقبتها، وعيناها في الأرض

أمامها، وقفت ثلاث فتيات من الصف المجاور، لم أسمع كل الكلمات، لكن لهجتهن كانت كافية لفهم كل شيء

"لو كنتِ تريدين أن تصبحي راهبة، لماذا لا تذهبي إلى الدير؟"

قالتها إحداهن بنبرة سخرية، وأتبعَتْها الأخرى بضحكة مصطنعة"أوه، نسيتِ أنهن لا يلبسن الحجاب، هذا يخص جماعة الصحراء، أليس كذلك؟"

شعرتُ بنار باردة تتصاعد في صدري،

كلامهن قاسٍ... وجبان

وقبل أن أخطو نحوهن، ظهرت ماريا كأنها عاصفة دخلت فجأة

وقفت أمام أرورا، ثم نظرت للفتيات بحدة، وصوتها خرج واضحًا وقويًا"كفى. إذا لم يعجبكن مظهرها، انظرن في المرآة قبل أن تتحدثن عن حجابها "

إحدى الفتيات رفعت حاجبها"ومن طلب رأيكِ؟ نحن فقط نمزح"

ماريا تقدمت خطوة، ونبرتها لم تعد فيها مزحة"تُسمين هذا مزاحًا؟ التنمر لم يكن يومًا مضحكًا. ثم إن أرورا مسلمة، وما تفعلينه هو تعدٍّ، سواء فهمتِ ذلك أو لا"

نظرت الفتيات لبعضهن، وكأنهن لم يتوقعن هذا الردّ المباشر. ثم قالت إحداهن بتوتر"يا إلهي، أنتِ دومًا تحبين الدراما..."

لوّحت ماريا بيدها بازدراء"غادرن الآن، أو أقسم أنني سأذهب للإدارة فورًا"

ترددن لحظة، ثم غادرن، كل واحدة تهمس للأخرى بكلمات لا تجرؤ على قولها بصوت عالٍ

وقفت أرورا في مكانها، عيناها متسعتان، ووجنتاها محتقنتان. لم تقل شيئًا، لكن ماريا التفتت إليها بلطف وهمست"لا تسمحي لأحد أن يجعلكِ تخجلين من إيمانكِ. أنتِ أقوى منهم جميعًا"

مررتُ بقربهن في تلك اللحظة، لكن بدلاً من أن أتابع طريقي، توقفت

نظرت إلى ماريا، ثم إلى أرورا.

كانت أرورا لا تزال واقفة في مكانها، تحاول أن تبدو بخير... لكنها لم تكن كذلك. عيناها تلمعان، ليس من الدموع، بل من ذلك الشعور الذي أعرفه جيدًا... شعور الانكسار الصامت.

اقتربت أكثر، ووقفت بجانب ماريا"هل أنتن بخير؟"

قلتُها بهدوء، وأنا أوجه كلامي لأرورا تحديدًا

أرورا رفعت نظرها نحوي، لم تتكلم، لكن طريقة نظرتها كانت كافية

ماريا أجابت نيابة عنها بنبرة منزعجة "كُنّ يُحاولن التنمّر عليها، لكنهن ابتعدن، اقسم ان اعادً الامر مره اخرى لن ادعه يمر بسلاسه "

نظرتُ إلى أرورا مجددًا، ثم قلت"أتعلمين؟ لو كان الناس يملكون نصف الشجاعة التي فيكِ، لكان العالم مكانًا أفضل"

تفاجأت من كلماتي وأنا أقولها، لكنها خرجت من القلب.

ماريا ابتسمت بخفة، ثم نظرت لي وقالت"أنتِ دائمًا هادئة يا إيلاناي، لكن عندما تتحدثين... يصمت الهواء ليستمع"

ضحكتُ قليلًا، رغم أن داخلي لم يكن يضحك

نظرتُ لأرورا وقلت"لا تعطيهن قيمة. مظهرك، إيمانك، اختيارك... هذه أشياء لا تحتاج موافقتهم"

لبرهة، خيم الصمت بيننا، لكنه لم يكن ثقيلًا. بل كأننا كوّنا دائرة صغيرة من الفهم في

زاوية الممر

ثم قالت أرورا بصوت خافت"شكرًا... ما كنت أعرف كيف أردّ عليهن. لكن... وجودكما كفى"

ربتّ ماريا على كتفها، وأنا لم أُضف شيئًا آخر، فقط اكتفيت بالوقوف معهما

في زمن مثل هذا، أحيانًا الوقوف... أبلغ من ألف كلمة

بعد أن هدأ الموقف، نظرت ماريا إلى ساعتِها، وقالت بنبرة حازمة"هيا بنا، لا بد أن نذهب إلى نادي القراءة، فجازمين تنتظرنا"

ابتسمت أرورا ابتسامة باهتة، لكنها حملت امتنانًا خفيًا رغم ثقل ما حدث"اجل.. يجب علينا اذهب إلى جازمين. شكرًا لكِ يا إيلا، وجودك معنا كان فارقًا كبيرًا"

تسلل إلى قلبي شعور غريب، شعور بالطمأنينة رغم عتمة اللحظة، فابتسمت لهما ورددت"أنا معكما في الروح، لكن عليّ أن أجد ليندا"

لم تمر سوى لحظات حتى نظرت إلي ماريا بعيون تحمل سرًّا، وقالت بحذر"وبالمناسبة، بشأن ريڤين... سنكمل حديثنا في مكاننا الخاص بحديقة المدرسة الخلفية "

هززت رأسي في تردد، وأخذت أُسرع خطواتي بين الممرات التي بدأت تبدو أطول من المعتاد، وكأن الزمن يرسم لي أقدامًا ثقيلة

وبينما كانت خطواتي تتسارع، لمحْتُ في زاوية الممر الآخر ظلاً واقفًا ساكنًا، يرتدي زي المدرسة. كانت عيونه مركزة نحو نقطة بعيدة، كأنه غارق في عوالمه الخاصة، غير مكترث بضوضاء الطلاب من حوله

كان هو... سايمون

ابتسم ابتسامةً خفيفة، لم تفصح عن شيء، لكنها أثارت فيّ فضولًا غامضًا، ودفعتني إلى التساؤل عن سرّ ذلك الشاب الغامض

لم يكن الوقت مناسبًا للتوقف، لكن في صدري كانت هناك رغبة متأججة لمعرفة المزيد

أسرعتُ في خطواتي، والهمس يلاحقني في صدري"ليندا، أين أنت الآن؟"

.........................................................................

