الفصل الثالث.

الفصل الثالث.

8 0

في بيتنا، لم تكن القوانين تُكتب أو تُنطق، كانت تُتنفس مثل رائحة السدر، وتُفرزها الجدران الطينية كما تفرز الأرض الملح في أيام القحط. كانت جدتي تدير هذا الكيان المعزول بنظام صارم وخفي، أشبه بنواميس الكون التي تجعل النجوم تدور في أفلاكها دون أن تصطدم. كل شيئ له موضع ثابت، وكل حركة لها توقيت محدد لا يجوز تجاوزه.

في الحقيقة كان يمنع عليّ تماماً تخطي عتبة الباب الخارجي بعد غياب الشمس، إذ كانت تؤمن بأن الليل في الخارج ليس للإنسان، بل لكائنات أخرى تمشي على الأرض بأقدام خفية، وأي احتكاك بها قد يجلب "الفساد" إلى داخل طهارتنا الطينية. وليس هذا فحسب بل كان علينا إطفاء جميع قناديل الزيت بمجرد أن يفرغ وعاء الطعام في العشاء، وترك المنزل يغرق في عتمته الطبيعية، باستثناء جمرة واحدة تظل متقدة في موقدها الحجري، كعين حمراء ساهرة تحرس الصمت.

لكن القانون الأكثر ثقلاً وصرامة، القانون الذي كان يمثل العمود الفقري لرهبة هذا البيت، هو منع الاقتراب من الممر المؤدي إلى الغرفة الغربية.

تقع تلك الغرفة في أقصى امتداد البيت نحو جهة الغروب، حيث لا تصلها شمس الصباح أبداً، وحيث تنحدر الأرض تحتها بضع درجات نحو الأسفل، وكأنها تمهد للهبوط إلى قبو أو مدفن. كان بابها مصنوعاً من خشب الساج الأسود الثقيل، وهو خشب غريب عن طبيعة منطقتنا، يبدو وكأنه جُلب من غابات محترقة في قارة أخرى. لم يكن للباب مقبض عادي، بل قفل حديدي ضخم ومتآكل، غطته طبقات من الصدأ الأخضر والزيت اللزج الذي كانت جدتي تدهنه به في ليالٍ محددة من الشهر القمري، لتبقيه صامتاً، وعصياً على الفتح.

طوال حياتي، كنت أعبر برأسي بعيداً عن ذلك الممر. كانت جدتي تقف كالسد المنيع بيني وبين تلك الناحية. إذا ما رأت عيني تتجه نحو المنعطف الغربي، كانت تصدر حشرجة حادة من حلقها، وتدك عصاها الخشبية على الأرض، دقة واحدة جافة تكون كافية لإعادتي إلى حيزي المسموح. كانت تقول لي بصوتها الأجش الذي يبدو وكأنه يخرج من بئر عميقة:

"يا هود، الغرفة الغربية هي رئة البيت التي يتنفس بها ماضيه. إذا فتحت الباب، دخل الهواء الفاسد، ومات كل ما تراه قائماً. هناك أشياء تُحرس بالصمت والاقفال، وبقاؤها مغلقة هو ثمن بقائك حياً".

لكن الكلمات التي قالها لي الشيخ منصور في السوق، وتلك النظرات الخائفة والوعاء المليئ بالرماد، كانت قد بذرت في داخلي جرثومة لم أعهدها من قبل: جرثومة الشك والتساؤل. لم يعد الخوف كافياً لردعي، بل تحول الخوف نفسه إلى وقود يغذي فضولاً أسود ومظلماً، يدفعني نحو الحافة ببطئ شديد وبخطوات لا رجعة فيها.

في جوف تلك الليلة، كان الصمت في المنزل أثقل من المعتاد. نامت الجدة مبكراً، أو هكذا خيل لي عندما رأيت ظل جسدها ممدودا فوق فراشها في غرفتها الخاصة، قبل أن تنطفئ الجذوة الأخيرة في الموقد الرئيسي. استلقيت على فراشي الصوفي، لكن عيني لم تذوقا طعم النوم. كان الهواء حاراً وخانقاً، ورائحة الأعشاب المجففة المتدلية من السقف تبدو وكأنها تزداد كثافة، لدرجة أنها أصبحت تخدش حلقي مع كل شهيق.

انتظرت طويلاً. أراقب حركة الظلال الرمادية على الحائط، وأستمع إلى الطنين المعتاد للأرض الخشبية وهي تتمدد وتنكمش. عندما أيقنت أن الليل قد بلغ ذروته، وأن العالم الخارجي والداخلي قد غرقا تماماً في غيبوبة العتمة، تحركت.

أبعدت الغطاء عن جسدي ببطئ شديد، دون أن أصدر أي صوت. كانت قدماي عاريتين، وعند ملامستي التراب البارد لأرضية الغرفة، أحسست برعشة سرت في عمودي الفقري. مشيت بخفة، كشبح يتسلل في منزل مهجور. تجنبت الألواح الخشبية التي أعرف أنها تصدر صريراً، واعتمدت على ذاكرة جسدي التي تحفظ كل شبر من هذا السجن الطيني.

اجتزت الردهة الرئيسية. كانت الغرفة الخاصة بجدتي غارقة في ظلام دامس، لكنني عندما مررت بمحذاتها، حبست أنفاسي تماماً. لم أسمع صوت غطيطها المعتاد، بل كان هناك سكون مطلق ومريب، سكون يشبه سكون جثة هجرتها الروح منذ ساعات. تملكني دافع للالتفات والنظر داخل غرفتها المتفحمة، لكن الخوف الأكبر كان يجذبني نحو الجهة الأخرى... نحو المنعطف الغربي.

دخلت الممر الضيق. هنا، كان الهواء يزداد برودة بشكل ملحوظ، وكانت هناك رائحة مغايرة لرائحة السدر المعتادة، رائحة تشبه رائحة الورق القديم العفن، والجلود الرطبة، وشيئ آخر حامض ومعدني، يشبه رائحة الدم الجاف بعد أن تمطره السماء. كان الممر مظلماً تماماً، لدرجة أنني كنت أتحسس الجدران الطينية الباردة بأطراف أصابعي لأهتدي إلى طريقي. كانت النتوءات في الجدار تبدو تحت لمساتي وكأنها ندوب على جلد كائن حي.

أخيراً، وقفت أمامه. باب الغرفة الغربية.

كان يبدو في هذا الظلام أضخم مما يترامى إلى ذهني نهاراً، كأنه بوابة ممر سفلي يؤدي إلى باطن الأرض. مددت يدي ببطئ، متردداً، حتى لامست أصابعي الخشب الأسود لسطحه. كان بارداً كالثلج، ورطباً بلزوجة خفيفة تركت أثراً داكناً على جلدي. في المنتصف، برز القفل الحديدي الضخم كعين حارسة عمياء.

أحنيت رأسي، وقربت أذني من شق الباب الخشبي، مستنداً بجبهتي على الخشب البارد. في البداية، لم أسمع سوى ضربات قلبي المتسارعة التي كانت تدق في أذني كطبول الحرب. لكن، ومع مرور الثواني، وعندما تماهيت تماماً مع سكون المكان، بدأت الأصوات تتسلل من الجانب الآخر.

لم تكن أصوات ريح، ولم تكن صدى لشيئ خارجي. كانت أصواتاً حية، تتحرك داخل الغرفة المقفلة ببطئ وبطابع جنائزي مظلم كان هناك فحيح أو صوت يشبه احتكاك حراشف أفعى ضخمة على أرضية من الحجر الخشن. كان الصوت يتحرك من زاوية إلى أخرى، يتوقف حيناً ثم يعود ليدور في حلقة مفرغة، وكأن هناك كائناً محبوساً يذرع الغرفة جيئة وذهاباً في انتظار شيئ ما. تداخل مع الفحيح صوت آخر، أشبه بهمس بشري متعدد الطبقات. لم تكن كلمات واضحة بل تمتمات، تراتيل خافتة بلغة ذات حروف حلقية ثقيلة، تشبه تماماً تلك اللغة التي كانت جدتي تدمدم بها في خلواتها، لكنها هنا كانت تصدر من عدة حناجر في وقت واحد، بنبرة تجمع بين النحيب والوعيد، ثم صوت أنفاس عميقة ومتقطعة، تسحب الهواء بصعوبة وتخرجه كزفير ساخن ومحمل بالرطوبة، لدرجة أنني تخيلت أنني أرى البخار يتصاعد من الشقوق الضيقة للباب.

تجمدت في مكاني. شعرت برعب لم أعرفه من قبل، رعب يجمد الدماء في الشرايين ويشل الأطراف عن الحركة. كان عقلي يصرخ بي لكي أهرب، لكي أعود إلى فراشي وأتظاهر بالنوم، لكن جسدي كان مثبتاً على الخشب الأسود بفعل قوة جاذبية مرعبة تنبعث من الداخل.

وفجأة، انقطع الفحيح. وتوقفت التراتيل تماماً. ساد صمت مطبق، صمت حاد لدرجة أنه كان مسموعاً.

أحسست بحركة تقترب من الباب من الداخل. دبيب خفيف وصاعد، حتى شعرت بوجود شيئ يقف خلف الخشب مباشرة، يفصل بيني وبينه سنتمترات قليلة. ثم، وببطء شديد، سمعت صوت قفل الحديد وهو يتحرك بهدوء، كأن هناك يداً من الداخل تحاول إدارة المفتاح أو تلمس موضع القفل الخارجي.

في تلك اللحظة التي بلغت فيها الإثارة والرعب ذروتهما، انبعثت رائحة سدر قوية وحادة من خلفي. لم تكن الرائحة العادية، بل كانت رائحة سدر محترق، ممزوج بـرماد طازج.

التفت برأسي ببطئ، وعيناي متسعتان من الرعب، لتسقط نظراتي على نهاية الممر المظلم.

هناك، عند مدخل الممر، كانت تقف قامة وشبح مألوف. لم تكن سوى جدتي. كانت واقفة بكامل طولها، ملتحفة بسوادها، ممسكة بـمبخرتها النحاسية التي كان يتصاعد منها دخان رمادي كثيف يزحف على الأرضية كالأفاعي. لم تكن ملامح وجهها واضحة في العتمة، باستثناء عينيها الغائرتين اللتين كانتا تلمعان ببريق بارد، بريق يشبه بريق النحاس القديم تحت ضوء القمر.

لم تصرخ، ولم تضرب بعصاها. قالت بصوت منخفض، لكنه كان يحمل ثقلاً جعل الجدران الطينية تهتز في نظري:

"قلت لك يا هود... هناك أشياء تُحرس بالصمت. والفضول في هذا البيت هو أول خطوة نحو المقبرة".

لم أستطع النطق بكلمة واحدة. تراجعت خطوتين عن الباب، والدموع الباردة تفر من عيني بفعل الرعب والاختناق من دخان البخور. مررت بجانبها مطأطئ الرأس، مسرعاً بخطوات متعثرة نحو غرفتي، بينما بقيت هي واقفة في الممر، تحرس الباب الأسود، وتستمع إلى ما يدور في جوفه.

استلقيت على فراشي، ودثرت نفسي بالصوف الثقيل، بينما كان جسدي كله يرتجف بعنف. لم يكن الشك الآن مجرد بذور، بل أصبح شجرة ضخمة تمتد جذورها في عقلي وتخنق كل يقين عشته. الأصوات التي سمعتها لم تكن أصوات بشر، والمنع لم يكن لحمايتي، بل لإخفاء شيئ مرعب يعيش معنا، شيئ يتغذى على صمتنا ورائحة سدرنا العتيقة. ونظرات جدتي الغامضة التي كانت تخفي ورائها قروناً من الأسرار، أصبحت الآن بالنسبة لي هي الوجه الحقيقي للهاوية التي أقف على حافتها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

جَدتِي

المؤلف prince Egotist
2026/10/29 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة