الوتر المقطوع

الوتر المقطوع

16 0

صلو على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبهه اجمعين

قبل ما تقرأو الفصل قومو صلوه لانو ما يحتاج اقول لكم انو صلاتكم اهم من اي شي

واذا انتم مصلين تفضلو

『الأمـَـلُ هـوَ نــورٌ مُـنـبَـعِـثٌ مِـنْ أظْـلَـمَ، لا يُـرَى فِـيـهِ سِـوَى الـيـقِـيـن بـأنَّ الـفَـجْـر قَـادمْ』

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

"كايدن مرتينز"

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

"أورفيوس بترفيلد"

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

"ليونارد أوستن"

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

المكتب في دار كاميليا كان مزعجاً وخانقاً، رغم ان النوافذ المفتوحه، كانت الساعة قد اقتربت

من العاشرة صباحاً

الملفات مبعثرة امامها، اوراق متفرقة وكل ورقه تصرخ بمأساة فتاة

صور صغيره مثبتة في الزوايا، وتواريخ مكتوبة

بخط رسمي باهت

رفعت نظارتها قليلًا وحدقت في أحد الملفات

كتب عليه اسم ايلاناي

قلبت الورقة ، فظهرت ملاحظة مكتوبة"أُحضرت إلى الدار بعد ان فقدت والديها"

تنهدت داليا وأغلقت الملف برفق، ثم وضعت كفها على جبينها

في تلك اللحظة، فُتح الباب بخفة، ودخلت جيزيل حاملة بيدها كوب قهوة. ابتسمت قائلة"أظن أن هذه الملفات لن تنتهي اليوم"

ابتسمت داليا بسخرية خفيفه " ولا اعتقد انها ستنتهي، اريد ان اعرفهن أكثر، الورق لا يروي كل شيء "

اقتربت جيزيل وجلست مقابلها، ثم أشارت إلى الملفات"دعيني أساعدك... أعرف البنات أكثر من أي تقرير"

ساد صمت قصير، قطعه همس داليا

"أعرف أنكِ تعرفين. لهذا طلبت حضوركِ. أريد أن أسمعهن بلسانك، لا بمدادٍ باهت على أوراق رسمية"

ابتسمت جيزيل، وبدأت تسحب أول ملف من الركام"حسنًا... لنبدأ بإيلاناي"

فتحت جيزيل الملف وأطالت النظر إلى صورة إيلاناي الصغيرة، ثم ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت

"الملف يقول: أُحضرت بعد أن فقدت والديها. ... لكن هذه ليست القصة الكاملة"

أخذت جيزيل نفسًا قصيرًا، ثم قالت بصوت خافت"هناك شيء لا يظهر في هذا الملف... شيء لم يكتبه أحد"

رفعت داليا رأسها بتركيز

شبكت جيزيل يديها فوق الطاولة وكأنها تجمع شجاعتها قبل أن تكمل

"حين جاءوا بها إلى الدار... لم يخبرونا بتفاصيل ما وُجد. لقد وُجدت في القبو، في بيت والديها، بينما كانا جثتين هامدتين في الطابق العلوي"

تسمرت عينا داليا، وكأن المشهد البعيد صار حاضرًا أمامها

وضعت جيزيل يدها على الملف، ثم تمتمت بحزن"حين عُثر عليها، لم تكن تبكي بصوت... كانت فقط تُحدّق، وعيناها متورمتان من كثرة الدموع. لم تفهم لماذا رحلوا وتركوها وحدها ظلّت تردد جملة واحدة: لن أخرج، لن أتركهم فوق"

انحنى رأس داليا قليلًا، ولم تستطع منع نفسها من وضع يدها على جبينها، محاولة استيعاب الثقل الذي سمعته

ابتسمت جيزيل ابتسامة مريرة، وأردفت

"إيلاناي اليوم لا تحكي ذلك لأحد... لكنها تحمل ظل تلك الليلة في أعماقها. ربما هذا ما يجعلها أحيانًا أكثر حساسية من غيرها... وأكثر حنينًا للأمان"

أغمضت داليا عينيها لوهلة، ثم كتبت ملاحظة سريعة على طرف الورقة

رفعت نظرها ببطء، ثم همست

"وهل... انعكس ذلك على حياتها هنا؟ "

وضعت جيزيل الكوب على الطاولة، وأشاحت بنظرها للحظة ثم عادت تقول

"أحيانًا أراها تذهب إلى الزاوية الخلفية للدار... تجلس وحدها بصمت، ترفع رأسها إلى الأعلى، وكأنها تنظر إلى سقف القبو الذي تركت فيه حياتها القديمة. لا تتكلم... فقط تذوب في صمتها"

ظلّت داليا صامتة للحظات، ثم أغلقت الملف ببطء، وكأنها تخشى أن ينكسر شيء هش بداخله

تمتمت أخيرًا"إيلاناي... ليست مجرد رقم في هذه الأوراق. إنها جرح مفتوح، لكنه يتنفس"

أومأت جيزيل برأسها وكأنها تغلق باب القصة مؤقتًا، ثم مدّت يدها إلى ملف آخر من فوق الطاولة

سحبته برفق، وضعت إصبعها على الاسم المكتوب بخطٍ باهت في أعلاه"ريڤين"

قالت بصوت منخفض

"هذه الفتاة... لها قصة مختلفة. أحضرتها الخالة زيتا بنفسها، وهي لا تزال في المهد. تخيّلي... طفلة لا تكاد تفتح عينيها بعد، لتُلقى بين جدران هذا المكان"

رفعت داليا حاجبيها بدهشة خفيفة"الخالة زيتا؟ بنفسها؟"

ابتسمت جيزيل ابتسامة غامضة، ثم تابعت

"أجل... كان الأمر غريبًا حينها. لم تُفصح عن الكثير، فقط قالت إن الطفلة بلا أهل، وإن الدار ستكون مأواها الجديد

ومنذ ذلك الحين... كبرت ريڤين هنا بيننا، لم تعرف حضنًا سوى هذا المكان، ولا عائلة غير الفتيات والدار"

وضعت جيزيل كفها على الملف وكأنها تحاول أن تمنع الأوراق من الانزلاق، ثم أضافت

"لكنها... مختلفة. ليست كالبقية. هناك دائمًا شرارة في عينيها، مزيج من التمرد والفضول.

ربما لأنها لم ترَ شيئًا من الماضي،

لم تحمل ذاكرة فقدانٍ كالتي تحملها إيلاناي أو غيرها... بل جاءت كورقة بيضاء، وبدأت ترسم قصتها بنفسها"

تنهدت داليا وهي تسند ذقنها على كفها"ريڤين... دائمًا ما كنت أشعر أن بداخلها سرًا أكبر مما نراه"

ابتسمت جيزيل نصف ابتسامة"صدقتِ... سرّها ليس فيما فقدت، بل فيما تبحث عنه"

أيدتها داليا وهي تنظر جانبًا نحو النافذة"أنتِ محقّة… ماذا عن الأخريات؟"

سحبت جيزيل ملفات كلٍّ من ماريا، وأرورا، وليندا، وجازمين، وقالت بنبرة يملؤها الأسى والقهر

"ليندا… تخلّت عنها والدتها وهي في السابعة من عمرها. يومها أحضرتها بنفسها إلى الدار… ولم تكن تعرف أنّه سيكون آخر لقاء بينهما.

في ذلك اليوم، رفضت ليندا الدخول، بقيت في الخارج لساعات طويلة، وكأنها تنتظر أمّها تعود لتأخذها"

أخذت جيزيل رشفة من كوبها، وأكملت"تصدقين؟ لقد وجدت في الرسم طريقًا للهروب من كلّ ما مرت به. كانت تمضي الساعات ترسم على جدران الدار، حتى قبل أن نعطيها الأوراق والألوان"

أمسكت داليا قلمها، وبدأت تدوّن ملاحظات صغيرة. هي لا تحب سماع القصص الحزينة، وخصوصًا إن كانت حقيقية

كانت تعرف أن جميع الفتيات يكرهنها ويكرهن وجودها كمسؤولة تسلّط الضوء على جراحهن، لكنها لا تهتم؛ فهي هنا لمساعدتهن

فكلّهن، في نظرها، جراح تنزف… وترفض العلاج

انتقلت جيزيل إلى الملفين الآخرين، وقالت بنبرة أكثر دفئًا

"أرورا وماريا… جئنا بهما من ملجأ آخر، بعد أن تنقّلتا بين أكثر من دار. لا أعرف الكثير عن ماضيهما، فهما لم تستقرا يومًا في مكان واحد"

هزّت داليا رأسها بتفهم، ثم قالت وهي ما تزال تدوّن ملاحظاتها"هل تعرفين أسماء الدور التي كانتا فيها؟"

بدت المفاجأة على ملامح جيزيل من سؤالها، فأجابت بعد لحظة تفكير، وهي تحاول أن تتذكر"لا أعرفها كلها… لكن على ما أعتقد، آخر دارين كانتا فيهما هما: دار السلام و دار الضياء"

ابتسمت داليا برضا وهي تكتب"جيد… هذا يكفيني"

عمّ الصمت المكان. استمرت داليا في كتابة ملاحظاتها عن الفتيات، بينما كانت جيزيل تمسك بكوبها وتنظر في الفراغ، كأنها تحاول الهروب من ثقل الذكريات

استفاقت من شرودها أخيرًا، وقالت بنبرة حاولت أن تبدو عادية

"إذن… أعتقد أننا انتهينا. سأجمع الملفات وأعيدها إلى غرفة الأرشيف"

ما إن وصلت إلى الباب، حتى سبقتها داليا برفع رأسها من الأوراق وهي تعدّل نظارتها"انتظري… ماذا عن جازمين؟ لم تقولي شيئًا عنها"

توقفت جيزيل للحظة. لم تلتفت، لكنها ضمّت الملفات بقوة أكبر إلى صدرها، وقالت بصوت خافت قبل أن تفتح الباب وتغادر

"وجدناها أمام باب الدار… كان عمرها لا يتجاوز الأربعة أو الخمسة أشهر"

وغادرت، تاركة خلفها صدى كلماتٍ أثقل من الملفات التي تحملها

أُغلق الباب وراء جيزيل، فعاد السكون إلى المكتب. لم يبقَ فيه سوى صوت عقارب الساعة يلتهم الدقائق ببطء

مدّت داليا يدها إلى الملاحظات التي كانت تدونها  حول الفتيات، رتّبتها أمامها بترتيبٍ جديد: إيلاناي، ريفين، ليندا، ماريا، أرورا، ثم جازمين

تأملت الأسماء واحدًا واحدًا، ثم همست وكأنها تخاطب نفسها"ستّ فتيات… ستّ قصص، وكل واحدة منهن تحمل ندبة أعمق من الأخرى"

نزعت نظارتها، مسحت عينيها بأصابع مرتجفة قليلًا، ثم أعادت ارتداءها. أخذت ورقة بيضاء وبدأت تكتب تقريرًا بخط يدها الواضح

إيلاناي: وُجدت في قبو عائلتها، والداها ميّتان،

لا احد يعرف حقيقة قتليهما

ريفين: أُحضرت وهي ما تزال في المهد، على يد الخالة زيتا. تكبر والفراغ يكبر بداخلها تملك طاقة صاخبة، لكن في أعماقها سؤال لا يهدأ "من أنا؟"

ليندا: الطفلة التي ودّعتها أمّها عند باب الدار، ولم تعد بعدها قط. تحمل في قلبها مرارة الانتظار، وتجد في الرسم منفذًا صغيرًا للنجاة من ألم الفقد

ماريا وأرورا: تائهتان بين الدور. لم تعرفا الاستقرار يومًا. وجوه كثيرة، أسِرّة كثيرة، قوانين كثيرة… لكن لا بيت. يبحثان عن شيء يسمّى "الجذور" ولم تعثرا عليه بعد

جازمين: رُضّع في حضن المجهول، وُجدت أمام باب الدار كهدية أو كوصمة… لا أحد يعرف. ما زال صمتها حتى اليوم يصرخ أكثر من أي كلمة

وضعت القلم أخيرًا، وحدّقت طويلًا في ما كتبت

تنهدت، وأغلقت الورقة ببطء، ثم شبكت يديها أمام وجهها

نهضت من مكانها واقتربت من النافذة. الهواء الذي دخل كان ثقيلاً كأنّه محمّل بإجابات لم تجد طريقها بعد

عيناها انعكستا على الزجاج، وبدا فيهما بريقٌ مختلف

أغلقت النافذة ببطء، ثم عادت إلى مقعدها. كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة والنصف، والفتيات الآن في المدرسة. مالت بظهرها إلى الوراء، ورفعت رأسها تتأمل السقف بصمت، قبل أن تهمس لنفسها

"ابنة عائلة ألفاريز... واحدة منهن. يجب أن أعرف من هي قبل فوات الأوان"

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

"أثبتت التجارب أنّ الجسيمات الدقيقة (كالفوتون والإلكترون) لا يمكن وصفها فقط كـ"كرات صغيرة"، بل لها طبيعة مزدوجة؛ فهي تسلك أحيانًا سلوك الجسيم وأحيانًا سلوك الموجة.

أشهر دليل على ذلك هو تجربة الشق المزدوج: إذا أُطلقت الإلكترونات على حاجز فيه شقّان، فإنها تُظهر على الشاشة نمط تداخل موجي، كأن كل إلكترون مرّ عبر الشقّين معًا!"

كانت الحصّة تسير ببطء قاتل، والأستاذ واقف أمام السبّورة يشرح بلا توقّف عن علوم الكم. كم أكرهها! وصوت الطباشير على اللوح كان يجرح أذنيّ كخدش مزعج يتكرر

جلت ببصري في المكان؛ هناك من يكتب بجدية، ومن يتحدّث مع صديقه، وآخر يخرج قطعة خبز ويأكلها خلسة. الفصل بكامله بدا كخلية ضوضاء، ضجيج الطلاب يملأه ويخنق أي محاولة للتركيز

نقلت بصري إلى النافذة بجواري. السماء كانت صافية إلا من بعض الغيوم التي تتحرك بهدوء، وكأنها تسخر من كل هذه الفوضى. شردتُ فيها طويلًا… حتى نسيت أن عليّ إنهاء ملاحظاتي كل شيء تلاشى من حولي، حتى صوت الأستاذ صار باهتًا بعيدًا كأنه قادم من نفق مظلم

"إيلاناي..."

جاء الصوت المزعج من جانبي، فالتفتُّ ببطء. فإذا بكايدن يرمقني بابتسامة جانبية قائلاً

"سرحتِ كثيرًا… كنتِ ستقعين من الكرسي"

قطبتُ جبيني وحاولت تجاهله، لكنّه أعاد الكرّة مرة أخرى، فزفرت بضيق وعدتُ إلى دفتري

حاولت اللحاق بالأستاذ والكتابة خلفه، لكن خطّه كان مبعثرًا وغير مفهوم. نظرتُ إلى القابع بجانبي، كان يكتب بسرعة وبخط واضح منسّق حسنًا… بما أن كايدن يكتب بهذا الشكل، سأستعير دفتره بعد الحصّة

كانت ملامحه مختلفة عمّا اعتدت أن أراه في الملعب. هادئ، مركز، عيناه الخضراوان تضيئهما نظرة حادة، والمنطقة بين حاجبيه متجعدة، وكأنه يحاول فك شيفرة سرية يخفيها الأستاذ على اللوح

شردتُ بدفتَره قليلًا، ولاحظت كلمات مكتوبة على الأطراف بلغة الإسكندنافية… دنماركية؟ لا، بل أقرب للنرويجية بما أنه نرويجي الأصل. أردت أن أسأله عن معناها، لكن فجأة…

انفتح باب الفصل بقوة

دخل أورفيوس بخطوات واثقة، متجهًا مباشرة إلى مقعده، دون أن يطلب إذنًا. جلس وأخرج أدواته وبدأ يكتب بهدوء، وكأن الأمر طبيعي. الغريب أنّ الأستاذ لم يتوقف لحظة عن الشرح، لم يعلّق على تأخيره ولم يلتفت حتى لوجوده… كأن دخوله كان أمرًا مسموحًا له وحده

تملكني شعور غريب… خليط من الفضول والحذر. لم أجرؤ على النظر إليه طويلًا، لكن حضوره كان ثقيلاً… مثل ظلّ طويل يفرض نفسه حتى دون أن يتحرك

رنّ جرس نهاية الحصّة أخيرًا، فتنفّست الصعداء وأنا أُغلق دفتري. الطلاب اندفعوا خارج القاعة كالموج، بعضهم يضحك والبعض يتشاجر على سبيل المزاح. أما أنا، فكنت أجمع أغراضي بهدوء، وكنت أتهيّأ لرؤيتهن

فجأة… شعرت بثقل نظرة تخترقني. رفعت عيني فرأيت أورفيوس قد وقف عند مقعده، يحمل حقيبته بيد واحدة، وعيناه الرماديتان مثبتتان عليّ

لم أدرِ لِمَ، لكن قلبي خفق بقوة

اقترب خطوة، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاد

"راميريز … أريد أن أتحدث معك"

تجمّدت مكاني لوهلة، نظرات أورفيوس كانت مثقلة بما لا أفهمه. لم أتحرك، ولم أنبس بحرف، حتى انقطع الصمت بظهور كايدن فجأة أمامنا، عاقدًا ذراعيه أمام صدره وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة

قال بلهجة حادة

"إذا كان لديك ما تقوله، فقله هنا. لا حاجة لأن تجرّها إلى مكان آخر"

لم يرد أورفيوس على استفزازه، بل اكتفى بخطوة هادئة للأمام، وصوته يخرج منخفضًا لكنه واثق

" متى سنبداء التدريبات على مسابقة الموسيقية؟"

شعرتُ بانقباض داخلي، ثم أجبت سريعًا وأنا أحاول أن أُبعد نظري عنه

"لا توجد مسابقة… لقد تم إلغاؤها"

ساد صمت ثقيل، حتى قطعه همس قصير من كايدن"إلغاؤها؟ لكن… أليست المسابقة سنوية؟"

أشحتُ بصري بعيدًا، وقلت بلهجة حاولت أن أخفي القهر فيها

"أتت بعض الشكاوى إلى المدير بأن المسابقة لا قيمة لها، وأنها محض تفاهة.  وأن هناك مسابقات أخرى تستحق أن تكون هي المسابقة السنوية التي يتلهف لها جميع الطلاب"

ما إن رفعت بصري حتى التقت عيناي برماديّتي أورفيوس

أيقنتُ أنه لم يقتنع تمامًا بهذا الكلام؛ نظرته لم تكن كسائر النظرات، كانت أشبه بشفرة تخترق جميع دفاعاتي، كأنّه قرأ المخفي بين السطور

ازدادت حدّة نظرته، ثم قال بنبرة مقيدة، تحمل أكثر من معنى"لقد فهمت"

ثم استدار وخرج من الصف بخطوات ثابتة، وكأن شيئًا لم يحدث

التفت نحوي كايدن وقال بصوت هادئ أقرب إلى الهمس"أهو بسببهم؟"

لم أنظر إليه، وشددت قبضتي. هو لم يذكر اسمًا، لكنني أدركت تمامًا من يقصد…

طلاب النخبة.

أولئك الذين يعبثون بالمسابقات، يغيّرون النتائج، ويستعملونها كأداة للسيطرة

أجبته وأنا أجمع أغراضي وأهمّ بالمغادرة"لا أعلم… ربما"

كان كايدن يلحق بي، وأردف بصوت شبه هامس وهو يشبك يديه خلف رقبته

"أليس أورفيوس من مجموعة النخبة؟ لماذا سألك عن التدريبات، ألم يوافق على إلغاء المسابقة من الأساس؟"

توقفت عن السير

هذه النقطة فاتتني… أورفيوس فرد من النخبة، وليس أي فرد، بل من "الرؤوس العُليا" فيها. جميع المسابقات لا تُلغى إلا بموافقته… أو بموافقة سايمون

لكن… لم بدا وكأنه لا يعلم؟

هل ألغيت من قِبل سايمون دون علمه؟

رفعتُ نظري ببطء نحو كايدن، تلاقت أعيننا. عيناه أشبه بغابة خضراء أستطيع أن أضيع فيها. استفقْتُ من شرودي سريعًا، وأكملت السير قائلة

"هناك شيء يحدث خلف الستار"

همهم قائلًا

"معك حق… علينا أن نبتعد قدر الإمكان"

ثم رفع إصبعه أمامي بتحذير

"ابقي بعيدة… لا تتدخلي. والآن إلى لقاء قريب، سأتأخر عن التدريب"

لوّحت له بيدي بعشوائية وقلت وأنا أقلب عيني

"أجل أجل… لن أتدخل. إلى اللقاء"

وجدت نفسي وحيدة في الممر. نظرت إلى ساعة هاتفي… ما زال هناك وقت طويل قبل الحصة القادمة

قررت أن أذهب إلى الحديقة الخلفية

كنتُ أسير في الممر الطويل المؤدي إلى الحديقة، خطواتي تتردد على الأرضية اللامعة المصقولة التي تعكس مصابيح السقف البيضاء.

المدرسة بُنيت على طراز كلاسيكي حديث؛ جدران عالية مزينة بزخارف بسيطة،

قاعات فسيحة تصطف أبوابها على الجانبين، ولوحات مُعلّقة تُظهر صور طلاب متفوقين من سنوات مضت.

كل شيء هنا يوحي بالنظام… لكنه نظام هش، يخفي تحته طبقة من الفوضى

الحديقة الخلفية كانت دائمًا المكان المفضل للفتيات: أشجار باسقة تُلقي بظلالها، ممرات حجرية متعرجة، مقاعد خشبية تحيط بنافورة صغيرة يتراقص فيها الماء بهدوء.

هناك اعتدن الجلوس، يتبادلن الضحكات أو يتهامسن بأسرارهن بعيدًا عن صخب المدرسة

أنا وأخواتي كنا نحب هذا المكان أيضًا، لكننا اخترنا بقعة بعيدة عن الأنظار، منسية، لا يأتيها أحد… لتكون ملاذنا الخاص

لكن منذ سنتين فقط… تغيّر كل شيء.

منذ أن ظهر طلاب النخبة

أتذكر جيدًا كيف بدأ الأمر: فجأة، مجموعة صغيرة من الطلاب عادت من العطلة الصيفية، وقد التفّت حولهم هالة غريبة من السلطة. لم يُعلن أحد رسميًا عن وجودهم، لكن الجميع عرف. كانوا يجلسون في الصفوف الأمامية دون أن يعترض المعلمون،

يدخلون متأخرين دون عقاب، تُفتح لهم قاعات مغلقة، ويُمنحون أوراق الامتحانات قبل غيرهم بحجة "التدريب"

سايمون بيتريكوف… رأس الأفعى.

ذلك الفتى ذو الشعر البني الأشقر والابتسامة التي تخدع أكثر مما تطمئن. عيناه البندقيتان الهادئتان تخفيان بركانًا من الحسابات.

لم يرفع صوته يومًا، لكنه لم يكن بحاجة إلى ذلك. بكلمة منه، يمكن أن يُفصل طالب، أو يُمحى اسمه من قائمة المتفوقين، أو يجد نفسه فجأة بلا مكان في أي نشاط

هو من رتّب الأوراق

هو من حوّل المسابقات إلى مسرحٍ للنفوذ

أتذكر أول مسابقة بعد وصوله: الطالبة المرشحة للفوز انسحبت بشكل غامض قبل النهائي بيوم. لتظهر فجأة أخرى لم يسمع بها أحد من قبل، وتفوز باللقب

الجميع فهم… لكن لم يجرؤ أحد على الكلام

منذ ذلك اليوم، صار اسم النخبة كظل يخيم على المدرسة. كل خطوة، كل نشاط، كل نتيجة… تمر من تحت أيديهم. والطلاب انقسموا: من أراد القرب منهم، من فضّل الصمت، ومن اختار أن يختفي في الظلال

وبينما اقتربتُ من الحديقة الخلفية، رأيت الفتيات متجمعات هناك، يضحكن ويثرثرن كأن العالم ما زال طبيعيًا. لكن داخلي كان يعلم: ما من شيء طبيعي بعد الآن.

جلستُ على مقعد حجري عند الطرف، أراقبهن قرب النافورة. ضحكاتهن كانت عالية، ثم تحولت إلى همسات… لكن كلماتهن تسللت إليّ رغم محاولتهن إخفاءها

"سمعتن؟ المسابقة الموسيقية أُلغيت نهائيًا"

"اجل … لم يقولو السبب الحقيقي"

"لا يحتاج إلى تفسير… الكل يعرف من وراء القرار"

رفعت إحداهن حاجبيها وقالت بلهجة جازمة

"النخبة. من غيرهم؟"

تجمدت الكلمات في أذني. شعرت أن صدري يضيق، وكأن الهواء صار أثقل

واحدة أخرى ضحكت بمرارة وقالت

"طبعًا… سايمون هو من قرر. قالوا إنها غير مهمة مقارنة بالمنافسة الجديدة. مسابقة بحوث علمية… كأنها مجرد صدفة"

ردت ثالثة بسخرية

"يعني باختصار… الموسيقى لم يعد لها مكان، إلا إن أرادوا هم. كل شيء صار على مزاجهم"

شددت قبضتي على دفتري. لم يكن عشقي للمسابقة بحد ذاتها، لكن فكرة أن تُلغى بهذه السهولة فقط لأن "النخبة" أرادوا… جعلتني أعي أكثر حجم قبضتهم على المدرسة

رفعت بصري إلى السماء. الغيوم تتحرك ببطء فوق الأشجار، كأنها تراقب من علٍ… وتسخر من عجزنا نحن، العالقين تحت ظل النخبة

سمعت أصواتًا أعرفها تقترب

"وقال إن علينا إحضار ملف لمادته، وما إن رفضت حتى طردني… تخيّلي!"

"آه ريفين… كم تحبين معاندة الأساتذة"

"أنا لم أعاند! من حقي أن أرفض إن لم يعجبني الأمر. أليس كذلك يا جازمين؟"

جازمين ردّت بواقعية

"هو صحيح أن لكِ الحق… لكن في حالتك لا"

ما إن أنهت جازمين كلامها حتى لاحظن وجودي.

كُنَّ جميعًا عدا ليندا

اقتربت مني ريفين، وضعت يدها على كتفي قائلة بابتسامة عفوية"أوه إيلا… أنتي هنا؟ لمَ لستِ في مكاننا الخاص؟"

أجبتها بصوت حاولت أن أجعله طبيعيًا، لكني فشلت"لا أعلم… أردت الجلوس في أي مكان فقط"

جازمين كانت تراقبني، نظراتها ثابتة عليّ. ثم قالت

"ما رأيكن أن نذهبن لترتيب المكان، ثم نلحق بكن انا وإيلا؟"

استجابن لأمرها، وغادرت ماريا وأرورا. وقبل أن تذهب ريفين، ربّتت على كتفي،

ثم جرت بسرعة نحو ماريا وسحبت شعرها للخلف، فصرخت ماريا تشتمها بألفاظ بذيئة وهي تطاردها

لم أتمالك نفسي، انفلتت مني ضحكة قصيرة على هذا المشهد الطريف

لم أشعر بجلوس جازمين إلى جانبي إلا حين أمسكت يدي الباردة من حجري، ووضعتها بين يديها الدافئتين

لم أكن أعلم أن أطراف يدي باردة… لكنها لاحظت. جازمين دائمًا تعرف تلك التفاصيل الصغيرة

قالت دون مقدمات

"عرفتِ بإلغاء المسابقة؟"

أومأت برأسي

ابتسمت بسخرية وقالت

"هذا ما يحدث في نظام يحكمه بيتريكوف"

لم أستطع أن أخفي قهري، وقلت بمرارة

"لكن لماذا؟ ما دخل الموسيقى؟! هم لا يهتمون لها، ليتركوها"

أبعدت خصلة هاربة من شعري وقالت بهدوء

"أنتِ قلتِها… هم لا يهتمون بها. لذلك، أي مسابقة لا تهمهم… سيلغونها"

لم أجب. أعلم أنها محقة. كثير من المسابقات اندثرت ومُحيت فقط لأنها لم تهمهم، أو طُلب منهم ذلك

تابعت حديثها هذه المرة بنبرة مختلفة، يكسوها العزم"لكني عاهدت نفسي قبل الجميع… أن أوقف هذه المهزلة"

التفتُ نحوها. كان في عينيها شيء مختلف… إصرار يخفيه زجاج نظارتها وشعرها الكستنائي المربوط ببساطة. كانت مقدِمة على شيء لن تتراجع عنه أبدًا

قالت وهي تستغرب نظراتي المطوّلة، وفي صوتها خجل خفيف

"لماذا تنظرين إليّ هكذا؟"

أجبتها بصراحة

"لأول مرة أكتشف أن لديكِ شامة صغيرة… بجانب فمك"

نظرت إليّ وضحكت قائلة

"شككتِني في نفسي!"

ثم ما لبثت أن نظرت إليّ بدورها، وقالت بابتسامة ناعمة

"وأنا لأول مرة أكتشف أن لديكِ  غمازة صغيرة في خدك"

"حقًا؟" قلتها وأنا ألمس وجهي بفضول

أومأت، وأضافت وهي تضحك أكثر

"أجل… إنها لا تظهر إلا عندما تبتسمين بصدق"

معها حق. لماذا لم يخبرني أحد بهذا من قبل؟

أغلقتُ حقيبتي، وقفت وبعدها نزعت الغبار عن ثيابي، وقلت لها

"هيا… الفتيات في انتظارنا"

سِرنا معًا نحو المكان الذي تنتظر فيه الفتيات. خطواتنا كانت بطيئة، وكأن كل واحدةٍ منّا تُفكّر في شيء مختلف.

كانت أشعة الشمس تميل إلى الغروب، فتنساب بخيوط ذهبية بين أغصان الأشجار العالية وتكسو الممرات الحجرية بألوانٍ دافئة

جازمين كانت تمشي بجانبي، يداها متشابكتان خلف ظهرها، وعيناها العسليتين مثبتتان إلى الأمام لكني كنت أشعر أنها غارقة في شيءٍ أبعد من المشهد أمامها

وكأن كلمتها الأخيرة، عن عهدها في مواجهة النخبة، لم تكن مجرد حماسة عابرة بل قراراً مُحكمًا اتخذته في أعماقها

عندما اقتربنا من بقعتنا المعتادة في الحديقة، وجدنا ماريا وأرورا تجلسان على العشب، تتجادلان حول من فازت في سباق الركض اللحظي الذي أشعلته ريفين قبل قليل.

كانت ضحكاتهما تملأ المكان،

بينما ريفين تمددت على ظهرها بلا مبالاة، تحدّق في السماء كأنها تبحث عن إجابة هناك

حين رأتنا، جلست نصف جلسة وقالت بابتسامة ساخرة"ها قد وصلتما… كنا نظن أنكما قررتما إقامة نادي سري خاص بكما فقط"

ماريا ضحكت وأضافت

"نادي الحالمتين، الدخول فيه بالبطاقات فقط"

تبادلتُ مع جازمين نظرة سريعة ثم قلبنا أعيننا معًا من سخرية ماريا وريفين الواضحة، قبل أن نجلس قرب ريفين.

أسندتُ جسدي إلى جازمين وقلت بعد أن لاحظت غياب ليندا

"لقد تأخرت ليندا"

أجابت ريفين، وهي تعود لتمدد جسدها على ظهرها وتنظر إلى السماء

"يبدو أنها وقعت بين أيدي أساتذة الصف الأول"

أيدتها ماريا وهي تتفقد ملامحها في مرآتها الصغيرة

"أجل… إنهم مزعجون. هل تتذكرين يا ريفين الأستاذ إدوارد؟"

انكمشت ملامح ريفين فجأة، تبعتها جازمين وأرورا بالنظرات نفسها

"أوه… لا تذكريني بتلك الفترة. لم أواجه أستاذًا مثله قط"

تحمستُ وسألت"لماذا؟ ماذا فعل؟"

ساد صمت قصير، وأشارت أرورا إليّ بيدها أن أصمت، بينما اقتربت جازمين وهمست في أذني

"بسببه أعادت ريفين سنتها الأولى هنا"

تذكرت على الفور. أجل، كنت قد نسيت أن ريفين أعادت السنة الدراسية، وأنها في الحقيقة أكبرنا سنًا

وقفت ريفين بغتة وقالت بحدةٍ يغلفها البغض

"ذلك السافل جعلني أعيد السنة فقط لأنني رفضت أن أختبر.

كان يستطيع أن يجبرني على إجراء اختبار واحد، لكنه تعمّد أن يعيدني إلى البداية كلها! لو لم ينتقل من المدرسة، لأخذتُ بحقه أشد انتقام"

اقتربت منها أرورا وهي تضع يدها على ذراعها محاولة تهدئتها

"عزيزتي ريفين… المشكلة لم تكن في مادة واحدة. لقد رفضتِ دخول أي اختبار على الإطلاق"

اتسعت عينا ريفين بدهشة ممزوجة بالاستياء

"أتعنين أنني أنا المخطئة؟"

تدخلت ماريا وهي تعبث بخصلات شعرها الشقراء بلامبالاة واضحة

"بالطبع. فتاة لا تدخل أي اختبار وتتوقع أن تنجح؟ لو كنت مكان الأستاذ لفكرت حتى في فصلك نهائيًا"

نظرت إليها ريفين بازدراء وقالت بحدة"اصمتي، لم يطلب أحد رأيك"

لكن ماريا لم تُعرها اهتمامًا، واكتفت بتقليب عينيها الخضراوين بفتور، ثم وقفت قائلة"حسنًا، لقد اكتفيت من الجلوس معكن. حان وقت حصتي"

وما إن مرّت بجانب ريفين حتى دفعتها قليلًا عن قصد، ثم أسرعت مبتعدة

أشارت ريفين إليها بانفعال وهي تحاول اللحاق بها"هي من بدأت! لم أفعل شيئًا!"

لكن أرورا أمسكت بها سريعًا وقالت بلهجة جادة"انظري، لا تفعلي شيئًا يدفع ماريا إلى الحجز"

ارتفعت نبرة ريفين وهي تشد ذراعها"ماذا؟ هل تهتمين بماريا أكثر مني؟"

أجابت أرورا وهي تسحبها معها بعيدًا، وصوتها يبتعد شيئًا فشيئًا"أنا لا أهتم بأحد أكثر من الآخر، لكن ماريا لديها مقابلة عمل بعد المدرسة… ألا تتذكرين؟"

أدركت حينها أنني نسيت أيضًا. أجل، كان علينا جميعًا أن نبدأ بالبحث عن وظائف.

حتى أنا وليندا كان ينتظرنا الأمر ذاته بعد انتهاء الدوام. وبينما كنتُ غارقة في أفكاري، قطعت جازمين حبل شرودي بصوت مرتفع

"انتظروا!"

توقفت أرورا وريفين، والتفتتا إلينا باستغراب، ثم سألت أرورا

"ماذا هناك؟"

قالت جازمين بسرعة، وكأنها تذكرت أمرًا مهمًا

"نسينا تمامًا… يجب أن نشتري هاتفًا جديدًا لماريا. ولأجل ذلك، علينا أن نضع جميعًا مبلغًا من المال"

وما إن أنهت كلماتها، استدارت ريفين بخفة وقالت وهي تلوّح بيدها مغادرة

"وداعًا"

وقفتُ من مكاني، ونفضت الغبار عن ثيابي، وقلت بابتسامة خفيفة"لا تقلقي… ستكون أول من يدفع"

ارتفع صوتها من بعيد وهي تضحك

"في أحلامك يا عزيزتي!"

التفتُّ إلى جازمين وسألت

"كم سيكون المبلغ؟"

أجابتني وهي تُعدل نظارتها

"لا أعلم. لننتظر ليندا… بعدها نتفق جميعًا"

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

كانت ليندا تمشي بين رفوف المكتبة الهادئة، تتنقّل بين ممراتها الطويلة، وعيناها تبحثان بتعبٍ عن قسم التاريخ.

أخيرًا وجدته في آخر المكتبة، وكان شبه مهجور، تغطيه طبقة خفيفة من الغبار كأنه منسيّ

بدأت تبحث بين العناوين بتململ، أصابعها تمرّ على الحروف الباهتة على أطراف الكتب. عيناها البنيّتان، الواسعتان، تتحركان بسرعة بين الأسماء

مدت يدها إلى كتاب عن تاريخ الحرب العالمية الثانية، فقد كان محور بحثها، لكن يدًا أخرى سبقتها وانتزعت الكتاب في اللحظة الأخيرة

التفتت بسرعة، وشعرها المجعّد القصير يتمايل معها، وقالت بحدة"لو سمحت، أعد إليّ الكتاب، أنا من وجدته أولًا"

ردّ بصوت هادئ، وهو يفتح الكتاب دون أن يرفع نظره عنها

"لكنني كنتُ أسرع، وأخذته قبلك"

تأملته جيّدًا، وأدركت أنّها رأته من قبل… نعم، هو أحد التوأم: كين وكينث. أغمضت عينيها قليلًا وكتمت انزعاجها قبل أن تقول بهدوء

"حسنًا، متى ستنتهي منه؟ أحتاجه لبحثي"

أجابها ببرود، وما زال يقرأ

"لا أعلم… ربما أسبوع"

أسبوع! فكرت في نفسها بامتعاض. لا بأس، الإنترنت يسهّل الكثير من طرق البحث، لكنها لم تتقبل طريقته المستفزة

وقبل أن تستدير للرحيل، اخترق المكان صوت ينادي من بعيد"كيني! أريدك الآن!"

التفتت لتجد شبيهًا يكاد يطابق الأول، لدرجةٍ أربكتها.

كان الأمر أشبه بأن تقف أمام مرآة، والفرق الوحيد كان شامة صغيرة: كين شامته تحت عينه اليمنى، وكينث تحت عينه اليسرى

تقدّم كينث وهو يقول"لماذا تأخذ الكتاب الذي أوصيتُك أن تحفظه لي؟"

ردّ كين ببرود"أنا لم آخذه لك، بل لنفسي"

ارتفع صوت كينث وهو يسحب الكتاب من يده"هذا اتّفاقنا يا غبي!"

رفعت ليندا حاجبيها بدهشة وهي تنظر بينهما، ثم مدت يدها بسرعة وخطفت الكتاب من أيديهما قبل أن يتمزق، وقالت بابتسامة جانبية

"يبدو أنكما نسيتما شيئًا… الكتاب لي أنا"

صمت التوأمان لحظة، ثم تبادلا نظرات حادة. وبعد لحظة انفجرا بالضحك معًا، حتى إن ليندا لم تفهم كيف تحوّل الشجار إلى مزحة

قال كين وهو يمرر يده في شعره

"لا بأس، خذيه. لكن إن لم تفهمي شيئًا في البحث، تعالي إلينا… نحن نعرف أكثر مما تتوقعين"

رد كينث ضاحكًا وهو يشير إلى نفسه

"إلينا؟ تقصد إليّ أنا فقط، لأنك بالكاد تفهم العنوان"

ارتفع ضحكهما من جديد، فيما اكتفت ليندا بهز رأسها، وكتابها مضغوط بين يديها كغنيمة ثمينة

كادت ليندا ترد، لكن صوتهما امتزج في لحظة قصيرة، إذ أكملا جملة واحدة في الوقت نفسه دون اتفاق مسبق. ارتبكت أكثر، وأحست بشيء غامض يربطهما أبعد من مجرد قرابة الدم

غادرت الممر ببطء، لكنها لم تستطع طرد تلك الفكرة الغريبة من ذهنها

"إنهما متشابهان لدرجة مخيفة… حتى ابتسامتهما المتعالية بدت وكأنها وجهان لعملة واحدة"

خرجت  من المكتبة بخطوات متردد، الهواء العليل خارج المبنى داعب خصلات شعرها المجعّد، لكنها لم تنتبه له، فقد كانت غارقة في بحر أفكارها

"لم يكن شجارًا عاديًّا… بدا وكأنه مشهد مُتقن، وكأن كل كلمة بينهما مخططة سلفًا. هل هما متفقان أكثر مما يُظهران؟ أم أنني أبالغ؟"

توقفت عند النافذة الطويلة المطلة على الساحة الداخلية، حيث كان الطلاب يتناثرون بين المقاعد

لاحت لها صورة كين وكينث من بعيد، يمشيان جنبًا إلى جنب، يتبادلان حديثًا سرّيًا يتخللهما ضحكات مكتومة. لم يكن بينهما أي أثر للشجار الذي دار قبل لحظات، وكأن الأمر لم يحدث أصلًا

عضّت شفتها السفلى، ثم هزّت رأسها بخفة محاولة طرد الفكرة

"لا شأن لي بهما… عندي بحث يجب أن أنجزه. لكن… لماذا أشعر أن كل ما يخصهما سيعني لي شيئًا عاجلًا أم آجلًا؟"

شدّت حقيبتها على كتفها وواصلت السير عائدة إلى الصف، فيما ظلّ ظلّ التوأم يلاحق ذاكرتها، كأنهما لغز مفتوح ينتظر لحظة الكشف

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

أجري بسرعة، لقد تأخّرتُ على الحصّة، وكل هذا بسبب كايدن الذي أصرّ أن أحضر تدريبه الخاص بكرة السلة. لم أنتبه للوقت، وأتمنى أن يكون الأستاذ قد تأخّر هو الآخر

اقتربتُ من الفصل ودفعت الباب بقوّة، ألهث وأنفاسي متقطّعة. التفتت جميع الأنظار إليّ، ولحسن الحظ أنّ الأستاذ لم يأتِ بعد

"انتبهي، كدتِ تكسري الباب"

التفتُّ إلى مصدر التعليق الساخر، فلم تكن سوى ريفين

"حصة مشتركة؟" قلت وأنا أجلس بجانبها

هزّت رأسها علامة على الموافقة

سألتها وأنا أعبث بحقيبتي

"ما هي المادة؟"

أجابت بملل وهي تسند خدّها إلى كفها

"لا أعرف"

توقفت عن العبث ونظرت إليها

"ألم يكن الأستاذ هو من طلب منكم الحضور؟"

هزّت كتفيها

"لا أدري… سمعت الطلاب يقولون إن لدينا حصة مشتركة بصفكم فجئت"

رمقتها باستغراب

"وأين حقيبتك؟ لماذا لم تحضريها؟"

ابتسمت بخبث

"لم أحضرها كي أجد حجّة للخروج متى ما أردت"

أعدتُ العبث في حقيبتي وقلت

"ليتك تستعملين هذا الذكاء في دروسك"

ضحكت وقالت

"أنا ذكية، لكن لا أحب أن أُجهد نفسي كثيراً، و…"

لم أكُن أستمع إلى بقية كلامها، فقد استوقفني شيء غريب في حقيبتي… علبة حليب شوكولاتة. لم أتذكّر أني وضعتها هناك. من وضعها؟

نكزتني ريفين في ذراعي

"ما بكِ؟"

أخرجت العلبة ووضعتها أمامها

"وجدت هذا… في حقيبتي. من وضعه؟"

أخذتها بيدها وابتسمت ابتسامة جانبية

"أوووه، معجب سري! ما هذه الحركات يا إيلاناي؟"

انتزعتها منها بسرعة قبل أن تفتحها

"عن ماذا تتكلمين؟ ليس لديّ أي معجب سري!"

رفعت حاجبها بابتسامة مستفزّة وغمزت

"حقاً؟ وماذا عن كايدن؟"

اتسعت عيناي وشعرت بحرارة تملأ وجهي، أردت الردّ، لكن الأستاذ دخل في تلك اللحظة

"هدوء! أخرجوا كتب الرياضيات، درسنا اليوم طويل"

أخرجت الكتاب وأنا أرمق ريفين بنظرة خانقة. أما هي فرفعت يدها وقالت بكل براءة مصطنعة

"أستاذ، لم أحضر كتابي، هل تسمح لي بالذهاب لإحضاره؟"

هزّ رأسه موافقًا، فألقت إليّ نظرة انتصار وغادرت

صفق الأستاذ بيديه ليجذب انتباهنا

"قبل أن نبدأ، لدينا طالب جديد سينضمّ إليكم بعد قليل"

لم أهتم، وعدتُ إلى تشويه صفحات كتابي برسم بعض الخربشات، تحديدًا على الكلمات التي لمحتها في دفتر كايدن، لكني لم أتذكرها بوضوح

وفجأة، دوّى صوت رجولي في أرجاء القاعة، صوته لا يوحي بأنه إسباني

"أنا آسف على التأخير، لقد تهتُ بين الممرات، المدرسة كبيرة"

رفّت عيناي، وتجمّد الدم في عروقي. ليونارد… لم يبقَ سوى أن يطاردني في كوابيسي

قال الأستاذ مشجعًا"لا بأس، تفضّل وعرّف بنفسك"

وقف أمام السبورة، وأنا أحاول قدر الإمكان إخفاء وجهي

"أحم… اسمي ليونارد أوستن، أمريكي الأصل. انتقلنا أنا وعائلتي منذ أسبوعين تقريبًا. تشرفت بلقائكم"

ما إن أنهى جملته حتى التقت عينانا. ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة، وتقدّم بخطوات واثقة باتجاهي

وضعت يدي بسرعة على الكرسي المجاور"صديقتي تجلس هنا"

توقف لحظة، نظر إلى الكرسي ثم إليّ مباشرة، وقال بصوت هادئ فيه شيء من التحدي

"لا بأس… سأجلس خلفك، أظن أن هذا المكان مناسب"

جلس في الصف الذي يعلو مقعدي مباشرة، وما إن تحركت مقعدته حتى شعرت بظلّه يخيّم عليّ. حاولت تجاهله، لكني كنت أسمع وقع أنفاسه وكأنها تلاحقني عمدًا

جلستُ متيبّسة في مكاني، أحاول التركيز على شرح الأستاذ، لكن كل جزء مني كان واعيًا بوجود ليونارد خلفي. كلما قلب صفحة كتابه أو حرّك كرسيه، شعرت أن الأرض تهتزّ تحت قدمي

وفجأة، سقطت ورقة مطويّة على طرف طاولتي. تجمّدت لوهلة، نظرت حولي بسرعة لأتأكد أن لا أحد انتبه، ثم التقطتها بحذر.

كانت مطويّة بعناية، بخطوط مستقيمة كأن من كتبها أراد أن يجبرني على فتحها

فتحتها ببطء تحت الطاولة، وعيناي تتنقلان على السطور القليلة بخط مائل غريب

"لم أتوقع أن أراكِ هنا…

لكن يبدو أن القدر يحب أن يختبر صبرك أكثر مما يفعل مع الآخرين"

ابتلعت ريقي، وأسرعت بطي الورقة مرة أخرى، أضعها في كتابي وكأنها لم تكن. لكنني شعرت بعيونه تخترق ظهري، وكأنه ينتظر ردّي

في تلك اللحظة، عاد صوت الأستاذ يرنّ في أذني

"انتبهي يا إيلاناي، أنتِ في عالم آخر! أجيبي على السؤال، ما نتيجة المعادلة؟"

ارتبكتُ، الكلمات علقت في حلقي، بينما ابتسامة ليونارد الساخرة ظهرت في زاوية عيني وهو يراقبني من الخلف،

شعرت بشيء من الغضب والإحراج يتصاعد داخلي، لكنني أجبت بصوت متردد، أحاول أن أحافظ على رباطة جأشي

ثم، شعرت بوجود حركة أخرى في الصف. انفتح الباب بصوت خافت، ورأيت ريفين تدخل القاعة مرة أخرى.

توقفت للحظة عند مقعدها، عينيها تتجولان بين الطلاب حتى استقرّت على وجهي. شعرت وكأنها تعرف أن شيئًا يحدث،

وأن هناك شيئًا أخفيه عنها

خفت أن تلاحظ الورقة، خفضت رأسي نحو الدفتر وأحسست بشيء من التوتر يزداد.

ريفين تراقبني بصمت، وكأنها تحفظ كل تفصيلة صغيرة، وكل حركة بسيطة مني

أما ليونارد، فقد اكتفى بابتسامة جانبية، وكأن وجود ريفين لا يزعجه، وربما كان يستمتع أكثر بهذا الشعور الغريب الذي ينتابني.

كل ثانية تمر داخل القاعة تزيد شعوري بالغموض والارتباك

وما إن رنّ الجرس معلنًا نهاية الحصّة واليوم الدراسي، حتى سارعتُ مع ريفين بجمع أشيائنا، وغادرنا القاعة قبل أن يُكمل الأستاذ جملته الأخيرة

كل ما أردته هو أن أبتعد عن نظرات ليونارد التي ما زالت تثقل ظهري كحجر

رفعت ريفين حقيبتها على كتفها وقالت بتمتمة وهي تشدّ على بطنها

"سأذهب إلى الكافتيريا قبل أن يختفي الطعام كالعادة… إذا تأخرت دقيقة واحدة، سأموت من الجوع"

أجبتها بفتور وأنا أعدل حزام حقيبتي

"اذهبي، سأراكِ عند البوابة مع الأخريات"

ابتعدت بخطوات سريعة، تاركةً إياي وحدي في الممر المكتظ بالطلاب

عندها فقط تجرّأت على إخراج الورقة من كتابي. فتحتها ببطء، وعيناي تمرّان مجددًا على السطور المائلة

"لم أتوقع أن أراكِ هنا…

لكن يبدو أن القدر يحب أن يختبر صبرك أكثر مما يفعل مع الآخرين"

كررت قراءتها مرارًا، وكأنني أفتش بين الكلمات عن معنى مخفي لم ألتقطه

لكن فجأة، شعرت بظلّ يقترب خلفي. أسرعت بإخفاء الورقة في كفي، والتفتُّ

فإذا بكايدن يقف أمامي، عيناه مركّزتان مباشرة على يدي

اقترب قليلًا وقال بنبرة مشككة

"ماذا تفعلين هنا وحدك؟ وما الذي تخفينه؟"

ابتعدت عنه بخطوة، أجيبه بارتباك

"لا شيء… كنت فقط في طريقي للخارج"

ضيّق عينيه وهو يحدّق في يدي

"حقًا؟ إذن، ماذا تحملين؟"

قلت بسرعة

"لا شيء كايدن… ابتعد!"

لكنّه لم يبالِ بكلامي، ونجح في النهاية بخطف الورقة من يدي

رفعها عاليًا كأنها غنيمة، وابتسامة جانبية تزيّن وجهه

صرختُ بانفعال ومددت يدي

"كايدن! أعدها حالًا!"

ضحك بخفة وهو يبتعد خطوة

"ما هذا؟ رسالة سريّة؟ من متى بدأت تصلك رسائل يا إيلاناي؟"

حاولت القفز لأنتزعها، لكنه كان أسرع. فتح الورقة وبدأ يقرأ بصوت مرتفع، إلى أن وصل منتصفها… ثم توقف فجأة

ساد الصمت، وعيناه تتحركان ببطء على السطور. لكن الغريب أنه لم يُظهر أي رد فعل

لم يسأل، لم يعلّق، حتى لم يبتسم. اكتفى بطيّ الورقة بين أصابعه ورماها بلا مبالاة في سلة المهملات القريبة

"أنتِ تضخّمين الأمور دائمًا يا إيلاناي"

قالها ببرود، وهو يربّت على كتفي وكأن شيئًا لم يحدث، ثم أكمل حديثه عن تدريبه القادم في الملعب

أما أنا، فبقيت غارقة في حيرتي… لماذا لم يتفاجأ؟ لماذا لم يعلّق؟

خرجنا معًا من بوابة المدرسة،  وما أن رأيت الفتيات واقفات بانتظار الباص، حتى ودعت كايدن وذهبت إليهن مسرعة

جازمين كانت منشغلة بهاتفها، وما إن رأتني حتى أعادته بسرعة إلى حقيبتها وسألتني

"أين ريفين؟"

أجبتها

"ذهبت إلى الكافتيريا"

هزّت أرورا رأسها وهي تضع حقيبتها أرضًا ناوي إحضاروها

"يا إلهي، هذه الفتاة لا تتوقف عن الأكل. بدأت أخاف على صحتها!"

قاطعتها ماريا بخفة وهي تلحق بها

"لا تقلقي، ريفين مثل ثقب أسود يبتلع كل شيء ولا يتأثر. الشيء الوحيد الذي يجب أن نخافه هو أن يختفي الطعام من حولنا بسببها"

ضحكتُ قليلًا على تعليقها، فهي محقة تمامًا

رنّ هاتف جازمين فجأة، فابتعدت خطوات لتجيب.

أما أنا فاتجهت نحو ليندا، التي كانت شاردة بنظراتها بعيدًا عن الضوضاء.

نكزتها مازحة

"ما الذي يشغل تفكير رسامتي الصغيرة؟"

انتفضت بخوف ودَفعتني بيديها

"ما هذا؟! لا شيء… ابتعدي عني، أنتِ تعلمين أني أكره هذه الحركة"

ابتسمت واقتربت منها أكثر، حتى التصقت بها وعانقتها قائلة

"لن أبتعد… سأبقى ملتصقة بك مثل ظلك، مفهوم؟"

حاولت دفعني لكنها استسلمت في النهاية. سمعتها تتنهد وتقول بخفوت

"إيلا… ماذا تعرفين عن كينث وكين؟"

ابتعدت قليلًا لأراها وأجبت ببساطة

" اولاد، توأمان"

رمقتني بسخرية

"وااو… اكتشاف مذهل. كنت أظنهما متحوّلين"

أشحت بيديّ بملل

"اصبري… لم أنتهِ بعد. أمهما برازيلية. وغريبان الأطوار، متعجرفان، مخادعان… أو بالأصح، هكذا تقول ريفين عنهما"

سألتني بفضول أكبر

"ولماذا تكرههما ريفين لهذه الدرجة؟"

فتحت فمي لأجيب، لكن عادت جازمين في تلك اللحظة، بالتزامن مع وصول ارورا وماريا مع  ريفين المحمّلة بأكياس من الكافتيريا

قالت جازمين وهي ترتدي حقيبتها

"هيا بنا، لنعد إلى الدار. الباص لن يأتي اليوم"

رفعت ريفين حاجبها وهي تضع ما اشترته في حقيبتها

"ولماذا لن يأتي؟"

أجابت جازمين

"لا أعلم. الآنسة جيزيل اتصلت بي وقالت إن الباص أُلغي لليوم"

ساد الصمت لحظة، تبادلنا النظرات بحيرة. طريق العودة لم يكن قريبًا، ومعنى أن الباص أُلغي… أن هناك أمرًا غير طبيعي ينتظرنا

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

دخلنا جميعًا من البوابة الحديدية للدار، والضجر بادٍ على وجوهنا بسبب خبر الباص

كانت الشمس تميل نحو المغيب، تلقي بظلال طويلة على الطريق

لم نكد نقطع سوى بضع خطوات للداخل، حتى ظهرت أمامنا الآنسة جيزيل بصوتها الحازم المعتاد

"إلى أين تظنّون أنفسكن ذاهبات؟"

توقّفنا فجأة، والتفتنا إليها. بجانبها كانت السيدة داليا واقفة، ذراعاها متشابكتان وصوتها بارد

"نحتاج أن نتحدث معكن جميعًا. هناك أمور لا يمكن تجاهلها"

وتقدمت الخالة زيتا بخطوات بطيئة، تحمل ملفًا بين يديها، وقالت بنبرة ثقيلة

"وجدنا أشياء مخفية في الدار… أغراض ليست في مكانها، وبعضها لا نعلم كيف وصل هناك"

شعرتُ بقلبي يهبط في صدري. التفتت ماريا أول من انفجر بالصوت

"أغراض مختفية؟! هل تعنين أننا نحن من أخفيناها؟"

داليا نظرت إلينا بصرامة

"لا أوجه الاتهام مباشرة، لكن لا أحد غيركن له حرية التحرك في تلك الأماكن في الدار "

ارتفعت الأصوات فجأة، ريفين صرخت بغضب

"تتهمينا نحن؟! هل نحن لصوص في دار نعيش فيه منذ سنوات؟"

أرورا رفعت يديها باستنكار

"دائمًا نفس الشيء! أي خطأ يحدث، نُصبح نحن المذنبات!"

جازمين التي كانت عادة هادئة، قالت بحدة نادرة

"هذا ظلم. كيف تتوقعون أن نثق بكم إذا أول ما تفعلونه هو الشك فينا؟"

حتى ليندا التي نادرًا ما تدخل في الجدال، قالت بصوت منخفض لكنه حاد

"إذا لم تثقوا بنا، فما فائدة أن نسمي هذا المكان دارًا أو عائلة؟"

سادت لحظة صمت مشحون

السيدة داليا لم تغيّر ملامحها، لكنني لمحْت في عينيها شرارة مختلفة، وكأنها تختبر شيئًا في ردودنا

الآنسة جيزيل حاولت أن تخفف التوتر وقالت بهدوء

"بنات، لا داعي لكل هذا. نحن فقط بحاجة لتفسير"

لكن الضرر كان قد وقع.

الجو أصبح خانقًا، وكل واحدة منّا شعرت بالخذلان، كأن جدارًا وُضع فجأة بيننا وبين الكبار

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

بووووووومم

ايش رايكم في الفصل

مين حبيتو اكثر وحدة من بناتي

أورفيوس

كايدن

ليونارد

كينث

كين

ما ابي اطول عليكم

صلو على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين اجمعين

الحمدلله

سبحان الله

لا إله إلا الله

استغفرالله العظيم واتوب إليه

الله أكبر

حسابي في الانستا

falak222_

استودعتكم الله

ومع السلامه

☆👈🌟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Symbiosis.

المؤلف فلك
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة