لم يكن الصمت الذي يسبق العاصفة في قريتنا صمتاً أبيض، بل كان صمتاً كالحاً، تفوح منه رائحة القطران والغبار الساخن. في ذلك الأسبوع، كانت شمس حزيران ترتفع في السماء كقرص من النحاس المحمى، تصب لهيبها فوق البيوت الطينية حتى تشققت جدرانها وبدت كأنه أجساد هرمة تفتح جروحها للهواء. ارتخت العزلة فوق بيتنا ككفن ثقيل، إذ انقطعت حتى تلك الحركة الواهية التي كانت تربطنا بأطراف السوق. صار الفراغ حولنا مطلقاً، يحمل في ثناياه برودة مريبة رغم الحرِ الخارجي.
كنت أجلس في ركن الردهة، واضعاً جبهتي على الجدار الطيني البارد، محاولاً التماس أثر من الطمأنينة التي غادرتني منذ اليلة القمراء. العلامة التي خطتها جدتي بالدم بين عينيّ لم تعد تؤلمني في الظاهر، لكنني كنت أشعر بها كعرق نابض خفي، يتناغم مع دقات قلب البيت العميقة. وفي زاوية المطبخ الضيق، كانت الجدة قائمة كعادتها، لا ينم عن حياتها سوى خيط الدخان الرمادي المتصاعد من مجمرتها النحاسية، وتمتماتها الرتيبة التي غدت جزءاً من النسيج الصوتي للمكان.
وفجأة، اخترق هذا السكون المطبق صوت حافر حصان يركض بجنون في الممر الترابي المؤدي إلى دارنا. لم يكن معتاداً أن يقترب أحد من عتبتنا، فكل الطرق المؤدية إلينا كانت محاطة بأسوار خفية من الرهبة. توقف الحصان بعنف عند المنعطف، وتلا ذلك صوت صراخ متهدج، يمتزج فيه البكاء بالوعيد، شق هدوء العصر الراكد.
كان الصوت لصالح آل (ياسين)، وهو رجل حاد الطباع من أعيان القرية، كان قد دخل في مشادة لفظية قاسية مع بائع الزيت منصور قبل أيام في السوق، ومررت أنا بمحاذاته دون أن أنظر إليه. والآن، كان صراخه يملأ الأزقة:
"يا صاحبة العهد الملعون! يا عاقدة العقود في الظلمة! إن مات ولدي، فلن يبقى في هذا الوادي طين يستر عظامكِ!"
عرفت الخبر لاحقاً من خلال الهمهمات التي كانت تتسرب عبر النوافذ الضيقة، لقد أصيب طفله الأصغر، ابن السنوات الخمس، بمرض فجائي غامض في الليلة الماضية. استيقظ الصغير وهو يصرخ من ألم يمزق أحشائه، وتحول جلده الغض في ساعات قليلة إلى اللون الرمادي الشاحب، وبدأت تظهر على أطرافه بقع داكنة تشبه تلك الندوب التي تكسو جذوع السدر العتيقة. قيل إن حكيم القرية وقف عاجزاً أمام فراشه، وعندما تفحص عينيه، رأى بؤبؤيه قد تغشيا بغشاء أبيض كالجير، تماماً كالعينين اللتين بُعث بهما أبو المجد بعد شفائه القديم. لم يكن أهل القرية بحاجة إلى أدلة، فالإصابع تتوجه تلقائياً نحو البيت القابع خلف أشجار السدر. لقد "سحرت" العجوز الطفل انتقاماً من والده الذي تجرأ وبصق في الشارع إبان مروري.
عندما غابت الشمس، لم ينزل الليل هادئاً كما تفعل الليالي المعتادة. جاء الظلام محتقناً، يحمل دبيباً جماعياً بدأ ينمو عند أطراف القرية ويمتد نحو وادينا المهجور. كنت واقفاً عند النافذة الضيقة ذات القضبان الصدئة، أراقب الأفق الرمادي. وفجأة، نبتت في العتمة نقاط حمراء صغيرة، بدأت تتكاثر وتتسع كأسراب من الجراد المشتعل.
كانوا هم. أهل القرية.
زحف القرويون ببطئ شديد، بخطوات ثقيلة تحمل وزناً كبيراً من البغض المتراكم عبر عقود من الخوف المكتوم. كانوا يحملون مشاعل من حطب السنط المغمس في النفط، يتصاعد منها دخان أسود كثيف تداخل مع ضباب الوادي. لم يكن هناك أطفال بينهم، ولا نساء، بل رجال غلاظ، التفت عباءاتهم الداكنة حول أجسادهم، وامتصت عيونهم لمعان النيران المتراقصة لتظهر كحدقات ذئاب تحاصر جحراً منسياً.
أحاطوا بالمنزل من كل جانب، وتوقفوا عند مسافة أمتار قليلة من العتبة الخارجية، متجنبين الدائرة التي لا تزال تحمل بقايا دم الجدي الأسود والرماد. ارتفع عويلهم، تداخلت الأصوات لتصبح حشرجة واحدة ضخمة تزلزل الجدران الطينية:
"اخرجي يا ساحرة السدر! ارفعي لعنتكِ عن طفل آل ياسين!"
"أحرقوا البيت فوق رؤوسهم! طهروا الوادي من هذا الرجس الأزلي!"
"نريد حياة الصبي، أو دماء الوعاء الجديد!"
شعرت برعب كبير ينهش أحشائي. نظرت إلى الألواح الخشبية للباب الخارجي، كانت تبدو واهية للغاية أمام هذه الكتلة البشرية الغاضبة التي تحركها غريزة البقاء وخوف الآباء. ركضت نحو الردهة، وصرخت بصوت متهدج:
"يا جدتي! إنهم يحملون النار! سيحرقوننا داخل هذا الطين! ارفعي عنهم ما أصابهم، ارفعي الموت عن طفلهم قبل أن يلتهمنا اللهب!".
لم تتحرك جدتي من موضعها. كانت تجلس في أقصى زوايا غرفتها، تحت ضوء أحمر خافت ينبعث من جمرة الموقد. وجهها المليئ بالأخاديد بدا تحت وهج المشاعل الخارجية -الذي كان يتسلل عبر شقوق الباب- كقناع منحوت من صخر بركاني قديم. رفعت رأسها ببطئ شديد، ونظرت إليّ بعينيها السوداوين اللتين لا تملكان قاعاً، وقالت بنبرة هادئة، رتيبة، خالية من أي خوف أو اكتراث:
"النار لا تحرق أصلها يا هود... وهذا البيت مصبوب من طين عُجن بالماء والعهد قبل أن يملك هؤلاء العبيد أسماءً".
وضعت مبخرتها على الأرض، وقامت بكامل قامتها المنحنية. مشت بخطوات بطيئة، واثقة، تصدر من تحت قدميها العاريتين نبرة صامتة تكاد تبطل عويل الحشد في الخارج. تقدمت نحو الباب الخارجي، ووقفت خلفه مباشرة، دون أن تفتحه، ودون أن ترفع المزلاج الحديدي.
أحنت رأسها قليلاً نحو الخشب البارد، وتمتمت بلغة الأجداد الثقيلة، لغة الفحيح والتراتيل المكتومة التي حفظتها جدران الغرفة الغربية. وفجأة، ساد صمت مفاجئ في الخارج. انقطع الصراخ كأن شفرة غير مرئية قد قطعت حناجر المجمهرين في لحظة واحدة. حتى النيران في المشاعل بدأت ترتجف وتخفت، كأن الهواء حول البيت قد فُقدت منه القدرة على إشعال الحياة.
قالت جدتي بصوت أجش، رنينه عميق اخترق خشب الباب ووصل إلى قلوب الواقفين في الخارج:
"يا آل ياسين... الأرض لا تأخذ ما لا تطلبه، والعهد لا يُنقض بصراخ العبيد. طفلكم لم يلمسه سحري، بل لمسه خوفكم. عودوا إلى بيوتكم، واغسلوا لحمه بماء بئر السدر عند الفجر، فالحياة والموت في هذا الوادي لهما ثمن... وثمن بقاء الصبي قد قُبض بالفعل".
التفتت إليّ بعد أن ألقت بكلماتها، وكانت نظرتها غامضة ومحملة بقرون من الأسرار والبرود المخيف. شعرت بثقل تلك النظرة يضغط على صدري، إذ أدركت أن الثمن الذي تحدثت عنه ليس قرباناً من الخارج، بل هو أنا... الوعاء الذي يستعد لامتصاص اللعنة بالكامل في ليلة المحاق القادمة لتبقى هي حارسة التراب.
في الخارج، بدأ دبيب الخطوات يتراجع. سمعت صوت الشيخ منصور وهو يهدئ من روع صالح آل ياسين، وصوت قعقعة المشاعل وهي تُلقى على التراب البعيد لتطفأ بالرماد. تفرق الحشد ببطئ أفعى تنسحب في الظلام، تاركين ورائهم رائحة النفط المحترق وخوفاً جديداً، أعمق وأكثر ثقلاً من خوف الأمس.
عدت إلى غرفتي وارتميت على الفراش الصوفي، بينما كان جسدي كله يرتجف بعنف. لم أعد أرى في أهل القرية أعداءً يحاصرونني، بل صرت أراهم ضحايا لكابوس أعيش أنا في قلبه. النيران التي جاؤا بها لم تكن لتحرق البيت، بل كانت لتضيئ ظلمة كينونتي المتلاشية. ومع اقتراب ليلة المحاق، كنت أشعر بأن رائحة السدر العتيقة تتغلغل في عروقي لدرجة الاختناق، مدركاً أن البقاء في هذا الكيان العجوز هو اللعنة الحقيقية التي لا مفر منها، وأن الصمت القادم سيكون أشد فتكاً من عويل المشاعل.
prince Egotist