لم يكن الصباح في هذا البيت يعلن عن نفسه بالضوء، بل بانقشاع تدريجي لطبقات العتمة الأكثر كثافة، لتتحول الرؤية من السواد الحالك إلى رمادي كالح يشبه لون كفن قديم. استيقظت وأنا ممدد على فراشي الصوفي، بثيابي التي لم أخلعها، وشعور مريع بالثقل يجثم فوق صدري. كان عقلي يشبه ساحة معركة بعد انطفاء النيران، مشتتًا، نازفًا، ومليئًا بـصور الكلمات التي قرأتها في سجل الغرفة الغربية:"الوعاء الجديد... الإستبدال في ليلة المحاق القادمة".
هل كان كل ما جرى بالأمس مجرد كابوس برأسي؟ هل غصت في غيبوبة الهذيان لدرجة تخيلت فيها أنني سرقت المفتاح وفتحت بوابة الساج الأسود؟ تلمست عنقي بآلية مرتعشة، باحثًا عن الخيط الصوفي، لكن يدي لم تجد شيئًا. نظرت إلى كفي، فرأيت بقايا غبار رمادي ناعم ملتصقًا بين ثنايا جلدي وأظافري، غبار البلاط الحجري الذي لم أطأه يوماً إلا بالأمس. الحقيقة لم تكن بحاجة إلى براهين إضافية، كانت مغروسة في لحمي كشفرة باردة.
نهضت بجسد متصلب المفاصل، كأنني نمت لقرون لا لليلة واحدة. كان المنزل ساكنًا تمامًا، ورائحة السدر العتيق تبدو هذا الصباح أكثر حامضية ومعدنية، تفوح بنبرة غريبة تثير الغثيان في الحلق. مشيت في الردهة بخطوات واهية، متجنبًا النظر نحو المنعطف الغربي، ومتفاديًا المرور بمحاذاة غرفة جدتي. كنت بحاجة إلى هواء نقي، هواء لا يحمل أنفاسها، هواء يأتيني من خارج هذا السجن الطيني علّه يطرد ذلك الثلوت الذي استقر في أعماق رأسي.
تحركت نحو الباب الخارجي الكبير. كانت الألواح الخشبية للركيزة الثقيلة مغلقة بالمزلاج الحديدي كما تركتها. رفعت المزلاج ببطئ، فأصدر صريرًا منخفضًا تماهى مع حفيف الرياح الصباحية الخفيفة التي بدأت تهب في الخارج. دفعت الباب، وتأهبت لاستقبال وهج الصباح الشاحب، لكن قدمي تسمرت عند العتبة، وتراجع جسدي بآلية مرعوبة إلى الوراء.
على عتبة المنزل الخارجي، حيث تلتقي طهارة تراب الطريق بقذارة طين بيتنا، كان هناك أثر لـطقس جنائزي غريب أُقيم في جوف الليل دون أن أشعر به.
لم تكن عتبة عادية، كانت بقعة جريمة روحية مكتملة الأركان:
في منتصف العتبة تمامًا، استقرت جثة جديٍ أسود صغير، صُلب الأطراف، وقد فُصل رأسه عن جسده بضربة واحدة دقيقة ومائلة. لم يكن الذبح بغرض الأكل، فالجسد كان منزوع الأحشاء بالكامل، وأمعاؤه كانت ملفوفة حول رقبته المبتورة في مشهد منفر. أحيطت الجثة بـدائرة مثالية من الرماد الأسود المخلوط بـبذور الحرمل المحترقة. وعند الحواف الأربع للدائرة، غُرست في التراب أربع سكاكين معدنية صغيرة صدئة، رُبطت بمقابضها خيوط صوفية حمراء داكنة تتصل بـتمائم مصنوعة من جلد الأفاعي المجفف، كُتبت عليها رموز برأس دبابيس مدببة، أما الدم فلم يسل بآلية عشوائية، بل كان هناك أخدود صغير حُفر في التراب بعناية، وُجّه من خلاله الدم النازف من عنق الجدي ليتدفق مباشرة نحو الداخل، ليمر تحت شق الباب الخشبي ويستقر كنقطة متخثرة سوداء على أولى بلاطات الردهة الداخلية.
لترسم بذلك هندسة طقس العتبة المرعب والنجس.
وقفت شاحب الوجه، أراقب الذباب الأزرق الضخم وهو يبدأ بالتجمع على اللحم البارد للجدي الميت. هذا لم يكن سحرًا للحماية، هذا كان إعلان حرب، أو ربما كان الطقس الأخير لـربط البيت وتثبيته قبل الحدث الأكبر الذي ينتظرني في ليلة المحاق. من الذي جاء في عتمة الليل العاصف ليفعل هذا؟ هل هم أهل القرية الذين يحاولون حبس اللعنة داخل جدراننا؟ أم أنها هي... المرأة التي تدعي أنها جدتي، قامت من موتها المؤقت لتمهد للوعاء الجديد بدم طازج؟
"الدم لا يكذب يا هود... إنه يتكلم دائمًا باللغة التي يفهمها التراب".
انبعث الصوت من خلفي كـطعنة باردة غير مفاجئة. التفت ببطئ، والركام النفسي في داخلي يتأهب للانفجار. كانت جدتي تقف عند نهاية الردهة المظلمة، ممسكة بمبخرتها النحاسية الثقيلة. لم يكن يبدو عليها أي أثر لـغيبوبة الأمس، كانت واقفة بقامتها المنحنية، ملتحفة بسوادها الأزلي، وعيناها الغائرتان تلمعان وسط الدخان الرمادي الكثيف الذي ينبعث من المجمرة، زاحفًا نحو قدمي ليختلط بمسيل الدم المتخثر عند العتبة.
لم أعد أستطيع الصمت. تلاشت رهبة السنين أمام هول ما عرفته وما أراه الآن أمامي. تقدمت نحوها بخطوات واثقة ومجنونة في آن واحد، وأشرت بيدي المرتعشة نحو العتبة الملطخة بالدم، ثم نحو الممر الغربي، وصرخت بصوت متحشرج، غاضب، وينضح بالهذيان:
"من أنتِ؟ من تكونين أيتها المرأة العجوز؟ رأيت السجل... رأيت اسمي مكتوبًا بالدم والرماد! قرأت ما تعدينه لي في ليلة المحاق! أنتِ لا تربينني كحفيد... أنتِ تطعمين وعاءً لكي تسكني جسده عندما يفنى لحمكِ العفن! وهذا الدم... هذه التمائم... ما الذي تفعلينه بنا؟"
لم تتحرك شعرة واحدة من شعرها المنسدل على وجهها خريطي التضاريس. بقيت واقفة بثبات مرعب، تنظر إليّ ببرود قاصٍ، برود يشبه بريق الحجر في ليلة شتوية. لم ترفع صوتها، ولم تظهر أي علامة من علامات الارتباك أو الغضب. بدأت تحرك المبخرة ببطئ في الهواء، لترسم دوائر من الدخان الرمادي بيني وبينها، ثم قالت بنبرة هادئة، رتيبة، تحمل ثقلاً أزلياً:
"العالم لا يرى سوى ما يخافه يا هود... وأنت لا ترى سوى ما يريدونك أن تراه".
تقدمت خطوة واحدة نحو الأمام، فارتعدت مفاصل الأرضية تحت قدميها، وتابعت بصوتها الأجش:
"تظن أنك اكتشفت سرًا؟ السجل الذي رأيته ليس مؤامرة حيكت ضدك، بل هو ناموس وجودك. أهل القرية يعتقدون أن هذا الدم على العتبة لعنة نلقيها عليهم، وهم لا يعلمون أن هذا القربان هو الذي يمنع الطين الذي يمشون عليه من ابتلاع بيوتهم الواهية. هم يقدمون الدم خوفاً، ونحن نأخذه حقاً".
اقتربت مني أكثر، حتى صرت أشم رائحة أنفاسها الحامضة، خليط الحرمل والرماد والشحم المحترق. رفعت يدها المجعدة، ذات الأظافر السميكة الداكنة، وأشارت بها نحو وجهي، دون أن تلمسني، كأنها ترسم ملامحي في الهواء:
"تسألني من أكون؟ أنا الأرض التي تقف عليها، أنا السدر الذي تتنفس عطره، أنا الذاكرة التي تحميك من أن تكون مجرد عبد فانٍ مثل منصور أو أم صالح. تصرخ لأنك قرأت كلمة {استبدال}؟ يا لك من صبي بليد... تظن أن روحك البشرية هي هود؟ هود هو الاسم الذي منحته للطين، أما الكيان الذي بداخلك، فهو الامتداد. الجسد العجوز يبلى، نعم، واللحم يفنى، لكن العهد يجب أن يستمر".
ثبتت عينيها السوداوين تمامًا في عينيّ، وشعرت بقوة جاذبية غريبة تبدأ في امتصاص مناعتي، كأن كلماتها تنقر على أوتار قديمة في أعماق جيناتي:
"أنت لا ترى سوى ما يريدونك أن تراه... يملأون قلبك بالخوف في السوق، ويرفضون لمس نقودك، فتعود إليّ شاكياً وتظنني الجلاد. الجلاد هو خوفهم يا هود. هم الذين بنوا هذا السور حولنا لأنهم لا يطيقون رؤية الحقيقة العارية، الحقيقة التي تقول إن هناك من يملك زمام الوقت بينما هم يتساقطون كأوراق الخريف الذابلة. الاستبدال ليس موتك... إنه بعثك الحقيقي. إنه اللحظة التي تتوقف فيها عن كونك ظلاً، لتصبح أنت البيت، وأنت السدر، وأنت التاريخ".
انحنت لأسفل بآلية بطيئة وثقيلة، وغمست أصابع يدها اليسرى في مسيل الدم المتخثر عند العتبة. رفعت يدها الملطخة بالدم الأسود، ومدتها نحو جبهتي. تجمدت في مكاني، مشلول الإرادة بفعل الدوار الذي أحدثه دخان المبخرة ونبرة صوتها المنومة.
مسحت بـأصبعها المدمم خطاً عمودياً حاداً بين عينيّ، وأحسست ببرودة الدم تخترق جلدي وتصل إلى عظام جمجمتي. قالت وهي تستدير راجعة نحو عتمتها، تاركةً المبخرة تضع آخر أنفاسها على الأرض:
"اغسل وجهك يا هود... واستعد. فالمحاق قاب قوسين أو أدنى، والأرض لا تنتظر من يتردد أمام عتبتها".
بقيت واقفاً بمفردي عند الباب المفتوح. الذباب ينهش الجدي الميت، والدم يجف على جبهتي، وعقلي يتأرجح بين جنون الشك ويقين الاستسلام. لم أعد أعرف أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الهذيان، لكنني أدركت شيئاً واحداً بمرارة:
"العتبة التي غُرقت بالدماء لم تعد تفصلني عن العالم الخارجي، لقد أصبحت هي الحد الفاصل بين إنسانيتي المتلاشية والهاوية الأزليّة التي تفتح ذراعيها لابتلاعي بالكامل قريباً.
prince Egotist