زيارة مفاجئة

زيارة مفاجئة

12 0

الحرب تجارة يقتات منها الملوك

جون دراين.

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~♡~~~~~~~~~~~~~~~~~~

هل الحياة صراع ؟ أم أن الصراع هو الحياة ؟ هل المعاناة دلالة على الوجود أو أن الوجود بذاته معناة ؟

فلسفة غريبة، ناقشها عقلها بينما ظلت واقفة قرب النافورة، أعينها كانت تجوب جدران منزلها المصبوغ بالأبيض .

بيتًا، لم يكن أصحابه في صراع مع الحياة، بل مع أنفسهم، مع ذاتهم و روحهم .

تقدمت إلى الأمام، تنوي الولوج و تأجيل فلسفتها إلى وقت آخر.

لامست مقبض الباب لكن فجأة جاء صوت مألوف استغربته، جعل من يدها تتيبس على المقبض الحديدي

" دوفا "

شدت معصمها قليلا و أدارت جسدها إلى الخلف، قائلة بنبرة خافتة

" عمي "

صوب سانتينو عينيه اتجاهها، شابكَ يديه خلف ظهره، رافعًا شفتيه قليلا يظهر ابتسامة مجاملة

" من الجيد لقائك ابنة أخي "

بتعابير مثالية صنعت الهدوء و بابتسامة راقية زينت ثغرها ردت عليه

" و لقائك كذلك...، عمي "

" هل ترغبين في فنجان من القهوة "

قطبت جبينها في شك إلا انها وافقت على دعوته و لم تنسى جعل تعابير وجهها ثابتة

" يشرفني مشاركتك "

" رافقيني اذن "

تقدم سانتينو لتزيح دوفا جسدها عن الباب سامحة له بفتحه.

حدقت دوفا في ظهر عمها، الاخ الوحيد لوالدها، عصرت جمجمتها بشدة من أجل معرفة سبب اهتمامه المفاجئ بها، فرغم مشاركتهم لنفس المنزل لكن نادرا ما يدور بينهم حديث طويل، يكفي إلقاء السلام ثم يذهب كلاهما في طريقه

حسنا، هي لم تكن مقربة من أحد، حتى بنات عمها، بسبب فارق السن .

أطلقت زفرة مكتومة من الإرهاق، لتو عادت من موعدها مع رالف و كانت تنوي الذهاب إلى غرفتها من أجل الراحة، لكن ظهور عمها المفاجئ أجل خطتها .

بعد أن قادها إلى الصالة في الطابق الأول أشار إلى الأريكة الرمادية

" اجلسي "

كانت نبرته أمرًا أكثر من كونها طلبًا أو دعوة لكن لم تهتم و فعلت كما قال

لم تتحدث و كذلك هو ، حافظت على جعل نظرها على البساط الرمادي المخطط بالأبيض، ببساطة لم تستطع رفع رأسها و مواجهة عمها الذي اتخذ المقعد المقابل محجرًا له . 

بعد لحظات انفتح باب الصالة و ولجت منه الخادمة، تحمل في يدها صينية .

وضعت محتويات الصينية على الطاولة الصغيرة، التي تفصل دوفا عن عمها.

بعد النظر على ما قدمته الخادمة، انكمش وجه دوفا بعدم راحة، امامها وضع فنجان قهوة مع بعض المكسرات .

" يفضل شرب القهوة ساخنة "

نصحها سانتينو ثم أخذ فنجانه و ارتشف محتواه متذوقًا المرارة باستمتاع .

القهوة....، أكثر المشروبات كرهًا بالنسبة لها و للأسف لم تستطع إظهار اشمئزازها أمام عمها المحب لهذا النوع من المشروبات.

بتردد أمسكت الكوب و وضعته بين شفاهها، رائحة القهوة القوية سببت الغثيان لها، و جِرَاءَ ذلك، أرادت العودة بسرعة إلى غرفتها و غسل أسنانها .

" سمعت بأنكِ خرجتِ مع خطيبك "

فاجأها حديثه المباشر، رطبت حنجرتها تضع بهدوء الفنجان على سطح الطاولة.

ألحقته بوضع ذراعها على فخذها

أجابت بعدها بنبرة هادئة تُناسب نبالة جلستها

" بلى "

" ممم ... كيف كان الأمر "

" جيد "

قدمت له إجابات مختصرة، دعت في سرها أن ينتهي هذا الاستجواب، كانت متعبة و رغبت بالراحة لكن عمها بدى أنه يملك رأي أخر كونه سألها مجددا

" هل بدأتِ بالتوافق معه "

صمتت لثواني تفكر في جواب حيادي... هي بالفعل بدأت تتوافق مع رالف و في نفس الوقت خائفة من جهلها بِحقيقته التي لا تراها، لكن تشعر بها و دون وعي منها قالت بصوت خافت لكن و صل إلى مسامع سانتينو

" لا أعلم "

قطب سانتينو حاجبيه على ما قالته و قبل فتح فمه سارعت بتصحيح عبارتها

" أنا أعني لم يمر وقت طويل على خُطبتِنا لذا نحن ما زلنا في مرحلة التعارف "

" لو رأيتِ أنه من أجل التوافق عليكِ أولا التعرف عليه فأبشركِ يا إبنة أخي بأنك لن تتوافقِ معه أبدا "

أنزلت رأسها إلى حجرها تفكر بكلام عمها الذي لم يعطي لها الوقت الكافي لأنه سألها مجددا

" ما رأيكِ به ؟ "

توسعت أعينها و عضت شفتيها و قبل أن تنجرف في مشاعرها أكثر عاد صوته مرة اخرى

" أعني ألم يواردك أي شك من جهته، كما ترين، خطيبك ليس من أصول عادية، و من الغريب أن يعمل نبيل عند الحكومة "

حَكَ ذُقنَهُ الشائك مُسْتَرّسِلاً في حيرة

" عندما قررت العائلتين اتباع الأعراف، ظننا أنا و والدك بأن الشخص الذي سيتزوجك هو شقيق المقتول، و ليس إبن عمه "

تقلصت ملامحه بريبة أكبر

" الزواج من ذلك الشاب الذي نادرا ما نراه، و يشاع بأنه فاشل لا سلطة له داخل العائلة، بلا شك هم ينوون إهانتنا، و من البداية يحاولون تقييدك "

أنهى سانتينو جملته ثم وجه بصره إلى دوفا، ارتعشت جفونه لما التقت عيناه مع خاصتها فيما تسربت القشعريرة الى عظامه .

وجه هادئ لا يعكس الكثير، ابتسامة نادرا ما تتقلص، عينان باردتان لكن تحملان قدر كافي من الود .

كانت هذه نظرة سانتينو عن ابنة شقيقه، منذ الطفولة الى البلوغ، التي لم تتصرف على عكس ذلك .

امرأة أتقنت لعب الدور الذي تم اختياره لها، إلى أن صار من الممل مشاهدتها.

لهذا السبب لم يعرف متى صارت خاملة الى هذا الحد أو من أين تعلمت صنع تعابير مخالفة عن ما اعتاده منها.

تعابير جامدة شِفَاهْ متصلبة و نظرة ميتة .

هذا هو انعكاس الصورة التي صورتها أعين سانتينو، حَمْحَمَ بخفة محاولًا اعادة ثباته الذي اهتز، لكن الصوت الذي خرج من حنجرتها ألجمه

" هل جِئتَ بي إلى هنا من أجل تصديق شعورك حول خطيبي الذي لم ترتح له، و ما الفائدة ؟ أليس أنتَ من كُنتَ أول المشجعين لهذا الزواج.... و سواء كان حدسكَ صحيح أو لا حقيقة زواجي لن تتغير و كونك من المؤيدين على جعلِ داخل هذه الدوامة"

اهتزت شَفَتَاهَا بسخرية عندما لم تجد رد

" هل تريد مني التراجع عن هذا الزواج "

" لا "

عض لسانه على اجابته السريعة، غطى عيناه عن الحقيقة التي آبى التفكير بها، لا يريد الشعور بالذنب الذي يؤرق نومه، يرفض تماما بآن يكون السبب الرئيسي في قيادتها الى مصير مجهول ربما لن تخرج منه معافاة .

هو بريء، كل ما فعله و ما سيفعله، من أجل العائلة.

الإجابة التي خرجت بلا تردد من ثغره كانت مثل سهم أصاب قلبها و جعله ينزف خيبة على هاته الخيانة.

نبست بثقل

" لا يملك خطيبي القوة الكافية لحمايتي مثلما فقدت ريغنار أغلب نفوذها بسبب عائلة كامورا، رغم ذلك لا زلت مصر على إكمال الزواج ؟ "

" أجل "

" قد أموت "

" دوفا ريغنار إن كان هذا مصيرك عليكِ تقبله، بعد هروب أخيكِ صرتِ انتِ الوريثة، و هذا واجبك "

" اعذرني، اذن ؟ "

ودعته و دون النظر الى الخلف غادرت الصالة.

اهتاجت مشاعرها الراكدة مثل الموج في فصل الشتاء، و سقطت كورقة تحركها رياح الخريف البارد بلا هوادة في قعر من الذم النفسي .

ضاق تنفسها كما لو أن صخرة ثقيلة وضعت على صدرها فمنعتها

الهدوء، كل ما يطالب عقلها به هو هذا الشيء البسيط فلعل بهذا تتوقف الأفكار و به يتوقف الألم .

عبرت الممر الذي يزين جدرانه لوحات بعض الفنانين، فيما مضى كانت تتوقف عند هذا الممر، كي تأخذ قدرًا من التحفيز من لوحات الرسامين على أمل ان تكون واحدة منهم.

لكن هذه المرة كان الأمر مختلف، شعرت كما لو أن العالم يستهزئ بها، لم يعد بإمكانها تحقيق أبسط الامور فما بالك بحلمها. 

تسارعت خطواتها أكثر، راغبة في قطع المسافة بسرعة وصولًا إلى باب غرفتها

علقت يدها في الهواء لما انفتح الباب قبل أن تصل إلى المقبض

رمشت في ذهول، تفحصت والدتها التي خرجت من الغرفة، كانت عيناها حمراء و وجهها مليء بالقلق الذي تحول إلى الارتياح

" دوفا، لقد عدتِ، الحمد لله لم يحدث لكِ شيء "

تنهدت بأخر جملتها .

مرت دوفا من أمام ماريا و ولجت إلى الغرفة، تحدثت ماريا مجددا

" لا أصدق بأنكِ خرجتِ مع خطيبك دون حِراسة لا أفهم بما يفكر به والدك حتى يسمح لكِ بالخروج معه وحدكِ ألا يعرف أنه من الخطر، البقاء مع فرد من كامورا في مكان واحد ماذا لو فعل شيء بكِ "

تجمدت ذراع دوفا الممتدة إلى أبواب الخزانة .

غمغمت في هدوء متجاهلة انقباض قلبها

" انه خطيبي أمي "

" أنا على علم بهذا لكن لا أزال اشعر بالقلق، عندما عرفت بأمر مغادرتك تصورت ابشع السيناريوهات "

غرست أظافرها على ثوب النوم الذي أخرجته إلى أن إنكمش .

تابعت ماريا بوجوم شديد

" بدأت أشك بأن هذا الزواج لأجل سلامتك أو سوف يكون من الأسباب التي تجعلني أخسر طفلاً أخر "

انحنى كتفاها من وزن الكلمات الغير مبالية، ماذا يجب ان تفعل، ليس وكأن القرار في يدها، لماذا في كل مرة يتم تذكيرها بواقعها، يرسمون لها، مستقبل مجهول مليئ بالكآبة.

روحها تشققت، تكورت مثل عصفور يبحث عن دفئ في ليلة ممطرة، لذا بكل بَأسًا حاولت حماية الفتات الذي ظل من وجدانها .

هل جهودها ليست بشيء ؟ و من شدة اليأس و الغضب نبست بما لم تتخيل يوما أنها ستنطق به

" لم أكن يوما موجودة حتى تخسريني "

أمالت ماريا رأسها الى الامام و عقدت حاجبيها قبل أن تقول باستفهام  

" هل قلتِ شيء دوفا ؟ اعتذر كنت شاردة "

ابتسمت ابتسامة صغيرة تخفي مرارة علقت في حلقها

" أريد الاستحمام "

" اه أجل، عليك الراحة يمكنني رؤية بشرتك الشاحبة "

نزعت دوفا ملابسها و تركت الماء الدافئ يسيل فوق رأسها على أمل أن يغلف الدفئ قلبها الذي بدى الجمود يتربص به..... مررت يدها على شعرها سامحة للماء بالدخول إليه ثم فتحت أعينها الجميلة جاعلة من رموشها كسد يمنع عبور الماء .

لم تسمعها والدتها و منذ متى سمعها أحد، والدتها لا تستطيع خسارتها كونها بالفعل خسرتها لقد بدأ الظلام يأكلها و بدأت مشاعر روحها تختفي و بقى جسدها ينتظر وقت فناءه.

لا حق لأي شخص أن يقول أنه يخسرها فمنذ متى كان للجسد قيمة بلا روح و روحها هي لم تظهر للعيان بل بقيت سجينة لأهواء ريغنار

لو أتتكِ موجة من الأفكار لا تقاومِ للخروج منها بل إغرقِي فيها

هي داخلك، اذا هي منك، حتى لو رفضتها حتى لو أردتِ الهروب منها..، الأمر سيجعلك تعانين فقط

" أنا أغرق رالف أنا اغرق "

قالت كما لو انه هنا و يستطيع سماعها....، أغمضت عينيها مجددًا، تفكر في ماضيها، حاضرها، و مستقبلها

جميعهم كان قرار اتخذته عائلتها، لم يكن لها الحق في الرفض

الحقيقة التي كانت تدركها لكن أنكرتها، جعلتها تتساءل ، تفكر 

أين موقعها هنا؟.........أين دوفا؟

~~~~~~~~~~~~~~~♤~~~~~~~~~~~~

انقشعت الظلال عن جدران الفيلا مع صعود ضياء القمر عليها، فامتد نوره إلى الطريق الموحل كاشفًا عن سيارة سوداء راسية على الرصيف المقابل.

في داخلها، رفع زيل معصمه، يلقي نظرة سريعة على ساعة الروكس الملتفة حول مرفقه، أشار العقرب إلى الثانية صباحا .

أعاد نظره إلى الحاسوب على حجره، أضاءت الشاشة السوداء بسلسلة من البيانات و الأرقام الغريبة .

بعد تفكير، صرح لأوجيني الجاسة بجانبه بما يخالج فكره

" لا أظن بأنها فكرة مناسبة، التسلل إلى منزل أحد الإخوة خطوة خطيرة "

" هل تمكنت من تعطيل أجهزة الامن ؟ "

عبس من عدم اهتمامها بقلقه

" أوجيني، أنا لا أمزح "

مالت رأسها قليلا لترد عليه

" أنا أيضًا زيل "

" هذه المرة الأخيرة التي سأسمح لكِ بفعل مثل هذا الأمر . "

غمغم زيل بضيق و بدأ يضغط على لوحة المفاتيح مجددًا .

البارحة، لما اتصلت أوجيني به، لم يعتقد بأنها ستجره إلى محاولة اختراق منزل ويستن روبس، أحد أعضاء المجلس.

كانت هناك مقولة سمعها زيل من قبل، تقول المال لا يصنع السعادة بل يفضي إلى السلطة.

مهما تغير الزمن و اختلفت الحقبة، كانت هذه الجملة حقيقة رسخت في أذهان الجميع

ليتولد منها قبيل الحرب العالمية الاولى تقسيم المجتمعات إلى طبقات

النبلاء و الفقراء

فإما أن تكون من حاملين الدماء الزرقاء، كي تعيش حياة هانئة و إما آن تتحمل وساخة دمائك لتصبح في أدنى الهرم، لا تفعل شيء سوى التذلل من أجل رغيف الخبز .

و لأن الإنسان يميل إلى التغيير، دُفع إلى إسقاط النظام السائد في بداية الثورة الصناعية، انطلاقًا من نشأة المجلس .

لم يذكر التارخ أسماء أوائل المؤسسين للمجلس لكن يشاع حسب الدراسات أن سبعة أفراد مختلف الطبقات ساهموا في بناءه، فصاروا الآن يعرفون بالشيوخ السبع.

يليهم مباشرة المستشارين و تم اطلاق لقب الإخوة عليهم، كانوا بمثابة نواب للشيخ الذي يترأسهم

و من بين هؤلاء الإخوة كان ويستن روبس أحدهم، و حسب المعلومات التي جمعها زيل عنه، كان سياسي سابق استقال و صار بعدها الأخ السادس في حزب 《أزورا 》، أحد الاحزاب السبع .

شعر زيل ببعض الإحباط نتيجة عدم تمكنه من العثور على معلومات وافية تخص المجلس بسبب فضوله.

فمنذ نشأته مع أوجيني سمع حكايات كثيرة عن الصراع الدائر بين النبلاء و المجلس، مما دفعه إلى محاولة البحث عن أصل هذا الخلاف.

و أغلب الظن كان صراع إيديولوجي، يدور عن اختلاف وجهات النظر بين الجهتين، و كلاهما اشتركوا في البحث عن السلطة .

٠

" حتى و إن كنت فاشلا، لطالما كان معك المال، ستصبح كل شيء "

جملة رددها والده قبل وفاته بسعات، لا يعلم لما خطر على باله هذا الحديث، رغم مرور عشرين عام .

زفر زفرة طويلة أملاً أن يخف التعب عن جسده المليء بالدهون، خفض عيناه إلى الظرف الاسود الموضوع فوق المكتب

منذ قراءة مرسول المجلس لم يتوقف قلبه عن النبض بقوة، بعد شهر أو ربما خلال أسبوع سيفقد كل شيء

كان كل شيء على ما يرام، فأين أخطأ تحديدا ؟

رفع رأسه إلى السطح و لمعت عيناه بحسرة، جشعه هو من أوصله الى هذا الموصل و فرصته الأخيرة كي تغفر ذنوبه كانت بضمان نجاح هذه المهمة، ضم ريغنار إلى حزب شيخ أزورا

" أسبوع أي سبعة أيام كل يوم هناك أربع وعشرون ساعة أي لديك 168 ساعة...، الوقت كافي لتقديم نتائج مرضية عليك فقط استغلال الأمر "

تذكر كلام الأخ السابع في الصباح وكيف بفضله تم اثارة اندفاع الأدرينالين في جسده، فنهض من مقعده بسرعة، متوجهًا نحو الباب دون توديع بقية الإخوة.

اتكأ على ظهر الكرسي الجلدي، مما جعل بطنه المستديرة تهتز قليلا، في كل مرة شعر بها في التعب، كان ويستن ينبش في أرجاء مكتبه الواسع المعلق على جدرانه أجمل اللوحات و إلى الثريات التي تكلف الملايين، عندها فقط كان يبتسم في رضى.

لا يريد خسارة ما ربحه، فبعد أن شبع الرخاء يصعب عليه العيش في مستوى أدنى.

" لا خيار اخر "

حث نفسه بقوة، و رمى كل تردده بعيدا، إن لم تنجح الطرق الودية لإيقاف هذا الزواج، لن يتوانى بنشر الدمار من أجل سلامته.

لم تبدأ خطته بالتبلور داخل جمجمته حتى فجأة انقطعت الكهرباء، فظل وحيدًا داخل غرفة المكتب المظلمة.

نهض من مقعده فهتزت بطنه مرة اخرى، تحسس الطريق أمامه براحة يده خوفًا من الاصدام بشيء ما .

نادرا ما كانت الكهرباء تنقطع في هذا الحي لذا ارجح الخلل الى خطأ تقني في منزله، نوى النزول الى الأسفل و الكشف عن الوضع لكن الظلام الذي أحاط به كان حاجز بالنسبة إليه

تذكر فجأة هاتفه الموضوع فوق المكتب، لذا عاد الى الخلف، تلمست يده الخشنة سطح المكتب ، بعد بحث قصير تمكن من الشعور بالهيكل المألوف الذي لامس أصابع ذراعه .

أخذ هاتفه ضاغطا على زر التشغيل، اثناء قيامه بذلك لم ينتبه ويستن الى الظل خلفه، لم يصدر من الاخير أي صوت إلا بعد سطوع الضوء من الهاتف.

" لا تتحرك "

تجمد جسد ويستن و ارتعشت عيناه، فتح فمه و سأل

" من أنت "

لم يجب الشخص الغريب بل قام بجره الى اريكة تواجدت داخل المكتب و امره بالجلوس

بعد اعتياده على الضلام كان بإمكانه قليلا رؤية معالم الشخص الغريب

تحدث ويستن بثبات مزيف

" ان كان هدفك المال يمكنني تقديمه لك، بما أنني لا زلت وديا معك انسحب "

" ألم يخبرك أحدهم، بأن لا تحاول التصرف بتعالي في مثل هذه المواقف "

الأنفاس الساخنة التي لامست أذنه جلبت القشعريرة له، كان الصوت مختلف عن الاول، و في هذه اللحظة تماما عادت الاضواء .

أغلق عيناه بقوة من الإنارة الساطعة، بعد أن إعتاد الأمر أعاد فتحهم

أمامه تم الكشف عن رجل طويل، اسمر البشرة، عريض المنكبين يرتدي ثياب سوداء و يحمل في يده مسدس وجهه الى جبهته

بلع لعابه بعصبية ثم ببطئ أدار نظره الى الخلف، وجد امرأة لم يظهر من وجهها الكثير بسبب النظارة الغريبة التي ترتديها، لم يحتج الامر منه الكثير من التفكير حتى يستنتج نوع النظارات 

" نعتذر على الزيارة المفاجئة "

تردد الصوت الأنثوي إلى مسامعه، بعد أن إتكأت بجزئها السفلي على رأس الأريكة التي يجلس عليها

مدت المرأة يدها المغطاة بقفازات جلدية سوداء، تنزع عنها النظارة الليلية، كاشفة عن بقية ملامحها .

نظرت اليه و ابتسمت

" زيارتنا خفيفة، ان لم ترد المتاعب تعاون معنا "

لم يجب بل ظلت عيناه مثبتة على وجهها، تقلصت حواجبه قبل ان يهتف بحيرة

" وجهك يبدو مألوفا لي "

ارتفعت زاوية شفتيها على حديثه و لمعت أعينها بمكر

" حقا! اتساءل بمن أذكرك ؟ "

تباطأت أنفاسه للحظة، و ارتسم على وجهه تردد خافت برز من نبرة صوته

" ان لم اكن مخطئ انتِ من آسرة كامورا "

أزاحت نظرها عنه، تحدق في إنعكاس صورتها على زجاج النافذة امامها.

" اجل "

أكدت شكوكه مثلما ذكرت نفسها بأصلها، نطقه للقبها ولد عندها شعور غريب.

كامورا...، الحامية....، هذا ما يشير إليه لقب العائلة الذي تحمله لكن مهما نظرت في مختلف الجوانب فلا يمكنها ان ترى أي معنى لهذا اللقب .

اخرجها صوت ويستن المرتبك من شُرُودِهَا

" أنا أحذرك، ما تفعلينه الأن هو بمثابة اعلان الحرب "

" هل تواجد السلام حتى نعلن الحرب ؟ "

لم يجب مما جعل شفتيها تنفرج بِتهكم

" على أي حال ألا تملك فضول عن نيتي ؟ "

" ايذائي ؟ تهديدي ؟ أو ربما سرقة معلومات عن المجلس "

" تملك خيال واسع، أنصحك بتحويل مهنتك الى كاتب سيناريوهات "

اغتاظ من كلامها اللاذع لكن لم تعره بالا

سارت الى المكتب، تسند يديها على الحافة، قبل ان تقول شيء جذبها الظرف الاسود، أخذته و لوحت به بذراعها

" المرسول ؟ "

صاح ويستن بعنف تاركا خوفه جانبا

" لا تلمسيه "

" حسنا، كما تريد "

لم يخفف من قسوة تعابير وجهه إلا بعد رميها المرسول بلا اكتراث على المكتب، تلبيتها لطلبه أربكه أكثر، رغم صراخه، لكن لم يتوقع منها ان تستجيب له

رمق الاثنين في حذر، ليهتف بعدها بخفوت

" ما غايتك ؟ "

تأملته قليلا قبل أن تهتف بجدية

" سيد ويستن، أرغب بعقد صفقة معك "

جذب كلامها انتباه ويستن، لكن رغم ذلك لم ينقص من حذره

" لما علي التعاون معكِ، وجودِكِ وحده في منزلي يبعث الشكوك إلي، هل تعتقدي بأني جاهل حتى أخون المجلس "

حدقت أوجيني به لثواني قبل ان تتنهد و تتابع بصوت منخفض

" لم أكذب حين أخبرتك بأنك تملك خيالاً واسع، صفقتنا تقتضي على خدمة واحدة ثم يذهب كلانا في طريقه "

" اخبرني احدهم نفس الكلام، و انظري الي الان، حياتي صارت في الحضيض بسببه "

" لا أعرف من هو لكن وعدًا لن اسبب لك أي مشاكل "

ارتعشت اصابعه و هو يحدق فيها، محاولا فهم نوياها، بعد تردد طويل قال

" غادري الأن، أنا لست مهتم "

" حقا ! حتى و ان عنى ذلك مساعدتك بتخفيف العقاب عن فشلك في منع ضم ريغنار لسلطة عائلتي "

انفرجت مقلتاه بدهشة

" كيف علمتي بهذا ؟ لا احد غير أخوة أزورا يعلمون بمرسول الشيخ "

" ليس و كأني كنت على دراية، ما جعلني قادرة على التخمين هو تصرفاتك في الفترة الاخيرة، لقد كنت يائسا جدا في محاولة استمالة رئيس ريغنار الى جانبك و بعد رؤيتي المرسول تأكدت "

 

" ماهو عرضك ؟ "

أجابت بحيادية

" ليس لدي القدرة على منع عواقب المرسول، كما لا انوي فسخ تعاقد عائلتي مع ريغنار، الخطوبة تمت بالفعل "

اهتزت شفاهه بسخرية

" اذا لا يوجد فائدة من عرضك "

" لنكن صريحين، غاية المجلس من عائلة ريغنار هو الإستولاء على المنجم الخاص بهم..، ماذا ان عرضت عليك منتج سلاح ستعرضه عائلتي داخل السوق قريبا "

" هل تساومِ المجلس بين منجم ذهب و أسلحة ؟ "

" بل شرف عائلتي الفضيحة التي سوف تواجهها كامورا بعد سرقة فكرة المنتج و عرضهم قبلهم، سمعتنا ستكون في الحضيض "

صمت قليلا يفكر بعرضها، لم يكن سيء إلى تلك الدرجة، لكن في نفس الوقت لا يمكنه الثقة بها

" لنقل بأني موافق، ماهو السبب الذي يدفعك لعرض هذه الصفقة علي ؟ "

" كايل كامورا، هل المجلس له علاقة بمقتله؟ "

" لا علاقة لنا بالامر و لم يصدر أمر مباشر من المجلس "

" إن كان الامر كذلك، لما المجلس يرغب بشدة بمنع تحالف عائلتي مع ريغنار، أرجح بشدة أن الأمر لا يتعلق بالمنجم وحده "

تردد ويستن قليلا قبل أن يجيب

" لا يتعلق الأمر بالمجلس، بل بشيخ أزورا "

" لكن أليست السلطة مشتركة بين الشيوخ لما اذن يتعلق بشيخ حزبك وحده "

تنهد ويستن و شرح

" القيادة المشتركة لا تعني بالضرورة مشاركة الجميع نفس المصالح و الأهداف "

ابعد نظره و بدا مترددًا أكثر ، لم يقل شيء مهم لكن اخبار نبيل عن ما يجري داخل المجلس تركه يشعر بالذنب، لكن أمام حياته كل ما قاله لا يعد بشيء

" مهما كان المجلس متماسك لكن لابد من وجود بعض الصرعات، لقد بدأ الامر بعد وفاة الشيخ السابق "

" و ما علاقته ؟ "

أشاح بصره عنها، ضاغطًا على كفه حتى احمر

" كان أب الشيخ الحالي "

تسمرت نظراتها على ويستن، و لم تمنع حدقتاها من الاتساع على هذه الاخبار

" لحظة! لكن منذ متى صار المجلس يورث مناصب الشيوخ الى الأبناء؟ هذا منافي لقانونكم على ما أظن "

" لم يكن أحد على علم قبل تنصيبه "

فتحت ثغرها على أخره من هذه الحقيقة، ثم ضيقت جفونها بتهكم مرددة بنبرة ساخرة

" لا تعلمون؟ هل المجلس مستهتر الى هذه الدرجة "

" لا علاقة لنا بالامر، الذنب ذنب شيخ ازورا السابق، هو من اخفى حقيقة وجود ابن له "

رفعت حاجبها بإستهزاء واضح

" لمَ أخفاه ؟ و بعد علمكم لم، لم تجردوه من منصبه "

" لا احد يعلم بما يدور في ذهن الأب أو الإبن، الاثنين أغرب من الأخر، أما بالنسبة إلى سؤالك الأخير لا أملك جواباً عنه، في حين وافق الشيوخ الستة على جعله الشيخ، نحن الاخوة لا سلطة لنا للإعتراض "

أمالت أوجيني كتفيها قليلا ثم استقصت في فضول عن غايتها

" ويستن إن كان ما تقوله حقيقة فسر لي إذن كيف لا يزال هاينز ريغنار هاربًا رغم محاصرتنا له من كافة الجهات "

جاهد في التبرير بكلمات متقطعة سريعة

" اقسم أخبرتك كل ما اعرفه "

" بين الشيوخ السبعة من هو أقرب شخص سوف يستفيد من صراعنا مع ريغنار "

فكرا مليًا قبل ان يعبس و يشحب وجهه، اقتربت اوجيني منه تخبره عن الإجابة التي لم يستطع البوح بها

" هذا صحيح، شيخك، شيخ أزورا "

" اقسم لا اعلم شيء، هو لم يقم بإصدار مرسول "

عادت للخلف تجيبه بنبرة باردة

" لستم الوحدين الذي بإمكانكم تنفيذ أوامره، يوجد الكثير من البشر مستعدين للقيام بنفس الشيء "

تراجع ويستن بسرعة للخلف لما استقامت فجأة، نظرت إليه في سخرية

" لما انت خائف، لن افعل لك شيء "

حدق بها للحظات ثم وجه بصره إلى زيل الذي كان يتكئ على رف الكتب و أعينه مثبتة نحوهم

" هل أنتِ مغادرة "

رفعت حاجبها بإستهزاء

" أجل، لماذا ؟ هل ترغب باستضافتنا هذه الليلة "

هز رأسه، ينفي بسرعة حديثها

" لا أنا أعني.."

بلع بقية الكلمات، و راقبها بشك، فهمت أوجيني نظراته، لذا طمأنته

" أخبرتك زيارتنا قصيرة، لن تلحق بك أي ضرر، كما أنني لستُ بمجرمة "

توقفت قليلا تحدق في محطيها، أكملت باستهجان

" أعتقد بأن التسلل يعتبر جريمة، لكن هذا الامر مختلف، إذا و داعًا "

أدارت جسدها و لوحت بذراعها له، لكن توقفت و سألته مجددا

" قبل قليل أخبرتني بأنك اجريت صفقة مع أحدهم، كان سبب في حالتك الأن، ماذا كنت تعني "

أجاب عليها متلعثمًا و عيناه تتجنبان نظرتها    

" تلقيت أمر بمراقبة شيخ ازورا "

" من من ؟ "

" الشيخ الرابع، هو من طلب مني، لم استطع الرفض بسبب الفوائد الى جانب أن طلبه لم يكن بالأمر الخطير إلى تلك الدرجة، ولأن شيخ ازورا لا يظهر لم يكن بإمكاني نبش معلومات عنه سوى تقديم تقارير عن ما يأمرنا به، لكن بعد علم شيخ ازورا وصفني بالخائن، و هكذا من أجل بقائي داخل المجلس أردت اثبات فائدتي "

" عن طريق وقف الزواج "

" أجل "

" هل شيخ الرابع، له عداوة مع الشيخ السابع "

" لا بالأحرى كان من المؤيدين له "

رأى أمارات الحيرة على وجهها لذا شرح

" عندما علم الشيوخ بهوية الشيخ الحالي لحزب ازورا، حدث تصويت بينهم ان كان سيبقى أو لا، و من مؤيدين بقاءه كان الشيخ الرابع "

" لما طلب منك مراقبته إذن ؟ "

" أنا أيضًا لا أعرف"

بعد أخذها القدر الوافي من المعلومات التي كانت بحاجتها تسللت الى الخارج، مثلما دخلت.

تبعها زيل و عينه لم تفارقان ويستن في حال قيامه شيء مريب

لم يعد يسمع في الغرفة سوى أنفاس ويستن المضطربة، تنهد براحة و أغلق عيناه بإرهاق

للحظة ظن بأن شيء قد يحدث له، لكن مر الموقف بسلام و ربح شيء عالي القيمة

نفض جسده و اتسعت حقدتيه حتى كادَا يخرجان من محاجرهم 

لقد أخبرها بكل شيء عرفه، لكن أين جزءه من الصفقة

رمى جسده الثقيل بضعف على الأريكة التي إهتزت من وزنه، لقد خدعته، من يأسه استسلم لها بلا ضمانات 

~~~~~~~~~~~~~~~~♤~~~~~~~~~~~~~~~

انتهى الفصل

الرجاء فوت و كومنت لتشجيعي ❤

الى اللقاء حتى الفصل القادم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إليفثيريا

المؤلف brabr
2025/07/03 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة