أولا صلوا على رسول الله ثانيا متنسوش الڤوت _________________________ «هل انا هي اللعنة ام هم بلاء يصبُّ فوق رأسي» دلفت إلى المنزل وأغلقت الباب خلفها لتجد خالتها تجلس مع والدتها وبجانبها حسام، كيف؟ كيف أتى إلى هنا بهذه السرعة؟ تسارعت ضربات قلبها بقوة وبدأت تتعرق بشدة، وجال في عقلها ألف فكرة وفكرة لتواجدهم هنا، فلا أحد منهم يأتي إلى منزلهم إلا وتحل عليهم مصيبة وكأنهم لعنة تسلطت عليهم لبقية حياتهم. عندما رأتها والدتها ابتسمت بتوتر وقالت: - مليكة كويس أنك جيتي خالتك كانت عايزة تسلم عليكي قبل ما تمشي" استطاعت مليكة إخفاء خوفها منهم ببراعة وابتسمت من أسفل نقابها وقالت مرحبة بخالتها: - ازيك يا خالتوا" رمقتها خالتها بتهكم وقالت: - ياختي لسه فاكرة تسألي علينا امك كل شوية تيجي عندنا واحنا مش بنشوف سيادتك" كتمت غيظها وقالت: - أنتِ عارفة ضغط المذاكره بقى يا خالتوا" رفعت حاجبها بإنكار وقالت: - مش أنتِ الوحيدة الي في تالته ثانوي ما عندك حسام هو كمان في تالته والله اكبر عليه بيعمل كل حاجه مع المذاكره" اجابتها بهدوء تحاول ألا تنفجر في خالتها فهي في النهاية اكبر منها سناً وعليها احترام هذا السن: - كل واحد وربنا مديه قوة يعيش بيها بيفرق من الشخص للتاني عن إذنك يا خالتوا" وذهبت إلى غرفتها وأغلقت الباب بهدوء شديد تخفي خلفه كمً من المشاعر المتخبطة من الخوف والحزن والغيظ لا تدري أيهم يحتل الجزء الأكبر من روحها لكن في النهاية هذه المشاعر قامت بالقضاء على القوة والسعادة، ارتمت على فراشها تمنع دموعها من السقوط بينما تهتف روحها قائلة: - (أرجوكِ ارحميني فما عدت احتمل كل هذا، اصبحت لعبة الكتمان هذه صعبةً جداً عليَّ، ابحثي عن الحل فأنا أموت هنا) خرجت من شرودها على يد توضع على كتفها فنهضت بفزع عن سريرها عندما رأت بأنها والدتها شعرت بالراحة بينما احتلت الدهشة معالم الأخرى ما سبب هذا الفزع، وتذكرت السبب لمجيئها إلى غرفة ابنتها فقالت لها: - مليكة تقومي دلوقتي تلمي هدومك في شنطة كبيرة وكتبك وحاجتك كلها عشان هنمشي من هنا" تعجبت وقالت لوالدتها: - ليه امي هنمشي عشان خاطري مش هقدر انقل لأي مكان دلوقتي عشان مش هعرف اذاكر" علت الصرامة ملامح والدتها وقالت: - مليكة مفيش وقت أنا مش بهزر وبعدين ننقل فين احنا هنمشي من القاهرة خالص هنروح في شقة أبويا الله يرحمه في السويس" تذمرت مليكة بقولها: - يا أمي عشان خاطري لا مش عايزة امشي" صرخت بها منيرة قائلة: - مليكة مفيش مجال للنقاش اسمعي الكلام منقدرش نفضل هنا" كانت في البداية تصرخ بها لكن نهاية حديثها كان حزينًا منكسرًا فقالت ملكية: - خالتوا هي السبب صح" رفعت عينيها لتتقابل نظراتهما معاً ومع هدوء والدتها وعدم إجابتها لها تأكدت بأنها محقة في توقعها فقالت بيأس: - خلاص يا ماما المفروض هنمشي امتى" - خلال يومين هنمشي من هنا يا لوكتي" أماءت لوالدتها ولم تعقب لا تنوي معرفة سبب هذا القرار فهي تعلم يقيناً بأنها لن تخبرها عن شيء لذلك اختصرت الطريق على نفسها ولم تسأل، خرجت والدتها من الغرفة بينما استلقت مليكة على فراشها تناظر سقف غرفتها ثم تشدقت شفتاها عن ابتسامة سعيدة على وجهها وأخيراً لن ترى ذلك المدعو حسام مرةً اخرى تنفست الصعداء ثم اعتدلت في جلستها ونهضت مسرعة في حماس تخرج حقائب السفر وتتمنى من كل قلبها أن يمر هذان اليومان مرار الكرام. ___________________________ «حسناً لقد وقع الأختيار عليها» عند حلول الليل مع تلك العتمة والشوارع الهادئة في أحد النوادي لتدريب الفنون القتالية كانت ليل تتأكد من أنها تضع جميع اغراضها في تلك الحقيبة الرياضية وقفت امام المرآة ترتدي حجابها فأتت ميساء(صاحبة المكان) من خلفها وقالت: - قبل ما تمشي اقفلي القسم الي عندك عشان مستعجلة لازم امشي" التفتت لها وأماءت بهدوء لتخرج ميساء على عجل بينما ليل لم تهتم لما تفعلهُ كثيراً وذهبت تتأكد من ان جميع الابواب موصدة ثم عادت لتأخذ حقيبتها فلم تجدها عقدت حاجبيها بتعجب وتأهبت جميع حواسها لتصبح في وضع الدفاع، هي تعلم يقيناً بأنها أغلقت جميع الأبواب وبأن الفاعل بالتأكيد مازال هنا، بدأت تسير بخطوات وئيدة وفجأة انطفأت الأضواء وعم الصمت والسكون حولها. _________________________ «سأنتقم ولو كلفني ذلك روحي» كان جمال يجلس مع زيد بعد أن خرجا من الجامعة اهتز هاتف جمال معلناً عن اتصال من رقمٍ مجهول اجاب جمال ليأتيه صوت ليل تقول بصوت هامس حتى لا يسمعها أحد بنبرة متعبة: - جمال خمس دقايق وتكون في النادي بسرعة" وأغلقت الخط دون أن تعطيه المجال ليسألها عن ما. حدث شعر بانقباض قلبهِ وبدأ ينهش الخوف عقله ليقول زيد بقلق: - جمال مالك مين الي كان بيتصل" قال جمال بانفاس متقطعة وكأنهُ كان يخوض في ميدان الحرب وخرج سالماً بعد كل تلك المناوشات مع العدو: - لازم أروح عند ليل بسرعة هتيجي معايا؟" اجابه زيد بدون تردد: - اكيد جي معاك" ركض جمال وخلفه زيد حتى وصلا إلى مكان النادي حاول جمال فتح الباب لكنه كان مغلقاً بإحكام جن جنونه وقام بكسر الجزء الزجاجي من الباب ولم يبالي بتلك الدماء التي سالت من ذراعه ودلف مسرعاً فلم يجد أحداً في المكان تلك العتمة والهدوء يسيطران على المكان حاول زيد إشعال المصابيح لكن لا يوجد كهرباء ليخرج زيد هاتفه ويشعل الإضاءة الخاصة به وبدأ يبحثان عنها في المكان حتى وقع بصر جمال عليها مغشياً عليها بدون حجابها ركض جمال يجلس على الأرض وضع يدهُ أسفل رأسها شعر بشيء ساخن قام بمنادات زيد ليقترب يقرب له الإضاءة ليرى الدماء تتدفق من رأسها ينظر لملاكهِ تلك حاول أن يمثل الثبات ويخفي رجفة قلبهِ التي وصلت إلى يدهِ، بينما ارتجفت يدا جمال ونظر إلى نبضها مسرعاً وقال بصوت مختنق: - زيد اتصل على كريم بسرعة خليه يجي بالعربية لازم نروح بيها على المستشفى" اتصل زيد على كريم وقال بخوف ونبرة ترتعش: - كريم تعالى بسرعة عند النادي الي ليل بتبقى فيه بالعربية مفيش وقت" نهض كريم فزعاً من مكانه وقال بقلق: - في ايه يا زيد ليل كويسة؟" تحدث زيد بنفاذ صبر: - يا كريم تعالى بسرعة وأنت تعرف مفيش وقت الله يرضا عنك" أغلق كريم ونهض على عجلة ارتدى سترتهُ وخرج من المنزل صعد عربته وقادها بسرعة حتى كان أمام باب النادي خلال خمسة دقائق، ترجل من عربتهِ يدلف على عُجالة كان كأسدٍ استطاع الهرب من قصفهِ فركض ليبحث عن عائلتهِ وينقذها من براثين هؤلاء البشر الأشرار، دلف إلى القاعة الخارجية فلم يجدهم بدأ ينادي عليهم فأتاهُ صوت زيد من أحد الغرف الجانبية ركض إليهم ليجد جمال يجلس ويضم رأس ليل إلى صدرهِ بينما زيد يجلس عاجزًا بينهم ، رفع جمال وجهه ينظر إلى كريم وتلك الدموع حبيسة في عينيه لا يسمح لها بالهرب، أراد جمال رفع وريد لكن تلك الارتجافة في يديه لم تسعفهُ في فعل شيء ليحملها زيد وقال لجمال: - جمال هات الخمار بتاعها حطه على راسها قبل ما نخرج" انصاع جمال لهُ وأخذ خمارها البُني عن الأرض وقام بوضعهِ بطريقة جيدة يخفي شعرها وخرج بها زيد مهرولاً بها يقف امام عربة كريم ينتظر أن يفتحها، فتح كريم الباب بخوف ليضعها في المقعد الخلفي للعربة وجلس هو على كرسي السائق وقف جمال ليقول له زيد: - هاجي معاكم" أجابه جمال يتفهم مقدار حب ذلك الفتى لها لكنه قال: - تؤ روح أنت بلغهم ولو احتجنا اي حاجه هنتصل عليك" أماء له زيد يعرف بأن الأمر لن يكون في صالحهِ إن استيقظت ليل وعلمت بأنهُ كان معهم هو لا يفهم من الأساس سبب كل هذا. ____________________________ بينما على سطح بناية النادي وقف ذلك المجهول يراقبهم وهم يذهبون بها ثم طلب أحد الأرقام حتى أجابه ليقول: - عرفوا يوصلوا ليها قولت ليك مش سهل نوصل للي احنا عايزينه طول ما اخواتها عايشين" ضحك الأخر بصوت مرتفع يتحدث بلا مبالاة شديدة: - ولا يهمك أنا مكنتش عايزها تموت دلوقتي اصلا دي مجرد قرصة ودان بس، عندك زيد راح معاهم ولا لا" نظر من الأعلى ليراه يقف بالأسفل ينظر إلى موضع ذهباهم وقال: - مرحش معاهم واقف تحت" أعطاه الأخر الأوامر بصرامة قائلاً: - طب تمشي وراه وتجيبه ليا عشان نخلي أبوه يشوف يعني ايه يدمر مخططاتي" تحدث بتردد قائلاً: - أنت متأكد أننا ناخده اصل.." قاطعه الأخر وقال بحزم: - متجادلش في كلامي، اعمل الي بقوله من غير نقاش" - تحت امرك" بينما سمع صوت أحدهم يقول: - قالك ايه" نظر لتلك الواقفة تعقد يديها أمام صدرها وقال لها بينما ينظر إلى ذلك الذي شق طريقهُ في الأسفل: - طلب مني اخطف زيد يا سوزان" ابتسمت سوزان بشرٍ وأماءت للواقف بأن يذهب، نزل الدرج يخرج من البناية وبدأ يسير خلف زيد بخطوات وئيدة حتى لا يشعر به، يسير خلفه كصياد يراقب فريستهُ وينتظر الوقت المناسب للهجوم عليها لتصبح الفريسة بين قبضتيهِ ظل يسير خلفه كما الظل المصاحب لرفيقهِ مدى الحياة حتى توقف زيد عن السير مستشعراً وجود أحدهم خلفه، التفت ينظر خلفه فلم يجد أحد كادت تنقلب اللعبة ويصبح الصياد هو الفريسة لكن عندما يصبح الصياد ماهراً يصعب على الفريسة مواجهتهُ. عاد زيد يكمل طريقهُ وشرد بذهنهِ إلى عالمٍ آخر حيث يبحث بداخل ذلك العالم الذي يجلس في عقله عن أي خيط يقودهُ إلى معرفة حقيقة من هو هذا الذي تجرأ ليقوم بإيذاء ليل، لا أحد فكر من قبل في فعل ذلك الجميع يهاب أخوتها فمن ذلك الأحمق الذي يفكر في إيذاء فتاة لديها خمسة رجال في منزلها من يفعل ذلك يكتب موتهُ بيديهِ. اخرجه من شروده ذلك الشيء المعدني البارد الذي شعر بهِ يوضع على رأسه، ليبستم زيد فهذا ليس جديداً عليه ليبعد فوهة ذلك السلاح عن رأسه وقال بانزعاج لا يرى من يقف امامه في ذلك الظلام لكنه توقع من يكون : - عايز ايه يا مروان احنا هنهزر بقى على المسا" لم يأتهِ ردٌ من الطرف الأخر ليشعر بأنه هناك أمراً مريباً في ما يحدث فعلى ما يبدوا هذا ليس مروان تحدث زيد مرة اخرى قائلاً: - مين الي هنا لو دا أنت بجد يا مروان وبتهزر الهزار البارد دا أنا مش هرحمك" لكن لم يأته رد على ما قاله قضب حاجبيه هل حقاً من يقف في ذلك الظلام هو مروان ويقوم بمزاحه الثقيل مثل كل مرة أم أن هناك من يريد إيذائه وعند هذه الفكرة تأهب زيد يأخذ وضعية الدفاع رغم أنه لا يرى شيئاً في هذا الظلام الحالك، سمع صوت ضحكات صاخبة ومن ذلك الصوت اتضح بأنها امرأة، حقاً؟ وماذا ستريد منه امرأة في هذا الوقت وما سبب تلك الضحكات المختلة؟ ربما هي مريضة عقلية؟ هذه كانت أفكار زيد وهو ينتظر أن يرى من تلك المختلة التي اعترضت طريقهُ بجنونها، ليسمع صوت حديث تلك المرأة تقول بهدوء وسط الظلام: - بص هما كلمتين يا زيد لو وافقت عليهم هخلي سبيلك" نظر زيد حوله يحاول رصد مصدر الصوت ثم قال بسخرية: - ليه هو كنت محبوس عندك عشان تخلي سبيلي" ثم أضاف: - على العموم خلصي وقولي ايه هما الكلمتين دول، كلمتين بالعدد لو زادو.." وقبل أن يكمل حديثه وجد أعمدة الإنارة التي تتواجد في ذلك الشارع تضيئ واقتربت منه تلك السيدة ترتدي فستاناً أسود اللون وتترك شعرها للهواء يحركهُ كيفما شاء، رمقها بسخط ألا تريد تلك المرأة تركهُ وشأنه حيثما ذهب يجدها اقتربت منه ليتراجع زيد إلى الخلف يترك مسافة بينهما ليريها بأنها لن تستطيع تغير كرههِ لها، لتبتسم تلك السيدة بمكر وقالت بغموض: - خليته يخلي سبيلك كان هيخلص عليك" اعتلت الصدمة وجهه يفكر في من هذا الذي كان يريد قتله أهي تمنُّ عليه الآن لهذه المساعدة الصغيرة وكأنها فعلت شيئاً عظيماً سيغير نظرته لها ليعيد الجمود واقتربت منه هذه المرة تكسر المسافة بينهما ورببت على كتفهِ بابتسامة هو يعرفها جيداً تلك ليست لسعادتها بنجاتهِ لكن هذا يدل على تخطيطها لشيء أسوء من هذا لتتجازوهُ تلك السيدة تاركة إياه مع أعاصير عقله. ___________________________ «لم ننتظر أن يساعدنا أحد في قصتنا نحن من كتبناها» تحرك عمار يخرج من عملهِ ليتقابل مع زوج شقيقتهِ ينزل درج تلك الشركة الكبيرة وعندما ابصرهُ جواد ليبتسم ويأخذه في عناق حميم وقال: - وحشتنا يا عم كل دي غيبة" ابتسم عمار وقال: - غصب عني، كان لازم اطمن على الحاجه بتاعت بابا كلها قبل ما اجي" أماء له جواد بتفهم وقال: - يعني خلاص اختك هتبطل زن" رفع عمار حاجبه بتحدي ليضحك جواد يربت على كتفهِ قائلاً بحبٍ صادق: - يا عم اختك دي حبيبتي اشيلها على راسي وعيني واستحمل كل حاجه تعملها عشان خاطر حبي ليها" قال عمار بمزاح: - تعرف حاجه نفسي احب واتحب كدا دا أنا بقى عندي تلاتين سنه ولسه اعزب" ثم اكمل يمزح مع جواد: - معندكش عروسة كدا جميلة ونعمل فرحنا علطول عشان أنا استنيت كتير" تأوه عمار عندما هوت صفعة على رأسه وقال جواد بحنق: - بطل تتريق عليا يا استاذ يا محترم ها" ثم أردف: - وآه مستني اليوم الي تروح تتقدم فيه لعروسة ونشوف ايه المسخرة الي هتعملها سعتها" عقد يديه امام صدره ولوى فمه بانزعاج كالأطفال بالتحديد وتحرك جواد يتركه منزعجاً منه كما يفعل الإخوة ويتشاجرون لأتفه الأسباب ثم ينتهي ذلك الخصام خلال خمس دقائق. ذهب عمار يأخذ الأوراق التي يجب ان ينهي ترجمتها وخرج من مكتبهِ عائداً إلى منزلهِ الحبيب الذي يقطن فيه وحده منذ زواج شقيقتهِ الصغرى. ___________________________ « لست من اختار هذا الدرب لقد أُلقيت فيه مجبراً» "لقد اخبرتنا سبيستون بأننا سنجد أضواءً في أخر النفق لكننا خرجنا من النفق وإلى الآن لم نجد تلك الأضواء" كانت جملة قام نور بكتابتها في دفتر يومياتهِ ثم أغلقهُ يتنهد علَّ ذلك الحمل الثقيل الذي يعتلي قلبهِ يذهب ويتركهُ وشأنه، أغمض عينيه وكاد يذهب بهِ خيالهُ إلى تلك الذكريات السعيدة التي كان يعيشها مع والدته قبل موتها لكن ما كاد يتذكر شيئاً حتى فُتح باب غرفته بهمجية ليرمقهُ نور بلا مبالاة فلقد اعتاد هذا المشهد لم يعد جديداً عليه ليقترب منه والده بغضب عارم يلقي بكل الكتب عن المكتب وأمسك ابنه من تلابيبة يرفعهُ قليلاً عن الأرض وعندما وجد الجمود يعتلي ملامح ابنه تركه ليهوي أرضاً ويخرج والده من الغرفة. حسناً هذا هو المشهد المعتاد من والدهِ منذ ماتت تلك المرأة الطيبة التي ربتهُ على تعاليم الدين الصحيحة والقويمة يلقي بكل أفعال والدهِ المخالفة للدين بعيداً عنه يسير في دربهِ ليصل إلى ما يريده.. ألا وهو التقرب من الله. نهض نور عن الأرض بجسد محطم نحيل لا يملك من القوة شيئاً يأن ألماً بداخلهِ يدعوا الله بأن ينجيهِ من بين يدي ذلك الرجل الظالم قال نور لنفسهِ بصوت هادئ: - استصبر تصبر ولا تيأس" وتذكر تلك الآية من سورة الحجر «قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون» لينهض يحمد الله بأن والدهُ لم يتطاول هذه المرة كثيراً فجسدهُ لم يعد يتحمل كل ذلك ولم يعد يستطيع أن يذهب للمستشفى مرة اخرى بعد شجار طويل ينتهي بهِ المطاف محطم القلب أولاً ثم يرى تلك الجبيرة توضع على جزء منه مرة أخرى، نظر حولهُ في هذه الغرفة بالتحديد حيث كانت تجلس معه والدته دائماً وارتمى على الفراش يتذكر عندما كانت تلج إلى غرفته وتجده حزيناً مهموماً فتلثم جبينهُ وتقول ببسمة صافية: - كل ما تلاقي نفسك زعلان ومهموم اشكي لربنا يا نور حياتي عشان محدش هيعرف يعينك غير الله" ابتسم بحزن ينظر إلى سقف غرفتهِ وهو يتمنى لو تأتي إليه الآن وتطبع على جبينه تلك القُبلة لترحل كل أحزانهِ معها تنهد تنهيدة طويلة لتسقط دمعة متمردة من عينيه تحرق قلبه قبل وجنتيهِ. في تلك اللحظة دلف والده إلى الغرفة وعندما رأه بهذه الحالة نظر له باشمئزاز وقال ببرود: - البس يلا، شنطتك جاهزة عشان تسافر عند جدك" انتفض نور من مكانيه رغم ذلك الألم الذي عصف بكامل جسده وقال برفض: - بس أنا مش عايز اروح هناك يا....." ولم يستطع قول تلك الكلمة هذا الرجل لا يستحق بأن يناديه بأبي فمن هذا الذي يرمي ابنهُ وسط الذئاب ويتركهُ وحده بينهم يشاهد كيف تنهش الذئاب في ذلك الجسد، ضرب والده على المكتب وقال بصراخ: - مش بعرض عليك عشان تقولي عايز تمشي ولا لأ انت كدا كدا هتروح بمزاجك او غصب عنك فشوف حابب انهي يلا بسرعة" انصاع نور لحديث والده فهو في غنى عن الشجار معه فهو ليس بقوة والده هو يملك جسداً نحيفاً ضعيفاً بالكاد يستطيع حمل نفسه بهذه القوة... أو بالأصح بهذا الضعف، نهض نور يأخذ كتبهُ الدراسية وخرج خلف والدهِ يستقل عربة ابن عمهِ الذي ينتظره بالأسفل جلس بجانبه في الأمام بينما وضعوا الحقائب في الخلف وانطلق أنس (ابن عمه) عم الصمت بينهما لوقت طويل ثم قال انس بتردد: - نور هو أبوك بعتك ليه ايه السبب الي يخليه يبعتك عند العيلة بعد كل السنين دي" ابتسم نور بسخرية وقال: - عايز يشوفني بموت فقرر يبعتني عندكم يمكن اموت بسرعة" استشف أنس الوجع في نبرته فقال له مقترحاً: - ايه رأيك تيجي تقعد عندي في الشقة بعيد عنهم" شعر نور بأن هناك أمل بأن يعيش حياة طبيعية مثل البشر وقال بلهفة: - فكرك جدو هيوافق" ابتسم أنس وقال بغرور مصطنع: - متخافش أساليب الإقناع عندي تقنع اي حد من أول كلمة" ضحك نور وقال ساخراً: - واضح جدا انك مقنع" _____________________________ « أنا عائدة إلى الديار فهل ستقبلني أم سأخذ صفعة الخيانة» عادت ابرار في هذا اليوم مبكراً من عملها ودلفت إلى غرفة جودي مباشرة لتجد صغيرتها صاحبة السبع أعوام تقوم بالرسم بألوانها بسعادة لتجلس أبرار على ركبتيها تنظر إلى ما ترسمهه صغيرتها ثم قالت: - جودي أنتِ موافقة نروح عند خالك جواد ونقعد مع تيته وجدو ولا لأ" عند ذكر أسمائهم ابتسمت الصغيرة بسعادة وتركت ألوانها ونهضت تقفز بحماس طفولي: - ايوه ايوه خلينا نروح تيته وجدو وحشوني وخالوا جواد كمان" ابتسمت أبرار برضا فهي تريد راحة ابنتها في نهاية المطاف رؤيتها سعيدة تغنيها عن كل شيء يكفيها أن تشرق السعادة على وجه ابنتها الجميلة تلك ثم نهضت عن الأرض قائلة ببسمة متسعة: - خلاص يلا اجهزي عشان بكرا الصبح نسافر" قفزت جودي بسعادة أكبر وركضت تعانق والدتها لتضحك أبرار بحب لصغيرتها الحبيبة الشيء الوحيد الصالح الذي خرجت به من زواجها ذاك. ____________________________ « أنا بخير لكن لا تظن بأنني نسيت من تكون» دلف كل من كريم وجمال بلهفة إلى الغرفة التي تقبع بها ليل ليجداها تجلس بهدوء وابتسامة صغيرة تزين ثغرها وعند هذه الابتسامة نظر كلاهما لبعضهما البعض وفهما بأنها تريد شيئاً ما لذلك جلس كريم بجانبها بينما جمال جلس على الكرسي المقابل لهما ليقول كريم: - هتطلبي ايه دلوقتي البسمة دي وراها حاجه" لتقول ليل ببساطة: - عايزة اخرج من المستشفى" دهش كريم من طلبها وقال: - أنتِ شايفه شكل راسك ملفوفة بشاش عامل ازاي وواخده خمسه وعشرين غرزة غير الكدمات في دراعك ورجلك..." بتر جمال حديثه يقول بسخرية: - أنتِ لو كنتِ بتلعبي معاهم ملاكمة مش هتعملوا كدا" أماءت ليل تواقفه الرأي وقالت: - ايوة كنا هنعمل اسخن من كدا" هل هي مجنونه؟ لقد كانت على حافة الموت عندما ذهب إليها جمال وزيد وهي الآن تضحك وتمرح وكأن شيئاً لم يكن لكنهم اعتادوا على ذلك فهذه الفتاة تظهر بصورة القوية والمرحة أمام الجميع لا يرى دموعها غير اثنين فقط جمال ومروان، ليتحدث كريم قائلاً بسخرية: - مدام كنتِ تعرفي تعملي اسخن من كدا صعب عليكي تحمي نفسك ولا ايه" شهقت ليل قائلة بانزعاج: - قصدك أني ضعيفة معرفش احمي نفسي والله لولا أنهم قطعوا الكهربا عن المكان كنت دافعت عن نفسي" ثم أردفت بنفس الإنزعاج البادي على ملامحها: - وبعدين دا مكانش واحد دول كانوا اتنين تخيل تبقى مش شايف وبتحاول تدافع عن نفسك أنا مش خفاش" رفع كريم حاجبه بشر وقال: - يعني مشوفتيش هما مين" أجابه جمال بعفوية: - أنت مش بتفهم يا كريم بتقولك الكهربا كانت قاطعة هتشوفهم من فين" رمقه كريم بنظرات ساخطة ليبتسم جمال بسمة بلهاء بينما قلبت ليل عينيها بضجر قائلة: - مدايقش نفسك يا كريم هو علطول قليل الأدب كدا المهم أنا عايزة اخرج من المستشفى دلوقتي" فغر فاهه هل سمع جيداً ما قالته أقالت عنه الآن بأنه قليل الأدب؟! إن كان هو هكذا فماذا تكون هي؟ وقحة، جاءت هذه الكلمة في عقله ليبتسم برضا أجل هي كذلك، حسناً ربما هو وقح مثلها إذاً فقد حققا مثل«ما شبه أخاه فما ظلم» حسناً ليغير في المثل قليلاً ربما ما شبه ابن أخاه فما ظلم أو ربما ما شبه عمته فما ظلم جيد هكذا قد حقق المقولة عليهما بطريقتهِ الخاصة"التحريف"، خرج جمال من شروده على وسادة ترتطم في وجهه فتأوه بألم وامسك أنفه قائلاً بامتعاض: - بترميني بالمخدة ليه؟" وضعت يدها في خصرها وكأنها لم تكن تتألم منذ قليل وقالت: - يمكن عشان كريم خرج يخلص الورق عشان اخرج من المستشفى وأنا بكلمك عشان تساعدني اقوم وأنت مش بترد عليا" ثم أضافت بفضول: - وبعدين كنت بتفكر في ايه" قال لها ببساطة: - كنت بقول أنك وقحة زيي" نفت ليل حديثه قائلة: - لا معلش خليك وقح لوحدك وبعدين انا مالي" قالت كلماتها الأخيرة بحنق بعد أن تمعنت في حديثه ليقول: - عشان بتقولي على الاكبر منك قليل ادب" ابتسمت بجانبيه وقالت: - وأنت قولت على الأكبر منك مش بيفهم" تنهد جمال بيأس وقال: - خلاص كدا اتعادلنا زي كل مرة واحد واحد" ابتسمت ليل بانتصار وأتى كريم ليخرجوا من المستشفى ويعودوا إلى المنزل. ___________________________ «خلف كل وجهٍ مبتسم قلبٌ يقطر دماً» في صباح اليوم التالي.. كانت مليكة تنهي تجهيز أشيائها فبعد أربع وعشرين ساعة ستخرج هي ووالدتها ذاهبتان إلى السويس ربما ابتعادها عن مكان تواجد ذلك البلاء الذي يسير على هيئة إنسان ربما تجد الراحة، نظرت إلى هاتفها لتجد رسالة من والدتها تخبرها بأننا تجلس مع شقيقتها لأنها طلبت منها الحضور على استعجال لم تبالي مليكة بكل ذلك وخرجت من غرفتها تحضر زجاجة ماء وعادت إلى غرفتها تكمل مذاكرتها قبل موعد درسها اندمجت في مذاكرتها ومرت ساعة وهي منهمكة في دراستها حتى فُتح باب غرفتها بقوة، لتنتفض من مكانها بذعر وزاد ذلك الخوف عندما علمت هوية الواقف أمامها و........ يتبع ________________________ _Raghad salem «انتبه فمازالت اللعبة في بدايتها نحن بدأنا نتحرك فقط إلى الآن لم يحدث شيء قوي» ومتنسوش أخواتنا في غزة من دعائكم أن ربنا ينصرهم ويفرج كربهم ويعزهم اعملوا vote أحبكم في الله ♥
Raghad hijazi