الفصل الثامن.

الفصل الثامن.

2 0

كان ذلك المساء هو الليلة التي تسبق المحاق بأيام قليلة، ليلة بلغ فيها القمر ذروة اكتماله قبل أن يبدأ رحلة الضمور السريع نحو العتمة المطلقة التي ينتظرها السجل. لم يكن ضوء القمر في تلك الليلة أبيض دافئاً، بل كان مشحوناً بزرقة صقيعية، بهاءً فضياً ثقيل الوزن يتسرب من سقف السماء ليلتصق بالأرض مثل طبقة من الزئبق السائل. الهواء في الخارج كان هادئاً بشكل مريب، ركود تام كأن الطبيعة جمعاء قد كتمت أنفسها تضامناً مع ناموس هذا البيت الطيني المعزول.

في الردهت الداخلية، كانت العتمة الرمادية المعتادة قد تراجعت لتخلي مكانها لـتسلل تلك الأشعة الفضية عبر شقوق السقف المصنوع من سعف النخيل وجذوع السدر. ظهرت خيوط النور كقضبان حديدية متوهجة تقسم الفراغ، تفصل بين زوايا الغرف المظلمة كأنها فواصل بين عالمين. كنت مستلقياً على فراشي، أراقب غبار الوقت وهو يدور في فلك تلك القضبان الضوئية ببطئ شديد، حركات دائرية تحاكي دوران المجرات في الفضاء السحيق.

لم تكن الرائحة في المنزل هي رائحة السدر الجاف المعتادة، بل تكاثفت لتصبح رائحة "سدر رطب"، كأن الجذوع الميتة في السقف قد بُعثت فيها الحياة فجأة وبدأت تفرز عصارتها الحامضة تحت تأثير الجاذبية القمرية. أحسست بـالدم المخطط على جبهتي -الذي جف منذ أيام- يبدأ في الوخز، رعشة دقيقة تسري تحت جلدي في الموضع نفسه الذي خطت فيه يد جدتي علامتها، كأن هذا الدم القديم قد استيقظ وبدأ يتناغم مع دقات قلب خفية تنبثق من باطن الأرض الطينية.

استمعت بـجوارحي كلها. لم يكن هناك صوت حركة في غرفتها، لكنني كنت أعلم يقيناً، بـحاسة الشك الملوثة التي صارت تقودني، أن الوقت قد حان. الليلة ليست ليلة نوم، إنها الليلة التي يعبر فيها التاريخ من مسيل الدم على العتبة ليتغلغل في فناء الدار. البيت بالغطاء الصوفي عن جسدي بعيدا، وبأقدام عارية تعودت ملامسة التراب البارد، بدأت التسلل نحو فناء الدار المستدير، حيث ينفتح السقف على السماء مباشرة كبئر ضخمة تلعق ضوء القمر.

توقفت عند حافة الممر المظلم المؤدي إلى الفناء. كان الفناء عبارة عن مساحة دائرية مكشوفة في منتصف البيت، تحيط بها جدران طينية شاهقة تبدو من الأسفل وكأنها بئر عميقة حُفرت في قلب الليل. في المنتصف تماماً، كانت أشعة القمر الكامل تنصب كعمود ضوئي صلب، يضيئ بلاطات الفناء الحجرية الرمادية التي تشبه تماماً بلاطات الغرفة الغربية المحظورة.

وهناك، في قلب العمود الفضي، كانت تقف جدتي.

لم تكن ترتدي وشاحها الأسود المعتاد، بل كانت ملتحفة بـعباءة من قماش كتاني داكن وخشن، مطرز عند حوافه بـخيوط نحاسية دقيقة التمعت تحت ضوء القمر كأنها ديدان مشعة تلتف حول جسدها الضامر. شعرها الأبيض الكثيف، الذي لم أره يوماً مكشوفاً، كان منسدلاً على كتفيها وظهرها المنحني كخيوط من القطن العتيق المغمور في الرماد. كانت تقف حافية القدمين، مثبتة عينيها الشاخصتين نحو قرص القمر بكامل اتساعه، دون أن ترمش، كأنها تستنزف ضوئه مباشرة لـتخزنه في تجاويف جمجمتها الغائرة.

بدأت طقسها بـحركة بطيئة لا تصدر صوتاً. رفعت يديها النحيفتين نحو السماء، وكانت أصابعها المتعرجة، ذات العروق السوداء البارزة، تبدو تحت النور الفضي وكأنها جذور شجرة سدر عتيقة تمتد لـتتشبث بالهواء. لم تكن تصرخ، ولم تكن تمتم بـصوت مسموع، بل كانت شفتيها تتحركان بـآلية منتظمة، تنفثان مع كل زفير ذرات دقيقة من مسحوق رمادي كانت تمسكه في كفها، مسحوق يتطاير في عمود النور ليحدث شرارات صغيرة، برتقالية اللون، تنطفئ قبل أن تلامس الأرض.

مع كل ذرة مسحوق تسقط، كان الهواء في الفناء يزداد كثافة وبرودة. شعرت بـأنفاسي تخرج كبخار أبيض رقيق، رغم أننا في فصل الصيف. كان الطقس يبدو كأنه عملية "استحضار" لزمن آخر، تجريد للمكان من بعده البشري وإعادته إلى حالته الأولى، حالة الطين البكر والعهود التي قُطعت قبل بزوغ الفجر الأول للقرية.

الحدث الحقيقي، الحدث الذي شلّ إرادتي وجعلني ألتصق بالجدار الطيني للممر خوفاً وذهولاً، بدأ عندما تحرك القمر ليصبح في كبد السماء تماماً، فوق الفناء مباشرة.

تحت هذا الضوء العمودي الشديد، كان ينبغي لـظل جدتي أن يكون بقعة صغيرة داكنة مستقرة تحت قدميها العاريتين. لكن ما حدث كان انتهاكاً صارخاً لكل قواميس ونواميس الطبيعة.

بدأ ظلها الممتد على البلاط الحجري في التمدد بآلية مستقلة. لم يكن التمدد ناتجاً عن تغير زاوية الضوء، فالقمر كان ثابتاً فوق الرأس. كان الظل ينمو من الحواف، يتسع ويسودّ بكثافة غريبة، كأن حبراً أسود سائل يتدفق من تحت قدميها لـيطمس معالم الحجر الرمادي. ارتفع الظل على الجدار الطيني المقابل، وتضخم حتى غطى مساحة الجدار بالكامل، واصلاً إلى سقف الفناء.

ولم يقف الأمر عند التضخم، بل بدأ الظل في "الانفصال".

بينما كانت جدتي واقفة بلا حراك، يداها ممدودتان نحو السماء كصخرة ثابتة، بدأ الظل الضخم على الجدار في التحرك بآلية مغايرة تماماً. رأيت الظل يثني ركبتيه، ثم ينحني على الأرض بـخطوات ثقيلة، كأنه كائن ضخم مستقل يتحرك في جحره الخفي.

وصدقني لم يعد الظل مجرد مساحة سوداء مسطحة، بل بدأت تظهر في ثناياه نتوءات وأبعاد عميقة. وترائى لي أن للظل وجهاً، وجهاً ضخماً بـأنف معقوف وأشداق واسعة تنفتح وتنغلق ببطئ، وعينين غائرتين تنبعث منهما ظلمة أشد حلكة من سواد الظل نفسه.

و مع حركة الظل على الجدار الطيني، عاد ذلك الصوت المألوف والمرعب، صوت فحيح خشن، احتكاك حراشف أفعى عملاقة بـسطح خشن. كان الصوت يرتد من الجدران الأربعة للفناء، كأن الكائن الظلي ينحت نفسه في الطين اليابس، يترك ندوباً حقيقية على جسد البيت.

كنت أراقب المشهد وعقلي يترنح على حافة الجنون. نظرت إلى جدتي الواقفة في قلب النور الفضي، كانت تبدو في تلك اللحظة ضئيلة، ضامرة، كأنها مجرد "قشرة" أو وتد خشبي يُستخدم لتثبيت ذلك الكائن الظلي الضخم بالأرض. هل هذا الظل هو روحها الحقيقية؟ هل هذا هو الامتداد والأجداد الذين تحدثت عنهم؟ الكيان الذي يعيش في الغرفة الغربية لم يكن محبوساً خلف باب الساج، كان هو نفسه الذي ينفصل عنها في ليالي القمراء ليتنفس هواء الفناء.

استمر الطقس قرابة الساعة، ساعة مرت في حسابات وعيي كأنها دهر من العذاب الصامت. تحرك الكائن الظلي حول الفناء، دار في حلقة مفرغة ثلاث مرات، متلمساً الجدران الطينية بـأطراف ظلية ضخمة كأنه يعيد مباركة البيت أو يتفقد صلابة سجنه المختار. ومع كل دورة، كان فحيحه يزداد انخفاضاً، حتى تحول إلى ما يشبه الهمس المتعدد الطبقات، التراتيل الخافته ذات الحروف الحلقية الثقيلة التي سمعتها خلف الباب المقفل.

وفجأة، وبلا أي تمهيد، توقف الظل عن الحركة. تيبس على الجدار الطيني مباشرة فوق المدخل الذي أقف فيه.

انحنى رأس الظل الضخم نحو الأسفل، والتفتت ملامحه المشوهة الشاخصة لتنظر إليّ مباشرة في عتمة الممر. في اللحظة نفسها، وبـتزامن مرعب، استدار جسد جدتي الواقف في عمود النور بآلية دائرية كاملة، لتلتقي عيناها الغائرتان بعينيّ.

لم يكن في وجهها أي تعبير مألوف من تعابير البشر، لا غضب، لا مفاجأة، لا وعيد. كانت عيناها تحت ضوء القمر الكامل تبدوان كـقطعتين من النحاس المصقول المنغمس في قطران أسود. أشارت بـيدها المدممة -التي لا تزال تحمل أثر دم عتبة الصباح- نحو جبهتي، وتمتمت بصوت خرج هذه المرة ليس من حنجرتها، بل من جدار الطين ومن جوف الظل الضخم القابع فوق رأسي:

"انظر جيداً يا هود... هذا هو الجسد الذي لا يبلى، هذه هي الظلمة التي ستسكن وعائها الجديد. أنت لا تراقب طقساً غريباً... أنت ترى مستقبلك الحتمي".

شعرت بـقوة الجاذبية القمرية والظلية تطبق على صدري، ضيق حاد في التنفس جعلني أسقط على ركبتي فوق التراب البارد. لم أستطع الصراخ، ولم أستطع الهروب، كانت إرادتي قد سُلبت بالكامل تحت وطأة تلك النظرة الثنائية الممتدة من الجسد والظل. أحسست بـالعلامة المخطوطة على جبهتي تسخن لدرجة الاحتراق، كأن شفرة محماة بالنار تنقش الاسم من جديد في عظام جمجمتي: [هُود... الوعاء الجديد].

استدارت الجدة ببطئ وعادت لتواجه القمر، وبدأ الظل الضخم في الانكماش والتراجع، ليعود وينصهر تحت قدميها العاريتين مع انحراف مسار الأشعة الفضية نحو الغرب. انسحبتُ زاحفاً إلى غرفتي، والجنون يطحن ما تبقى من خلايا عقلي. لم يعد لديّ أدنى شك، المحاق قادم، والظلال التي تحركت في الفناء لم تكن سوى النذير الأخير للحلول الأبدي الذي سيمحو وجودي ليجعلني الحارس الجديد لـرائحة السدر العتيقة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

جَدتِي

المؤلف prince Egotist
2026/10/29 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة