لم تكن رائحة السدر مجرد عطر عابر في ردهات هذا البيت، كانت هي الهوية، والزمن، والجسد الذي نتنفسه. نعم فبيت جدتي لا يشبه البيوت التي ألمحها من بعيد في أطراف القرية المهجورة. إنه كتلة هائلة من الطين الجاف، والجذوع الملتوية التي تبدو وكأنها نمت من باطن الأرض مباشرة، وليست من صنع أيدٍ بشرية. الجدران سميكة لدرجة أن أصوات الرياح الخارجية، مهما بلغت شدتها، لا تصل إلينا إلا على هيئة حفيف خافت و غامض، أشبه بنحيب غريق تحت الماء.
في هذا الممر الضيق المؤدي إلى غرفتي، تتكاثف الظلال في زوايا السقف بشكل مريب. السقف مصنوع من سعف النخيل وجذوع السدر العتيقة، ومنه تدلت على مر العقود باقات لا حصر لها من الأعشاب المجففة. هناك الشيح المر، والحرمل الذي اسودّ لونه بفعل الزمن، وعروق مجهولة الهوية كانت جدتي تجمعها في ليالٍ لا يظهر فيها القمر. عندما يمر تيار هواء بارد من شق الباب الخشبي القديم، تصطدم تلك الأعشاب ببعضها البعض، لتصدر صوتاً جافاً خافتاً، يشبه حشرجة العظام أو احتكاك الحشرات الميتة.
كل شيئ هنا مغطى بطبقة رقيقة من الغبار الرمادي، غبار لا نزيله أبداً، لأن جدتي تؤمن بأن الغبار هو "غطاء الوقت"، وأن كشف المستور قد يوقظ ما لا نطيق تحمله. الأثاث قليل ومتهالك، صناديق خشبية مزخرفة بالنحاس الذي انطفأ بريقه وصار أخضر بفعل الرطوبة، وسجاد صوفي ثقيل نسجته يد جدتي قبل عقود، تداخلت خيوطه الحمراء والسوداء حتى بدت وكأنها دماء جافة متخثرة على أرضية الغرفة.
كُنت أقف طويلاً عند النافذة الوحيدة في الردهة، وهي نافذة ضيقة تغطيها قضبان حديدية صدئة. و من خلالها، لا أرى سوى مساحة شاسعة من العدم الرمادي. الأشجار في الخارج تبدو مشوهة، واقفة كأشباح حارسة تحيط بالمنزل، تمنع أي شخص من الاقتراب، وتمنعني أنا من التفكير في المغادرة. لم أكن أعرف شكلاً آخر للحياة، فالعالم بالنسبة لي يبدأ من عتبة هذا البيت وينتهي عند أطراف تلك الأشجار الميتة.
الحياة في هذا المنزل لا تقاس بالساعات، بل بالروائح والأصوات الخفية. الحركة بطيئة لدرجة الملل، لكنه ملل مشحون بنوع غريب من الإثارة الصامتة، إثارة الخوف والترقب. هنا، تتعلم كيف تصغي إلى الأشياء التي لا تتكلم.
تتميز أجواء المنزل الذي اسكن فيه بصرير الأخشاب تحت وطأة الحرارة أو البرد، وصوت دبيب النمل الأبيض وهو ينخر في صمت في أعماق الجدران الطينية. أحياناً، في الهزيع الأخير من الليل، أسمع صوتاً يشبه البكاء المكتوم قادماً من قبو المنزل، لكنني لم أجرؤ يوماً على السؤال عن مصدره. كانت الإضائة في المنزل تعتمد كلياً على قناديل الزيت القديمة. النيران الضعيفة ترتجف مع كل أنفاسنا، مما يجعل الظلال على الجدران تبدو ضخمة، متحركة، وكأنها كائنات مستقلة بذاتها تشاركنا العيش في هذه العزلة.
لجدتي بخور خاص لا تفرط فيه. لم يكن كبخور الأسواق، بل كانت رائحته ثقيلة، حامضة ومركبة، تلتصق بالثياب والجلد، وتجعلك تشعر بنوع من الدوار الخفيف، وكأنك تنفصل ببطئ عن جسدك المادي وتطفو في فضاء من الذكريات التي ليست لك.
كثيراً ما كنت أجلس في زاويتي المفضلة، أراقب الطريقة التي يتسلل بها خيط رفيع من ضوء الشمس الشاحب عبر شقوق السقف. كان هذا الخيط يضيئ جزيئات الغبار المتطايرة في الهواء، فتظهر وكأنها مجرات صغيرة تدور في فلك غرفتنا المظلمة. في تلك اللحظات، كان ينتابني شعور حاد بالانعزال، شعور بأننا نعيش في جيب سري من جيوب الكون، خارج حسابات الزمن البشري المعتاد.
عندما يحل المساء، ويغرق البيت في ظلام دامس لا تكسره إلا جذوة نار صغيرة في الموقد الحجري، دالك الموقد الذي طالما شهد اسرار لا يعلمها الا هو، يحين موعد العشاء. هذا الطقس اليومي لم يكن مجرد وجبة لتغذية الجسد، بل كان مواجهة صامتة، اختباراً نفسياً أخوضه كل ليلة أمام تلك المرأة التي لا تشيخ، ولا تموت، ولا تتكلم إلا نادراً.
جلسنا على الأرض، تفصل بيننا صينية نحاسية واسعة عليها وعاء فخاري يحتوي على مرق داكن وخُبز يابس صنعته بيديها. كانت النيران من الموقد القريب تعكس ضوءاً برتقالياً متراقصاً على وجهها المجعد. وجه جدتي عبارة عن خريطة من الأخاديد العميقة، كل تجعيدة فيه تبدو وكأنها حُفرت بفعل حدث جلل وقع قبل مئات السنين. عيناها كانت الجزء الأكثر رعباً وإثارة في كيانها، عينان سوداوان تماماً، لا تكاد تميز بؤبؤهما من بياضهما، غائرتان في جمجمتها، تنظران إليّ وكأنها لا تراني كحفيد، بل كحلقة صغيرة في سلسلة طويلة وثقيلة من الأسرار واللعنات الممتدة عبر القرون.
لم نكن نتبادل الكلمات. الصوت الوحيد الذي كان يكسر الصمت هو صوت تمزيق الخبز، ومضغ الطعام ببطئ شديد، وصوت أنفاسها العميقة والمنتظمة التي كانت تبدو أحياناً أطول من أنفاس البشر العاديين. كانت يدها، الممتلئة ببقع الشيخوخة الداكنة والأظافر السميكة، تتحرك بآلية غريبة، وكأنها تستحضر حركات قديمة حفظتها منذ أزمان غابرة.
كُنت أطأطئ رأسي، أحاول تجنب تلك النظرات التي تخترق ناصيتي وتصل إلى عمق أفكاري. في كل مرة كنت أرفع فيها عيني خلسة، أجدها شاخصة نحوي، بلا رمش، وبلا أي تعبير يذكر. كانت نظراتها تخفي وراءها حكايات عن أمم بادت، وعن دماء سُفكت في سبيل الحفاظ على هذا البيت قائماً، وعن كائنات وعهود قُطعت في الظلام ولم تُنسَ بعد. كنت أشعر بثقل تلك الأسرار يضغط على صدري، مسبباً لي ضيقاً في التنفس، لكنني في الوقت ذاته، كنت أجد في هذا الخوف أماناً غريباً، الأمان الوحيد الذي عرفته في حياتي.
مع مرور الساعات، وبعد أن ينتهي العشاء وتعود الجدة إلى زاويتها لتستسلم لغفوتها الصامتة أو لصلواتها المتمتمة بلغة غير مفهومة، كنت أغرق في تفكيري. أنا، هود، الشاب الذي لم يعرف امرأة سواها، ولم يختلط بفتيان من سنه، ولم يرَ من الحياة سوى هذا الوجه الهرم وهذا الكيان الأنثوي المسيطر.
لقد تلاشت رغبتي في استكشاف العالم الخارجي منذ زمن بعيد. تحول الخوف من المجهول إلى اكتفاء تام بهذا السجن الطيني. بالنسبة لي، تمثل جدتي العالم بأسره، فهي الأم، والأب، والتاريخ، والمستقبل. إنها الحقيقة الوحيدة المطلقة وسط هذا الفراغ المحيط بنا.
كنت قد وصلت مرحلة الانعزال التام، شعور بالانفصال الكامل عن الجنس البشري، واعتبار القرية وأهلها -إن وجدوا- مجرد أساطير أو أشباح لا تعنيني.
لقد صار الارتباط المرضي و التعلق الشديد بهذا الكيان العجوز، ورؤية النضج والحياة من خلال موتها البطيئ الذي لا ينتهي.
لقد أصبحت، مثل هذا البيت، مصنوعاً من طين وظلال ورائحة سدر. صرت أتحرك بخفة، بلا صوت، وأقضي ساعات طوال دون أن أنبس ببنت شفة، محاكياً صمت جدراننا العتيقة.
"إننا لا نموت في هذا البيت يا هود، نحن فقط نتحول ببطئ إلى جزء من أثاثه، نصبح ظلالاً ملتصقة بالجدران، ورائحة سدر تتوارثها الرياح الخفيفة".
-- كانت هاته الكلمات المبهمة من تمتمات الجدة في إحدى ليالي الشتاء.
بينما كنت مستلقياً على فراشي الصوفي، أستمع إلى صوت الرياح التي بدأت تشتد في الخارج، وهي تضرب بقسوة أبواب البيت المغلقة، أحسست برائحة السدر والحرمل تتكاثف في حلقي. نظرت إلى الباب الموارب لغرفة جدتي، ورأيت ظلها الضخم المنعكس على الحائط يتحرك ببطئ، رغم أنها كانت جالسة بلا حراك. أغمضت عيني، مستسلماً لتلك الظلمة المألوفة، مدركاً أنني محاصر في هذا الشرك الأزلي، وأن غداً لن يكون سوى تكرار مخلص لأسرار الأمس الغامضة.
prince Egotist