الفصل السادس.

الفصل السادس.

4 0

في ذلك اليوم، لم يكن المنزل يتنفس كعادته. كان الهواء راكداً، ثقيلاً بلزوجة خفية تجعل الصدر يضيق مع كل شهيق. منذ الصباح، ارتمت جدتي على فراشها الصوفي في غرفتها المظلمة، ولم تخرج. لم تكن نائمة بالنوم البشري الذي نعرفه، بل كانت مستغرقة في حالة من الخمود التام، غيبوبة دورية تشبه موت الكائنات الشتوية، حيث تنخفض أنفاسها حتى تكاد تنعدم، ويتحول جلدها المجعد إلى ما يشبه الورق الجاف البارد.

وقفت عند عتبة غرفتها المواربة، أراقب جسدها الضامر الملتحف بالسواد. كانت مستلقية على ظهرها، يداها متقاطعتان فوق صدرها مثل المومياوات القديمة. كان الصمت المحيط بها حاداً، لدرجة أنني لم أسمع دقات قلبها، بل فقط حشرجة دورية خافتة تخرج من أعماق حنجرتها كل بضع دقائق، كأنها زفير أخير ممتد لا يريد أن ينتهي.

هذه كانت فرصتي. الفرصة التي انتظرها عقلي الملوث بالشك والهذيان منذ أسابيع.

تحركت بخطوات أخف من ذرّات الغبار المتطايرة. كان هدفي واضحاً: الخيط الصوفي الغليظ الملتف حول عنقها، والذي يتدلى منه في نهايته، مستقراً بين ثنايا ثوبها الأسود، المفتاح الصدئ للغرفة الغربية. ذلك المفتاح الذي لم أره يوماً يفارق جسدها، كأنه جزء من عظامها الصدرية أو تميمة تحرس بقاءها على قيد الحياة.

انحنيت فوق جسدها البارد. كانت رائحة السدر المنبعثة من ثيابها في تلك اللحظة حامضة وقاسية، تثير الدوار. مددت أصابعي المرتعشة، أتحسس الخيط الصوفي ببطئ يحاكي حركة العقارب في رمال الصحراء. كل ملمس لجلدها كان يبعث في جسدي صدمة صقيعية. عندما لامست أطرافي المفتاح الحديدي، شعرت بوزنه الثقيل وخشونة الصدأ الأخضر الذي يكسوه. سحبته ببطئ شديد، إنشاً تلو الآخر، من بين طيات القماش، وأنا أثبت عينيّ على جفنيها الغائرين، خوفاً من أن ينفتحا فجأة لتطبق عليّ بؤبؤاها الأسودان.

أخرجت خنجري الصغير، وقسمت الخيط الصوفي بضربة واحدة دقيقة. استقر المفتاح في كفي. كان دافئاً بشكل مريب، كأنه يمتص حرارة جسدها المخزنة منذ قرون. تراجعت إلى الوراء خطوة فخطوة، حابساً أنفاسي، حتى خرجت إلى الردهة. لم تتحرك العجوز، بقيت مستسلمة لموتها المؤقت، تاركةً لي مفتاح الجحيم الذي طالما حرسته بصمتها.

مشيت نحو المنعطف الغربي. الممر كان يبدو في ذلك النهار أشد ظلمة من الليل نفسه، كأن الضوء الخارجي يرفض التسلل إلى هذه الناحية من البيت. كان المفتاح في يدي يضغط على جلدي، وحوافه الصدئة تكاد تخدش كفي.

وقفت أمام باب الساج الأسود العتيق. القفل الحديدي الضخم كان يبدو كقناع بشري مشوه يحرس سراً أزلياً. أدخلت المفتاح في جوف القفل. كان التروس بداخل القفل جافة ومتآكلة، وأحدثت صوتاً معدنياً حاداً، صرير نحاس خشن تردد صداه في زوايا المنزل كأنه صرخة مكتومة.

ضغطت بكامل ثقلي على الباب الخشبي الثقيل. تراجع الباب ببطئ، مصدراً نبرة احتكاك طويلة مع الأرضية الترابية، وانفتح على جوف الغرفة الغربية.

أول ما واجهني كان هجوم رائحة لم أعهدها من قبل. لم تكن رائحة سدر خالص، بل كانت رائحة "الزمن المكبوس"، خليط من رطوبة المدافن، وعفن الورق القديم، وشحم حيواني متزنخ، مع نفحة حادة من الكبريت والرماد. كان الهواء داخل الغرفة بارداً كأنها معزولة عن حرارة الصيف الخارجي بجدار من جليد غير مرئي.

خطوت خطوتي الأولى داخل المحظور. كانت الأرضية هنا ليست من طين مكبوس كبقية المنزل، بل من بلاطات حجرية رمادية داكنة، مصفوفة بعناية، يخرج من فواصلها رماد أسود ناعم يتطاير مع حركة قدمي. لم تكن هناك نوافذ، الإضاءة الوحيدة كانت تأتي من الشق الضيق للباب الذي تركته خلفي موارباً، ومن خيوط ضوء واهية تتسلل من ثقوب السقف العالي المصنوع من جذوع نخل سوداء محترقة.

عندما اعتادت عيناي على العتمة النسبية للمكان، بدأت تفاصيل الغرفة تتكشف أمامي كلوحة جنائزية رسمتها يد شيطانية. لم تكن غرفة نوم، ولا مخزناً للأعشاب، كانت "مكتبة للموت"، ومستودعاً لـسجلات أرواح القرية.

وعلى رفوف خشبية عريضة ومتآكلة تحيط بالجدران الأربعة، اصطفت محتويات الغرفة:

١. الجرار الفخارية المختومة

كانت هناك عشرات الجرار الفخارية الداكنة، مختلفة الأحجام. رقاب هذه الجرار كانت ملفوفة بقطع من الجلد الحيواني المقوى، ومربوطة بـحبال من ليف النخل، ومختومة بـشمع أسود سميك يحمل طبعة ختم دائري غريب النقوش. عندما اقتربت من إحدى الجرار وحركتها بخفة، سمعت بداخلها حركة لزجة بطيئة، كأنها تحتوي على سائل كثيف أو أحشاء تتحرك في مستنقع. تذكرت فوراً بقرات أم صالح والديدان التي حشت بطونها، وشعرت بغثيان يرتفع إلى حلقي.

٢. الكتب المجلدة بجلد بشري أو حيواني

على طاولة خشبية ضخمة في منتصف الغرفة، استقرت كتب ضخمة، مجلدة بـأغلفة جلدية داكنة تنبعث منها رائحة المقابر. كانت الجلود خشنة الملمس، تحمل مسامات وندوباً واضحة تجعل العقل يذهب مذهباً أسود حول هوية الكائن الذي سُلخت منه. فتحت أحد هذه الكتب بـأصابع ترتجف. كانت الصفحات مصنوعة من ورق رقّي سميك ومصفر، ومكتوبة بـحبر أسود غليظ يميل للاحمرار في بعض المواضع، كأنه دم جاف مخلوط بالرماد. لم تكن اللغة عربية، كانت حروفاً مشوهة، متداخلة، تفصل بينها رسومات لأجساد آدمية ممزقة الأطراف، ووجوه حيوانات بـأعين بشرية شاخصة.

٣. الطلاسم والجداول المعلقة

على الجدار المواجه لي، تدلت جلود حيوانية رقيقة، رُسمت عليها بـدقة متناهية دوائر متداخلة وجداول رقمية وحرفية معقدة. وفي قلب كل جدول، كانت هناك خصلة شعر آدمي مثبتة بـدبوس معدني صدئ، أو بقايا أظافر ميتة.

لكن الصدمة الكبرى التي شلت حركتي وأفقدتني القدرة على التنفس، كانت عند اقترابي من الطاولة الرئيسية حيث استقر سجل مفتوح.

سجل العهود والآجال - قرية السدر

- أم صالح: [عصارة الحنظل والدود] -> نفق المحصول (تم).

- أبو المجد: [رماد اللحم الحي] -> بعث شاحب (تم).

- منصور بن علوان: [وعاء الرماد] -> ترقب العزل (قيد النفاذ)

- هُود: [سلالة الطين والعهد] -> الاستبدال الكامل (انتظار).

كان السجل يحتوي على أسماء أهل القرية، مرتبة بـخط يد جدتي الأجش الذي أعرفه جيداً. بجانب اسم كل شخص، كُتبت تفاصيل دقيقة عن حياته، تاريخ مرضه، اللعنة التي أصابته، أو العهد الذي قُطع بدمه. رأيت اسم "أم صالح" ومكتوباً بجانبه بخط عريض: {نفاذ الدود في الأحشاء}، ورأيت اسم البائع "منصور" ومكتوباً تحته: {الخوف العازل، يموت بصمته}.

انحدرت عيناي إلى أسفل الصفحة، وهناك، في سطر مستقل محاط بـدائرة من الدم الجاف والرمل، قرأت اسمي: [هُود ابن مريم]. وبجانب اسمي، كُتبت عبارة واحدة جعلت الأرض تدور من حولي:

"الوعاء الجديد. ينتهي خلود الجسد العجوز عندما يكتمل نضج الطين في عروقه. الاستبدال في ليلة المحاق القادمة".

تراجعت إلى الوراء، والسجل يدور في عيني كإعصار أسود. لم أكن حفيداً تُربيه عجوز حدباء، كنت "مزرعة" لروحها، وعاءً يجري إعداده وتغذيته بـعزلة السوق ونبذ الناس ورائحة السدر الحامضة، لكي تنتقل إليه عندما يفنى جسدها الهرم. الخوف الذي كان يعزلني عن القرية لم يكن لحمايتي، بل كان لـفصلي تماماً عن العالم البشري حتى يسهل تطويعي والحلول فيّ.

وفجأة، وسط ذهولي وهذياني، انقطع خيط الضوء الواهن القادم من الباب.

التفت ببطئ، والبرودة تلتهم عظامي. لم يكن الباب قد أُغلق بفعل الرياح، بل كان هناك ظل ضخم، متعرج، يسد الممر بالكامل. ظل امرأة عجوز تنحني قامتها بفعل السنين، لكن عينيها في الظلام كانتا تلمعان بـبريق حارق، بريق النحاس القديم المغمور في الدم.

سمعت صوت حشرجتها المألوفة يرتد في أرجاء الغرفة الغربية، صوتاً تداخل هذه المرة مع فحيح الحراشف الخشنة التي بدأت تتحرك على البلاط الحجري من حولي. قالت بـنبرة هادئة، بطيئة، وخالية من أي غضب، نبرة تحمل يقين الموت نفسه:

"لقد تسرّعت يا هود... الفاكهة التي تُقطف قبل نضجها، تكون مرّة المذاق. لكنك الآن عرفت... والتاريخ لا يمكن مسحه من السجل".

سقط المفتاح الصدئ من كفي المرتعشة، ليرنّ على الحجر الرمادي رنيناً أخيراً، معلناً نهاية هود الصبي، وبداية الكابوس الذي لا مفر من العيش في جوفه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

جَدتِي

المؤلف prince Egotist
2026/10/29 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة