لم يكن الخوف في بيتنا يولد فجأة، بل كان ينمو كالفطر الأسود في زوايا الجدران الرطبة، يتغذى على السكون ويتنفس التكتم. بعد تلك الليلة أمام باب الغرفة الغربية، لم تعد جدران غرفتي مجرد طين يابس يحيط بجسدي، بل تحولت إلى ألواح صلبة تعكس أصداء ماضٍ حاولت طويلاً أن أدفنه في أقبية النسيان.
استلقيت على فراشي الخشن، والظلام حولي لزج وكثيف، وبدأت أستحضر صوراً ومواقف من طفولتي، مواقف كنت أراها حينها بعين الصبي البليد الذي لا يملك تفسيراً، لكنها الآن، تحت مجهر الشك، بدأت تتشكل وتجمع كقطع أحجية مرعبة تشير كلها إلى حقيقة واحدة: تلك المرأة التي ربّتني ليست مجرد جدة عجوز.
أتذكر جيداً عندما كنت في السابعة من عمري، حين كانت القرية تمر بصيف قاحل، جفت فيه الآبار وتشقت الأرض حتى بدت وكأنها تفتح أفواهها لتلعق السماء. في ذلك العام، وقع خلاف حاد بين جدتي وبين جارتنا "أم صالح"، وهي امرأة صخابة ذات لسان حاد و سليط، جائت إلى عتبة بيتنا تطالب بحقها في سقاية ماشيتها من بئرنا الصغيرة المستترة خلف أشجار السدر.
كانت أم صالح تصرخ بشتائم تنضح بالغل، بينما كانت جدتي تقف عند عتبة الباب، ملتحفة بسوادها، صامتة كصخرة غرانيتية لا تحركها الرياح. لم تنبِس بكلمة واحدة طوال ربع ساعة من الصراخ. اكتفت بنظرة ثابتة، نظرة غائرة من عينيها السوداوين اللتين لا ترمشان، وكانت يدها اليمنى مختبئة داخل كم عباءتها، تفرك شيئاً ما أصدر صوتاً يشبه احتكاك الحصى.
عندما انتهت أم صالح واستدارت راحلة وهي تبصق على الأرض، رفعت جدتي رأسها قليلاً، ونفثت من بين شفتيها بـصقة دقيقة من عصارة الحرمل المر، وتمتمت بعبارة لم أسمع منها سوى:
"... وليكن في ضروعها الحنظل، وفي أحشائها الدود".
في صباح اليوم التالي، استيقظت القرية على عويل شق جدار الصمت. لقد نفقت ماشية أم صالح بالكامل في ليلة واحدة. سبع بقرات من أجود ما تملك، وُجدت ممددة في الحظيرة، متصلبة الأطراف، وأفواهها مفتوحة تسيل منها رغوة سوداء برائحة كبريتية نتنة. وعندما شق الرجال بطونها ليعرفوا السبب، تراجعوا برعب، كانت أمعاؤها محشوة بـأسراب من الديدان الرمادية الضخمة التي كانت لا تزال تتحرك بنشاط في أحشائها الميتة.
منذ ذلك اليوم، كُتب اسم جدتي بـحبر الخوف في سجلات القرية غير المكتوبة. صاروا يسمونها "المرأة الأزلية"، و"صاحبة العهد البائد"، وتحول بيتنا في نظرهم إلى بقعة ملعونة، ساحة يحرسها الجان، لا يمر بها عابر سبيل بعد العصر إلا وعينه على الأرض، يقرأ المعوذات ويمسح صدره خوفاً من ظلها.
وفي مقابل الموت، كانت تملك "شفاءً" لا يقل رعباً. أذكر رجلاً من أعيان القرية، يُدعى "أبو إسماعيل"، أصابه مرض غريب جعل جلده يتآكل ويبلى وهو حي. تحول جسده إلى قروح نازفة، وعجز حكماء المدائن المجاورة عن تطبيبه، حتى قيل إن الموت صار يربض على صدره منتظراً رمقه الأخير.
في ليلة حالكة السواد، طرق بابنا شيخ القرية بنفسه، جاثياً على ركبتيه، يتوسل جدتي أن تنقذ الرجل. نظرت إليه من شق الباب، ولم تتكلم. دخلت غرفتها، وأحضرت وعاءً فخارياً صغيراً يحتوي على مسحوق رمادي داكن، تفوح منه رائحة السدر العتيق ممزوجة بـرائحة أشبه برائحة المستنقعات الآسنة. قالت له بصوت جاف كالحطب:
"اضغط بالرماد على لحمه الحي في الهزيع الأخير من الليل، ولا تدع عيناً تراه وهو يفعل".
كنت واقفا خلفها، أراقب الطريقة التي استلم بها الشيخ الوعاء، وكأنه يستلم جمرة من جحيم. في غضون ثلاثة أيام، عاد أبو اسماعيل يمشي في السوق على قدميه. اختفت القروح، وعاد جلده أملس، لكنه أصبح شاحباً بـياضاً كالجير، واكتست عيناه بنوع من الخمول والجمود، كأنه جسد حركته قوى خارجية بعد أن غادرته روحه الأصلية. لم يشكر أحد جدتي، بل زادهم شفاؤه رعباً منها، لأنهم أدركوا أن من يملك مفتاح الموت والبعث بهذا الشكل، لا يمكن أن يكون مجرد بشر.
الآن، وأنا في عتمة غرفتي، لم تعد هذه الذكريات مجرد قصص أتسلى بها، لقد أصبحت فؤوساً تهدم ما تبقى من صرح عقلي. بدأ اليقين يتصدع، وحل محله هوس سوداوي، لوثة أصابت تفكيري بالكامل. أصبحت الحقيقة هي غايتي الوحيدة، حتى وإن كان ثمنها جنوني أو موتي.
تجلت مظاهر الهذيان والشك في سلوكي اليومي فصرت أمضي الساعات واضعاً أنفي بالقرب من شقوق الأرضية الطينية، أحاول فرز رائحة السدر عن الروائح الأخرى. ترائى لي أن هناك رائحة دم بشري طازج تنبعث من تحت فراش جدتي في أوقات معينة من الليل.
كما أني أصبحت أتحرك في المنزل مسترقاً السمع لخطوات الجدة. حتى عندما تكون جالسة في خلوتها بلا حراك، كنت أسمع دبيب أقدام خفيفة وثقيلة تدور حولها، وكأنها محاطة بـحاشية من غير البشر لا أراهم بعيني، بل أشعر بثقل ثنايا عباءاتهم وهي تحتك بالهواء.
أما أكثر ما زاد الطين بلة هو أني عندما كنت أنظر إلى وجهي في شظية المرآة المكسورة المعلقة في الممر، لم أعد أرى هود الصبي الوديع. كنت أرى عينين غائرتين يزداد سوادهما يوماً بعد يوم، وخطوطاً دقيقة بدأت ترتسم حول جبهتي، تشبه إلى حد مرعب تلك الأخاديد المحفورة على وجه جدتي. هل أنا أتحول إليها؟ هل البيت يمتص شبابي ليغذي خلودها؟، دارت كل تلك الافكار في رأسي الصغير من دون أجوبة شافية.
"عندما تعيش مع ساحرة في بيت واحد يا هود، فإنك لا تعود شاهداً على السحر... بل تصبح ببطئ جزءاً من التعويذة نفسها".
فكرة سوداوية باتت تطحن عقلي طوال ساعات الليل والنهار.
انقلبت حياتي الهادئة البطيئة إلى جحيم من الترقب. كل حركة من جدتي، كل رفعة حاجب، كل سعلة جافة تصدر من صدرها، أصبحت في نظري إشارة مشفرة لعالم سفلي مرعب أعيش في قلبه دون أن أدري. لم يعد هناك مجال للتراجع، فقد انفتح الباب في عقلي، ولن يغلق حتى أعرف من هي هذه المرأة، وما الذي يخفيه قفل الساج الأسود في الغرفة الغربية، حتى لو كان في ذلك هلاكي الأبدي.
"هل تنبثق الحقيقة من عتمة هذا البيت، أم أن الهذيان سيلتهم ما تبقى من روحي، قبل أن يفتح الباب التالي؟".
أسئلة لابد لها من أجوبة؟.
prince Egotist