كيف أحبك و أنا لا أتقبل نفسي؟
كيف أتغاضى عن عيوبك في حين اخشى النظر إلى صورة انعكاسي ؟
كيف أرفض تواجدك بجانبي عندما تشعرني بالكمال؟
~~~~~~~~~~~♡~~~~~~~~~~~~
عندما نكون في أوج انفعالاتنا، نتقمص هدوءًا غريبًا لا يشبهنا، كأننا بذلك نستعير سكينة مؤقتة بعيدا عن الضجيج الذي يؤرقنا، تاركا الطمأنينة المزيفة تنسدل على ملامحنا، وسواء كان الهدف خداع أنفسنا أم خداع الآخر لكن هذا النوع من الهدوء لا يطمئن النفس بل يجعلها تنكمش إلى حد الزوال.
ورالف أجاد هذا النوع إلى حد الإتقان، لم يكن هدوؤه مجرد طبعا لرجل يفضل العزلة، بل كان قناع يخفي به جميع أفكاره السوداوية التي أجادت أوجيني فهمها، لهذا السبب لم تتوانَ حينما طرحت سؤالها عليه، تنتظر تفسيرًا مقنعًا يبرر فعلته
"لماذا فعلت ذلك؟"
تردد صوت أوجيني داخل السيارة المتوجهة إلى المستشفى، فرد عليها رالف بسؤال آخر دون رفع بصره عن صفحة الكتاب
"ماذا فعلت؟"
"هل تريد اللعب معي رالف؟"
انتقل إلى الصفحة الموالية تزامنًا مع قوله
"أنا صادق، لا علم لي؟"
نطق بهدوء ثم أكمل بنبرة جافة يظهر بها شخصيته الملتوية
"لقد فعلت الكثير من الأمور إلى درجة تجعلني غير قادر على تحديد عن أي منهم تشيرين"
بعد اعترافه لم تتلفظ أوجيني بكلمة، فظل الصوت الوحيد الذي يتردد داخل السيارة هو صفحات الكتاب حينما يقلبها رالف، بين الحين والآخر.
عندما بدأت السيارة تقترب من مبنى المستشفى، شرع رالف في الاستعداد للخروج، فكان أول شيء فعله بعد وضع كتابه جانبًا هو ارتداءه كمامة طبية، ثم مع ملامسة أصابعه لمقبض الباب قالت أوجيني فجأة
"فلتغلق أبواب السيارة زيل"
التوت ملامح رالف من أوامر أوجيني الذي صدر صوتها بعد صمت طويل، أدار عينيه إلى أوجيني بفتور
"ما معنى هذا؟"
"لماذا هاجمت سانتينو، رالف؟"
كررت سؤالها عليه، مما جعل رالف يتنهد بنفاذ صبر
"توقفي، أسلوبك سيجعلني أرفض الإجابة فقط"
سندت خدها على كفها، تتأمله بصمت وعيناها العابثتان تحملان استخفافًا صريحًا لم تحاول إخفاءه
"كل ما عليك فعله هو إجابتي ثم سأسمح لك بالخروج"
"فلتفتحي الباب"
"لا تقل بأنك تخاف من الأماكن المغلقة؟ ماذا عن تجاربك السابقة ألم تكن كافية لك حتى تعتاد على البقاء وحيدًا في مكان منعزل"
اشتدت نظرته بشكل مخيف مما جعل ابتسامة باهتة تلوح على شفتيها، انخفض بصره إلى مفاصل يده التي ابيضّت من قوة الشد.
لم تكن غافلة عن مدى حساسية الموضوع الذي انبثق من لسانها بالنسبة إليه، بعد أن عاش معظم حياته في غرفة المستشفى أصبح يملك حساسية من أي أمر متعلق به، ولهذا السبب كان يرفض الذهاب إلى مثل هذه الأماكن وإن فعل لن يغفل عن ارتداء الكمامة كي لا يستنشق رائحة المعقمات والأدوية
لم تكن تنوي فتح باب يعيده إلى أتعس أيام حياته لكن تصرفه السابق استفزها، وإن كان يدل على شيء فهو استصغاره لها وهذا ما لن تقبله أبدًا على نفسها
"لقد أساء إلي، قال شيء لم يكن عليه ذكره"
تحدث أخيرًا مع تثبيت عينيه عليها، بنظرات جامدة لا تعكس ما يدور في رأسه
"إن أردت الزواج من تلك الفتاة لا تتهور بتصرفاتك مجددًا"
"وإن يكن لم يمت على أي حال"
انسابت كلماته الجافة يعبر بها عن خيبته، ولم تتفاجأ أوجيني بقدر ما جعل تيار ساخن يمر إلى أوردتها
"هذا تحذيري الأخير لك رالف"
نبهته بصرامة أكبر
"في المرة المقبلة لا تكرر هذا الفعل في المنزل"
لم تكن أوجيني تختلف عن رالف، تمامًا مثل تشابه ملامحهم، كانا معًا يشكلان مزيجًا متناغمًا رغم تناقضهم في آن الوقت، فإن كان رالف الرجل الذي يحاول جاهدًا إخفاء نفسه، أوجيني هي المرأة التي تحب الإعلان عن نفسها.
ردد رالف بخفوت
"حسنًا"
رده الفاتر جعلها تضغط جبهتها بقوة أملًا أن يخف الصداع الذي أصابها، بسبب تهور رالف تحتم عليها الذهاب معه لزيارة سانتينو بعد العملية التي قام بإجرائها، بصفتهم ممثلين للعائلة
ما فعله رالف كان بشعًا ولا يمت للإنسانية بصلة لولا التدخل السريع لم يكن سانتينو لينجو من هجوم الكلب غير أن فعلته رغم فضاعتها لم يسبب لأوجيني غير الغضب بسبب تحتمها أن تحل محل جدتها وتفعل شيئًا مملًا كزيارة المرضى
أما عنه فبعد قوله عادت بذاكرته إلى الخلف تحديدًا من أين بدأ كل شيء
٠
٠
٠
٠
٠
تجول جسدها داخل أراضي كامورا، إلا أن عقلها كان يتأرجح مع آلاف الأفكار، مما جعلها غير منتبهة إلى طبيعة المكان الذي قادها رالف إليه.
لا زالت نبضات قلبها مختلجة، رفعت نظرها إلى رالف الذي كان يسير بجانبها في هدوء، منذ مغادرتهم لم يتلفظ بكلمة، لا تعرف إن كان مراعيًا لها أو ربما منزعجًا من أمر ما.
رطبت شفتيها المتشققة بسبب عضها لهما، قائلة بعدها
"شكرا لك على مساعدتي"
لا زالت دوفا متحفظة اتجاه رالف، ومع ذلك موقفه اليوم جعلها تحاول إعطاء علاقتهم فرصة، من يدري إن تفاهمت معه يمكنها لاحقًا، بعد أن تهدأ الأحوال، طلب الطلاق منه.
إبان هذه الفكرة لاح بصيص الأمل في ثناياها.
"لا بأس، هذا واجبي"
همهم ليلتزم الصمت مرة أخرى.
فردت شفتيها ثم ضمتهما بتلبك، في جل الأحيان كان رالف هو من يقوم بفتح المجال لمحادثة بينهما، والآن أصبح دورها، لكن وجدت الأمر منهكًا قبل حتى أن تبدأ به.
بعد جهد مضنٍ تفوهت أخيرًا
"منذ متى وأنت مهتم بالفن؟"
لا تدري لما خطر على بالها ذكر هذا الموضوع، لكنها لم تجد غيره.
"لست محبًا له"
عند إجابة رالف المقتضبة ضمت يديها بتلبك، لم ترد الاستسلام، كان عليها تلطيف الجو، لذا بادرت مرة أخرى في الكلام
"إذًا! كيف لك أن تكون على اطلاع واسع بهذا المجال؟"
"لم أجد ما أفعله"
بدت عليها أمارات الدهشة بعد سماعها لجوابه.
"ماذا تحب إذًا؟"
توقف رالف، مصوبًا عوده ناحيتها، غمغم
"هل هناك مشكلة؟"
باغتها حديث رالف المفاجئ مما جعل شجاعتها تتزعزع، أرادت فقط الاقتراب منه وليس السماح له بأن تراوده شكوك اتجاهها، عندما لاحظت أنها أطالت الصمت سارعت في إخباره
"ماذا! لا بالتأكيد، كيف توصلت إلى هذا الاستنتاج؟"
"فجأة صرتِ مهتمة بما أحب"
صراحته جعلتها تشتم نفسها، إلى أي درجة كانت سيئة بالنسبة إليه.
حكت وجنتيها بخجل وأردفت بتردد
"لأنك على علم ببعض الأمور عني، ولهذا أريد معرفة أشياء عنك، كهوايتك مثلًا"
"لا أملك هواية محددة "
جوابه خمد حماسها.
"متأكد!"
لما رأى تعابير وجهها، سرح بذهنه بعيدًا محاولًا العثور على الأمور التي تلبي رغباته.
"أعتقد بأني أحب لعب الشطرنج"
"وماذا أيضًا؟"
"هل علي امتلاك الكثير من الهوايات؟!"
"ليس شرطًا"
توقفت عن استمالة الحديث معه بسبب ردوده الجافة.
جال بصرها في أرجاء الحديقة بلا وجهة محددة ليعود مجددًا إلى رالف عقب قوله
"هل زواجك مني سيئ إلى هذه الدرجة؟"
ركز بصره عليها مكملًا
"لا داعي لتجميل إجابتك، أنا على دراية بأنك مجبرة على متابعة هذه الزيجة، لكن من فضلك راعي صحتك، تبدين أكثر شحوبًا عن آخر مرة"
بهتت ملامحها من تصريحه إلى درجة انعقاد لسانها، لن تكذب، في البداية كانت خائفة من هذا الزواج، لكن بعد تعرفها على رالف شيئًا فشيئًا بدأت تتقبله قليلًا، ليندثر ذلك بعد ذكر سيرة شقيقها على لسانه، علمت أنها مهما حاولت إعطاء الأمر فرصة لن يغير حقيقة كونها شقيقة القاتل.
"أنتَ شخص جيد رالف، وأعرف بأنك مجبر مثلي، إلا أنني بدلًا من محاولة التأقلم معك مثلما تفعل أقوم بوضع حدود"
بصعوبة أخبرته عما يدور في ذهنها، تحديدًا بعضها فقط.
"أعتذر بصدق منك"
"من قال بأني مجبر؟"
نظرت إليه بحيرة، أرادت منه تفسير كلماته كي لا يذهب فكرها بعيدًا، لم تنسَ الإحراج الذي تلقته آخر مرة ولا نية لها في إعادة تجربته.
فجأة اقتحم طرف خارجي المكان، يقطع الجو الدائر بينهما.
"من الجيد رؤيتكم"
تردد صوت سانتينيو إلى آذانهما، بينما يوزع نظراته الفاحصة بينهما.
"أرى بأنكم بدأتم بالتفاهم"
اكتفت دوفا بصنع ابتسامة قصيرة، بينما انكمشت تعابير رالف قليلًا بانزعاج.
"لقد سألت والدتك عنك دوفا، لما لا تذهبي لها؟"
كذبة سانتينو كانت واضحة، الجميع على علم بأنها رفقة رالف، حتى إن كانت والدتها قلقة فهي لن تملك الشجاعة كي تظهر قلقها أمام فيريا، أو بالأحرى استدعاءها، وكونها لم تحب المجادلة قالت
"المعذرة، إذًا سأغادر"
"لنذهب معًا"
اقترح رالف مرافقتها، إلا أن سانتينو أوقفه
"ابنة أخي ليست طفلة كي ترافقها، يمكنها العودة بنفسها"
أخيرًا فهمت ماذا يحاول سانتينو القيام به، لا تعرف السبب الذي دفعه إلى الاهتمام بأمر خطيبها، لا زالت تتذكر حديثهم السابق، ربما الآن حان وقت رالف ليخضع إلى استجواب عمها السخيف.
"لقد حفظت طريق العودة بالفعل، لذا لا بأس، بإمكانك مرافقة عمي قليلًا"
صك رالف على أسنانه بغضب مع انسحابها بطاعة ومراقبة ظهرها الذي يبتعد عنه.
"ما رأيك بابنة أخي؟"
تناغم على مسمعه استفسار سانتينو، كره الأشخاص من شاكلته ممن يحاولون إقحام أنفسهم بأمور لا تعنيهم، وراودته فكرة التخلص منه، لكنه وارى رغبته خلف نبرته الهادئة.
"جميلة"
"أجل، هي كذلك، إنها طفلة جيدة"
استرسل بعدها
"أنت تعمل محاميًا أليس كذلك؟ لما اخترت هذا المجال تحديدًا؟"
"إنه مثير للاهتمام"
إجابته لم ترضِ فضول سانتينيو، وأراد معرفة المزيد عنه.
"هذا فقط؟ إذا ألا تأخذ قضايا، أو أنك لا تربحها؟ أقصد لقبك وحده يكفي لجذب العملاء، لماذا لست مشهورًا إذن؟ القليل فقط من يعرف أنك تملك مكتب محاماة، أو أنك تأخذه كعمل ثانوي؟"
"إنه عملي الرئيسي، كما أنني لست معروفًا بسبب عدم أخذي لأي قضية"
"وأي نوع من القضايا تفضل؟"
"ما تثير اهتمامي"
التفت له بحدقتيه مستهزئًا من إجابته التي لا تخلو من إثارة الانتباه.
"بالمناسبة سمعت بأنك تعاني مشكلة خلقية في القلب أدت إلى عيشك في المستشفى منذ صغرك"
تيبس مكانه بعد ذكر هذا الموضوع، وحدق في كتف سانتينيو الذي تابع:
"كان الأمر صعبًا عليك، وخاصة كطفل أليس كذلك؟ أنا لا أتحمل البقاء في المستشفى ليوم، وما أدراك بعشر سنوات أو أكثر"
أحكم قبضته على يده ومال رأسه جانبًا، تعابير وجهه لم تظهر شيئًا، لكن أعينه الخضراء أصبحت باردة أكثر كلما بدأ سانتينو يتحدث عن الماضي الخاص به.
"سيد سانتينو، هل تسمح باستعارة منديلك؟"
توقف سانتينو وأدار جسده مستغربًا من هذا الطلب، ومع تلقيه النظرة القاتمة اقشعر جسده وشعر وكأنه تحدث بشيء لا يجب ذكره.
"أصبت بالخطأ"
أشار رالف إلى الجرح المتواجد على راحة يده.
هز سانتينيو رأسه موافقًا ومد له منديله كي يمسح الدم العالق.
أعطاه ابتسامة جافة ثم قال
"شكرًا لك، سأتأكد من إرجاعه لك بأقرب وقت"
تلاشى صوته المنخفض في الهواء، حدق في الجرح الصغير الذي خلفه غرس أظافره في بشرته، لم يكن الألم الذي يسببه هذا الجرح يقارن بالندبة العميقة المغروسة داخله، والتي رغم شفائها لا تزال تحمل آثارها بقسوة، أثر ظل يتردد في كل ركن من زوايا نفسه.
"لا بأس، يمكنك الاحتفاظ به"
"إذًا سأتأكد من استعماله جيدًا"
انتاب سانتينو شعور سيئ من كلمات رالف، لكن توقف عن التفكير نتيجة رنين هاتفه.
"ما الأمر نيكولاس...، أنا برفقة رالف...، حسنًا سأعود...، فهمت"
خلال مكالمته لم ينتبه إلى رالف الذي بدأ يتحرك بعيدًا عنه، وبمجرد انتهائه وجد سانتينو نفسه وحيدًا.
حك عنقه بخجل، لم يرد الاعتراف بالحقيقة، لكن خلال سيره مع رالف قادته أقدامه إلى منتصف الغابة.
"لا أصدق بأني ضعت"
وهكذا بدأ سانتينو يشق طريقه على أمل إيجاد الطريق، وخلال ذلك فكر لماذا كان على هذه العائلة إنشاء غابة على أرضهم.
في الجهة الأخرى اقترب رالف من منطقة نائية تقريبًا، كانت قد خُصصت لكلاب الحراسة النائمة، والتي حينما استشعروا حركة قريبة منهم فتحوا أعينهم بتأهب، بعد التعرف على هيئة رالف المألوفة عادوا إلى النوم.
مسح رالف على رأس أحد الكلاب بلطف، ثم قام بإخراج المنديل الذي استعاره من سانتينو، فتح الكلب عيناه حينما تم تقريب المنديل إلى أنفه.
كانت الكلاب معتادة على هذه الأمور، لذا فهم الكلب ماذا يريد سيده منه، وقف وبدأ برصد الرائحة من المنديل، بعد فترة اشتد جسده وهرول اتجاه مصدر الرائحة.
لم يلبث رالف في المكان طويلًا، لأنه بدأ يتبع الكلب كي يستمتع بالمسرحية التي أنتجها، ولن يكذب أن صراخ سانتينو المتألم أعجبه.
٠
تلاشت الصور في ذهنه بعد تصادم حواسه مع رائحة المعقمات، وكأنها صفعة تعيده إلى الواقع، ارتعشت جفونه وقاوم رغبته الملحة في الخروج، رغم احتياطاته لا زالت الرائحة تضرب جيوب أنفه الحساس.
جال بصره في أرجاء المشفى ثم توقف على فتى في مقتبل العمر كان جالسًا على كرسي متحرك وبجواره عمود معلق عليه المصل، تراجع خطوة إلى الخلف حين بدأت هيئة الفتى تتلاشى ويحل مكانها صورة أخرى.
وضع يديه على أذنه يمنع الضجيج من الوصول إليه، كم بغض هذا المكان وكم حقد على أوجيني التي كانت سببًا في بداية نوبته.
سكن جسده فجأة لما تسلل إلى ذهنه صوت مألوف
"هل أنت بخير رالف؟"
نظر رالف إلى دوفا الواقفة أمامه، كانت تحدجه باستغراب لكن لم يغفل أيضًا أن نظراتها حملت بعض القلق، لا يدري إن كان قلقها ناتجًا عن رؤيتها يتصرف بغرابة أم كان عبارة عن بداية اهتمامها به، ومهما كان السبب، ظهورها وهو بهذا الحال كان محرجًا بالنسبة إليه.
"أجل، إنه عرض من أعراض الزكام فقط."
على رده أعطت همهمة خفيفة فقط دون الاستفسار أكثر، لم يستطع تحديد إن كانت اقتنعت بعذره أم تتماشى مع كذبته، حاول توجيه انتباهها لشيء آخر لهذا قال
"كيف حال عمك الآن؟"
"لا بأس، كانت جراحته ناجحة."
تابعت بنبرة متسائلة
"ظننت بأن قريبتك سترافقك؟"
ضاقت عيناه قليلًا وتجعيدة خفيفة شقت طريقها إلى جبينه، لم يحتج إلا ثانية واحدة كي يستنتج بأنها تشير إلى أوجيني.
قبل لحظة وجيزة بعد نزولهم من السيارة أوقفها مساعدها الشخصي لأمر ما، لهذا أكمل طريقه بمفرده.
"لقد أتت معي بالفعل."
بعد إجابته لم تسأل دوفا عن مكانها مثلما لم يتعمق رالف بإعطاء تفاصيل أخرى لأنه هو بنفسه لا يعلم إلى أين ذهبت.
قادته دوفا إلى الجناح الذي يمكث به سانتينو، عند ولوجهم كان أول ما صادفه رالف هو السرير الذي يشغله سانتينو.
"أرجو المعذرة."
اقترب رالف اتجاه سانتينو الذي حياه هو الآخر بابتسامة مرهقة، كان وجهه شاحبًا دلالة على ما مر به.
"أهلًا بك رالف."
"لا ترغم نفسك على الحديث."
دوى صوت حاد في أرجاء الغرفة يطلب من سانتينو التزام الصمت، فتحول انتباه رالف إلى المرأة الجالسة قرب السرير، تعرف عليها على الفور، كانت سيلين زوجة سانتينو.
حمحم سانتينو بإحراج على تصرف زوجته فبادر بالقول
"سيلين، إنه ضيف جاء لزيارتي كيف لا أرحب به؟"
تشوهت ملامح سيلين بعصبية تاركة كلماتها اللاذعة تنفلت منها
"نفس الضيف الذي كدت تموت في منزله!"
"سيلين اخرسي!"
خيم الهدوء في أرجاء الغرفة عقب صراخ سانتينو في وجه سيلين، فبقيت تحدق به باستنكار، انتظرت منه أن يشرح موقفه، لكن ما بدر من سانتينو تاليًا جعلها تندفع إلى الخارج بانفعال واضح، إذ قال
"اعذر زوجتي، هي أحيانًا لا تعرف ماذا تقول."
ظلت عينا دوفا معلقتين على الباب الموارب، ثم حولت نظرها إلى الاثنين قبل أن تقترح تاليًا
"سأذهب للاطمئنان عليها."
"سيكون من الأفضل جعلها تهدأ."
لم تهتف بكلمة، وبعد تصويب آخر نظراتها على رالف استدارت تاركة إياهم بمفردهم.
بعد مغادرة دوفا عمّ السكون داخل الغرفة، حمحم سانتينو يقطع الصمت المحرج، وأول ما بدر منه كان
"ماذا أصاب الكلب؟"
بعد أن كان بصر رالف معلقًا على الباب المغلق حول نظره إلى سانتينو، وبدلًا من إجابته بدأ يبحث عن السبب الذي دفع دوفا إلى التصرف معه على غير العادة.
هو لا يشير إلى أنها كانت فيما مضى أكثر انفتاحًا معه، لكن على الأقل لم يكن مزاجها بذلك الفتور اللامبالي كما هو الآن، وكأنها شيدت بينهما حاجزًا آخر أكثر صلابة.
"سمعت بأنه كان مسعورًا؟"
انزلق سؤاله المتذبذب داخل الحجرة مما جعل رالف يوجه تركيزه إلى سانتينو الذي نسي تواجده.
قال رالف ردًا عليه
"بلى، كنا ننوي التخلص منه لكن يا للأسف لم يحالفك الحظ."
بلع سانتينو ريقه بعد كلمات رالف التي بدت كأنها تحمل إيحاءً خفيًا، لم يكن يملك من الذكاء ولا الحكمة مثل أخيه نيكولاس، الذي بفضله جعل من عائلتهم الساقطة تقف على أقدامها من جديد، لكن في الوقت نفسه لم يكن أحمق حتى يصدق كلمات رالف، جزء منه مال إلى تصديق زوجته بأن ما مروا به لم يكن مصادفة عابرة إلا أنه لم يمتلك دليلًا قاطعًا يؤكد ذلك.
أسند رالف ظهره إلى الأريكة، واضعًا قدمًا فوق أخرى، بينما كان بصره مثبتًا على سانتينو وتحديدًا على الضمادات.
"هل يؤلم؟"
ضاقت حواجب سانتينو من السؤال الغريب، لكنه أجاب بصراحة
"نعم... عندما أتذكر أسنان الكلب التي اخترقت جلدي يقشعر جسدي، لكن بفضل المسكنات خف الألم قليلًا."
"يا للأسف."
تدلّت رموشه، ثم واصل حديثه بهدوء
"على الأغلب ستبقى في الفراش لشهر."
رد سانتينو بتوتر
"بلى..."
"هجوم الكلب عليك كان مشهدًا لا يُنسى."
توقف سانتينو عن التنفس للحظة، وراقب رالف الذي واصل حديثه دون اكتراث:
"كيف هو شعورك وأنت في المستشفى؟ شهر ليس وقتًا طويلًا، لكنه بداية لا بأس بها."
حدّق رالف باتجاه سانتينو، ثم أخرج من جيب سترته منديلًا، تعرف سانتينو عليه على الفور.
"في المرة القادمة، لا تقدّم لأحد شيئًا يخصك."
ارتعش صوت سانتينو
"أنت... أنت..."
علقت بقية الحروف في حلقه.
"هل أنت من أمر الكلب بالهجوم عليّ؟"
بصعوبة فتح فمه، فسَاد بعدها الصمت لوهلة قصيرة.
"هل هذا يهم؟"
انكمشت أطرافه وارتجفت عيناه من الرعب بعد سقوط القناع عن رالف، وظهر شخص آخر أكثر اختلالًا مما توقعه سانتينو، ابتسامته الهادئة زادت المشهد رعبًا، تاركة سانتينو في صدمة كاملة.
ماذا فعل؟ لماذا أراد إيذاءه؟ بدأت الأسئلة تندفع داخله ثم تحولت إلى سؤال واحد يختصرها جميعًا
"لقد اتفقنا على الصلح بالفعل؟"
مال رالف رأسه قليلًا وكأن السؤال فاجأه
"اتفاق؟ صلح؟ هل أبدو مهتمًا بمثل هذه الأمور؟"
انحنى نحوه وأمسك ذراعه المضمدة بقسوة
"هل تظن أن سببي هو ثأر دم؟"
أغلق سانتينو عينيه من الألم، وحاول إبعاد يد رالف، لكن الأخير لم يتحرك، بل شد قبضته أكثر.
"لماذا عليّ أن أهتم بشخص تحت التراب؟ ما فعلته بك كان لنيل اعتباري فقط."
"اعتبار؟"
"لا يهمني بقاؤك في المستشفى شهرًا، فما بالك بعشر سنوات... أليس هذا ما أخبرتني به؟"
اقترب أكثر حتى اصطدمت أنفاسه الساخنة بوجه سانتينو المحموم.
"فلتعش شعوري ولو لشهر."
أصابه الدوار، وارتفعت الحرارة في رأسه، الألم الذي خف سابقًا عاد مجددًا، ولم يعد قادرًا على التفكير أو استيعاب ما يحدث، كانت الصدمة أشبه بفاجعة كاملة.
عندما تصادمت عيناه مع عيني رالف المليئتين بالعداء، خطر في باله شقيقه الأكبر، يجب أن يُحذّره... يجب أن يخبره بحقيقة هذا الرجل.
في الجهة الأخرى، في موقف السيارات الخاص بالمشفى، ظهرت هيئة بارزة جذبت أغلب الأنظار إليها، ليس إعجابًا بمظهرها وإن كانت سيارة الفانتوم السوداء التي تسند عليها جذعها السفلي وثيابها كافية لمعرفة أن هذه السيدة تشغل مكانة عالية في المجتمع، لكن أكثر ما جذب اهتمام المارين هو كيف أنها حافظت على وضعيتها دون تحريك عضلة واحدة، ولو دققوا أكثر يمكن ملاحظة تهجم تعابير وجهها.
حركت عينيها مجددًا إلى الجهاز اللوحي الذي قدمه زيل، كانت شاشته تعرض آخر الأخبار، وكان أكثرها رواجًا هو مقتل "ويستن روبس".
نفس الرجل الذي لاقته قبل أيام قليلة، فجأة تم العثور على جثته داخل منزله وتحديدًا في نفس الغرفة التي أجروا بها محادثتهم.
لم تعرف أوجيني إن كان عليها الغضب أو الضحك من فرط هذه المصادفة العجيبة. بعد مدة حدثت زيل الواقف بجانبها
"هل يوجد أي مشتبه به؟"
"حتى هذه اللحظة لا."
قرأت الخبر مجددًا لتنبس تاليًا بنبرة هادئة
"يحتاج قتل عضو من المجلس شجاعة، أما أخ ينتمي إلى أحد الأحزاب السبع فهو ضرب من الجنون."
لم يرد زيل كلمة بعد حديثها الذي لم يفهم مغزاه.
"ومن يملك كلاهما غيرنا؟"
ضاقت حواجب زيل وقد بدأ يتضح له المغزى من كلامها
"هل تشيرين إلى أن الشبهات ستوجه إلى كامورا؟"
"لا يمكن دحض هذا الاحتمال."
أشارت بعدها بجدية أكبر
"هل تأكدت من مسح أي دليل يشير إلى تواجدنا في تلك الفترة؟"
"بلى، كما سأتأكد من متابعة القضية."
مدت أوجيني إلى زيل الجهاز اللوحي ثم استقامت مستعدة للمغادرة
"حسنًا، لكن حاول عدم لفت الانتباه."
لم تكن أوجيني تؤمن يومًا بالمصادفات، وإن فعلت فكان ذلك في القصص فقط،
أن تجد شخصًا قابلته ميتًا بعد ساعتين من مغادرتها منزله لا يدخل إلى عقلها سوى احتمالين إما أن الجاني لم يكن على علم بتسللها إلى منزل روبس، أو أنه دبر الأمر حتى يجعلها أمام المدفع، هذا الاحتمال جعلها تشد قبضتها بعصبية.
لم يكن في نيتها مواجهة المجلس، على الأقل ليس الآن، هذه الفترة كل ما يشغل بالها هو التحقيق في قضية كايل، وليس أن تجد نفسها من المشتبه بهم.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
دنكااااان "
هبّ نداءٌ عالٍ ينادي اسمه، الأمر الذي فاجأ دنكان وجعله يضرب الكرة البيضاء بالعصا التي يحملها دون قصد
عندما راقب تدحرج الكرات على الطاولة وخسارته للهدف المحتمل، رفع نظره إلى ريكو قائلًا بضيق .
"هل لديك مشكلة مع البقاء هادئًا للحظة؟"
قال ريكو متجاهلًا كلماته وكأنها لم تصل إلى أذنه.
"لقد مات روبس."
"تعازيّ لك."
"أنا أخبرك، لقد تم قتل الأخ السادس."
كرر ريكو كلماته، ربما بهذا يفهم دنكان حجم المصيبة التي حلت على رؤوسهم
حدق به دنكان بهدوء دون التلفظ بكلمة، وحينما لم يجد ريكو ردة الفعل التي كان يتوقعها، هتف بشك
"لحظة، هل كنت على علم؟"
"لا يمكن إيقاف مثل هذه الأخبار من الانتشار."
رغم كونه تحدث بنبرة لا مبالية، تمكن ريكو من لمح بعض الانزعاج في عينيه.
لم يكن خبر مقتل عضو في المجلس بالأمر الهين، وخاصة إذا كان هذا العضو له صلة مباشرة بالشيخ، و هذا ما يرجح بأن القاتل ليس بالشخص السهل.
"ماذا نفعل؟ هل علينا التحرك؟"
سأل ريكو بفضول، وعيناه لم تفارق وجه دنكان كي يتسنى له ملاحظة أي تغيير قد يطرأ عليه.
"لا، لن تتدخل هيدر بهذا الأمر، على الأقل خلال هذه الفترة."
انساب صوته في المكان بينما عيناه ظلتا مثبتتين على طاولة البلياردو بشرود.
"هل أنت متأكد، دنكان؟ حتى هذه اللحظة تم فقد مقعدين من حزب أزورا، قد تستغل بقية الأحزاب الأمر."
حثه ريكو على النظر في قراره ثم أضاف
"ماذا عن عميلنا؟ إذا تم توجيه الاتهام إلى كامورا، ماذا نفعل؟"
"هل تشك بأن لهم علاقة بالأمر؟"
صارحه ريكو.
"عند النظر إلى طبيعة العلاقة بين كامورا والمجلس، لا يسعني إلا وضع هذا الاحتمال."
لم يوافق دنكان وجهة نظر ريكو، إلا أنه أيضًا لم يمنعه من التفكير من هذه الجهة.
كل من في الوسط على دراية بطبيعة العلاقة المتوترة بين النبلاء والمجلس، خاصة مع كامورا.
لكن هل كامورا بتلك الجرأة والغباء كي تقترف هذا الفعل، مع العلم بأن جميع الشبهات ستوجه لها؟
فجأة خطر في ذهنه أمر ما.
"هل علمت بالسبب الذي جعل عميلتنا تؤجل موعدها معنا؟"
"أجل، لقد تعرض شقيق رئيس ريغنار لعضّة من طرف كلب عائلتها."
رفع دنكان حاجبه باستغراب.
"حادث؟"
"يقولون إنه كلب مسعور، لكن أشك بصدقهم هل تريد مني التحقق؟"
شد دنكان نظره إلى الفراغ، وبينما كان غارقًا في تفكيره خفت بريق زرقة عينيه وازدادت قتامة.
"لا حاجة إلى ذلك."
لم يعر دنكان أي بال للحادث الذي أصاب سانتينيو، حتى إن كانت عائلة كامورا لها علاقة بالأمر فهذا يخصهم ولا نية له في التدخل.
لكن كان الأمر مختلفًا من جهة المجلس، كما قال ريكو، أن يفقد حزب مقعدين في فترة قصيرة هذا لا ينذر بالخير.
brabr