.......

...

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

تقدمتُ بخطواتٍ مترددة نحو غرفة الفنّ التي اعتادت ليندا أن تقضي فيها معظم أوقاتها، وقلبي ينبض بشوقٍ غريب لم أستطع تفسيره

دفعني الفضول لأعرف كيف حالها اليوم، وما الذي تخفيه وراء تلك الرسومات التي لا تكفّ عن الانبثاق من دفاترها

فتحتُ الباب ببطء، وألقيت نظرة خاطفة إلى الداخل

كانت ليندا جالسة على الأرض، تحيط بها أوراقٌ ملونة وألوان مائية متناثرة هنا وهناك، وعيناها الغائرتان تعكسان تركيزًا عميقًا على رسمٍ كانت تضع اللمسات الأخيرة عليه

عندما رفعت رأسها ورأتني، ارتسمت على وجهها ابتسامة خافتة، وكأنها وجدت جزءًا من السكينة في وجودي

اقتربتُ وجلستُ بجانبها بصمت، مراقبة خطوط الرسم التي تشبه الحياة

قلتُ بصوت هادئ"كيف حالكِ يا ليندا؟ تبدين مشغولة جدًا"

رفعت رأسها وأجابت"أنا بخير... فقط أحاول أن أفرّغ ما في داخلي على الورق"

أخذتُ أتابع حركات فرشاتها، كانت تنساب بخفة فوق الألوان، تمتزج وتذوب في بعضها بتناغمٍ عجيب

ليندا تملك حسًا فنيًا نادرًا، لا تكتفي باختيار الألوان، بل تزرع فيها روحًا... تشكلها بأناملها كما يشكّل الشوق ملامح الذاكرة

بدا لي أنها لا ترسم اللوحة، بل اللوحة هي من ترسمها... الفرشاة تتحرك كأنها تقودها،

لا العكس

"هل هناك خطبً ما" انتشلني صوتها الناعم من غياهب تفكيري نظرت إليها، كانت تبتسم لي بلطفها المعتاد

أحيانًا أنسى كم أن ليندا جميلة، ليس فقط في ملامحها، بل في الطريقة التي تصمت بها، وفي ذلك الحزن الهادئ المختبئ خلف عينيها.

ابتسمتُت

وقلتُ"أتمنى لو أستطيع أن أضع ما بداخلي على الورق مثلك... يبدو الأمر مريحًا"

نظرت إلي، ورفعت حاجبًا بخفة، ثم قالت"لكنّك تضعين ما بداخلك في الموسيقى، أليس كذلك؟ كلّ مرة أسمع عزفك على الكمان... أشعر وكأنك تبوحين بشيء لا يقدر أحد على قوله"

ضحكتُ بخفة"ربما... لكن لا أحد يصفق لي وأنا أتمرّن في منتصف الليل"

ضحكت بدورها، صوتها كان ناعمًا كنسمة صباح"ولا أحد يشاهد لوحاتي قبل أن تمتلئ سلة المهملات"

ساد بيننا صمتٌ قصير، من النوع المريح، ثم سألتني بصوت خافت"هل تذكرين أول مرة تقابلنا فيها؟"

أومأت، ابتسمت تلقائيًا"كنتِ ترسمين شجرة منقوشة على حائط الممر، وكنتُ أنا أحاول أن أفتح خزانتي الجديدة بالقوة"

"وانكسرت يد الخزانة!" قالت وهي تضحك

"بفضلك!" رمقتها ممازحة، فوضعت فرشاتها جانبًا، وأسندت ظهرها إلى الحائط.

"كنت أظنكِ متعجرفة في البداية،" قالت بهدوء، ثم أضافت:"لكنكِ كنتِ فقط... تحاولين أن تبقي متماسكة"

تأملتُ كلماتها، وقلتُ بصوت خافت"وأنتِ... كنتِ تحاولين أن تختبئي في لوحاتك"

"وها نحن هنا،" تمتمت، "أنا ألوّن الجدران، وأنتِ تعزفين في الزوايا، اصبحنا نلتقي في المنتصف"

تأملت ملامحها وهي تبتسم، ثم سحبتُ دفتري من حقيبتي، وفتحته على صفحة فارغة

"ارسميني،" قلت فجأة

اتسعت عيناها بدهشة، ثم قالت مازحة"أتحداك أن تجلسي ثابتة لأكثر من دقيقتين."

"أحاول أن أكون مثلكِ، صبورة وهادئة"

"حسنًا... سنرى"

وما إن بدأت تُخطّط خطوط وجهي على الصفحة، حتى انفتح الباب على مهل، وظهر كايدن واقفًا عند العتبة، يتلفّت كمن يبحث عن أحد

توقّفت ليندا عن الرسم ونظرت إليه باستفهام صامت، بينما التفتُّ أنا أيضًا نحوه، مستغربة وجوده هنا، في غرفة الفن تحديدًا

قال وهو يوجّه كلامه إليّ"إيلاناي، هل يمكنني أن أكلّمكِ للحظة؟"

رمقته ليندا بنظرة قصيرة ثم عادت إلى أوراقها بصمتٍ هادئ. نهضتُ وتبعته إلى خارج الغرفة، حيث كان الممر هادئًا إلا من وقع خطوات بعيدة

التفت إليّ وقال بنبرةٍ فيها تردّد صادق"بعد يومين، لدينا مباراة كرة طائرة... مباراة مهمّة نوعًا ما. وكنت أفكّر... هل يمكنكِ الحضور؟"

رفعت حاجبيّ بدهشة خفيفة، بينما قال بسرعة كأنه يريد أن يسبق أي ردّ"لا أطلب شيئًا... فقط أن تكوني هناك، حضوركِ سيعني لي الكثير"

تأمّلت ملامحه للحظة، ثم تنفّست بهدوء وأجبت"لا أعلم إن كنت سأستطيع... لكن، سأفكّر بالأمر"

ارتسم على وجهه شيء يشبه الارتياح، نصف ابتسامة ونصف أمل، ثم قال

"هذا يكفيني"

وأدار ظهره بلطف، يمضي في الممر، بينما بقيت واقفة للحظة

عُدت إلى الداخل وجلست من جديد، فرفعت ليندا عينيها إليّ وقالت بابتسامة صغيرة، لكنها لم تخفِ فضولها"يبدو أن أحدهم يعلّق آمالًا كبيرة على حضوركِ."

رمشت بدهشة، ثم ضحكت بخفة"قلت له إنني سأفكّر... لا أكثر"

هزّت رأسها برفق، ثم همست وهي تتابع رسم الخطوط حول عينيّ على الورقة"إذًا، هل سأرسمكِ اليوم كفتاة تفكّر... أم كفتاة تهرب من التفكير؟"

رفعت حاجبيّ بدهشة، وقلت ممازحة"أنا لا أهرب. أنا فقط... أُجيد تأجيل القرارات."

ضحكت بخفة، وأكملت الرسم، بينما ساد بيننا صمتٌ يشبه الأمان... ذلك النوع من الصمت الذي لا يحتاج إلى كلمات، لأن الصداقة الحقيقية تفهم ما لا يُقال

رنّ الجرس فجأة، قاطعًا سكون اللحظة كصفّارةٍ أيقظت شيئًا في داخلي.

رفعت رأسي نحو النافذة، كأنني أتحقق من الواقع، ثم نظرت إلى ليندا التي ما زالت تلوّن حدود ابتسامتي على الورق.

"الفسحة..." تمتمتُ، ونهضتُ من مكاني فجأة

تلفّتُّ حولي، وكأنني أبحث عن شيء نسيته، ثم تذكّرت'الموعد'

نظرتُ إلى ليندا التي كانت لا تزال تتابع رسمها بهدوء، فابتسمتُ لها بخفة وقلت"لنذهب، لدينا موعد في الحديقة الخلفية مع البقية"

وضعتْ فرشاتها جانبًا، وأمسكت بيديّ، وقالت بابتسامة" إذاً دعينا نذهب ، أحتاج إلى أن أتنفس بعض الهواء"

خرجنا من غرفة الفنّ، والأوراق الملونة وألوان الماء خلفنا، وأخذنا خطواتنا نحو الساحه الخارجية، والنسيم اللطيف يلعب بخصلات شعري.

كانت الحديقة الخلفية تبدو كملاذ صغير في وسط صخب المدرسة، الأشجار تظلل المكان والعشب يكسوه اللون الأخضر، مكاننا الخاص حيث نجد الأمان والراحة

.......................................................................

.....

...

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

كانت الشمس قد مالت قليلًا نحو الغرب ترسل خيوطها الذهبية فوق أشجار الحديقة الخلفية، تلك البقعة المنسيّة من فناء المدرسة، حيث لا تكثر فيها الخطى ولا تتردد فيها الأوامر. مكانٌ صار، دون اتفاق معلن، ملاذًا خاصًا لهنّ... للفتيات الستّ.

جميعهنّ كنّ هناك منذ اللحظة الأولى لبدء الفسحة. أرورا جلست أولًا، وكأنها كانت تنتظر شيئًا. أسندت ظهرها إلى الجدار الحجري، وعيناها تتبعان خيوط الضوء المتسللة بين أوراق الشجر. تبعتها جازمين، تمسك كتابًا بيدٍ، وتدوّر خصلةً من شعرها بالأخرى، لكنّ تركيزها لم يكن مع الكلمات. ماريا وصلت بخطا ثابتة، أربكت العشب بصرير حذائها الرياضي، وجلسَت القرفصاء وهي تربط شعرها للأعلى بحركة تدل على أنها مستعدة لما هو أكثر من مجرد حديث عابر

أما ليندا، فقد ظلت واقفة لوهلة، تراقب الأفق بعينيها الغارقتين في غيمة من الأفكار، ثم جلست قرب أرورا دون أن تنطق.

وحين ظهرت إيلاناي، كانت كالقطعة الأخيرة في لوحة لا تكتمل إلا بها. جلست بينهم بصمت، دون أن يُطلب منها، وكأنّ بينها وبين هذا المكان عهدًا لا يُقال

كل واحدة منهنّ اتخذت موضعها دون حاجة إلى دعوة أو ترتيب

قالت ماريا، بصوتٍ منخفض لكنه مشحون"ما زال الأمر يزعجني... غياب ريفين لم يكن طبيعيًا وتبرير السيدة داليا لم يقنعني لحظة"

هزّت جازمين رأسها موافقة"متعبة؟ ريفين؟ لا تبدو كمن يستسلم للحمّى بسهولة. هناك شيء لم يُقَل"

وهنا... قطعت إيلاناي الصمت، صوتها كان حازمًا، دون مبالغة في الصرامة"لهذا نحتاج أن نعرف. يجب أن نذهب إلى غرفة الأرشيف. إذا كانت ريڤين تبحث عن أجوبة، فلا بد أنها بدأت من هناك."

