{لعنة كامورا}

{لعنة كامورا}

8 0

عندما تعتاد الكذب يصبح من الصعب التفرقة بينه و بين الحقيقة، إلى أن يصبح هو بذاته

حقيقة لا لبس فيها

~~~~~~~~~~~~~~~♤~~~~~~~~~~~~

بين خلجات النفس، انسابَتْ رغبة ملحة في الهروب، أن يتوقف الزمن أو ربما الاختفاء كليًا كما لو أنها لم تكن في هذا العالم.

فكرة سوداوية كغيرها من الأفكار التي غالبًا ما تعتريها في مثل هذه المواقف

لكن...

شدّت معصمها وحدّجت أبواب القصر بنظرات مبهمة، لينسحب بصرها إلى فيريا التي كانت ترحب بهم.

منذ آخر زيارة لهذه السيدة توغلت هواجس دوفا أكثر، وانساب الكدر إلى أعمق زوايا روحها، إحساس غريب لكن مألوف في ذات الوقت ينذر بأن أوقاتها اللاحقة لن تكون بالهينة أبدًا

ارتفع حذرها إلى قمته عندما وجدت نفسها تواجه عيون فيريا الحادة

" أهلًا بكِ، في منزلكْ "

تغلغل إلى مسامعها ترحيب فيريا الذي لم تجد في مكنونه أي أثر للود

" شكرًا على هذه الاستضافة الحسنة "

بعد رد التحية تفحصت جدران القصر مرة أخرى بعد أقل من شهر ستصبح ضمن قاطنيه.

كامرأة مهتمة بالفن كان تصميم القصر يلبي حسها الفني خاصة حينما ولجت داخله لم تعتقد أنه في زمنهم الحالي سيتم الحفاظ على طبيعة المكان الكلاسيكية

لم تتمكن من أخذ نظرة متأنية على بقية التفاصيل لأن الغرفة التي قادتهم فيريا لها كانت على مقربة من الباب وعلى خلاف طبيعة المكان كانت الغرفة عبارة عن صالة شاسعة بتصميم عصري يناقض جو القصر.

" أعتذر عن تأخري "

انفرجت شفاه فيريا مشكلة ابتسامة صغيرة

" لقد جئت في الوقت المناسب رالف لذا سيكون من الجيد مرافقة خطيبتك "

أومأ رالف وحيّا الضيوف الذين أتوا ليتوجه تاليًا إلى دوفا الواقفة بجوار النافذة

" كيف حالك؟ "

" بخير ماذا عنك "

" على ما يرام "

بعد رده ظل واقفًا بجوارها دون أي حركة مما جعل الجو محرجًا بعض الشيء، شابكت يديها بتوتر ومن أجل تخفيف قلقها نوت الذهاب إلى والدتها لكن قبل أخذ خطوة تكلم رالف الذي فهم ما كانت تنوي فعله

" ما رأيك بأخذ جولة في المكان "

لم يبدُ اقتراحه سيئًا بالنسبة لها لذا وافقت

" حسنًا "

خلال تجوالهم لم يفتح رالف أي حديث معها مثلما لم تبادر هي الأخرى واكتفت بتفحص محيطها

" لقد وصلنا "

توقف الاثنان أمام باب أسود ضخم كان يختلف عن بقية الأبواب التي مرّا بها من قبل

أمسك رالف بالمقبض الأيسر ثم أشار إلى المقبض الآخر

" هل يمكنك مساعدتي من فضلك "

" آه نعم بالتأكيد "

أمسكت دوفا بالمقبض الثاني وانتظرت أمر رالف التالي

" عند الرقم ثلاثة عليكِ شدّ المقبض إلى الداخل ثم اضغطي على الباب بجسدك، تذكري يجب أن يكون في نفس التوقيت"

" حسنًا "

" 3...2...1"

تمامًا بعد نطق رقم ثلاثة شدّوا المقابض إلى الداخل ثم بدعم أكتافهم بدأ الباب الثقيل بالانفتاح.

لم تتوقع أن الباب الذي جاهدت لفتحه كان يخفي خلفه مجموعة من التحف النادرة

" مستحيل أليست هذه لوحة غرينيكا "

اقتربت بخطوات سريعة من اللوحة مع الحفاظ على مسافة آمنة

" لم أتوقع رؤية لوحة بيكاسو هنا، هل تملكون غيرها؟ "

" لا هذه الوحيدة التي نملكها له، لقد أهداها أحد معارفنا إلى جدتي "

" كم أحسد جدتك في هذه اللحظة "

نظر إليها رالف بطرف عينه كانت منشغلة بتفحص اللوحة غير مدركة للكلام الذي انزلق من لسانها، ربما بسبب هوسها بالفن عبرت عن أفكارها بلا خجل.

ابتسم برفق ليردف تاليًا

" لما لا تلقي نظرة على بقية التحف، ربما ستجدين شيئًا يخص فنانًا آخر معجبة به "

رفعت رأسها بحماس

" حقًا! هل يمكنني "

" كانت هذه غايتي منذ البداية "

لم يختر رالف هذا المكان عبثًا، كان على دراية بحبها للفن لذلك قرر التوجه إلى هنا تحديدًا ولما رأى عينيها المتقدتين أثناء تأملها لكل قطعة أثرية شعر بالرضا من نفسه

" هل تحتفظون كذلك بالأسلحة "

استفسرت بفضول عن البندقية الموضوعة داخل صندوق زجاجي

" فقط ما تحمل رمزية لنا كهذه "

حين أجابها رالف كان بصرها قد توقف على البطاقة الموضوعة في الأسفل والتي تحمل اسم أحدهم

خفضت جسدها قليلًا حتى تتمكن من قراءة الكتابة الرقيقة

" كايرون كامورا "

أخبرها رالف بعد سماعه تمتمتها."

" يعود السلاح إلى جدي الأكبر "

" هكذا إذن "

كان الركن الذي يقفان به يحتوي على مجموعة من الأسلحة وكونها لم تلمس اهتمامها سارت باتجاه آخر لوحة متواجدة في الغرفة

على عكس بقية اللوحات لم تتمكن من التعرف عليها لكن أرجحت بأن أسلوب الرسم يعود في الغالب إلى القرن العشرين

" هل تم تقديم هذه اللوحة كهدية أو قمتم بشرائها أيضًا؟ "

استفسرت دون أن تحيد بنظرها عن تفاصيل الرسم السوداوي

احتوت الرسمة على جيش مكون من أطفال البعض يمسك خناجر رمادية ممزوجة ببعض الظلال السوداء، قاموا بغرسها في ظهر رجال بانت على معالم وجوههم الذعر أثناء محاولاتهم الفرار

على الجانب الأيسر من اللوحة تم رسم أطفال آخرين يمسكون عنق أناس بالغين كانوا يحاولون إبعاد الأيدي الصغيرة عنهم بلا جدوى

أما في الأعلى تم رسم ثلاث تماثيل عملاقة تمتد من أذرعهم سلسلة فضية ضخمة التفت على رقبة الأطفال ثم انحدرت إلى الأطراف

" لا أدري كل ما أعرفه أن اللوحة تواجدت منذ زمن طويل ربما قبل ولادتي "

أعقب تاليًا

" لا يبدو أنكِ راضية عنها  "

على عكس بقية اللوحات التي مرّا عليها لم يبدُ أن هذه اللوحة قد نالت إعجابها

حوّلت بصرها نحوه مردفة بنبرة يشوبها بعض الضيق

" لا أعرف إن كنت أصلح لقول مثل هذا الأمر لكن أتساءل بما كان يفكر الشخص الذي رسم هذه اللوحة "

لفت نظرها إلى وجوه الأطفال المليئة بالعدوان

" كيف يتسنى له تمثيل طفل بهذه الوحشية "

تمتمت مجددًا وعيناها ضاقت على ابتسامة الأطفال المشوهة

" لا يوجد طفل يجد القتل أمرًا مضحكًا، ماذا عنك رالف؟ "

ظل صامتًا لبرهة متأملًا اللوحة، لقد أحبها، من بين جميع اللوحات كانت هذه الوحيدة التي لفتت نظره لذا في بعض الأحيان كان يأتي إلى هنا متأملًا بإعجاب تفاصيلها.

ثم حينما تبادر حديثها إلى فكره أراد مصارحتها بأنه كان ذلك النوع من الأطفال

" ليس وكأن الأطفال يفعلون هذا بإرادتهم "

قال شيئًا مخالفًا عما في رأسه خوفًا من إرهابها ولأنه على دراية بامتلاكه سمات مميزة لن يتقبلها أحد.

مالت دوفا رأسها بالتباس بعد رده

" ماذا تقصد "

" انظري، الأطفال مكبلون بالسلاسل، ربما هدف الرسام كان إظهار أن القتل وسيلة تفريغ الغضب من السلاسل التي تقيد حريتهم، أو ربما وسيلة للنجاة "

تبريره الغريب جعلها تحدق في اللوحة مرة أخرى

" لا يهم السبب، القتل يظل جريمة مهما اختلفت الأسباب "

اهتزت حدقتاها عندما بدأ رالف يضحك فجأة

" هل قلت أمرًا غريبًا "

" لا أنا فقط سعيد، إنها المرة الأولى التي أراك تتحدثين عن رأيك بصراحة "

" ليس وكأنني لا أملك معتقدات خاصة بي "

" سأكون سعيدًا إن شاركتني بعضًا من معتقداتك ومن الأفضل بشيء آخر غير الفن؟ "

" هل تسخر مني؟ "

" أخبرك الحقيقة فقط، فرغم مرور مدة على تعارفنا نادرًا ما تبدأين حوارًا معي"

" أنا أعتذر إن أسأت إليك لكن ربما يعود إلى شخصيتي فمن النادر بالنسبة إلي فتح حوار مع أحدهم "

تأسفت بصدق منه منذ البداية لم تكن جاهلة بمحاولات رالف بتخفيف الأجواء بينهم إلا أنها لم تملك الشجاعة الكافية لغض النظر عن الحقيقة.

هي شقيقة المجرم الذي أودى ابن عمه إلى الموت ولهذا السبب وجدت تصرفاته اللطيفة مسألة مزعجة

وضع يديه داخل جيوب بنطاله مثبتًا عيناه عليها، كانت أفكارها واضحة له

بدأت ابتسامته تتقلص تدريجيًا إلى أن اختفت ليضيف بصوت منخفض

" بناء على كلامك ألا تشيرين بذلك أن هاينز يستحق العقاب؟ "

ارتجف فكها بعد ذكر سيرة هاينز على لسانه وفضّلت عدم الإجابة إلا أن رالف امتلك رأيًا آخر لأنه استأنف

" ما الخطب دوفا هل كان سؤالي مزعجًا؟ "

سحبت نفسًا عميقًا تجيبه في وجوم

" لا زلت على رأيي، هاينز قتل قريبك لذا يستحق الذهاب إلى السجن "

" لكن أنت على دراية بقوانين عائلتنا "

تيبست أطرافها لما وصل همسه إليها، كان يشير بأن مصير هاينز سيكون الموت إن تم العثور عليه.

مهما لامت شقيقها ومهما كان الغضب الذي تحمله اتجاهه لن يصل أبدًا إلى الدرجة التي تتمنى موته

" ألم تتساءل عن القيد الذي دفع أخاك إلى اقتراف هذه الجناية "

لقد فعلت إلا أنها لم تعثر على سبب وجيه

" هاينز يستحيل عليه أن يكون مجرمًا "

" أرأيت أنت تقدمين بالفعل عذرًا لشقيقك "

شدت طرف ثوبها عندما بصق رالف الحقيقة في وجهها

" لا ألومك، هاينز أخاك الوحيد بعد كل شيء لذا من الطبيعي أن تبرري فعلته "

" أنا على دراية بما اقترفته أيدي هاينز لكن صدقني السنوات التي عشتها معه كافية لأعرف بأنه يستحيل عليه الإقدام على مثل هذه الجناية "

" أخبرتك أنا أتفهم موقفك "

ردد بنفس النبرة المنخفضة

قالت دوفا بإرهاق

" لنعد لا أريد جعل والدتي قلقة"

تعذرت بماريا كي تتمكن من الابتعاد عنه، وجودها بقربه لا يشعرها سوى بالاختناق

تقلباته الغريبة جعلتها حائرة، في بادئ الأمر كان لطيفًا معها ثم صارت كلماته تحمل بعض العداء كما لو أنه يلومها على رأيها السابق ليخبرها في النهاية أنه يفهمها

" حسنًا لنذهب "

قادها إلى الحجرة التي يتجمع فيها أفراد العائلة

" ها قد جاءت "

تفاجأت دوفا أن فيريا كانت تنتظرها، رطبت حلقها كي تقدم اعتذارًا ظنًا منها أنها تأخرت عليهم لكن توقف نظرها على ابتسامة نيكولاس الخفيفة، نادرًا ما كانت تجد والدها يبتسم الأمر الذي جعلها تشعر بالارتباك

" يشرفني، لقاؤك آنسة أوجيني "

تصلب جسدها بعد تلفظ نيكولاس بهذه العبارة، استدارت اتجاه الفتاة التي ظهرت فجأة خلفها، كان المدخل واسعًا لذا تمكن الجميع من رؤية أوجيني التي مرت بجوار دوفا

" أعتذر عن تأخري، احتجت لإنهاء بعض الأعمال "

انشغل نيكولاس وسانتينو بتبادل الحديث مع أوجيني وفيريا في حين ماريا وسيلينا كانوا يتهامسون فيما بينهم، ربما عن المرأة التي لفتت انتباه الجميع بمجرد ظهورها

في النهاية لم يكن نظر والدها موجهًا لها، لم ينشغل أحد بتأخرها، مقارنة بأوجيني لم تكن بالشيء المهم.

أزاحت نظرها بحدة عن أوجيني ترفض بذلك رؤية الانعكاس التي تمنت الوصول إليه ولم تستطع

لم تغب حركتها عن رالف الذي ظل يلازمها كظل لها لذا بدون تأخير أخبرها بعد ضم يدها

" فلنذهب إلى مكان آخر "

ملمس يده البارد جعلها تفيق من غفلتها، حاولت قول شيء ما لكن أوقفها ترحيب أوجيني

" سعدت برؤيتك "

التفتت إلى أوجيني التي سارت نحوها

" أرى بأن علاقتكم جيدة "

رمشت باستغراب من تصريح أوجيني التي تابعت

" لا أهتم بعلاقتك، لكن يفضل أخذ حذرك وأنت أمام العائلة "

قصدت أوجيني بكلامها رالف الذي ظل متمسكًا بيد دوفا

متأخرًا فهمت دوفا ما كانت تشير إليه لذا بسرعة سحبت يدها إلى حضنها.

رمقت أوجيني الاثنين بفتور ثم أردفت.

" لست مختلفة عن الشائعات، لقد صدق من قال بأنك أميرة ريغنار؟ "

بفضل مكانتها الاجتماعية امتلكت معلومات عن كافة العائلات ذات الطبقة العليا تحديدًا الأفراد الذين يشغلون حيزًا كبيرًا في المجتمع ولأن كان لها علاقة ودية سابقًا مع نيكولاس أثناء فترة انتمائه إلى الاتحاد سمعت عن دوفا لكن لم تعطها الاهتمام اللازم كونها لن تستفيد شيئًا من التعرف عليها

لكن الأحوال تبدلت حين معرفتها باهتمام رالف بها فبدأ الفضول يلح عليها لمعرفة أي نوع من النساء تكون.

" شكرًا على مجاملتك لكن لست بأميرة صدقيني "

" هل هذا تواضع أم قلة ثقة؟ "

شاهدت ابتسامة دوفا التي سترت بها اضطرابها على سؤالها الذي لامس نقطة رفضت الاعتراف بها

مظهرها الثابت أخفى إحساس عدم التقبل اتجاه المرأة التي أخذت أضواء مناسبة أقيمت من أجلها

هل سيكون عيبًا وأمرًا محرجًا لو أخبرت أحدهم أنها لم تحب أوجيني كامورا من أول لقاء؟ هل سوف تصبح غريبة أطوار ويكثر عنها الأحاديث غير اللائقة لو غادرت المكان وهذا فقط كي لا تظل مع أوجيني في مكان واحد

ألا بأس أن تكون سيئة وأنانية، لمرة واحدة من أجل حماية نفسها من الانهيار...، لو أخبرت رالف أنها لم ترتح لقريبته كيف سيكون رده؟

ما إن خالجت هذه الفكرة رأسها حتى صوبت حدقة أعينها البنية اتجاه رالف الواقف بجانبها ثم أعادتها إلى أوجيني

أجابت بعد برهة من الصمت

" لا أرى بأني فعلت الكثير كي أستحق هذا اللقب "

" لقد وافقتِ على رابط الصلح ألا يكفي؟ "

وقعت الكلمات الباهتة والمفاجئة على أذنيها كصاعقة، مما أثار شعورًا مرًا مليئًا بالصدمة العميقة التي حاولت بلا جدوى تجاهلها.

وبسبب تلبكها لم تعي بأن أوجيني قصدت التحدث بنبرة عالية كي يتمكن الجميع من سماعها

لم ينطق نيكولاس بأي كلمة، حديث أوجيني الصريح ألجمه، لقد كانت تحادث ابنته رغم ذلك بدا الكلام موجهًا إليه هو.

شد رالف قبضة يده بقوة، لم يظهر تغيير على تعابيره إلا أن عيناه توهجتا بغضب مكبوت من أوجيني

استرسلت أوجيني متجاهلة تحديقات رالف

" لماذا أنتِ صامتة من يراك قد يظن أنك مجبرة على الزواج "

" لا أنا لست كذلك "

" حقًا؟ "

كادت تضحك على إنكار دوفا، فتحت فمها تنوي قول المزيد إلا أنها تجمدت عندما وضعت فيريا يدها على كتفها ضاغطة عليه.

وجهت فيريا بصرها إلى دوفا، قائلة

" لا يهم إن كانت مجبرة أو لا هذا واجبها ألست محقة؟ "

الأعين التي تنظر لها بدت مثل سهم يحاول اختراقها، الكلمات السامة خرجت من فاه مبتسم يدعي البراءة جعلها تشعر بالاختناق

كلٌّ من الحفيدة والجدة تجمعوا على حدة سائلين أسئلة يعرفون مسبقًا أجوبتها، بهدف اختبار صبرها.

لجأت أعينها إلى والدها، لعله يتمكن من إخراجها من هذا الموقف المحرج لكن ما وجدته هو صمت مرير.

تم محاصرتها، ولم تجد العون من أحد، سخرت أوجيني منها عندما قالت بأنها ليست بمجبرة على الزواج، كذلك إن وافقت أو رفضت رأي فيريا سيعود عليها بالسلب، على الأقل لم ترد من لسانها في التلفظ بأن مصيرها تحت سلطة كامورا

بدأ الهواء يتلاشى تدريجيًا من حولها، الضغط يرتفع في صدرها ودقات قلبها تشتد بشكل غير طبيعي

هل هذا وهم منها أم حقيقة بأن كل خلية من خلايا جسدها تطالب بالأكسجين، وهنت سيقانها وأصبحت بالكاد قادرة على الوقوف لو استطاع أحدهم الدخول من بين الجدران التي تضيق حولها ستبيع روحه لها لا بل فقط ليوانِسها أحدكم في هذا السجن الصغير داخل ذاتها.

لم تكن دوفا وحدها من جثم الكدر على صدرها، وإن اختلفت الأسباب لكن المشاعر نفسها

تمامًا كحال دوفا واجهت أوجيني صراعًا داخليًا يزداد ضراوة مع طول الفترة الزمنية التي ظلت فيريا تمسك كتفها

انخرطت شفتيها بقوة وعضت بحدة الرغبة الملحة في إزاحة اليد التي لمست جسدها، أعادت حركة فيريا صورًا قديمة أرادت دفنها.

" يدك تزعجني "

همست مصطنعة الثبات رغم ارتجاف كتفها

أزاحت فيريا يدها بهدوء دون إظهار أي ردة فعل تظهر العداء بينها وبين أوجيني

" ابتسمي، لا يهم مدى كرهك لي لكن إن سمحتِ للآخرين بمعرفة مشاعرك نحوي لن أتغاضى عن الأمر "

الانزعاج أصبح مثل نبض لها والدم الذي يتدفق في أوردتها حمل معه الغضب من عجزها بسبب الحصار الذي تعيشه في هذه اللحظة، أعينها الخضراء التي تركتهم عند أميرة ريغنار حملوا دموع كراهيتها.

*أن تتركِ اليد التي أطلقت رصاصة على طفولتي تلامس جسدي هو أكثر مما قد أستطيع تقبله، اليد التي تنبض بها الحياة سرقت حياة مني، ألا يمكنك فهم رجائي والتوقف عن اتباع مثل هذه الطرق لتدميري...، رغبت بأن أكرهك بنفسي ثم أمل *

حاربت مشاعرها الداخلية واستنفذت طاقتها بابتسامة مصطنعة تخفي جروحًا ملتهبة من مجرد لمسة، غير قادرة على البوح بتلك الكلمات.

علمت بأن الضعف والتعبير عن الكراهية قد يؤديان إلى تكرار الألم والجروح وهي تجاهلت الأمر وعبرت عنهم اتجاه شخص واحد أملًا أن يسمع صوتها.

كما لو أن الرب استجاب إلى دعوات إحداهن فأرسل لها يدًا دافئة ترسل الحرارة إلى جزء من روحها الباردة...، وجه تعرفه مع ابتسامة صغيرة تزين ثغره، تلاقت أعينها الترابية بعيناه الصامتة بلون العشب الصافي

" جدتي لم أنتهِ بعد من التنزه رفقة خطيبتي لذا عذرًا سنغادر الآن "

حدقت أوجيني برالف ثم إلى اليد التي انتشلت أميرة ريغنار، كانت مختلفة عن اليد التي أمسكت كتفها سابقًا ثم تركته مخلفة وراءها إحساسًا أيقظ طفلة خائفة تختبئ في جسد امرأة ناضجة، كانت قد حسدتها دوفا ريغنار عليه.

" فلتفعل رالف، استغلوا الوقت لتعارف جيدًا "

ظهرت تجاعيد حول فم نيكولاس الذي لم يكن له مزاج للابتسام وابتعدت ماريا أعينها الدامعة عن أوجيني بسبب الحقيقة التي ألحقتها عن هذا الزواج الذي رغم عدم اعتراض ابنتهم غير أنها لم تعطِ موافقتها، كان كل ما يحدث وفق رغبات ريغنار.

" سأغادر أنا أيضًا لقد تذكرت أمرًا مهمًا علي إنجازه "

تحدثت أوجيني بعجل ثم غادرت، غير مراعية للأشخاص الذين تركتهم خلفها، ما شغل بالها في هذه اللحظة هو الابتعاد عن فيريا بأكبر قدر من الإمكان

أرادت التنفيس عن غضبها أن تفعل أي شيء كي يختفي إحساس الضيق الذي يخنقها

.

.

.

.

.

.

٠

"

لماذا تأخرت؟ "

" لقد أتيت بسرعة بمجرد اتصالك بي  "

رفعت أوجيني حاجبها الأيمن وتحدثت بغضب

" لقد تأخرت عشر دقائق هل أنت سلحفاة؟ "

أجاب زيل

" إنها خمس ثم لماذا أنتِ هنا؟ "

" هل سوف تبدأ بمجادلتي عزيزي زيل أرى أنك تحب كيف أقوم بخفض راتبك "

" ماذا لكن.."

مدت يدها وقالت بلا مبالاة

" هل أحضرت ما طلبته منك "

" بلى "

وضع يده داخل جيب سترته مخرجًا علبة سجائر، ما إن رأتها أوجيني حتى خطفتها منه

" ما هذا؟ "

سألته فأجاب بحيرة

" سيجارة؟ "

أمسكت رأسها بألم وقالت

" ربما أنا عمياء ولا أدري...، زيل طلبت علبة سجائر إذا لما توجد سيجارة واحدة في العلبة؟ "

" أليس هذا نظامك الجديد كي تقلعي عن التدخين، سيجارة واحدة في اليوم طريقة فعالة من أجل التقليل من مادة النيكوتين في جسمك هذا ما قلته لي "

" منذ متى وأنا ألتزم بقراراتي زيل؟ "

وضع زيل إصبع السبابة والإبهام على ذقنه رافعًا رأسه مفكرًا في كلامها وما هي إلا لحظات حتى أتاها صوته

" حسنًا عند التفكير بالأمر، قراراتك مجرد كلام هبّ منكِ ودب "

" سأتأكد من خفض راتبك "

اتسعت عيناه بصدمة

" لا ليس راتبي، ما رأيك بخفضه الشهر المقبل، على الأقل بعد تسديد فواتير الكهرباء "

" إن قلت شيئًا آخر أقسم لك لن أسدده لشهرين "

طبق شفتيه بقوة، أراد البكاء والتحسر على حاله الآن فقط تفهم مشاعر ريكو الذي وجده غريب فيما مضى

أشعلت السيجارة التي وضعتها بين شفتيها ودفعت العلبة نحو زيل الذي أمسكها بذراعها قبل أن تلامس الأرض... لم يصدر ضجيج ولم يتحدث بل راقب بسكون تام وجسد مترقب أي ردة فعل قد تصدر منها

عشرون دقيقة مرت على اتصالها، لا زال يتذكر صوتها المرتجف لما أخبرته أن يأتي حالًا مع علبة سجائر.

لا يعرف السبب لكن الأكيد بأن أمرًا سيئًا حدث معها في الداخل، رغم فضوله لكن التزم الصمت

" زيل لدي سؤال لك وأرجو أن تجيب عليه بصدق "

تنبهت حواسه وقال

" تفضلي "

" أنت لا زلت لم تتذكر أي شيء من ماضيك صحيح؟ "

" أجل "

" لو امتلكت زرًا جعلك تستعيد كل ذكرياتك هل ستضغط عليه؟ "

" بالتأكيد نعم يهمني أن أعرف أي نوع من الأشخاص كنت؟ "

من بين طوفان الذكريات التي غرقت فيها تأملت السيجارة المحترقة، راقبت كيف تتحول تدريجيًا إلى رماد يتناثر في الهواء وكأنها تشاهد اندثار الذكريات في أعماقها مخلفًا سوادًا مظلمًا وتفاصيل مؤلمة

" نصيحة مني زيل لا تفعل إن كنت تملك ماضيًا سعيدًا لم تكن لتنساه ولم أكن أنا لألقاك في مكب النفيّات "

فكر بكلامها قليلًا ثم أجاب

" أنا من سوف يقرر هذا "

" بعد فوات الأوان "

تلبك من حديثها المتشائم، لن ينكر خوفه من صدق رأي أوجيني عن ماضيه غير أن رغبته في معرفة هويته كانت أكبر من خوفه، لذا أجاب بأمل

" لا... سأجد السعادة في هذه الذكريات وأنا يهمني هذا "

" أنت لا تفهم، الأسود يطغى على الأبيض، الألم يطول عن السعادة والذكريات الحزينة لن تجعلك ترى أيًا من الأوقات السعيدة التي عشتها بل سوف تزيد من أوجاعك فقط ".

رمت السيجارة على الأرض وسحقتها بحذائها ثم قالت.

" انتهت السيجارة ولم يهدأ بعد غضبي...، غضب اتجاه فيريا، غضب بسبب حزني وغضب تولد نتيجة والديّ، صوت يخبرني أن آخذ ثأري بقتلها وصوت آخر ينتظر منها أن تبدأ بالتحدث معي وتبرر ما فعلته بي "

نظرت إليه وأكملت بصوت جاف

" هل تعلم، إذا قالت إنها لم تقتل والدتي سوف أصدقها هذا القلب اللعين يريد أن يجد فرصة لمسامحتها أما عقلي يخبرني أنه لم ينسَ ما شهدته عيناي هاتان...، ماذا أفعل زيل ماذا أفعل؟ "

رمت نفسها على الأرض غير مهتمة بهيئتها التي قد تفسد أو تلطخ ملابسها بالرمل، أرادت البكاء، رغبت بشدة بإخراج مكبوتاتها إلا أنها فشلت، من قال بأن الدموع سيئة، الآن هي تتوسل لخروج دمعة واحدة

من بين حالتها لم تنتبه إلى زيل الذي اقترب أكثر منها وغطاها بجسده خوفًا أن يرى أحدهم الحالة التي تمر بها أوجيني.

" أكرهها زيل وأكره كذلك مشاعري اتجاهها "

" يمكنني أن أخلصك من عذابك، أنتِ تعلمين إشارة واحدة منك تكفي "

ابتسمت على كلامه وأجابته بصوت مستهزئ يتناقض مع حالتها

" زيل عندما تصطنع الجدية يجعلك في نظري لطيف "

" أنا أقول الحقيقة "

خرجت ضحكة من صدرها بلا إرادة منها وقالت

" الرجل الذي يتردد في إيذاء حشرة يطلب الإذن كي يقتل جدتي، هذا لطيف، هل تعلم لو سمعك أحدهم ستعاقب بتهمة الخيانة "

" من أذاك أذاني من خانك خانني، ولو كان قتل فيريا كامورا سبب نهايتي سأفعل وأنا كلي رضا "

" إياك زيل إياك، أنت عشت معنا بما يكفي حتى تعرف قوانينا وطريقتنا في العيش، العالم يرى قشرتنا وأنت جربت حموضتنا "

رفعت رأسها عاليا إلى السماء، مسترسلة في حديثها 

" هل تعرف، اليوم فقط استوعبت حقيقة سخيفة عن عائلتي "

توقفت برهة محولة بصرها إلى زيل، ارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة تكمل بها الكلام

" كل صالح في كامورا مصيره الفساد أو الجنون  "

لم يستجب زيل لها بل راح فكره بعيدا، و كأن حديثها جعله يفكر بشخص ما

فلما وجدته أوجيني غائب عن الواقع أعادته بكلامها

" لقد تحدثنا بما فيه الكفاية حان وقت العمل "

بعد قولها لهذه العبارة استقامت بجسدها نافضة الغبار عنها.

" انتِ على ما يرام أليس كذلك؟ "

قالت بسخرية

" أي كذبة تريد سماعها زيل "

" سيدتي، لا أظنك جاهلة بأني سأفعل أي شيء من أجلك "

خرجت منه بلا تردد، عيناه مثبتان عليها و كأن قراره حسم منذ زمن، أرادها أن تعيد التفكير بقرارها، رؤيتها في كل مرة تتصادم بها مع فيريا بهذا الحال لم يرضه أبدا 

قاطع سيل افكاره نبرة صوتها الثابتة  

" لا أنوي إدخال طرف خارجي بيني وبين فيريا، أنا سوف أهتم بمشاكلي الخاصة "

طأطأ رأسه كمن لم يجد ما يقوله بعد هذا الرفض، مهما نظر إلى كافة الجوانب لم يفهم زيل لماذا تجد أوجيني صعوبة في التخلص من الشخص الذي كان سبب كل معاناتها الحالية

هل هو القانون؟ لكن يمكنه بسهولة إخفاء الأدلة التي تشير لها، أو ربما السبب يرجع إلى الروابط العائلية بينهما و هذا الأخير يجد صعوبة في فهمه .  

" أردتك أن تكوني سعيدة "

" أنت لم تتواجد لتكون سبب سعادتي دورك هو حمايتي وتغطية نقاط ضعفي، كامورا حامية وأنت الحامي الخاص بي "

فجأة باغتتهم صرخات حادة آتية بالقرب منهم، نظرت إلى زيل الذي بدوره حدق بها في دهشة ثم دون تأخير توجها إلى مصدر الصرخات

ما وجدته جعل فكها يكاد يلامس الأرض من الصدمة

على مسافة ليست ببعيدة عنهم رأت أحد كلاب الحراسة يغرس أنيابه في جسد بشري

بفضل الصرخات المتألمة التي تطلب النجدة تمكنت من التعرف على هوية الشخص

لقد كان سانتينو ريغنار

" ما الذي يحدث هنا؟ "

أدارت أوجيني جسدها إلى فيريا التي تجمدت مكانها بعد رؤيتها المنظر

نقلت عينيها إلى بقية أفراد ريغنار وتحديدًا إلى نيكولاس الذي ظل بصره معلقًا على جسد شقيقه الذي تفتكه أنياب الكلب.

بأي عقل ظنت بأن اليوم سيمر على خير، الصراع الذي نشأ بين العائلتين ولا زالت شرارته تمشي على الأرض سيشعل فتيل الحرب مرة أخرى.

عندما تعتاد الكذب يصبح من الصعب التفرقة بينه و بين الحقيقة، إلى أن يصبح هو بذاته حقيقة لا لبس فيها

~~~~~~~~~~~~~~~♤~~~~~~~~~~~~

بين خلجات النفس، انسابَتْ رغبة ملحة في الهروب، أن يتوقف الزمن أو ربما الاختفاء كليًا كما لو أنها لم تكن في هذا العالم.

فكرة سوداوية كغيرها من الأفكار التي غالبًا ما تعتريها في مثل هذه المواقف

لكن...

شدّت معصمها وحدّجت أبواب القصر بنظرات مبهمة، لينسحب بصرها إلى فيريا التي كانت ترحب بهم.

منذ آخر زيارة لهذه السيدة توغلت هواجس دوفا أكثر، وانساب الكدر إلى أعمق زوايا روحها، إحساس غريب لكن مألوف في ذات الوقت ينذر بأن أوقاتها اللاحقة لن تكون بالهينة أبدًا

ارتفع حذرها إلى قمته عندما وجدت نفسها تواجه عيون فيريا الحادة

" أهلًا بكِ، في منزلكْ "

تغلغل إلى مسامعها ترحيب فيريا الذي لم تجد في مكنونه أي أثر للود

" شكرًا على هذه الاستضافة الحسنة "

بعد رد التحية تفحصت جدران القصر مرة أخرى بعد أقل من شهر ستصبح ضمن قاطنيه.

كامرأة مهتمة بالفن كان تصميم القصر يلبي حسها الفني خاصة حينما ولجت داخله لم تعتقد أنه في زمنهم الحالي سيتم الحفاظ على طبيعة المكان الكلاسيكية

لم تتمكن من أخذ نظرة متأنية على بقية التفاصيل لأن الغرفة التي قادتهم فيريا لها كانت على مقربة من الباب وعلى خلاف طبيعة المكان كانت الغرفة عبارة عن صالة شاسعة بتصميم عصري يناقض جو القصر.

" أعتذر عن تأخري "

انفرجت شفاه فيريا مشكلة ابتسامة صغيرة

" لقد جئت في الوقت المناسب رالف لذا سيكون من الجيد مرافقة خطيبتك "

أومأ رالف وحيّا الضيوف الذين أتوا ليتوجه تاليًا إلى دوفا الواقفة بجوار النافذة

" كيف حالك؟ "

" بخير ماذا عنك "

" على ما يرام "

بعد رده ظل واقفًا بجوارها دون أي حركة مما جعل الجو محرجًا بعض الشيء، شابكت يديها بتوتر ومن أجل تخفيف قلقها نوت الذهاب إلى والدتها لكن قبل أخذ خطوة تكلم رالف الذي فهم ما كانت تنوي فعله

" ما رأيك بأخذ جولة في المكان "

لم يبدُ اقتراحه سيئًا بالنسبة لها لذا وافقت

" حسنًا "

خلال تجوالهم لم يفتح رالف أي حديث معها مثلما لم تبادر هي الأخرى واكتفت بتفحص محيطها

" لقد وصلنا "

توقف الاثنان أمام باب أسود ضخم كان يختلف عن بقية الأبواب التي مرّا بها من قبل

أمسك رالف بالمقبض الأيسر ثم أشار إلى المقبض الآخر

" هل يمكنك مساعدتي من فضلك "

" آه نعم بالتأكيد "

أمسكت دوفا بالمقبض الثاني وانتظرت أمر رالف التالي

" عند الرقم ثلاثة عليكِ شدّ المقبض إلى الداخل ثم اضغطي على الباب بجسدك، تذكري يجب أن يكون في نفس التوقيت"

" حسنًا "

" 3...2...1"

تمامًا بعد نطق رقم ثلاثة شدّوا المقابض إلى الداخل ثم بدعم أكتافهم بدأ الباب الثقيل بالانفتاح.

لم تتوقع أن الباب الذي جاهدت لفتحه كان يخفي خلفه مجموعة من التحف النادرة

" مستحيل أليست هذه لوحة غرينيكا "

اقتربت بخطوات سريعة من اللوحة مع الحفاظ على مسافة آمنة

" لم أتوقع رؤية لوحة بيكاسو هنا، هل تملكون غيرها؟ "

" لا هذه الوحيدة التي نملكها له، لقد أهداها أحد معارفنا إلى جدتي "

" كم أحسد جدتك في هذه اللحظة "

نظر إليها رالف بطرف عينه كانت منشغلة بتفحص اللوحة غير مدركة للكلام الذي انزلق من لسانها، ربما بسبب هوسها بالفن عبرت عن أفكارها بلا خجل.

ابتسم برفق ليردف تاليًا

" لما لا تلقي نظرة على بقية التحف، ربما ستجدين شيئًا يخص فنانًا آخر معجبة به "

رفعت رأسها بحماس

" حقًا! هل يمكنني "

" كانت هذه غايتي منذ البداية "

لم يختر رالف هذا المكان عبثًا، كان على دراية بحبها للفن لذلك قرر التوجه إلى هنا تحديدًا ولما رأى عينيها المتقدتين أثناء تأملها لكل قطعة أثرية شعر بالرضا من نفسه

" هل تحتفظون كذلك بالأسلحة "

استفسرت بفضول عن البندقية الموضوعة داخل صندوق زجاجي

" فقط ما تحمل رمزية لنا كهذه "

حين أجابها رالف كان بصرها قد توقف على البطاقة الموضوعة في الأسفل والتي تحمل اسم أحدهم

خفضت جسدها قليلًا حتى تتمكن من قراءة الكتابة الرقيقة

" كايرون كامورا "

أخبرها رالف بعد سماعه تمتمتها."

" يعود السلاح إلى جدي الأكبر "

" هكذا إذن "

كان الركن الذي يقفان به يحتوي على مجموعة من الأسلحة وكونها لم تلمس اهتمامها سارت باتجاه آخر لوحة متواجدة في الغرفة

على عكس بقية اللوحات لم تتمكن من التعرف عليها لكن أرجحت بأن أسلوب الرسم يعود في الغالب إلى القرن العشرين

" هل تم تقديم هذه اللوحة كهدية أو قمتم بشرائها أيضًا؟ "

استفسرت دون أن تحيد بنظرها عن تفاصيل الرسم السوداوي

احتوت الرسمة على جيش مكون من أطفال البعض يمسك خناجر رمادية ممزوجة ببعض الظلال السوداء، قاموا بغرسها في ظهر رجال بانت على معالم وجوههم الذعر أثناء محاولاتهم الفرار

على الجانب الأيسر من اللوحة تم رسم أطفال آخرين يمسكون عنق أناس بالغين كانوا يحاولون إبعاد الأيدي الصغيرة عنهم بلا جدوى

أما في الأعلى تم رسم ثلاث تماثيل عملاقة تمتد من أذرعهم سلسلة فضية ضخمة التفت على رقبة الأطفال ثم انحدرت إلى الأطراف

" لا أدري كل ما أعرفه أن اللوحة تواجدت منذ زمن طويل ربما قبل ولادتي "

أعقب تاليًا

" لا يبدو أنكِ راضية عنها  "

على عكس بقية اللوحات التي مرّا عليها لم يبدُ أن هذه اللوحة قد نالت إعجابها

حوّلت بصرها نحوه مردفة بنبرة يشوبها بعض الضيق

" لا أعرف إن كنت أصلح لقول مثل هذا الأمر لكن أتساءل بما كان يفكر الشخص الذي رسم هذه اللوحة "

لفت نظرها إلى وجوه الأطفال المليئة بالعدوان

" كيف يتسنى له تمثيل طفل بهذه الوحشية "

تمتمت مجددًا وعيناها ضاقت على ابتسامة الأطفال المشوهة

" لا يوجد طفل يجد القتل أمرًا مضحكًا، ماذا عنك رالف؟ "

ظل صامتًا لبرهة متأملًا اللوحة، لقد أحبها، من بين جميع اللوحات كانت هذه الوحيدة التي لفتت نظره لذا في بعض الأحيان كان يأتي إلى هنا متأملًا بإعجاب تفاصيلها.

ثم حينما تبادر حديثها إلى فكره أراد مصارحتها بأنه كان ذلك النوع من الأطفال

" ليس وكأن الأطفال يفعلون هذا بإرادتهم "

قال شيئًا مخالفًا عما في رأسه خوفًا من إرهابها ولأنه على دراية بامتلاكه سمات مميزة لن يتقبلها أحد.

مالت دوفا رأسها بالتباس بعد رده

" ماذا تقصد "

" انظري، الأطفال مكبلون بالسلاسل، ربما هدف الرسام كان إظهار أن القتل وسيلة تفريغ الغضب من السلاسل التي تقيد حريتهم، أو ربما وسيلة للنجاة "

تبريره الغريب جعلها تحدق في اللوحة مرة أخرى

" لا يهم السبب، القتل يظل جريمة مهما اختلفت الأسباب "

اهتزت حدقتاها عندما بدأ رالف يضحك فجأة

" هل قلت أمرًا غريبًا "

" لا أنا فقط سعيد، إنها المرة الأولى التي أراك تتحدثين عن رأيك بصراحة "

" ليس وكأنني لا أملك معتقدات خاصة بي "

" سأكون سعيدًا إن شاركتني بعضًا من معتقداتك ومن الأفضل بشيء آخر غير الفن؟ "

" هل تسخر مني؟ "

" أخبرك الحقيقة فقط، فرغم مرور مدة على تعارفنا نادرًا ما تبدأين حوارًا معي"

" أنا أعتذر إن أسأت إليك لكن ربما يعود إلى شخصيتي فمن النادر بالنسبة إلي فتح حوار مع أحدهم "

تأسفت بصدق منه منذ البداية لم تكن جاهلة بمحاولات رالف بتخفيف الأجواء بينهم إلا أنها لم تملك الشجاعة الكافية لغض النظر عن الحقيقة.

هي شقيقة المجرم الذي أودى ابن عمه إلى الموت ولهذا السبب وجدت تصرفاته اللطيفة مسألة مزعجة

وضع يديه داخل جيوب بنطاله مثبتًا عيناه عليها، كانت أفكارها واضحة له

بدأت ابتسامته تتقلص تدريجيًا إلى أن اختفت ليضيف بصوت منخفض

" بناء على كلامك ألا تشيرين بذلك أن هاينز يستحق العقاب؟ "

ارتجف فكها بعد ذكر سيرة هاينز على لسانه وفضّلت عدم الإجابة إلا أن رالف امتلك رأيًا آخر لأنه استأنف

" ما الخطب دوفا هل كان سؤالي مزعجًا؟ "

سحبت نفسًا عميقًا تجيبه في وجوم

" لا زلت على رأيي، هاينز قتل قريبك لذا يستحق الذهاب إلى السجن "

" لكن أنت على دراية بقوانين عائلتنا "

تيبست أطرافها لما وصل همسه إليها، كان يشير بأن مصير هاينز سيكون الموت إن تم العثور عليه.

مهما لامت شقيقها ومهما كان الغضب الذي تحمله اتجاهه لن يصل أبدًا إلى الدرجة التي تتمنى موته

" ألم تتساءل عن القيد الذي دفع أخاك إلى اقتراف هذه الجناية "

لقد فعلت إلا أنها لم تعثر على سبب وجيه

" هاينز يستحيل عليه أن يكون مجرمًا "

" أرأيت أنت تقدمين بالفعل عذرًا لشقيقك "

شدت طرف ثوبها عندما بصق رالف الحقيقة في وجهها

" لا ألومك، هاينز أخاك الوحيد بعد كل شيء لذا من الطبيعي أن تبرري فعلته "

" أنا على دراية بما اقترفته أيدي هاينز لكن صدقني السنوات التي عشتها معه كافية لأعرف بأنه يستحيل عليه الإقدام على مثل هذه الجناية "

" أخبرتك أنا أتفهم موقفك "

ردد بنفس النبرة المنخفضة

قالت دوفا بإرهاق

" لنعد لا أريد جعل والدتي قلقة"

تعذرت بماريا كي تتمكن من الابتعاد عنه، وجودها بقربه لا يشعرها سوى بالاختناق

تقلباته الغريبة جعلتها حائرة، في بادئ الأمر كان لطيفًا معها ثم صارت كلماته تحمل بعض العداء كما لو أنه يلومها على رأيها السابق ليخبرها في النهاية أنه يفهمها

" حسنًا لنذهب "

قادها إلى الحجرة التي يتجمع فيها أفراد العائلة

" ها قد جاءت "

تفاجأت دوفا أن فيريا كانت تنتظرها، رطبت حلقها كي تقدم اعتذارًا ظنًا منها أنها تأخرت عليهم لكن توقف نظرها على ابتسامة نيكولاس الخفيفة، نادرًا ما كانت تجد والدها يبتسم الأمر الذي جعلها تشعر بالارتباك

" يشرفني، لقاؤك آنسة أوجيني "

تصلب جسدها بعد تلفظ نيكولاس بهذه العبارة، استدارت اتجاه الفتاة التي ظهرت فجأة خلفها، كان المدخل واسعًا لذا تمكن الجميع من رؤية أوجيني التي مرت بجوار دوفا

" أعتذر عن تأخري، احتجت لإنهاء بعض الأعمال "

انشغل نيكولاس وسانتينو بتبادل الحديث مع أوجيني وفيريا في حين ماريا وسيلينا كانوا يتهامسون فيما بينهم، ربما عن المرأة التي لفتت انتباه الجميع بمجرد ظهورها

في النهاية لم يكن نظر والدها موجهًا لها، لم ينشغل أحد بتأخرها، مقارنة بأوجيني لم تكن بالشيء المهم.

أزاحت نظرها بحدة عن أوجيني ترفض بذلك رؤية الانعكاس التي تمنت الوصول إليه ولم تستطع

لم تغب حركتها عن رالف الذي ظل يلازمها كظل لها لذا بدون تأخير أخبرها بعد ضم يدها

" فلنذهب إلى مكان آخر "

ملمس يده البارد جعلها تفيق من غفلتها، حاولت قول شيء ما لكن أوقفها ترحيب أوجيني

" سعدت برؤيتك "

التفتت إلى أوجيني التي سارت نحوها

" أرى بأن علاقتكم جيدة "

رمشت باستغراب من تصريح أوجيني التي تابعت

" لا أهتم بعلاقتك، لكن يفضل أخذ حذرك وأنت أمام العائلة "

قصدت أوجيني بكلامها رالف الذي ظل متمسكًا بيد دوفا

متأخرًا فهمت دوفا ما كانت تشير إليه لذا بسرعة سحبت يدها إلى حضنها.

رمقت أوجيني الاثنين بفتور ثم أردفت.

" لست مختلفة عن الشائعات، لقد صدق من قال بأنك أميرة ريغنار؟ "

بفضل مكانتها الاجتماعية امتلكت معلومات عن كافة العائلات ذات الطبقة العليا تحديدًا الأفراد الذين يشغلون حيزًا كبيرًا في المجتمع ولأن كان لها علاقة ودية سابقًا مع نيكولاس أثناء فترة انتمائه إلى الاتحاد سمعت عن دوفا لكن لم تعطها الاهتمام اللازم كونها لن تستفيد شيئًا من التعرف عليها

لكن الأحوال تبدلت حين معرفتها باهتمام رالف بها فبدأ الفضول يلح عليها لمعرفة أي نوع من النساء تكون.

" شكرًا على مجاملتك لكن لست بأميرة صدقيني "

" هل هذا تواضع أم قلة ثقة؟ "

شاهدت ابتسامة دوفا التي سترت بها اضطرابها على سؤالها الذي لامس نقطة رفضت الاعتراف بها

مظهرها الثابت أخفى إحساس عدم التقبل اتجاه المرأة التي أخذت أضواء مناسبة أقيمت من أجلها

هل سيكون عيبًا وأمرًا محرجًا لو أخبرت أحدهم أنها لم تحب أوجيني كامورا من أول لقاء؟ هل سوف تصبح غريبة أطوار ويكثر عنها الأحاديث غير اللائقة لو غادرت المكان وهذا فقط كي لا تظل مع أوجيني في مكان واحد

ألا بأس أن تكون سيئة وأنانية، لمرة واحدة من أجل حماية نفسها من الانهيار...، لو أخبرت رالف أنها لم ترتح لقريبته كيف سيكون رده؟

ما إن خالجت هذه الفكرة رأسها حتى صوبت حدقة أعينها البنية اتجاه رالف الواقف بجانبها ثم أعادتها إلى أوجيني

أجابت بعد برهة من الصمت

" لا أرى بأني فعلت الكثير كي أستحق هذا اللقب "

" لقد وافقتِ على رابط الصلح ألا يكفي؟ "

وقعت الكلمات الباهتة والمفاجئة على أذنيها كصاعقة، مما أثار شعورًا مرًا مليئًا بالصدمة العميقة التي حاولت بلا جدوى تجاهلها.

وبسبب تلبكها لم تعي بأن أوجيني قصدت التحدث بنبرة عالية كي يتمكن الجميع من سماعها

لم ينطق نيكولاس بأي كلمة، حديث أوجيني الصريح ألجمه، لقد كانت تحادث ابنته رغم ذلك بدا الكلام موجهًا إليه هو.

شد رالف قبضة يده بقوة، لم يظهر تغيير على تعابيره إلا أن عيناه توهجتا بغضب مكبوت من أوجيني

استرسلت أوجيني متجاهلة تحديقات رالف

" لماذا أنتِ صامتة من يراك قد يظن أنك مجبرة على الزواج "

" لا أنا لست كذلك "

" حقًا؟ "

كادت تضحك على إنكار دوفا، فتحت فمها تنوي قول المزيد إلا أنها تجمدت عندما وضعت فيريا يدها على كتفها ضاغطة عليه.

وجهت فيريا بصرها إلى دوفا، قائلة

" لا يهم إن كانت مجبرة أو لا هذا واجبها ألست محقة؟ "

الأعين التي تنظر لها بدت مثل سهم يحاول اختراقها، الكلمات السامة خرجت من فاه مبتسم يدعي البراءة جعلها تشعر بالاختناق

كلٌّ من الحفيدة والجدة تجمعوا على حدة سائلين أسئلة يعرفون مسبقًا أجوبتها، بهدف اختبار صبرها.

لجأت أعينها إلى والدها، لعله يتمكن من إخراجها من هذا الموقف المحرج لكن ما وجدته هو صمت مرير.

تم محاصرتها، ولم تجد العون من أحد، سخرت أوجيني منها عندما قالت بأنها ليست بمجبرة على الزواج، كذلك إن وافقت أو رفضت رأي فيريا سيعود عليها بالسلب، على الأقل لم ترد من لسانها في التلفظ بأن مصيرها تحت سلطة كامورا

بدأ الهواء يتلاشى تدريجيًا من حولها، الضغط يرتفع في صدرها ودقات قلبها تشتد بشكل غير طبيعي

هل هذا وهم منها أم حقيقة بأن كل خلية من خلايا جسدها تطالب بالأكسجين، وهنت سيقانها وأصبحت بالكاد قادرة على الوقوف لو استطاع أحدهم الدخول من بين الجدران التي تضيق حولها ستبيع روحه لها لا بل فقط ليوانِسها أحدكم في هذا السجن الصغير داخل ذاتها.

لم تكن دوفا وحدها من جثم الكدر على صدرها، وإن اختلفت الأسباب لكن المشاعر نفسها

تمامًا كحال دوفا واجهت أوجيني صراعًا داخليًا يزداد ضراوة مع طول الفترة الزمنية التي ظلت فيريا تمسك كتفها

انخرطت شفتيها بقوة وعضت بحدة الرغبة الملحة في إزاحة اليد التي لمست جسدها، أعادت حركة فيريا صورًا قديمة أرادت دفنها.

" يدك تزعجني "

همست مصطنعة الثبات رغم ارتجاف كتفها

أزاحت فيريا يدها بهدوء دون إظهار أي ردة فعل تظهر العداء بينها وبين أوجيني

" ابتسمي، لا يهم مدى كرهك لي لكن إن سمحتِ للآخرين بمعرفة مشاعرك نحوي لن أتغاضى عن الأمر "

الانزعاج أصبح مثل نبض لها والدم الذي يتدفق في أوردتها حمل معه الغضب من عجزها بسبب الحصار الذي تعيشه في هذه اللحظة، أعينها الخضراء التي تركتهم عند أميرة ريغنار حملوا دموع كراهيتها.

*أن تتركِ اليد التي أطلقت رصاصة على طفولتي تلامس جسدي هو أكثر مما قد أستطيع تقبله، اليد التي تنبض بها الحياة سرقت حياة مني، ألا يمكنك فهم رجائي والتوقف عن اتباع مثل هذه الطرق لتدميري...، رغبت بأن أكرهك بنفسي ثم أمل *

حاربت مشاعرها الداخلية واستنفذت طاقتها بابتسامة مصطنعة تخفي جروحًا ملتهبة من مجرد لمسة، غير قادرة على البوح بتلك الكلمات.

علمت بأن الضعف والتعبير عن الكراهية قد يؤديان إلى تكرار الألم والجروح وهي تجاهلت الأمر وعبرت عنهم اتجاه شخص واحد أملًا أن يسمع صوتها.

كما لو أن الرب استجاب إلى دعوات إحداهن فأرسل لها يدًا دافئة ترسل الحرارة إلى جزء من روحها الباردة...، وجه تعرفه مع ابتسامة صغيرة تزين ثغره، تلاقت أعينها الترابية بعيناه الصامتة بلون العشب الصافي

" جدتي لم أنتهِ بعد من التنزه رفقة خطيبتي لذا عذرًا سنغادر الآن "

حدقت أوجيني برالف ثم إلى اليد التي انتشلت أميرة ريغنار، كانت مختلفة عن اليد التي أمسكت كتفها سابقًا ثم تركته مخلفة وراءها إحساسًا أيقظ طفلة خائفة تختبئ في جسد امرأة ناضجة، كانت قد حسدتها دوفا ريغنار عليه.

" فلتفعل رالف، استغلوا الوقت لتعارف جيدًا "

ظهرت تجاعيد حول فم نيكولاس الذي لم يكن له مزاج للابتسام وابتعدت ماريا أعينها الدامعة عن أوجيني بسبب الحقيقة التي ألحقتها عن هذا الزواج الذي رغم عدم اعتراض ابنتهم غير أنها لم تعطِ موافقتها، كان كل ما يحدث وفق رغبات ريغنار.

" سأغادر أنا أيضًا لقد تذكرت أمرًا مهمًا علي إنجازه "

تحدثت أوجيني بعجل ثم غادرت، غير مراعية للأشخاص الذين تركتهم خلفها، ما شغل بالها في هذه اللحظة هو الابتعاد عن فيريا بأكبر قدر من الإمكان

أرادت التنفيس عن غضبها أن تفعل أي شيء كي يختفي إحساس الضيق الذي يخنقها

.

.

.

.

.

.

٠

"

لماذا تأخرت؟ "

" لقد أتيت بسرعة بمجرد اتصالك بي  "

رفعت أوجيني حاجبها الأيمن وتحدثت بغضب

" لقد تأخرت عشر دقائق هل أنت سلحفاة؟ "

أجاب زيل

" إنها خمس ثم لماذا أنتِ هنا؟ "

" هل سوف تبدأ بمجادلتي عزيزي زيل أرى أنك تحب كيف أقوم بخفض راتبك "

" ماذا لكن.."

مدت يدها وقالت بلا مبالاة

" هل أحضرت ما طلبته منك "

" بلى "

وضع يده داخل جيب سترته مخرجًا علبة سجائر، ما إن رأتها أوجيني حتى خطفتها منه

" ما هذا؟ "

سألته فأجاب بحيرة

" سيجارة؟ "

أمسكت رأسها بألم وقالت

" ربما أنا عمياء ولا أدري...، زيل طلبت علبة سجائر إذا لما توجد سيجارة واحدة في العلبة؟ "

" أليس هذا نظامك الجديد كي تقلعي عن التدخين، سيجارة واحدة في اليوم طريقة فعالة من أجل التقليل من مادة النيكوتين في جسمك هذا ما قلته لي "

" منذ متى وأنا ألتزم بقراراتي زيل؟ "

وضع زيل إصبع السبابة والإبهام على ذقنه رافعًا رأسه مفكرًا في كلامها وما هي إلا لحظات حتى أتاها صوته

" حسنًا عند التفكير بالأمر، قراراتك مجرد كلام هبّ منكِ ودب "

" سأتأكد من خفض راتبك "

اتسعت عيناه بصدمة

" لا ليس راتبي، ما رأيك بخفضه الشهر المقبل، على الأقل بعد تسديد فواتير الكهرباء "

" إن قلت شيئًا آخر أقسم لك لن أسدده لشهرين "

طبق شفتيه بقوة، أراد البكاء والتحسر على حاله الآن فقط تفهم مشاعر ريكو الذي وجده غريب فيما مضى

أشعلت السيجارة التي وضعتها بين شفتيها ودفعت العلبة نحو زيل الذي أمسكها بذراعها قبل أن تلامس الأرض... لم يصدر ضجيج ولم يتحدث بل راقب بسكون تام وجسد مترقب أي ردة فعل قد تصدر منها

عشرون دقيقة مرت على اتصالها، لا زال يتذكر صوتها المرتجف لما أخبرته أن يأتي حالًا مع علبة سجائر.

لا يعرف السبب لكن الأكيد بأن أمرًا سيئًا حدث معها في الداخل، رغم فضوله لكن التزم الصمت

" زيل لدي سؤال لك وأرجو أن تجيب عليه بصدق "

تنبهت حواسه وقال

" تفضلي "

" أنت لا زلت لم تتذكر أي شيء من ماضيك صحيح؟ "

" أجل "

" لو امتلكت زرًا جعلك تستعيد كل ذكرياتك هل ستضغط عليه؟ "

" بالتأكيد نعم يهمني أن أعرف أي نوع من الأشخاص كنت؟ "

من بين طوفان الذكريات التي غرقت فيها تأملت السيجارة المحترقة، راقبت كيف تتحول تدريجيًا إلى رماد يتناثر في الهواء وكأنها تشاهد اندثار الذكريات في أعماقها مخلفًا سوادًا مظلمًا وتفاصيل مؤلمة

" نصيحة مني زيل لا تفعل إن كنت تملك ماضيًا سعيدًا لم تكن لتنساه ولم أكن أنا لألقاك في مكب النفيّات "

فكر بكلامها قليلًا ثم أجاب

" أنا من سوف يقرر هذا "

" بعد فوات الأوان "

تلبك من حديثها المتشائم، لن ينكر خوفه من صدق رأي أوجيني عن ماضيه غير أن رغبته في معرفة هويته كانت أكبر من خوفه، لذا أجاب بأمل

" لا... سأجد السعادة في هذه الذكريات وأنا يهمني هذا "

" أنت لا تفهم، الأسود يطغى على الأبيض، الألم يطول عن السعادة والذكريات الحزينة لن تجعلك ترى أيًا من الأوقات السعيدة التي عشتها بل سوف تزيد من أوجاعك فقط ".

رمت السيجارة على الأرض وسحقتها بحذائها ثم قالت.

" انتهت السيجارة ولم يهدأ بعد غضبي...، غضب اتجاه فيريا، غضب بسبب حزني وغضب تولد نتيجة والديّ، صوت يخبرني أن آخذ ثأري بقتلها وصوت آخر ينتظر منها أن تبدأ بالتحدث معي وتبرر ما فعلته بي "

نظرت إليه وأكملت بصوت جاف

" هل تعلم، إذا قالت إنها لم تقتل والدتي سوف أصدقها هذا القلب اللعين يريد أن يجد فرصة لمسامحتها أما عقلي يخبرني أنه لم ينسَ ما شهدته عيناي هاتان...، ماذا أفعل زيل ماذا أفعل؟ "

رمت نفسها على الأرض غير مهتمة بهيئتها التي قد تفسد أو تلطخ ملابسها بالرمل، أرادت البكاء، رغبت بشدة بإخراج مكبوتاتها إلا أنها فشلت، من قال بأن الدموع سيئة، الآن هي تتوسل لخروج دمعة واحدة

من بين حالتها لم تنتبه إلى زيل الذي اقترب أكثر منها وغطاها بجسده خوفًا أن يرى أحدهم الحالة التي تمر بها أوجيني.

" أكرهها زيل وأكره كذلك مشاعري اتجاهها "

" يمكنني أن أخلصك من عذابك، أنتِ تعلمين إشارة واحدة منك تكفي "

ابتسمت على كلامه وأجابته بصوت مستهزئ يتناقض مع حالتها

" زيل عندما تصطنع الجدية يجعلك في نظري لطيف "

" أنا أقول الحقيقة "

خرجت ضحكة من صدرها بلا إرادة منها وقالت

" الرجل الذي يتردد في إيذاء حشرة يطلب الإذن كي يقتل جدتي، هذا لطيف، هل تعلم لو سمعك أحدهم ستعاقب بتهمة الخيانة "

" من أذاك أذاني من خانك خانني، ولو كان قتل فيريا كامورا سبب نهايتي سأفعل وأنا كلي رضا "

" إياك زيل إياك، أنت عشت معنا بما يكفي حتى تعرف قوانينا وطريقتنا في العيش، العالم يرى قشرتنا وأنت جربت حموضتنا "

رفعت رأسها عاليا إلى السماء، مسترسلة في حديثها 

" هل تعرف، اليوم فقط استوعبت حقيقة سخيفة عن عائلتي "

توقفت برهة محولة بصرها إلى زيل، ارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة تكمل بها الكلام

" كل صالح في كامورا مصيره الفساد أو الجنون  "

لم يستجب زيل لها بل راح فكره بعيدا، و كأن حديثها جعله يفكر بشخص ما

فلما وجدته أوجيني غائب عن الواقع أعادته بكلامها

" لقد تحدثنا بما فيه الكفاية حان وقت العمل "

بعد قولها لهذه العبارة استقامت بجسدها نافضة الغبار عنها.

" انتِ على ما يرام أليس كذلك؟ "

قالت بسخرية

" أي كذبة تريد سماعها زيل "

" سيدتي، لا أظنك جاهلة بأني سأفعل أي شيء من أجلك "

خرجت منه بلا تردد، عيناه مثبتان عليها و كأن قراره حسم منذ زمن، أرادها أن تعيد التفكير بقرارها، رؤيتها في كل مرة تتصادم بها مع فيريا بهذا الحال لم يرضه أبدا 

قاطع سيل افكاره نبرة صوتها الثابتة  

" لا أنوي إدخال طرف خارجي بيني وبين فيريا، أنا سوف أهتم بمشاكلي الخاصة "

طأطأ رأسه كمن لم يجد ما يقوله بعد هذا الرفض، مهما نظر إلى كافة الجوانب لم يفهم زيل لماذا تجد أوجيني صعوبة في التخلص من الشخص الذي كان سبب كل معاناتها الحالية

هل هو القانون؟ لكن يمكنه بسهولة إخفاء الأدلة التي تشير لها، أو ربما السبب يرجع إلى الروابط العائلية بينهما و هذا الأخير يجد صعوبة في فهمه .  

" أردتك أن تكوني سعيدة "

" أنت لم تتواجد لتكون سبب سعادتي دورك هو حمايتي وتغطية نقاط ضعفي، كامورا حامية وأنت الحامي الخاص بي "

فجأة باغتتهم صرخات حادة آتية بالقرب منهم، نظرت إلى زيل الذي بدوره حدق بها في دهشة ثم دون تأخير توجها إلى مصدر الصرخات

ما وجدته جعل فكها يكاد يلامس الأرض من الصدمة

على مسافة ليست ببعيدة عنهم رأت أحد كلاب الحراسة يغرس أنيابه في جسد بشري

بفضل الصرخات المتألمة التي تطلب النجدة تمكنت من التعرف على هوية الشخص

لقد كان سانتينو ريغنار

" ما الذي يحدث هنا؟ "

أدارت أوجيني جسدها إلى فيريا التي تجمدت مكانها بعد رؤيتها المنظر

نقلت عينيها إلى بقية أفراد ريغنار وتحديدًا إلى نيكولاس الذي ظل بصره معلقًا على جسد شقيقه الذي تفتكه أنياب الكلب.

بأي عقل ظنت بأن اليوم سيمر على خير، الصراع الذي نشأ بين العائلتين ولا زالت شرارته تمشي على الأرض سيشعل فتيل الحرب مرة أخرى.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إليفثيريا

المؤلف brabr
2025/07/03 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة