ساد الصمت داخل المخزن رقم 12.
كانت الكشافات البيضاء تسلط ضوءها على آدم ويوسف والمفوض سامر، بينما وقف أكثر من عشرة رجال يرتدون أقنعة الغراب الأسود على المنصة الحديدية.
تقدم الرجل المقنع خطوة إلى الأمام، ثم قال بصوت هادئ:
- "أعلم أنكم تتساءلون لماذا تركتكم تصلون إلى هنا."
لم يجب أحد.
كان آدم يراقب المكان بعناية.
لاحظ أربع كاميرات مراقبة، وثلاثة مخارج، وسلالم حديدية تؤدي إلى الطابق العلوي، بالإضافة إلى رافعة ضخمة معلقة في سقف المخزن.
قال الرجل المقنع:
- "معظم الناس يظنون أن الحقيقة تُكتشف... أما نحن فنصنع الحقيقة."
ابتسم آدم ابتسامة خفيفة.
- "إذا كنت واثقًا من نفسك، فلماذا تخفي وجهك؟"
ساد صمت قصير.
ثم ضحك الرجل المقنع.
- "لأن الوقت لم يحن بعد."
قال آدم بثبات:
- "إذن أنت تخاف."
تبادل أفراد المنظمة النظرات.
بدت على بعضهم علامات الانزعاج.
أما الرجل المقنع فظل هادئًا.
قال:
- "الخوف يجعل الإنسان يرتكب الأخطاء... وأنا لا أخطئ."
رد آدم:
- "كل إنسان يخطئ... وأنت ارتكبت أول خطأ عندما تركتني أصل إلى ملفات القضية."
اختفت الابتسامة من وجه الرجل المقنع.
كان واضحًا أن كلمات آدم أصابته.
رفع يده ببطء.
وفي اللحظة نفسها...
بدأ أفراد المنظمة بالنزول من المنصة.
أصبحوا يحيطون بآدم ورفيقيه من جميع الاتجاهات.
همس يوسف:
- "عددهم كبير..."
رد سامر وهو يضع يده على سلاحه:
- "لا تطلق النار إلا إذا اضطررت."
لكن آدم ظل ينظر إلى السقف.
ثم ابتسم.
قال يوسف باستغراب:
- "لماذا تبتسم؟"
أجاب آدم بهدوء:
- "لأنهم ارتكبوا الخطأ الثاني."
- "أي خطأ؟"
أشار بعينيه إلى الرافعة الحديدية الضخمة.
فهم سامر ما يقصده.
اقترب ببطء من لوحة التحكم الموجودة بجوار أحد الأعمدة.
كان أحد الحراس يقف بالقرب منها.
وفي اللحظة التي انشغل فيها الجميع بالنظر إلى آدم...
تحرك سامر بسرعة.
أسقط الحارس أرضًا وضغط زر التشغيل.
صدر صوت ميكانيكي قوي.
بدأت الرافعة تتحرك فوق رؤوس الجميع.
التفت أفراد المنظمة نحو الصوت.
صرخ الرجل المقنع:
- "أوقفوه!"
لكن الأوان كان قد فات.
أنزلت الرافعة حاوية معدنية ضخمة بين آدم وأفراد المنظمة، فاصطدمت بالأرض بقوة، وأثارت سحابة من الغبار.
استغل آدم الفوضى.
صرخ:
- "اركضوا!"
انطلق الثلاثة بين الصناديق الخشبية.
لكن أفراد المنظمة لم يستسلموا.
بدأوا بمطاردتهم داخل المخزن.
كان المكان أشبه بمتاهة.
قفز آدم فوق أحد الصناديق، بينما كان يوسف يركض خلفه، وسامر يغطيهما.
وفجأة...
ظهر رجل ملثم أمام يوسف.
رفع عصًا حديدية وضربه بها.
لكن يوسف انحنى في اللحظة الأخيرة، ثم دفع الرجل بكل قوته.
اصطدم الرجل بالصناديق وسقط أرضًا.
صرخ آدم:
- "يوسف! إلى اليمين!"
غير يوسف اتجاهه بسرعة.
مرت رصاصة بجواره مباشرة.
ارتطمت بالحائط المعدني وأطلقت شررًا.
وصل الثلاثة إلى باب جانبي.
حاول سامر فتحه.
لكنه كان مغلقًا.
قال يوسف وهو يلهث:
- "انتهى الأمر..."
لكن آدم كان يراقب الجدار المقابل.
لاحظ صندوق الكهرباء الرئيسي.
أخرج من جيبه قطعة معدنية صغيرة، ثم قذفها نحو اللوحة الكهربائية.
حدث تماس كهربائي.
انطفأت جميع الأنوار في المخزن.
ساد الظلام.
سمع الجميع أصوات صراخ وارتباك.
قال آدم بصوت منخفض:
- "الآن."
أخرج مصباحًا صغيرًا كان يحتفظ به في جيبه.
قاد سامر ويوسف عبر ممر جانبي لم يكن واضحًا في الظلام.
بعد دقائق من الجري...
وصلوا إلى باب طوارئ.
ركله سامر بقوة.
انفتح الباب.
خرج الثلاثة إلى الهواء الطلق.
لكنهم لم يتوقفوا.
ركضوا حتى ابتعدوا مئات الأمتار عن المخزن.
عندما تأكدوا أنهم أصبحوا في أمان، جلس يوسف على الأرض وهو يلتقط أنفاسه.
قال:
- "هذه كانت أقرب مرة للموت."
ابتسم آدم، لكنه لم يكن ينظر إلى يوسف.
كان ينظر إلى الملف الأسود الذي لا يزال يحمله.
قال سامر:
- "على الأقل خرجنا ومعنا الملفات."
فتح آدم الملف مرة أخرى.
وبين أوراقه، وجد ظرفًا صغيرًا لم ينتبه إليه من قبل.
فتح الظرف.
سقطت منه بطاقة تعريف قديمة.
كانت تحمل صورة رجل في الثلاثين من عمره.
وتحت الصورة اسم واحد فقط:
النقيب خالد منصور.
اتسعت عينا المفوض سامر.
ارتجفت يده وهو يأخذ البطاقة.
همس بصوت يكاد لا يُسمع:
- "هذا... مستحيل."
نظر إليه آدم بتركيز.
- "أتعرفه؟"
رفع سامر رأسه ببطء.
كانت ملامحه شاحبة.
ثم قال:
- "خالد منصور... لم يمت."
ساد صمت ثقيل.
وأضاف سامر بصوت مضطرب:
- "إذا كان حيًا... فهذا يعني أن كل ما عرفناه طوال خمسة عشر عامًا كان كذبة."
في مكان مجهول...
كان الرجل المقنع يقف أمام شاشة كبيرة يشاهد تسجيل كاميرات المخزن.
دخل أحد أفراد المنظمة وقال:
- "لقد هربوا."
ابتسم الرجل المقنع.
- "كنت أعلم أنهم سيهربون."
- "إذن لماذا لم تمنعهم؟"
أجاب وهو يغلق الشاشة:
- "لأن البطاقة التي أخذوها... ستقودهم إلى المكان الذي أريده."
ثم أدار ظهره وقال:
- "بدأت المرحلة الثالثة."
نهاية الفصل السادس عشر
محمد احمد سيف