تبادلت الفتيات النظرات، وكأنّ كلاً منهن كانت تفكر في نفس الشيء... غرفة الأرشيف القديمة، ذلك المكان الغامض في الطابق السفلي... رطوبة الهواء، والغبار، والصناديق الصامتة المليئة بما نُسي أو أُخفي.

قالت ماريا بحماس مكبوت " أذاً علينا أن ننتظر، حتى نعود إلى الدار وحينها نتسلل في الليل . لا أحد سيكون هناك في ذلك الوقت"

جازمين، بطريقتها الحذرة، تساءلت"وماذا عن الباب؟ أليس مغلقًا "

ليندا اكتفت بالابتسام، تلك الابتسامة التي لا تكشف كل أسرارها، وقالت"سأهتم بذلك"

نظرت أرورا إليها بدهشة، لكن لم تسأل. بدا أن ليندا، كما في رسمها، لا تُفسّر كيف تصل إلى النتيجة، بل تُقدمها بهدوء وكأنها أمر طبيعي

إيلاناي، التي كانت تراقب الجميع بعينين ثابتتين، قالت أخيرًا " نحن لا نملك وقتاً طويلاً، امامنا

عشر دقايق بالكثير، وتنتهي الفسحه"

قالت ليندا، وهي تمسح على صفحة دفترها بخفة"إذن نحتاج إلى تقسيم الأدوار"

رفعت ماريا حاجبًا"تقصدين كأنها عملية؟"

"بالضبط." قالت ليندا وهي ترسم خريطة سريعة للدار على ورقة نظيفة،

وأضافت

"إيلاناي وأرورا تدخلان إلى غرفة الأرشيف. أنتِ يا ماريا تبقين عند الممر المؤدي إلى الطابق السفلي، تراقبين الطريق. جازمين، تبقين في غرفة الجلوس، ترسلين إشارة إن مرّ أحد. أما أنا... فسأتكفل بالمفتاح"

نظرت إليها أرورا بفضول"لا زلت لم تخبرينا كيف حصلتِ عليه"

ابتسمت ليندا ابتسامة غامضة وقالت بهدوء"الرسامة لا تكشف أسرار أدواتها"

سكت الجميع للحظة، ثم قالت إيلاناي وعيناها مركّزتان على النقطة بين العشب والحائط"حسنا، إذاً موعدنا في الليل عندما يكون الجميع نيام"

كان في الهواء صدقٌ نادر... ليس فقط في الكلمات، بل في النظرات، في إيماءة الرأس، في الورقة التي بدأت ليندا ترسم عليها المسارات، والأسهم، والدوائر

.........................................................................

.......

...

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

انتهى اليوم الدراسي أخيرًا، ومع رنين الجرس الأخير، بدأت الجموع تتدفق خارج الصفوف كأسراب طيورٍ تحررت من القفص. ضجيج الأقدام وضحكات الطلاب وصرخاتهم المتشابكة في الممرات، بينما كان الطلاب يخرجون تباعًا من بوابة المدرسة

استوقفهن صوتٌ حاد، خافت في البداية، ثم بدأ يرتفع تدريجيًا... كلمات متقطعة، مشحونة بنبرة توتر واضحة

توقفن لحظة، لا عن قصد التلصص، بل لأن المسافة ضاقت، ولم يكن بوسْعهنّ أن يتجاهلن ما سمعن

كان هناك شخصان واقفان عند الزاوية المقابلة، على مقربة من خزائن الطلاب الجانبية. سايمون... بظهر مستقيم ونظرات باردة، أمامه أروفيوس، الذي بدا أقل هدوءًا من المعتاد. كلاهما يتحدثان بنبرة منخفضة، لكن لغة الجسد كانت كافية لفضح التوتر

"ظننت أنك انتهيت من العبث بهذه الأمور" قال سايمون بصوت شبه هامس، إلا أن حدّة عينيه كانت تقول ما لم تنطقه كلماته

أجابه أروفيوس وهو يضع يديه في جيبيه، نبرة صوته تحمل برودًا متعمدًا"ليس كل شيء عبثًا يا سايمون... بعض الأشياء تستحق أن تُكسر من أجلها القواعد"

قال سايمون بصوتٍ خافت، لكنه كان مشحونًا ببرودة جارحة"بدأت تتدخل كثيرًا في أمور لا تخصك، أروفيوس."

أجابه أروفيوس، ونبرته لا تخلو من سخرية متزنة"غريب أنك تقول هذا، وأنت من يضع خيوطه في كل الزوايا"

سايمون ابتسم، لكنها لم تكن ابتسامة صداقة"على الأقل، أنا لا أتناقض مع ما أؤمن به"

توقفت خطوات الفتيات تلقائيًا، ثم تظاهرن بالانشغال بأزرار حقائبهنّ أو بهواتفهنّ، لكن آذانهن كانت مشدودة.

قال أروفيوس بهدوء حاد"أحيانًا... ما نؤمن به ليس مهمًا، بل ما نفعله عندما لا يراقبنا أحد"

اقترب سايمون ببطء إلى أروفيوس، وقال نبرته مغطاة بابتسامة"احذر يا صديقي... فأنت تلعب بالنار والعب بالنار لهُ ثمن "

لحظة صمت قصيرة، كانت أثقل من أي كلمات

ثم التفت سايمون مبتعدًا، كأن النقاش انتهى من جانبه، بينما ظل أروفيوس واقفًا مكانه، يراقب ظهره وهو يبتعد

قالت ماريا بصوت منخفض، أقرب للهمس"ما الذي كان ذلك؟"

أجابت جازمين وهي تضيّق عينيها"توتر قديم... لا أحد يعرف سببه الحقيقي، لكنهما لا يتفقان منذ زمن"

أرورا تمتمت"أروفيوس لا يرفع صوته على أحد... لكن الآن بدا كأنه... مستفَز"

نظرت إيلاناي إلى الأرض، ثم إلى وجه أروفيوس الذي التفت فجأة وكأنه شعر بنظراتها. التقت عيونهما للحظة، نظر إليها نظرة طويلة، ثم استدار ومشى في الاتجاه الآخر

نظرت إيلاناي إلى ليندا، فوجدت في عينيها نفس القلق الذي ارتسم في داخلها.

