تسللت شمس الصباح عبر نوافذ المعهد، تعلن عن بداية يوم جديد... أو لعلها كانت بداية فرصة جديدة كي ترى جانيت العالم بطريقة مختلفة - أو يرى العالم جانيت كذلك.
فتحت جانيت عينيها بضيق، نادمة لأنها لم تُغلق الستائر في الليلة الماضية، فها هي شمس الصباح تلسع وجهها دون رحمة.
نهضت من على سريرها ببطء، تمطّت قليلاً، ثم أرسلت نظرة متثاقلة نحو ماتيلدا ومولي الغارقتين في النوم.
اقتربت من سرير ماتيلدا وعدلت الغطاء على جسدها، ثم سحبت الوسادة لتُريح رأسها عليها مجددًا، وعبّرت عن استيائها وهمسها الطفولي المعتاد:
"ماتيلدا الغبية... تتحرك كثيرًا أثناء النوم."
لكن فجأة، قاطع سكون الغرفة صوت خافت لحركة خلف الباب.
عقدت جانيت حاجبيها بتعجب. الساعة لم تتجاوز السادسة، ولو كانت السيدة إليانور، لسمعوا صوت الجرس المعتاد... فلماذا التخفّي؟
اقتربت من الباب بخطى حذرة، دافعة فضولها الطاغي لمعرفة من يقف هناك، وربما ما الذي يراقبه.
وفي الخارج، كانت لوسي تضع أذنها على الباب بهدوء، مأخوذة بطريقة حديث جانيت الساخرة مع ماتيلدا. كأنها ترى شيئًا مختلفًا عمّا سمعته عنها.
خطت جانيت خطوة أخرى نحو الباب، لم يتبقَّ سوى أن تفتحه...
وفجأة، ومع صوت ارتطام مفاجئ، سقط رف الكتب غير المثبّت جيدًا، وانهالت الكتب مباشرة على رأس جانيت ثم تناثرت على الأرض بصوت عالٍ.
شهقت لوسي، وتراجعت بسرعة نحو الزاوية، ثم اختبأت في الممر المجاور على اليمين.
فتحت جانيت الباب بعصبية، تنظر يمينًا ويسارًا:
"من هناك؟ سحقًا!"
لم تجد أحدًا، فعادت للغرفة وهي تزم شفتيها بغضب، تنظر إلى الكتب المبعثرة وتبدأ بركلها واحدة تلو الأخرى:
"سحقًا! سحقًا!"
وقبل أن تغلق الباب، وقعت عيناها على صندوق صغير موضوع بعناية عند عتبة الغرفة.
انحنت جانيت ببطء، وقد تبدلت ملامح وجهها من الغضب إلى الحذر، ثم التقطت الصندوق. كان مغلقًا بطريقة بسيطة، لا قفل عليه...
"ما هذا؟" قالت جانيت وهي تفتح الصندوق وتقرأ الرسالة التي فيه: "مرحبًا جانيت، أنا لوسي، الطالبة الجديدة. هل يمكن أن نلتقي في الممر في الطابق الثاني؟"
تعجّبت جانيت بخفة وهي تقرأ الرسالة، ثم عادت بنظرها إلى الصندوق الذي كان فيه صُرّة صغيرة، تناولتها وفتحتها، وكان فيها...
"علاقة مفاتيح؟ تفاهة."
رمت جانيت علاقة المفاتيح جانبًا، ونظرت إلى الرسالة مجددًا وابتسمت بغطرسة:
"أتظن أني غبية كي أقابلها؟ فقط تريد إحراجي أمام الطالبات الأخريات. تظنني غبية."
فتحت جانيت خزانة ملابسها، وشارفت على سحب فستانها لكنها أعادت النظر إلى الرسالة للحظة...
"ألم تجدي مكانًا أفضل من هذا لنلتقي فيه؟ وماذا تريدين؟"
قالت جانيت وهي تكتف ذراعيها وتنظر إلى لوسي التي كانت تنتظرها في الطابق الثاني. ثم استدارت لوسي لتنظر إلى جانيت واقتربت منها ومدّت يدها:
"أنا لوسي، وأنتِ جانيت، صحيح؟ سعدت بلقائك."
نظرت جانيت إلى يد لوسي الممدودة وتجاهلتها.
"قلت لك، ماذا تريدين؟ لستُ هنا للتعارف."
ابتسمت لوسي بتردد وبعض الإحراج وسحبت يدها، وقالت:
"البارحة أقمتُ حفلة تعارف في غرفتي، لماذا لم تأتي أنتِ و..."
"ماتيلدا ومولي." قالت جانيت مقاطعة، مكمّلة جملة لوسي باقتضاب.
أومأت لوسي:
"نعم، ماتيلدا ومولي."
قالت جانيت:
"و؟"
قالت لوسي وهي تبتسم:
"أظن أني أرسلت دعوة... لماذا لم تأتيا؟ أردت أن نتعرف على بعضنا البعض بشكل أكبر."
سكتت جانيت للحظة، ثم نظرت إلى لوسي وقالت:
"دعيني أخمّن، أنتِ تتصرفين هكذا كي تكسبي ودّ الجميع، صحيح؟ تدّعين أنكِ لطيفة ومتواضعة، صحيح؟ تريدين أن يمدحك الجميع وتكوني الموضوع الرئيسي على كل لسان، أليس كذلك؟"
توسّعت عينا لوسي بصدمة من كلام جانيت:
"لا، هذا ليس مـ..."
"لا تكذبي." قاطعتها جانيت وهي تنزل السلالم عائدةً إلى غرفتها، وقالت:
"ولعلمك، لم أصبح صديقة لك. ولا تتحدثي معي، أنتِ لا تروقين لي."
6:22 am
"آنساتي، استيقظن! لقد حان وقت الإفطار، الرجاء القدوم إلى قاعة الطعام."
قالت السيدة إليانور وهي تقرع الجرس وتتجوّل بين غرف الطالبات.
تجمعت الطالبات في قاعة الطعام، والتقت عينا جانيت بعيني لوسي بينما كانت لوسي تتحدث مع الطالبات الأخريات.
"انظري كيف أن الجميع حولها؟ تظن نفسها أهم شخص هنا!" علّقت ماتيلدا، قبل أن تسودّ جانيت على قدمها بقوة لإسكاتها.
ثم دخلت مديرة المعهد، السيدة لافينيا، وسرعان ما جلس كل الطلاب في أماكنهم.
"صباح الخير، آنساتي."
"صباح النور." ردّ الطلاب معًا.
المديرة وهي تومئ برأسها ونظرت إليهن:
"كما تعرفن، يا آنساتي، إجازة الصيف ستبدأ قريبًا، وبما أنكن أبليتن بلاءً حسنًا هذا العام، فاليوم سيكون استراحة من الدراسة لجمع حقائبكن وتجهيز أنفسكن للعودة إلى منازلكن."
وسرعان ما أنهت المديرة كلامها، وعمّت السعادة قاعة الطعام.
ابتسمت السيدة إليانور وقالت:
"آنساتي، في الظهيرة تعالين لأخذ رسائلكن، لقد أوصلها ساعي البريد البارحة. كنت سأعطيها لكنّ لكنـ..."
"عزيزتي إليانور، لا داعي لأن تعطي الطالبات تبريرات لكل شيء، أنتِ تدللينهن كثيرًا."
علّقت السيدة لافينيا.
احمرّت وجنتا السيدة إليانور من تعليق السيدة لافينيا:
"أجل، معكِ حق يا سيدة لافينيا."
12 : 30 AM
تناولت جانيت الرسالة وفتحتها، وتعجّبت قليلًا لكون الرسالة طويلة بعض الشيء.
بدأت تسير نحو غرفتها، وتبعتها مولي وماتيلدا بعجلة.
"ماذا حدث، جانيت؟! ما الأمر؟"
صرخت جانيت على ماتيلدا: "اخرسي ولا تتدخلي! هل أحتاج لتفسير كل شيء في حياتي الشخصية لكِ؟ من تظنين نفسكِ أصلًا؟"
تجمّدت ماتيلدا في مكانها بخجل، وبعض الدموع بدأت تتشكل في عينيها، ولم تلاحظ جانيت ذلك.
"آسفة..." قالت ماتيلدا بتردد، وقد شعرت ببعض الإحراج.
رأت لوسي المشهد أمامها بينما استمرت جانيت بالسير في الممر.
"اعتذري لها." قالت لوسي بهدوء وهي تناول رسالتها لبولين.
استمرت جانيت بالسير مبتعدة، ولم يخطر ببالها أن لوسي تحدّثها.
سادت لحظة صمت بين الفتيات بترقّب.
"جانيت، اعتذري لماتيلدا."
توقفت جانيت عن السير بصدمة طفيفة، ونظرت إلى لوسي من خلف كتفها.
"ماذا قلتِ للتو؟"
"قلت: اعتذري لماتيلدا." قالت لوسي بتردد و عبوس وكأنها كانت ترغم نفسها على قول هذا وانا هذا الكلام ليس من شيمها
شعرت جانيت أن دقيقة واحدة فقط وستنفجر، لكنها تماسكت وسارت مبتعدة.
وفور أن دخلت الغرفة المشتركة، أغلقت الباب وراءها بعنف، حتى أنها منعت مولي من الدخول معها.
ثم أمسكت بالوسادة ورمتها في منتصف الغرفة.
"تلك الحقيرة، تلك الحقيرة! أقسم أني أكرهها أكثر من أي شيء آخر! أكرهها جدًا جدًا!"
صرخت جانيت وهي تنقل كل أغراض المكتب في جميع أنحاء الغرفة.
"سحقًا لكِ! أتمنى لو تموتي... فتاة تافهة، حقيرة، ممثّلة، مدّعية و..."
توقفت عن الحديث وهي ترمي بنفسها على السرير، تبكي بقهر وغيرة.
3:20am
جلست لوسي على مكتبها وهي تقرأ الرسالة، وعندما قرأت الأسطر الأخيرة، اتسعت عيناها بحماس. أمسكت الرسالة، ومن شدة سعادتها قفزت من مكانها وعانقت الرسالة وهي تبكي بحرقة وترتجف.
"لقد وافق... لقد وافق! إنها فرصة أخرى لي، فرصة أخرى كي أُصلح أخطائي..."
من شدة رجفها أثناء البكاء، انهارت على ركبتيها وهي تغطي فمها وتبكي.
---
في الغرفة المشتركة،
فتحت ماتيلدا رسالتها وابتسمت: "يا إلهي، سوف نسافر إلى أمريكا في الإجازة!"
شهقت مولي وقالت: "حقًا؟"
أومأت ماتيلدا بحماس: "وماذا عنكِ يا مولي؟ هل وصلتكِ رسالة؟"
فتحت مولي رسالتها وعبست، شهقت بانزعاج: "لا، لا، ليس مجددًا."
ضحكت ماتيلدا بقوة: "رحلة إلى المزرعة مرة أخرى؟"
أومأت مولي وهي تدس وجهها في الوسادة وتبكي.
ضحكت جانيت بخفة على رد فعل مولي، ثم فتحت رسالتها.
نظرت ماتيلدا إلى رسالة جانيت، ثم التقت عيناها بعيني جانيت وأزالت نظرها بسرعة راغبة في عدم التدخل في خصوصية جانيت.
عبست جانيت بخفة وقالت بأنزعاج وهدوء:
"ماتيلدا، ما سر هذه النظرة؟ ألن تريدين معرفة ما في الرسالة؟"
أومأت ماتيلدا.
صرخت بها جانيت مع ضحكة:
"إذاً تعالي يا غبية، ماذا تنتظرين؟ هل أذني؟"
ضحكت ماتيلدا وهي تجلس بجانب جانيت، بينما جلست مولي على الجهة الأخرى.
﴿لقد اتخذنا أنا ووالدك قرارًا بالسفر إلى إيطاليا في بداية الإجازة الصيفية. ونظرًا للأهمية البالغة للأمور المتعلقة بشركته الجديدة، فقد طلب منه شريكه في العمل البدء على الفور، وسأرافقه.
لذلك، تم الترتيب لإقامتك في منزل السيد كارمايكل شيروود، وهو صديق قديم وموثوق لوالدك. لقد تحدثنا إليه مطولاً، وقد وافق بكل لطف على الترحيب بك في منزله.
أثق في أنك ستتصرف بأقصى درجات اللباقة واللياقة أثناء إقامتك. كن محترما للجميع، وتصرف بكرامة حتى انتهاء الصيف وعودتك إلى المعهد.
مع كل مودتي وأطيب تمنياتي، والدتك المحبة}
> نظرت ماتيلدا ومولي إلى وجه جانيت، الذي ظلّ هادئًا، قبل أن ترفع حاجبها بانزعاج وتردد:
"ألم تكن هذه أغرب رسالة تلقيتها في حياتي؟"
Sara-Sherwod