كان الخروج من بوابة البيت الطيني يشبه العبور عبر غشاء يفصل بين زمنين، زمن جدتي الساكن الرطيب الذي تفوح منه رائحة الموت والسدر، وزمن العالم الخارجي الذي لم أكن أراه إلا كلوحة باهتة الألوان، يكسوها غبار رمادي لا ينقشع. في ذلك الصباح، كانت الشمس ترتفع ببطئ شديد وراء تلال القرية، كعين محتقنة بالدم تحاول اختراق الضباب الكثيف الذي يلف الأزقة الضيقة.
حملت في يدي كيس القماش الخشن الذي نسجته جدتي من خيوط الكتان العتيقة، ووضعت في جيبه الداخلي صرة النحاس القديمة التي أعطتني إياها قبل رحيلي. لم تقل لي سوى كلمتين، ألقت بهما من وراء وشاحها الأسود السميك وهي تشير نحو الباب:
"ابتع الزيت والملح، ولا تطل النظر في عيون العبيد".
كانت تسمي أهل القرية جميعاً "العبيد"، ليس من باب العبودية الطبقية، بل لأنها كانت تراهم مستعبَدين لخوفهم، لجهلهم، ولأيامهم القصيرة الفانية.
مشيت في الممر الترابي الضيق المؤدي إلى وسط القرية. كانت الجدران على جانبي الطريق جافية، متشققة، يخرج من شقوقها عشب جاف أصفر يشبه شعر الموتى. الهواء في الخارج كان بارداً، يحمل لفحة الفجر الممزوجة برائحة روث الماشية والطبخ البدائي، وهي روائح بدت لشدة غرابتها عن حاسة الشم عندي وكأنها قادمة من كوكب آخر. في كل خطوة كنت أخطوها، كنت أشعر بثقل جسدي، فالأرض هنا لم تكن طيعة تحت قدمي كما هي أرضية بيتنا المكبوسة بالصمت، بل كانت تصدر صريراً غريباً مع كل خطرة لي.
لمحت من بعيد أولى ظلال البشر. كانت نسوة يرتدين عباءات داكنة، يحملن جِرار الماء فوق رؤوسهن وينحدرن نحو البئر البعيدة. ما إن بدأت خطواتي تقترب، وما إن التمعت عيناهن برؤية قامتي الطويلة وثيابي التي تفوح منها رائحة الحرمل والسدر الحامض، حتى تراجعن بآلية مريبة نحو حواف الجدران. انخفضت رؤوسهن، وتحولت مشيتهن السريعة إلى هرولة وخطوات واسعة، وكأنهن يحاولن الانكماش داخل ثيابهن كي لا يلمسهن ظلي الممتد بفعل شمس الصباح الشاحبة.
عندما وصلت إلى ساحة السوق الصغيرة، كان الوقت قد قارب الضحى، لكن الأجواء كانت تفتقر إلى صخب الأسواق المعتاد. كانت الحركة بطيئة، أشبه بحركة الأشباح في وادٍ مهجور. الباعة يجلسون خلف بسطاتهم الخشبية المتهالكة، يعرضون خضروات ذابلة، وحبوباً يملؤها السوس، وتوابل فقدت ألوانها الزاهية تحت وطأة الرطوبة والغبار.
بمجرد أن وطئت قدمي عتبة الساحة، حدث أمر يتكرر في كل مرة لكنه في هذا الصباح بدا أكثر حدة وثقلاً، توقفت الهمهمات والأصوات الخافتة، والمساومات الضعيفة، وضحكات الأطفال الصغار الذين كانوا يلعبون بالتراب عند الزوايا... كل شيئ انقطع فجأة. ساد صمت مطبق، صمت حاد كشفرة الحلاقة، لدرجة أنني سمعت بوضوح طنين ذبابة زرقاء كانت تدور حول سلة تين متعفن.
العيون كلها، العيون المطفأة، المحاطة بالهالات السوداء الناتجة عن شقاء العيش والترقب الخائف، استدارت نحوي. لم تكن نظرات فضول، ولا نظرات ترحيب، بل كانت مزيجاً حارقاً من التوجس، والاشمئزاز المكتوم، والرهبة الخالصة.
حتى الرجال الذين كانوا يتحلقون حول موقد نار صغير يشربون الشاي المر، انفضوا ببطئ متفرقين، ودخل بعضهم إلى عمق الدكاكين المظلمة، مغادرين الشارع كي لا تتقاطع نظراتهم بنظراتي.
كنت أسير وسط هذا الطوق الخفي من النبذ الصامت. أشعر بالدماء تتدفق ببطئ شديد في عروقي، وبأنفاسي التي صارت ثقيلة. هل أنا مسخ؟ هل يحمل وجهي علامة ما لا أراها في مرآة بيتنا المكسورة؟ التفت يميناً ويساراً، أحاول أن أجد عيناً واحدة تواجهني بثبات، لكن الجميع كان يتهرب، يسقطون أبصارهم نحو الأرض، أو يتظاهرون بتفحص بضائعهم بجدية مبالغ فيها. هذا الانعزال التام عن العالم الخارجي، الذي كنت أظنه نابعاً من رغبتي ورغبة جدتي، تبين لي الآن أنه جدار سميك بناه هؤلاء الخائفون حولي وحول بيتنا، جدار من الخوف الغير المبرر.
في زاوية الساحة، يقع دكان الشيخ منصور، أحد أعيان هذه المنطقة ومن أقدم باعتها. دكانه كان عبارة عن مغارة ضيقة غارقة في العتمة، تتكدس فيها أكياس الخيش الممتلئة بالأرز والسكر، وتتدلى من سقفه قناديل كيروسين سوداء تفوح منها رائحة النفط. كان الشيخ منصور رجلاً سبعينياً، يمتلك لحية بيضاء كثة كساها اصفرار التبغ، وعينين غائرتين تحرسهما حواجب كثيفة شعثاء.
اقتربت من عتبة دكانه ببطئ، وتوقفت حيث يتقاطع ضوء الشمس مع عتمة المدخل. كان يجلس على صندوق خشبي قديم، يمسك بيده مسبحة سوداء من خشب الصندل، يفرك خرزاتها ببطئ أفعى متباطئة.
وقفت، وانتظرت. مرت دقيقة كاملة دون أن يرفع رأسه إليّ، رغم أنه يعلم يقيناً أنني واقف أمامه، ورغم أن رائحة السدر التي تنبعث من ثيابي قد ملأت فضاء دكانه الضيق.
قلتُ بصوت منخفض، وحاول هو الحفاظ على هدوئه وسط هذا الثقل:
"أريد لتراً من زيت الزيتون، وصاعاً من الملح الخشن يا شيخ منصور".
تحركت مسبحته ببطئ أشد، ثم توقفت تماماً. رفع رأسه بكلفة بالغة، ونظر إليّ. لم تكن نظرته كنظرات البقية، كانت نظرة محملة بمرارة السنين، وبتاريخ طويل من البغض والمهابة. حدق في تفاصيل وجهي، في عينيّ اللتين يشبهان عيني جدتي الى حد بعيد، ثم تنهد تنهيدة عميقة خرجت من صدره كحشرجة احتضار.
قام من مجلسه دون أن ينبس ببنت شفة. تحرك بخطوات ثقيلة داخل مغارته، وأحضر جرة الفخار الصغيرة المملوئة بالزيت، وكيس القماش الصغير الذي يحتوي على الملح. وضعهما على حافة الطاولة الخشبية الفاصلة بيننا، لكنه حرص على أن يدفعهما بقطعة خشبية صغيرة، متجنباً تماماً أن تقترب يداه من المساحة التي أقف فيها.
مددت يدي إلى جيبي الداخلي، وأخرجت صرة النحاس. فتحتها، والتمعت القطع النقدية القديمة ذات النقوش الغريبة تحت الضوء الشاحب. اخترت قطعتين، وسحبت بيدي لأقدمهما له مباشرة.
تراجع الشيخ منصور خطوة إلى الوراء، وكأنني جردت أمامه خنجراً مسموماً. اتسعت عيناه الخاملتان، وظهر فيهما رعب دفين، رعب حقيقي جعل لحيته البيضاء ترتجف. أشار بيده المرتعشة، ذات العروق البارزة، نحو وعاء نحاسي صغير مملوء بالماء المالح والرماد كان يضعه عند طرف الطاولة، وقال بصوت متحشرج، جاف كأوراق الخريف:
"ضعها هناك... ضعها في الوعاء. لا تلمسني يا هود. لا تدع معدنك يمس جلدي.
بقيت يدي معلقة في الهواء. القطعتان النحاسيتان بين أصابعي وقد ثقلا ثقل الجبال سألته، ونبرة الشك الأولى تطرق جدران عقلي بعنف:
"لماذا يا شيخ منصور؟ أليست هذه نقوداً كبقية النقود؟ أليس معدنها خالصاً؟".
ابتسم ابتسامة باهتة، خالية من أي مظهر للمودة، ابتسامة تنضح بالخوف والسخرية في آن واحد، وهز رأسه ببطئ:
"النقود خالصة يا ابن الحلال... لكن اليد التي تحملك، والبيت الذي يأويك، والرحم العجوز الذي غذاك، لا يخرج منه شيء خالص. نحن نعرف البركة التي تحل على من يأخذ منكم يداً بيد. إنها بركة السدر والتراب، بركة لا نريدها، بركة ملعونة تحرق المحصول وتجفف ضروع الماشية. ضعها في الماء... دع الملح والرماد يغسلا ما علق بها من أثر تلك المرأة".
طأطأت رأسي. أحسست بطعنة باردة تخترق صدري، ليست طعنة إهانة، بل طعنة وعي جديد ومرير. أسقطت القطع النقدية في وعاء الماء والرماد، فأحدثت رنيناً مكتوماً ومزعجاً. أخذت جرة الزيت وكيس الملح، وانسحبت ببطئ، دون أن أنظر ورائي، بينما كان الشيخ منصور يتمتم بآيات وتعاويذ يحصن بها نفسه ودكانه من أثري المتلاشي.
كانت بذور الشك وظلمة الحقيقة الدفينة قد كتمت على انفاسي، عدت أدراجي نحو المنزل، لكن الطريق لم يكن هو نفسه الذي سلكته قبل ساعة. كل حجر، كل شجرة ميتة، كل جدار طيني صار يبدو لي الآن كأنه يهمس بكلمات الشيخ منصور: "الرحم العجوز... البركة الملعونة".
تزاحمت الأسئلة في عقلي المظلم كأسراب من الخفافيش المذعورة، من تكون تلك المرأة التي أعيش معها في هذا الكيان المنعزل؟ هل هي مجرد عجوز هرمة تمسكت بالماضي، أم أنها كائن آخر تجاوز حدود الزمن البشري وتحصن باللعنات؟
"لماذا..؟!، لماذا يخافها أهل القرية جميعاً؟ ما الذي فعلته، أو ما الذي تفعله في خلواتها الليلية وتلك التمتمات الغريبة، لدرجة تجعل رجلاً من أعيان المنطقة يرتعب من مجرد لمس نقود مرت بين أصابعها؟".
وكان سؤالا يطلق العنان للآلاف من الاسئلة.
" هل أنا حفيدها حقاً؟ أم أنني مجرد أداة، حلقة أخرى في هذه السلسلة المظلمة التي يتوارثها هذا البيت الطيني مع رائحة السدر العتيقة؟"
أغلقت باب البيت ورائي، فارتد صوته الثقيل في الردهات المظلمة كالعادة. وضعت الزيت والملح على الطاولة الخشبية في المطبخ الضيق. تفقدت المكان، كانت رائحة البخور الحامض ما زالت عالقة في الهواء، والظلال تتراقص بنعومة فوق الجدران الطينية.
نظرت نحو غرفة جدتي. كانت تجلس في أقصى العتمة، كعادتها، لا يتحرك منها سوى خيط الدخان المتصاعد من مجمرتها الصغيرة. لأول مرة في حياتي، لم أشعر بالأمان وسط هذا الخوف المألوف، لأول مرة، شعرت بأن الظلمة التي تحميني قد تكون هي الخناق الذي يستعد لامتصاص روحي بالكامل.
تلاقت عيناي بعينيها الغائرتين وسط الظلام، ولم أتفوه ببنت شفة، لكن الشك كان قد نبت، وكان كفيلاً بتغيير كل شيئ.
prince Egotist