اللحظة كانت قصيرة... لكنها كانت كافية لتزرع شكًا جديدًا في أرضٍ كانت بالفعل مليئة بالأسئلة

عندها، دوّى صوت بوق الحافلة، كأنّه يقطع خيط التوتر

صعدن إلى الحافلة بصمت، كأنّ الكلمات التي سمعنها قبل لحظات قد خففت أقدامهن وأثقلت صدورهن.

جلست إيلاناي إلى جوار ليندا، بينما جلست ماريا وراءهما، تراقب الطريق من خلف الزجاج كأنها تبحث فيه عن تفسيرٍ لصوت سايمون البارد ونظرة أروفيوس الثابتة.

جازمين تمسكت بدفتر صغير كانت تخط فيه ملاحظات لا تخص المدرسة، وأرورا أخرجت من حقيبتها قطعة شوكولا لكنها لم تأكلها... كانت

فقط تحركها بين أصابعها بتوتر صامت

قالت ليندا، بصوت منخفض بالكاد تسمعه إيلاناي

"الشجار الذي رأيناه... لم يكن شخصيًا فقط. كان مشحونًا بشيء أعمق"

هزّت إيلاناي رأسها، عيناها مثبتتان على المقاعد أمامها"أشعر أن كل شيء حولنا يحمل أكثر من وجه... حتى الأشخاص."

قالت ماريا من خلفهما"سايمون من النخبة، أليس كذلك؟"

ردت جازمين دون أن ترفع نظرها عن دفترها"نعم، لكنه ليس كأيّ عضو عادي. يُقال إن له نفوذًا يصل إلى الإدارة"

تمتمت أرورا"و أروفيوس؟"

قالت إيلاناي بهدوء"أشعر وكأنه يعرف الكثير... أكثر مما يبدو، لكن السؤال... لماذا يهتم؟"

ساد الصمت ثم مضت الحافلة بين الأزقّة المألوفة، تعود بهنّ إلى الدار... إلى بداية الخطّة

وصلت الحافلة إلى بوابة دار كاميليا، وانفتح الباب الأمامي ببطء، كما لو كان يُمهّد لشيء لا يشبه بقية الأيام

هبطن الفتيات واحدة تلو الأخرى، وتقدمن نحو الدار بصمت. كان المبنى مهيبًا في ضوء المغيب، نوافذه شبه مظلمة

دخلن الدار، وتظاهرن كأنّ اليوم يمضي كعادته

ضحكة من هنا، تحية سريعة من هناك، حديث سطحي مع الخالة زيتا... كأنهنّ لم يكنّ قبل قليل يرسمْن خريطة اقتحام سرٍّ نائم في الطابق السفلي

......................................................................

....

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

غرفة الجلوس

كانت الفتيات الخمس متوزعات في الغرفة بصمتٍ متحفّظ، لم يذُب حتى بعد انتهاء الطعام. لا أحد يجرأ على مغادرة المكان، فقد طلبت السيدة داليا أن تجتمع بهن جميعًا.

الغريب أن ريفين لم تكن بينهن، ولم يسأل أحد عنها بصوتٍ عالٍ، وكأنّ غيابها صار جزءًا من التوتر العام

دخلت السيدة داليا بخطوات ثابتة، وخلفها الآنسة جيزيل والخالة زيتا. وقفت أمام الفتيات دون التفاف، ونظرت إليهن بعينين لا تخفيان الجدية

داليا، بصوت واضح"ابتداءً من هذا الأسبوع، سيتغيّر نظام الدار. لا مزيد من الفوضى أو العيش بلا مسؤولية"

رفعت ماريا حاجبها، ثم قالت بسخرية"هل ستُوزّع علينا كتيّب تعليمات؟"

داليا، دون أن تبتسم"بل ستُوزّع عليكن مهام حقيقية. كل واحدة منكن ستتحمل مسؤولية محددة. الدار ليست فندقًا."

جازمين بانزعاج"أي مهام؟ نحن لسنا خادمات"

داليا، بنبرة ثابتة"جازمين، ستكونين مسؤولة عن تنظيف الحمامات، مع ريفين"

أرورا، وقد بدت مصدومة"ماذا؟! تنظيف الحمامات؟ هل ترينا عاملات نظافة!"

داليا، بصرامة"وهل تعتقدين أن الحياة خارج هذه الدار ستعاملكن برفق؟ تعلمن العمل، سيفيدكن"

اضافت ماريا بصوت حاد"أنا أرفض. بكل بساطة، لن أفعل شيئًا"

داليا بنيره صارمة "أنتِ مع أرورا، تنظفان الغرف والدار"

ليندا، فجّرت صوتها للمرة الأولى"وهل تعنين أننا خُلقنا لنقوم بأعمالكم بينما أنتن تراقبن؟"

داليا، ترفع بصرها نحوها بثبات"بل لأنني أؤمن أنكن قادرات. أنتِ مع إيلاناي، ستتكفلان بمتابعة الطلبات، والتبضّع إذا لزم"

إيلاناي، وقد اشتعل وجهها غضبًا"ومَن أنتِ لتأمرينا هكذا؟! منذ متى صارت هذه الدار معسكراً؟"

جيزيل، بحدة"اخفضي صوتك، إيلاناي!"

إيلاناي وهي ترفع صوتها اكثر "لا، لن أخفضه! لقد سئمنا من أن يُملى علينا كل شيء!"

ماريا، بجرأة"وأنتم؟ ماذا تفعلون غير المراقبة من بعيد؟ تتحدثون عن النظام بينما نحن نحترق!"

زيتا، تتقدّم بخطوة غاضبة"كفى وقاحة-"

داليا، تقاطعها بحزم"كلامهن موجه لي، يا زيتا"

سادت لحظة من التوتر، قبل أن تضيف داليا بنبرة هادئة لكنها صارمة

"إذا أردتن البقاء في هذا المكان، فعليكن احترام قواعده. وإن كنتن تظنن أن هذه القواعد قسوة، فربما لأنكن لم تعهدن من يضع حداً للفوضى"

جازمين، تمتمت بسخط"لم نطلب منكِ شيئًا أصلًا"

داليا، تردّ بهدوء"لكنّي جئت"

و استدارت تعود الى مكتبها

و لحقنا بها الخاله زيتا ولانسة جيزيل بعد ان نظرت إلى الفتيات، نظرة تحمل الكثير

أُغلِق الباب خلفهن ببطء، ومعه انكمشت الغرفة على توترها. ظلت الفتيات واقفات في أماكنهن، كأنّ شيئًا ثقيلًا لم ينزِل بعد عن صدورهن.

ماريا ضربت بقدمها الأرض، وقالت بانفعال"أي وقاحة! تنظيف غرف؟ تبضّع؟ أي هراء هذا؟"

أرورا شبكت ذراعيها بصمت، ثم تمتمت بمرارة"ليتها صرّحت أنّها تسعى لتحويلنا إلى خادمات"

جازمين، وقد بدا عليها الغضب أكثر من غيرها"غريبة... تأتي من العدم وتظنّ أنّ بإمكانها السيطرة علينا. ما الذي تعرفه عنا أصلاً؟"

ليندا كانت تحدّق في نقطة ما في الأرض، وقالت بهدوء مشوب بالحذر"لكنها لم تكن غاضبة. لم تكن تتشفّى... فقط... كانت مصرّة"

إيلاناي رمقتها بعينين ضيقتين"لا تنخدعي. الكثير من الأشخاص يبتسمون وهم يغرسون السكاكين"

ماريا أومأت بعنف"بالضبط! وإن كانت تظن أننا سنخضع بسهولة، فهي لا تعرفنا بعد."

جازمين، بحدة"أكثر ما أثار غيظي... أنها لم تردّ على صراخنا. وكأنها تُخطّط بشيء أعمق من الكلام"

أرورا نظرت إلى إيلاناي وسألته"هل سننفذ ما طلبته؟ أم نخطط لشيء آخر؟"

إيلاناي تنهدت ببطء، ثم قالت بنبرة غير قابلة للنقاش"لن ننفذ شيئًا قبل أن نعرف من تكون فعلًا... ولماذا جاءت في هذا التوقيت بالذات"

سادت لحظة من الصمت...

ماريا، بعصبية مكتومة"أكره هذا الصمت... وأكره هذا المكان"

إيلاناي اقتربت من الطاولة، وضربت عليها بخفة، وقالت"الليلة... ننفذ خطتنا. نذهب إلى الأرشيف، نكتشف ما تخفيه ريفين، وربما نجد فيها شيئًا يكشف لنا حقيقة هذه السيدة"

جازمين شدّت قبضتها وقالت"وإذا وجدتُ شيئًا، فلن أكون لطيفة"

......................................................................

....

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وقت تنفيذ الخطه

مع اقتراب منتصف الليل، كان السكون قد غلّف دار كاميليا بثوبه المعتاد، لا صوت يُسمع سوى أزيز المكيّف القديم ونبضات السكون المتقطّعة في الزوايا.

في الظلّ، عند الزاوية المؤدية إلى الدرج الخلفي، اجتمعت الفتيات واحدة تلو الأخرى، كما اتفقن.

ماريا جاءت أولًا، ترتدي ملابس داكنة، ربطة شعرها مشدودة بإحكام. بعد لحظات، لحقت بها جازمين، تحمل معها ساعة صغيرة تقيس بها الوقت. ثم أتت أرورا، عيناها لامعتان بالحماس، تلتها ليندا التي كانت تمسك مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا، ملفوفًا بخيط أسود.

وأخيرًا، وصلت إيلاناي، خطواتها هادئة، لكنها ثابتة.

قالت ماريا همسًا وهي تلوّح بيدها"الطريق للممرّ نظيف، لا أحد هناك"

أشارت لها إيلاناي برأسها، ثم التفتت نحو جازمين"تأكدي أن الخالة زيتا نائمة"

أومأت جازمين، وقالت"سمعت شخيرها قبل دقائق. لا شيء يقلق"

أرورا همست بحماس"إذا لم نفعلها الآن، فلن نفعلها أبدًا"

نظرت إليهنّ ليندا بهدوء، ثم أخرجت المفتاح وقالت بنغمة خفيضة"غرفة الأرشيف لن تبقى مفتوحة طويلًا. هيا"

تحرّكن بخفة، واحدة تلو الأخرى، نزولًا عبر الدرج الخلفي. الأرض الخشبية كانت تصدر صريرًا خافتًا تحت أقدامهن، لكنهن كنّ حذرات. حين وصلن إلى باب غرفة الأرشيف، نظرت إليهنّ ليندا، ثم أدخلت المفتاح.

"طق"

فتح الباب ببطء، وصوت المفصّلات القديمة صرخت كأنها تشكو من الغدر بعد طول نسيان.

دلفت إيلاناي أولًا، تلتها أرورا، بينما بقيت ماريا على رأس الدرج، تراقب الممرّ

داخل الغرفة، كان الهواء مشبعًا برائحة الورق القديم والخشب المهترئ. رفوف متراصّة، وصناديق مكدّسة فوق بعضها، والغبار يعلوها كطبقة نسيان.

قالت أرورا وهي تسحب صندوقًا"ما الذي نبحث عنه؟ اسم ريفين؟ ملف؟"

أجابت إيلاناي بخفوت، وهي تمرّر يدها على أوراق مترهلة"أي شيء يبدو وكأنه... لا ينتمي هنا"

خلفهما، وقفت ليندا عند الباب، تُمسك بمصباح يدوي صغير، وتحركه ببطء على العناوين

فجأة، تمتمت أرورا"انتظري... هذا الملف عليه الحروف الأولى من اسمها"

نظرت إيلاناي إلى ما كُتب عليه، وتمتمت"هذا... ليس مجرد ملف شخصي"

قلبت الورقة الأولى، وتجمّدت عيناها.

"ما هذا؟" همست أرورا

نظرت إليها إيلاناي، ثم إلى ليندا التي اقتربت بهدوء. أخرجت ورقة ثانية، كانت مطويّة بعناية، ومرسوم في أعلاها شعار غريب، كأنه ختم لعائلة أو جهة سرّية.

قالت ليندا بصوت منخفض، عيناها تتأمّلان الخطوط"هذا... يشبه أحد الرموز التي رأيتها في لوحة قديمة في غرفة المديرة السابقة"

همست إيلاناي، وعيناها تضيقان"أعتقد... أن ريفين عرفت هذا أولًا. وهذا ما جعلها تختفي"

بيدين مرتجفتين، فتحت إيلاناي الورقة المطويّة بعناية. العتمة جعلت الخطوط باهتة، لكن ليندا سلّطت الضوء بحذر، حتى بان النصّ مكتوبًا بخطّ يد أنيق، مائل قليلًا، يحمل طابعًا رسميًا لكنّه لا يخلو من التوتر.

"الملف رقم: R-07-M

الاسم: محفوظ

الهوية: سريّة - قيد الإخفاء

بتوصية من الجهة العليا، يُمنع الكشف عن النسب الحقيقي للطفلة المذكورة، حفاظًا على الأمن السياسي والاجتماعي..."

توقف صوت إيلاناي، وعيناها تتوسّعان.

قالت أرورا بذهول"ما معنى هذا؟ من هذه الطفلة؟"

تمتمت ليندا، وهي تمرر أناملها على طرف الصفحة"الرمز R-07-M... حرف R قد يرمز لريڤين؟"

قلبت إيلاناي الصفحة بسرعة، وهناك ظهرت خريطة صغيرة بخط اليد، عليها نقاط متصلة وتواريخ، وكأنها سلسلة من التنقلات

قالت بصوت خافت"نُقلت من جهة إلى أخرى، وكل مرة كانت تحت اسم مختلف... هنا مكتوب اسم دار كاميليا، مع تاريخ وصولها"

أرورا أشارت إلى زاوية الصفحة الأخرى"وهنا توقيع... انظري!"

كان هناك توقيع، غريب في تصميمه، بدا أشبه بختم ملكي أو إداري، تحته عبارة مطموسة جزئيًا. لكن إحدى الكلمات كانت واضحة بما يكفي لتجعل قلوبهنّ تنقبض:

"المؤسسة العُليا للـ... النسب المُعدّل"

قالت ليندا، وقد شحب وجهها قليلًا"هذا... يتجاوز دار الأيتام. هذا أمر كبير."

همست إيلاناي، وهي تعيد ترتيب الأوراق داخل الملف"ريڤين عرفت شيئًا. عرفت ما يُخفيه ملفها الحقيقي... ولهذا اختفت"

انطفأ ضوء المصباح الصغير فجأة، وغمر الظلام المكان من جديد، لكن القلوب كانت قد أضاءت بما لا يمكن التراجع عنه

قالت جازمين من أعلى الدرج، وهمسها يلهث"أحدهم قادم... إنه صوت خطوات!"

تبادلت الفتيات النظرات بسرعة. أرادت إيلاناي أن تغلق الملف تمامًا، لكن صوتًا حادًا، جافًا، قطع عليها الحركة

"لا تُتعبي نفسك، كنت أعلم أنكن ستأتين"

استدارن جميعًا دفعة واحدة... وهناك، عند مدخل الغرفة، كانت ريڤين واقفة

عيناها نصف مغمضتين، في ملامحها لمحة تحدٍ، لكن في صوتها... ألم لا يمكن إنكاره

قالت جازمين، تتقدم خطوة بخفة"ريڤين... نحن..."

قاطعتها ريڤين"عرفتن الآن، أليس كذلك؟"

صمت.

نظرت إليهن واحدة واحدة، ثم وقفت في منتصف العتمة، وشهقت شهقة قصيرة كأنها حاولت أن تحبسها منذ سنين

"كنت أعرف أنكم ستلحقون بي... كنت أتمنى فقط أن لا تفعلن"

قالت ماريا وقد بدا صوتها مختنقًا"لماذا لم تخبرينا؟ نحن عائلتك... نحن من بقي معك في كل شيء"

ترددت ريڤين للحظة، ثم قالت بنبرة متكسرة"لأنني لم أكن أريد أن أتأكد... أن كل حياتي كانت كذبة"

اقتربت إيلاناي ببطء، عيناها لا تفارقان وجه ريڤين

"لكننا كنا معك... وسنظل، حتى لو تغيّر كل شيء."

هزّت ريڤين رأسها"لا تفهمين، إيلا. الورقة... الملف... هذا الختم الغريب... اسمي، هويتي، عائلتي... كل شيء تم التلاعب به. لست أنا ما كنت أظنه"

قالت أرورا، بصوت خافت لكنه مشحون"وهل تغيّر هذا من نحن بالنسبة لك؟ من أنت بالنسبة لنا؟"

ساد الصمت لحظة، ثم انفجرت الكلمات من ريڤين أخيرًا، وكأنها لم تعد قادرة على حملها

"كنت أشعر دائمًا أنني مختلفة. لم أكن مثل باقي الفتيات. لم أكن أريد التصديق... لكنني رأيت اسمي في تلك الأوراق. رأيت كيف تم تسجيلي، كيف تمّ تغيير كل شيء عني... من أجل أن أبقى هنا، بعيدة عن كل ما يفترض أنه يخصني"

نظرت إليها ليندا، همست بنبرة دافئة"لكن قلبك لم يتغير، ونحن نعرفك، ريڤين... كل واحدة منا تعرفك"

تقدمت ماريا، لم تهبأ بالدموع التي بدأت تتساقط من عينيها"أنتِ أختي، وإن كانت الأرض كلها ضدك، سأقف معك"

جثت ريڤين على الأرض فجأة، وضمت وجهها بين يديها

لم تتكلم

فقط... بكت

اقتربت منها إيلاناي، وجلست إلى جانبها بصمت، ووضعت يدها على كتفها، ثم همست

"ربما خُبئ عنك اسمك الحقيقي، لكنك أنت من صنعتِ نفسك بيننا. لا أحد يستطيع أن يسرق ذلك منك"

انحنت ليندا وأرورا من الجهة الأخرى، ثم تبعتهن ماريا وجازمين

وحين أحاطن بها، عرفت لحظتها ريڤين ... أنها ليست وحدها

عاد الهدوء إلى الدار. لا أصوات سوى حفيف الأشجار خارج النوافذ ووقع الأقدام الحذِرة على بلاط الممر الطويل. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين عادت الفتيات إلى غرفتهم، واحدة تلو الأخرى، دون كلمات كثيرة

دخلن الغرفة بهدوء، وأغلقن الباب خلفهن كما لو كنّ يحاولن حبس اللحظة... كي لا تتسرّب، كي لا تنكسر

جلست ريڤين على سريرها، تنظر إلى الفراغ، وعيناها ما تزالان حمرتين من البكاء، لكن ملامحها هذه المرة لم تكن ممزقة. بل هادئة... كأنّ الألم ذاته أصبح يقف إلى جانبها، لا ضدّها

اقتربت منها إيلاناي، وجلست بجانبها بصمت. لحظة واحدة، ثم قالت

"أنا آسفة... لأنني لم ألحظ مبكرًا"

أجابت ريڤين همسًا"وأنا آسفة... لأني دفعتكن بعيدًا"

قالت ماريا وهي تفترش السرير المقابل"أحيانًا نحتاج أن نبتعد لنفهم من نحتاج أن يبقى"

علّقت أرورا، وهي تضع دفتريْن صغيرين على المنضدة قرب الوسادة"ومن الجيد أننا لم نبتعد كثيرًا... وإلا لَضِعنا كلنا"

جلست ليندا على الأرض، تضع رأسها على السرير وتنظر إلى الأعلى"ما زلت أريد أن أرسمكن جميعًا... لكن هذه المرة، سنكون فيها معًا، بلا أقنعة"

ضحكت جازمين بخفة، تمسك وسادتها بين ذراعيها"ولا تنسي أن تضعي تلك الخريطة العجيبة التي رسمناها... بطلتنا الخارقة ليندا"

تبادل الجميع نظرة، ثم انفجرت ضحكة قصيرة... مختلطة بالدموع

ضحكة لم تكن لِتُسمَع لولا هذا الانكسار.

ساد الصمت بعد ذلك، لكن هذه المرة، كان صمتًا مريحًا، يشبه البطانية التي تحيط بالجسد بعد عاصفة شتوية. صمتًا يعرفن فيه أن ما حدث تلك الليلة... لن يُنسى

كانت ريڤين تجلس على سريرها لبعض الوقت، عيناها تلمعان بضوء خافت، ولم تستطع أن تصدق أن الكلمات التي تقال بينهن قد فتحت بابًا جديدًا من الصراحة والود

رفعت رأسها ببطء، حدقت في وجوههنّ جميعًا، ثم قالت" والأن هي أريد أن أعرف ماذا حصل اليوم في غيابي "

أرورا، بتذمر واضح"فاتك الغداء، والشتائم، وتوزيع المهام كأننا خادمات"

جازمين، وهي تلوّح بيدها ساخطة"السيدة داليا... جمعتنا كالعبيد، وأعلنت أنّ النظام تغيّر. كل واحدة لها مسؤولية تبدأ غدًا"

ريفين، وقد انكمشت ملامحها قليلاً"مسؤوليات؟ من نوع ماذا؟"

نظرت ايلاناي إلى السقف وقالت "أنا وليندا سنتولى الطلبات، نخرج لشرائها ونكتب ما ينقص. جازمين... أنتِ معها في تنظيف الحمّامات"

ريفين نظرت إلى جازمين، التي أومأت برأسها بسخرية"نعم، حضرة النبيلة ستنظف البلاط"

ماريا، من مكانها"أنا وأرورا ننظف الغرف. كأننا في معسكر تدريب..."

ليندا قالت بهدوء، وكأنها تخاطب ظلًا"وكأن مجيئها لم يكن عبثيًا... كل شيء تغير في لحظة"

صمتت ريفين، ثم همست، وكأنها كانت تتكلم مع نفسها"كنت أعلم أن الأمور ستتغير... لكن ليس بهذا الشكل"

.

.........................................................................

........

...

..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

بوووووووممم

ايش رايكم بالفصل

مين حبيتو اكثر وحده من بناتي 🥹🥹

حسيت الفصل ناقصه بصمت ريڤين

ايش رايك بساسمون

أروفيوس

كايدن

ايش تتوقعون سبب شجار سايمون و أروفيوس

ايش هي حققية داليا و هل هي حقاً مسؤلة دار فقط 🤔

هل تتوقعون ان ريڤين هي الوحيدة من لديها

اسرار عن عائلتها او هناك اسرار لم تشرق إلى النور بعد

وبسس

صلو على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين

استودعتكم الله

مع السلامة

☆👈🌟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Symbiosis.

المؤلف فلك
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة