لم يكن الحصار الذي فرضه أهل القرية علينا يشبه الحصارات التي تُشن بالجيوش أو تُبنى بالأسوار، كان حصاراً من طراز رفيع، صامتاً، لزجاً، وخانقاً كدخان خفي يتسرب تحت الأبواب. لم يأتِ أحد ليخبرنا بأننا منبوذون، ولم يرفع أحد في وجهنا لافتة طرد، لكن القطيعة اكتملت حولنا كطوق حديدي أحكم إغلاقه بمرور الأيام. تحولت تلك الهمهمات التي كانت تتوقف عند مروري في السوق إلى فراغ مطلق. صار الشارع الذي أمشي فيه يتسع فجأة، يبتعد الناس عن حوافه كأنني مصاب بطاعونٍ فتٌاك، أو كأن ظلي يجر خلفه لعنة معدية تطال من يمر فوقها.
انقطعت الصلات كلها. لا أحد يطرق بابنا الطيني، ولا أحد يرد السلام إذا ما اندفعت نبرة صوتي عبر الهواء الشاحب. حتى الباعة الذين كنت أشتري منهم الضروريات، صاروا يضعون البضاعة على الأرض ويشيرون بأطراف أصابعهم المرتعشة نحو وعاء الماء والرماد، دون أن تلتقي أعينهم بعيني. كنت أعيش في قلب مجتمع يمارس ضدي صيغة باردة من الموت الفكري، موجود فيزيائياً، ومعدوم إنسانياً.
حاولت ذات مرة، و في لحظة يأس طفولي غبي، أن أكسر هذا الجدار الخفي. رأيت رجلاً من جيراننا، كان يقف عند زاوية زقاقه المظلم يصلح سراجاً قديماً. اقتربت منه، ماداً يدي بالتحية، ودعوته بصوت متهدج لزيارتنا أو لشرب الشاي المر في ردهتنا. لم يلتفت إليّ. تيبس في مكانه كأنه تجمد بفعل صقيع مفاجئ، ثم أطفأ سراجه بيده العارية، وانسحب إلى داخل بيته بخطوات سريعة خائفة، تاركاً ورائه مزلاج الباب الخشبي يسقط بصوت ثقيل قطع ما تبقى من رجائي.
عدت يومها إلى المنزل وأنا أشعر بأن كينونتي تذوب. لم أعد هود، الشاب الذي يملك اسماً وذاكرة، بل أصبحت ملحقاً بتلك العجوز القابعة في عتمتها، ظلاً لظلها، وجزءاً من الخوف العام الذي يشل القرية. تيقنت حينها أن هذه العزلة ليست عقاباً من البشر، بل هي الناموس الطبيعي للمكان، فالبيت الذي تفوح منه رائحة السدر العتيقة وتصدر من غرفته الغربية تراتيل الفحيح، لا يمكن أن تتقاطع دروبه مع دروب الأحياء الذين يخافون الموت.
تلك الليلة، كان الطقس يمهد لشيئ جلل. الرياح قادمة من جهة الشمال، محملة ببرودة قارصة ورطوبة ممتلئة برائحة الطين والعشب العفن. كانت تضرب الجدران الخارجية لبيتنا بقسوة، مصدرة عويلاً متواصلاً يشبه نحيب أمهات ثكالى فقدن أولادهن في بئر مهجورة. السماء كانت عبارة عن كتلة من السحب الرصاصية الكثيفة التي حجبت النجوم والقمر بالكامل، ليرتخي الليل فوق القرية ككفن أسود ضخم.
كنا نجلس في الردهة الرئيسية، أنا وجدتي. وفجأة، وبلا أي تمهيد، انقطعت الكهرباء الشاحبة التي كانت تصلنا عبر سلك متهالك ممتد من أطراف القرية. ساد ظلام دامس، ظلام مطلق لدرجة أنني لم أعد أرى كفي الممدودة أمامي. سكن كل شيئ إلا صوت الرياح في الخارج وصوت أنفاسي المتسارعة.
لم تتحرك جدتي بارتباك. سمعت حشرجة صدرها المعتادة، ثم دبيب خطواتها البطيئة وهي تتحرك في العتمة بيقين أعمى يحفظ تضاريس البيت شبراً بشبر. عادت بعد دقائق وهي تحمل في يدها حاملاً نحاسياً قديماً، وضعت فوقه ثلاث شمعات غريبة الصنع. لم تكن كالشمع الأبيض الذي نعرفه، كانت شمعات سوداء داكنة، سميكة، تفوح منها رائحة نفاذة وغريبة، خليط من الشحم الحيواني العتيق والمسك المر والحرمل المطحون.
أشعلت جدتي الشموع بعود ثقاب واحد. لم ينبثق من الشموع ضوء أصفر دافئ، بل انبعث منها لهيب برتقالي باهت، مائل إلى الحمرة، يرتجف بعنف مع ضربات الرياح الخفيفة التي تتسلل من شقوق الباب. ألقى هذا الضوء الشاحب بظلال ضخمة ومشوهة على الجدران الطينية. صار ظل جدتي يبدو ككائن أسطوري يمتد لسقف الردهة، تتحرك أطرافه ببطئ أفعى تتلوى في جحرها. جلسنا متقابلين، وكانت الوجوه تبدو تحت هذا الضوء غارقة في تجاويف مظلمة، كأننا قناعان من طين يتأملان بعضهما البعض في مقبرة منسية.
كسرت الجدة الصمت المطبق بنبرة صوت لم أعهدها فيها من قبل. لم يكن صوتها جافاً كالعادة، بل كان يحمل رنيناً عميقاً، رنيناً يبدو وكأنه قادم من طبقات الأرض السفلية، متناغماً مع عويل الرياح في الخارج. نظرت إلى الشموع السوداء، ثم نقلت عينيها الغائرتين نحوي، وقالت ببطء شديد:
"أترى هذا الظلام يا هود؟ هذا ليس غياباً للنور... هذا هو الأصل. النور عارض، أما الظلمة فهي رحم العالم الذي خرجنا منه جميعاً، واليه نعود".
صمتت قليلاً، ونفثت دخاناً رقيقاً تولد من الشحم المحترق، ثم تابعت:
"أهل القرية يخافوننا لأنهم نسوا. يعتقدون أن الأرض ملك لمن يبني فوقها بيتاً من طوب أو يزرع فيها حقلاً من قمح. الأغبياء... الأرض لا تنسى أصحابها الأولين. الأرض تملك ذاكرة من حجر وطين، وهي تعرف من الذي قطع معها العهد الأول".
أحسست بقشعريرة تسري في جسدي. سألتها، ونبرة الشك والهذيان تضيق الخناق على حنجرتي:
"أي عهدٍ يا جدتي ،ومن هم الأجداد الذين تتحدثين عنهم؟ لماذا يروننا ملعونين؟".
التفتت إليّ بكامل جسدها الضامر، واقترب وجهها المجعد من لهيب الشمعة السوداء، فبدت عيناها كبئرين من الحبر الخالص لا قاع لهما. قالت وابتسامة خفيفة، باردة كالموت، ترتسم على شفتيها:
"الملعون هو من يجهل أصله يا ابن ابنتي. الأجداد لم يكونوا مثل هؤلاء العبيد الذين يرتجفون من زكام الشتاء. كانوا رجالاً ونساءً يمشون في الأرض والليل طوع أمرهم. هم الذين غرسوا أشجار السدر هذه قبل أن توجد القرية، وهم الذين وضعوا أساس هذه الغرفة الغربية بدمائهم وأنفاسهم. عندما ماتوا، لم يغادروا، بل تغلغلوا في الطين، أصبحوا جدراناً، وأصواتاً، وفحيحاً يحرس هذا الكيان من الزوال".
توقفت، وضربت الرياح الباب الخارجي ضربة عنيفة كادت تقتلعه من مكانه، لكنها لم تكترث. استمرت بصوت يزداد انخفاضاً وغموضاً:
"نحن لا نعيش هنا يا هود لأننا لا نملك مكاناً آخر. نحن حراس الوديعة. وكلما زاد خوف أهل القرية منا، زادت قوتنا وثبتت جذورنا في هذا التراب. هم يموتون وينسون، أما نحن... فنبقى كما تبقى الروائح العتيقة في صناديق الخشب المقفلة".
مع تدفق كلماتها المبهمة، شعرت بأن الهواء في الردهة يزداد ثقلاً ورطوبة. الرائحة المنبعثة من الشموع السوداء بدأت تفعل فعلها في عقلي، تراءى لي أن الجدران الطينية من حولي تبدأ في التحرك، تنقبض وتنبسط كأنها رئة عملاقة تتنفس بالتزامن مع أنفاس جدتي. لم أعد أسمع صوت الرياح الخارجية، بل صار كل ما يحيط بي هو هذا الصوت الأنثوي العجوز الذي يسرد تاريخاً لا أفهمه، تاريخاً مليئاً بالدماء والعهود المظلمة.
نظرت إلى يدي تحت الضوء البرتقالي الشاحب، فخيّل إليّ أن عروقها بدأت تسودّ، وأن جلدي ينكمش ببطئ ليأخذ ملمس الطين الجاف. تداخلت في ذهني الشائعات التي سمعتها في الطفولة مع أصوات الفحيح التي رصدتها خلف باب الغرفة الغربية، مع نظرات الشيخ منصور المرعوبة. كل شيئ صار يصب في مجرى واحد:
"أنا لست غريباً عن هذا الجحيم، أنا من سلالته".
نهضت من مجلسي بخطوات ثقيلة ومترنحة، مستأذناً، توجهة لأخلُد للنوم دون أن أنتظر ردها. لم تنظر إليّ، بقيت شاخصة نحو الشموع السوداء، تتابع تمتماتها بلغة الأجداد المبهمة.
دخلت غرفتي وارتميت على الفراش. كان طوق العزلة الخانق قد أحكم قبضته على روحي بالكامل في تلك الليلة. لم أعد أخاف من نبذ أهل القرية، بل صرت أخاف مما هو قابع في داخلي، مما ورثته عن هذا الكيان العجوز دون إرادتي. وبينما كانت الشموع السوداء تحترق ببطئ في الردهة، كنت أشعر بأنني أغرق في غيبوبة مظلمة، مدركاً أن التراب الذي أعيش فوقه لا ينسى، وأنه يستعد لامتصاصي بالكامل ليجعلني جزءاً من أسطورته الملعونة.
prince Egotist