الجميع يجهلون حقيقتنا.، بينما نحن لم ندركها آبدا
♡♡♡♡♡♡♡♡♡
كان المطر بالنسبة إلى القدماء ، نذير شؤم و ألم يُعبر، عن غضب الآلهة، و هناك من اعتقد بأنه رسالة لأمل جديد و حياة أفضل و نقاء لذُنوبْ إقتَرفّوها
هذا ما فكرت به و هي تقف على الشرفة المتصلة بِغرفتها، تحدق بِالسماء التي إتَخَذّتْ الرمادي لونًا لها، تماما كحالها الميؤوس منه
راح الرذاذ يقرع على سور الشرفة، محدثًا سمفونية جميلة، كأنما يواسي المرأة التي أرهق الحزن ملامحها
جزء منها، رغب في الصراخ، رفض ما يجري لها، ما سيحدث ، لكن تماما كصوت المطر اختفى كل شيء، لتصبح في النهاية عاجزة .
تردد صوتًا آتي من الخلف قام بإنتشالها، من لحظات حياتها الأكثر هدوءً
" دوفا! لم تجهزي بعد، سوف يصل الضيوف قريبًا "
ظلت ثابتة مكانها، تحاول أخذ قدرًا وافي من الهواء إلى رئتاها
أدارت جسدها, تحدق بوالدتها ثم فتحت فمها متحدثة بإيقاع بطيء يعاكس مشاعرها الملتوية
" لا يزال هناك الكثير من الوقت "
" لا ضرر في إنجاز الأمور مبكرًا "
أجَابتهَا ماريا بحماس ثم توجهت إلى خزانة الملابس، قامت بفتح أول باب من بين الأبواب الأربعة استلَتْ فستانًا أزرق سماوي منخفض الأكتاف يظهر عظام الرقبة، كان ضيق من الأعلى ثم يتسع وصولاً إلى أسفل الركبة بقليل
لقد صمم من أجل هذه المناسبة خصيصًا، يوم خطوبتها .
" انظري أليس جميل، يناسبك كثيرا "
هتفت ماريا بأعين لامعة ، كانت البهجة ظاهرة جليًا على ملامحها
عضت دوفا شفتيها و شدت قبضة ذراعها أكثر.
لم ترى، لن تفهم ماريا آبدًا بأن هدوء ابنتها دوفا، ما هو إلا غضبًا مكبوت يوما ما سينفجر، بنظر دوفا كل شيء يحدث كان على حساب حريتها
هذه الفرحة، صعود عائلتها، ارتقاء ريغنار..، في المقابل ستسقط، بينما ريغنار تحافظ على سلامها، كانت هي من ستتعذب داخل جحيم كامورا، عائلة زوجها الذي لم تره ابدا و لا تعرف عنه شيء .
" لما أنا"
لم تعتقد بأن السؤال الموجه الى ذاتها استطاعت ماريا سماعه فتركها حائرة مرتبكة لا تعلم كيف تواسي حال وليدتها
" عزيزتي أعلم انك خائفة لكن اطمئني نحن عائلتك بالتأكيد لن نأخذك إلى التهلكة"
حدجت دوفا، والدتها بعمق لعلها بذلك تتمكن من لمس قليلا من الصدق من بين كلماتها.
شيئا فشئا بدأ كتفاها بالانخفاض، عضت لسانها بقوة رغم الألم لم تسمح لنفسها بتركه.
لقد رأت الارتباك يرتسم بوضوح في عيني ماريا
أخيرا أفلتت لسانها، و بصعوبة بالغة أدلت بما كان يجوب عقلها
" ألا يوجد خيار أخر "
" دوفا لقد وصلنا الى نهاية الطريق بالفعل, لقد تم اغلاق كل السبل على عائلتنا "
اقتربت ماريا منها و رفعت ذراع دوفا تضمها نحوها
" اعلم بأني خذلتك لكن راعي مشاعري، أنا أم دوفا، لقد خسرت إبنًا من قبل و لن أتحمل المزيد من الخسائر، زواجك هو ضماني الوحيد "
ردت دوفا بجفاف تخفي وراءه انكسارها
" هل أنتِ متأكدة ؟ "
" بلى, مهما كان شدة الدم, لن يخاطروا بتشويه سمعتهم "
ابعدت دوفا ذراع ماريا عنها، تعطي ظهرها لها
"أسبقينِي انتِ سوف أنزل بعد قليل"
" دوفا أرجوكِ لا تفعلي هذا"
"أنا بخير"
هتفت ببرود ثم أغلقت باب الحمام على نفسها
لم يكن لديها رغبة في النظر إلى وجوه عائلتها أو التحدث معهم، تنفست بعمق في محاولة تهدئة عقلها الذي لم يتوقف عن التفكير, رشت ماء بارد على وجهها و نظرت الى انعكاس صورتها الشاحبة
خلال العام الماضي خسرت الكثير من الوزن, نحف وجهها حتى غارت وجنتاها و برزت عضام ذراعيها, في كل مرة تنظر الى نفسها تشعر بالغثيان و الاشمئزاز من جسدها
" لا تفكري لا تفكري " تمتمت محاولة الهروب من افكارها السوداوية قبل ان تبتلعها
دوفا ريغنار إبنة نيكولاس ريغنار و ماريا تيريز و اليوم هو الذي سيحدد إن كانت ستنظم إلى أقوى عائلات إيطاليا و تصبح أحد أفرادها.
لم تكن راضية عن هذا الزواج لكنها أيضا لم تسمح لنفسها بالانهيار، حاولت النظر الى الأمر بزاوية ايجابية، سوف تنسب قريبا إلى أكبر العوائل الاستقراطية في إيطاليا، أمر يحسدها عليه الكثيرين و لأنها رغبت في المثالية ابتسمت
المثالية, هذا ما ترغب به و تريده, وستصل إليه, أقل من مثالي يعني أنك نكرة لا جدوى منك, كانت فكرة نمت معها و رسخت في ذهنها منذ الصغر
لذا حتى ان كانت هذه العلاقة مبنية على حفظ الدماء ستلزم نفسها على التقبل
لكن....
سقطت على ركبتيها، ضغطت بقسوة على الحوض تمنع وصول الدم إلى أصابعها، ازداد ضربات قلبها قسوة و أصبحت أنفاسها ضحلة
شقيقها الوحيد هرب بعدما ترك عاصفة وراءه عليها الأن التصدي لها و بقاءها هنا لا يساعدها بل يزيد الأمر سوء لأنها تقاوم..، هي تقاوم من أجل الحفاظ على ما بقى منها و عدم تلويثه بِهراء ريغنار
' لا بأس كل شيء سيكون على ما يرام '
هتفت في داخلها لعلا هذه الكلمات تصل إلى قلبها فيطمئن
٠
٠
٠
٠
٠
تبخرت السحب و بزغت الشمس فإرتدت آشعتها على النافورة البيضاء التي تتوسط حديقة قصر ريغنار
بالقرب من المدخل الداخلي وقفت دوفا بجوار والدتها و برفقة بعض من أقاربها، أتوا خصيصا من أجل طقوس الزواج
لفت انتباهها أسطول السيرات السوداء التي توقفت بالقرب من البركة الدائرية التي تتوسط الحديقة
اصطنعت الثبات عند انفتاح ابواب السيارات الخلفية, في كل لحظة تقوم بتفحص وجوه أفراد عائلة كامورا الاستقراطية يتزعزع شيئ منها, و اكثر ما كان يؤرق نفسيتها هو التقاء بصرها مع سيدة في السبعينات , تمكنت من التعرف عليها
فيريا كامورا, لا يوجد نبيل لم يسمع عنها, فكانت ذا شهرة كبيرة في الوسط الاجتماعي و غالبا ما تلتقي بها عند بعض المنسبات ذات الشأن العالي
حركت فيريا شفتيها بتأني تقطع التوتر الذي بدأ بين العائلتين
" شكرا على هذه الاستضافة الحسنة و أرجوا ان تكون إشارة لبداية جديدة"
قال نيكولاس والد دوفا و رئيس العائلة
" من دواعي سروري سيدة فيريا "
ثم مد يده بهدف مصافحتها, فحدقت بها لثواني كأنها تفكر بأمر ما و تزامنا مع وضع راحة يدها مع نيكولاس تحدثت بمعنى فهمه الجميع
" هذا اللقاء هو ما سيحدد علاقتنا مستقبلا"
إما العداوة أو الغفران، الموت أو الحياة، الدمار أو السلام...، هناك خيار واحد و لا يمكن الجمع بين الاثنين
علمت دوفا جيدا بأن مستقبل ريغنار يعتمد عليها كليا , و الطريق الاسلم للحفاظ على سلالة دماءها كان بالتضحية فهذا واجبها
ذاب قلبها و حط عليه ألما غريب ربما قليل من الدموع سوف تواسيه
هاينز أين أنت؟ ...
نادت أخيها بيأس, اصل جميع المشاكل التي تواجه العائلة
لم تعرف كيف أو متى حتى دخلوا و جلسوا و بدأ الكلام يأخذ مجراه، بينما انشغل الكبار بالنقاش، كان الملل قد تسلل إلى الشباب الجالسين على الأطراف، و الذين جُرّوا إلى الاجتماع دون رغبة منهم، ارتفعت أصوات المحادثات وانخفضت، ممتزجة بصوت الكؤوس التي تُرفع على مضض ترحيبًا باتفاق لا يؤمن به أحد تمامًا.
لكن الصمت حلّ فجأة عندما نطقت فيريا كامورا، بصوتها القوي الذي يحمل ثقل عقود من السلطة
" نحن الأن أتينا ليس بدافع سفك الدماء أو التحدث عن علاقة خربت بفضل شخص منكم، بل نحن هنا لأجل إيقاف العداوة التي بينما و هذا لن يحدث إلا بطريقتين "
صمتت قليلا، ترى أثر حديثها على ريغنار الذين ترقبوا بحذر شديد ماذا سيخرج تاليا من فمها
" أولها هو إرجاع حقنا بالدم وهذا الخيار لن يعود بالنفع عليكم ولا علينا بل يقطع علاقتنا و الثاني هو إنشاء رابط يجمعنا لِدهر و يقوى كل جيل أنا هنا لطلب يد ابنتكُم دوفا ريغنار لِحفيدِي رالف كامورا "
صرح نيكولاس تاليا
" يشرفني أنا و عائلتي أن تكون بيننا مثل هذه العلاقة سيدة فيريا، أنا نيكولاس ريغنار و نيابة على ريغنار جميعا أوافق على هذه العلاقة "
كلماته سقطت كحجر في ماء راكد، تردد صداها في رأسها، فقبضت على طرف فستانها بشدة، متجاهلة اليد الرقيقة التي وُضعت على فخذها لطمأنتها..، خيط طويل من الافكار بدأ يبعد عقلها عن جسدها، يقودها إلى متاهة لا مخرج منها.
أنزلت رأسها تخفي بريق الدموع العالقة، تعلم أن حياتها لم تعد ملكها،لقد خُط لها مسارها، وقد حان الوقت لتسير فيه، سواء أرادت أم لا.
قرار إرسالها إلى عرين الاسد اصبح قيد الإجراء و الله وحده يعلم ما قد يحدث لها هناك...، هكذا هم نساء عائلتها دائما مضحيِين كأنه أمر محتوم عليهم
التضحية أمر نبيل لكن إن زاد عن حده يصبح سم يفتك بصاحبه و يأكله من الداخل، و الأسوأ هو الإِجبار على فعل ذلك عن طريق كلمات مختارة بعناية تستخدم ضدك لفعل ذلك و إن حاولت التمرد سيكون العنف هو الوسيلة أخيرة
" أنا معك لا تقلقي "
همست ماريا بذلك علها ترسل القليل من الطمأنينة لابنتها والذي كان ردها هو إبتسامة صغيرة ثم إبعاد يدها عنها هذا هو الشيء الوحيد التي تستطيع فعله الأن
لا يمكنها الرفض و لا القبول ففي كلا الحالتين الموت هو النهاية التي كتبها لها القدر...، موت مدى العمر أو موت بطريقة سريعة هذه هي قصتها، و ال كامورا هم ملك الموت بالنسبة لها
" أين رالف، سيدتي ؟ أتشوق لمعرفة أي نوع من الاشخاص هو "
تساءل سانتينو ريغنار الأخ الاصغر لنيكولاس ريغنار
" هذا ان أتى، فبعد كل شيء لا أحد منا كان يرغب بالمجيء "
ضاقت حواجب سانتينو في توتر بينما وجه بصره إلى شابة شقراء في مقتبل العشرينات، تمص اصابعها التي علق بهم بقايا الشكولاتة التي تناولتها
بالنسبة الى دوفا التي تربت على اللباقة و الأداب كان رؤية مثل هذا المنظر غير لائق ابدا خصوصا بوجود هذا العدد الهائل من الناس، كان هذا الفعل يمس شرف المرأة الاستقراطية
ثم بجهد حاولت تذكر من هذه و ان صادف رؤيتها بمكان ما في احد المناسبات، للأسف فشلت .
نظرت فيريا إلى حفيدتها بعدم رضى لإظهار مثل هذا السلوك
" سيدة فيريا صدقا هل جئتِ بِنوايا حسنة "
نطق نيكولاس يظهر استياءه، لقد كان صاحب كرامة و اعتزاز بالنفس بطريقة لا يستهان بها لذا انتظر تفسير يوضح له ما يجري
" اذا كان غير هذا لما أتعبت نفسي بالّمجيء "
نبس بضيق " لما لا أرى رالف إذا "
عضت دوفا شفتيها بقوة محاولة التماسك أكثر و كبت مشاعرها التي بدأت تفيض، في البداية كانت تتابع ما يجري بصمت و رغم عدم اهتمامها لكن سماع غياب خطيبها جعلها تشعر بالغضب
" لا تقلق هو سيأتي نحن لا نخون الإتفاق و إلى ذلك الحين سأتعرف أنا على زوجة حفيدي المستقبلية "
رمشت بعدم استيعاب كأنها تناست الأمر، رغم أن دوفا لا تبالي بما يحدث و ترغب فقط بانتهاء هذا اليوم و العودة مجددا إلى عزلتها لكن سماع هذا الكلام جعلها تَتوتر....، كأي فتاة أخرى و مهما اختلفت المواقف، المشاعر لن تتغير أبدا، زوج مجهول وعائلة بدأت بفحصها و النظر إذا كانت مناسبة لهم
كفرد من ريغنار أرادت إعطاء صورة واثقة لذا كل الارتباك تركته خلف قناع الثبات و بملامح جامدة نظرت لكل ال كامورا الذين يخترقونها بنظراتهم ، لم تتعجب أنهم تعرفوا عليها رغم وجود فتيات من عائلتها
فتحت فيريا فمها تخاطب دوفا بنبرة لطيفة
" تبدين جميلة كما عهدتك دائما "
جاملتها دوفا بإبتسامة صغيرة
" شكرا على مجاملتك "
" أنا لا أجامل، بفضل وجهك يمكنك الزواج "
تيبست الدماء في مؤخرتها و اندفع العرق على جبهتها، رفعت حواف أعينها الى فيريا.....، إلى كامورا ، كان الجميع يحدجها بنظرات سامة، كأفعى تكبل عنقها و تخنقها
صرخ عقلها في جزع
' أهربي ... دوفا أهربي '
رفضت، كل شيء سوف يكون على ما يرام، الوقت كافي لسد ثقوب حياتها.
لكن الى متى ؟ لقد اصبح كلا من جسدها و نفسيتها هشان
ربما لو حاولت، هذه المرة فقط، لتتحلى بالشجاعة، على الاقل فلتسمح لنفسها باستنشاق بعض الهواء بعيدا عن هذا الجو الخانق
لم تشعر دوفا بجسدها و هو ينتفض من مكانه كما لو كان مستعدا مع اطلاق الاشارة
ظهرت على وجوه الجميع بوادر الاستغراب، و من أجل التستر على نفسها، بجهد، نطقت بصوت متزن
" أرجو المعذرة سأذهب للحظة "
هربت بسرعة من القاعة، تمنت بسرها، ان كان بإمكانها الهروب من المنزل كذلك، للأسف، هي ليست بتلك الشجاعة التي تؤهلها على فعل ذلك
كل ما يجب عليها فعله هو تقبل الحكم الذي قرر لها
ركضت في الممرات، لم تحتج رؤية الطريق، تركت السيطرة الكاملة لقدميها
بدت مثل طائر أسير يرفرف بجناحيه، لعلّه ينجح في الطيران.
توقفت أخيرًا تلتقط أنفاسها بسرعة، وأثناء ذلك تفحّصت المكان من حولها
يقولون، في اللحظات الصعبة، يهرب الإنسان إلى أكثر الامكان الذي تشعره بالامان وهذا ما فعلته.
وجدت نفسها تقف بجوار شجرة ضخمة تتفرع منها اغصان غليظة،
شجرة الصنديد، تلك الشجرة التي احتضنت طفولتها، والتي باتت مجرد ذكرى.
ملئت رئتها بالهواء البارد الممزوج برائحة المطر و الطين
" أخيرا، أنا حرة "
عربت بوجه يملئه الاطمئنان، شفتيها الجافة انفرجت أخيرا، انعكس لون العشب على زجاج أعينها البنية
ابتسمت عندما رأت الأرجوحة المعلقة على أحد أغصانها لطالما جاءت إلى هنا للعب مع أخيها، يتشاجران على من يركبها أولًا، ووالدتهما كانت تفكّ النزاع وتحاول الإصلاح بينهما.
أما والدها، فكان دائم الانشغال، بعيدًا عن المنزل، وإن حضر، يكتفي بالنظر إليهما وكأنه يتأكد من سلامتهما، ثم يرحل لذا، كان عالمها الصغير ينحصر في هذه الأرجوحة، والدتها، و أخيها... و هذا كله اختفى.
عند بلوغها الثانية عشرة، بدأ عالمها يضيق شيئًا فشيئًا، هاينز ابتعد عنها، و بدأ ينشغل من أجل وراثة لقب العائلة
بينما هي كان اغلب تعليمها ينحصر على الآداب والسلوكيات الصحيحة للسيدات، و واجبات المرأة اتجاه أسرتها.
كان في داخلها شيء يرفض أفكار والدتها التي وجدتها سطحية، لكن كثرة الانتقادات والرفض من نساء عائلتها جعلتها تصمت، وتتوقف عن الإفصاح عن آرائها مجددًا
خوفها من الرفض كان أقوى من رغبتها في التعبير، لذا، سارت على النهج الذي أرادوه، ظنًّنا منها أنها المخطئة لكنها في النهاية لم تستطع تقبّل أفكارهم، وجزء منها ظل يحاول الظهور إلا أنها قمعته بقوة.
قامت بتمرير يدها على جذع الشجرة الخشن كان مبلل قليلا، و كما لو ان الشجرة لها أذان تصغيان بدأت دوفا تتحدث معها
" ليتني أملك القدرة على العودة الى الماضي، اين تتجمع الذكريات السعيدة مع أحبتنا "
تجمعت العبرات داخل حواف أعينها مهددة بالنزول
أكملت بصوت منحشر
" هل حزني ناتج عن الندم او الرفض "
ربما جنت...، بلى لقد جنت بعد ايجاد راحتها بمزاولة الحوار مع الشجرة، رغم ذلك لم تتوقف، الامر فقط انها لم تتمكن من منع الكلمات عن الخروج كما فعلت دائما
" ندم على عدم الاعتزاز بتلك اللحظات الجميلة ، او رفض الحقيقة "
ارتعشت زاوية فمها و ازداد ارتجاف ذراعيها، قبل ان تهمس
" من كان يعتز بنا هو سبب ألمنا "
وضعت يدها على فمها تمنع الصرخة التي أوشكت على الخروج أرادت الحفاظ على صورتها الصلبة، علّها تقنع نفسها بذلك، لكنها في النهاية أدركت....
هي ليست قوية بما يكفي لإيقاف دموعها التي بدأت بالسيلان.
مثل كأس مهمش حتى بعد جمع قطعه و إلصاقها مع بعض لازال هناك فراغ لا يمكن ملؤه...، هذا ما كانت عليه دوفا تماما
لم تعرف كم مرا من الوقت و هي جالسة تحت شجرة طفولتها، احتضنت ساقيها و غاص رأسها بينهما، غير مدركة للعالم الخارجي
الشيء الوحيد الذي جعلها تأخذ راحتها في البكاء هو إدراكها أن موقع الشجرة بعيد عن الأنظار.
هذه هي الحقيقة... حقيقة أميرة ريغنار، التي يراها الجميع مثالية في كل شيء، لكنها تعبت من ذلك.
٠
٠
٠
اقتربت السيارة السوداء من بوابة المنزل الرئيسي، توقفت كي يتمكن الحارس من معرفة هوية الزائر
ناول السائق بطاقته إلى الحارس الذي قام بقرأتها ثم أومأ برأسه متحدثا عبر السماعة الكلاسيكية يبلغ رفاقه قبل أن يسمح للسيارة بالعبور.
واصلت السيارة طريقها حتى توقفت أمام مدخل قصر ريغنار
رفع الرجل الجالس في الخلف نظره عن الكتاب بين يديه، أغلقه بهدوء، ثم وضعه جانبًا
إلتقط باقة الورد البنفسجي التي كانت بجانبه، ممسكًا بها بحذر.
فتح السائق الباب باحترام، فترجل الرجل بثقة، واقفًا بطوله أمام البوابة الداخلية ألقى نظرة على الحارس الذي اقترب منه قائلا باحترام
"سيدي، تفضل، الطريق من هنا."
سار الحارس في المقدمة، بينما تبعه الرجل بخطوات ثابتة، لكنه توقف فجأة عندما لمح امرأة تقترب من الجهة اليسرى
لم يتحرك، بل ظل في مكانه، متأملًا ملامحها التي بدأت تتضح له شيئًا فشيئًا.
ما إن اقتربت حتى أدرك أنها شاردة الذهن، وعلى الأرجح لم تنتبه لوجوده، و بلا شك ستصطدم به إن واصلت سيرها ومع ذلك لم يتحرك ، بل انتظرها.
شعرت دوفا بوجود شخص أمامها، توقفت بسرعة و رفعت بصرها لكن قبل أن تنطق بكلمة، تلاشى كل تفكيرها للحظة
الرجل الذي أمامها بدا وكأنه لوحة فنية لأحد الرسامين المشهورين-رجل أشقر طويل القامة، بعينين خضراء فاتحة
دون وعي، سمحت لنفسها بتأمله أكثر أنزلت بصرها نحو جسده؛ لم يكن ضخم البنية، بل متوسط القوام، ولا يبدو رياضيًا على الإطلاق ومع ذلك، وقوفها بقربه جعلها تشعر بعدم الراحة نظراته التي تفحصتها دون خجل أربكتها، وشعرت بشيء داخلها يحذرها منه، خاصتا إبتسامته الهادئة
عادت إلى وعيها عندما لاحظت أن ابتسامته اتسعت أكثر، أدركت عندها فداحة فعلها، وشعرت بالحرج من نفسها بدت و كأنها لم ترَ رجلًا من قبل! حاولت إخفاء اضطراب نبضات قلبها من خلال صرامة صوتها
"من أنت؟"
اجابها الرجل بنبرة منخفضة
"رالف كامورا."
للحظة، شعرت بأن الأرض تدور من حولها، لكنها تماسكت بسرعة، حدّقت به بغضب وقالت بنبرة حادة تعبر عن استيائها من وقاحته:
"لمَ كل هذا العناء، سيدي؟ كان بإمكانك إكمال نومك بدلًا من القدوم."
" أتفهم كثيرا سبب غضبك، لكن صدقيني، الأمر لم يكن بيدي "
اشتد غضبها أكثر عندما أدركت أنه يعرفها، بينما هي لم تره من قبل، شعرت بكره متزايد للوضع الذي وُضعت فيه، وللخبر الذي ألقاه والدها عليها وكأنه مجرد نشرة أخبار........ خبر زواجها .
لكن قبل أن تنطق بكلمة أخرى، قدم لها رالف باقة الورد البنفسجي وقال بابتسامة هادئة
"أعتذر على تأخري، سيدتي كنت أبحث عن أقرب نوع من الورد يشبهك."
رمشت بعدم استيعاب، وحدّقت بالورد بين يديه لم تفهم قصده، لكن رغم شعورها بالحرج، أخذت الباقة منه، في سرها شكرت الرب أن الحراس غادروا وتركوهم وحدهم.
رالف كامورا-هذا هو اسم خطيبها وزوجها المستقبلي، رغم غضبها من تأخره وعدم استيعابها لاختياره لون الورد البنفسجي بدلًا عن الأحمر أو الأبيض، إلا أنها قررت التزام الصمت في النهاية، تفجير غضبها عليه لن يغير شيئًا كما أن رالف فرد من عائلة كامورا، والعقلاء يعرفون جيدًا أنه من المستحيل التنبؤ بما سيفعلون.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••
" عديني، مهما حدث لا تسمحي لأحد بأخذ العرش منكٍ، انه حقك "
تردد صوت أنثوي في أرجاء الغرفة، لم يكن الجو بارد لكن جسد المرأة الهزيل لم يتوقف عن الارتجاف
اكملت بنبرة غليظة بينما تشد قبضتها أكثر على كتف الطفلة المتيبسة
" كل شخص في هذه العائلة يجب عليه الخضوع لكِ...، لا تنسي "
بعد صمت طويل فتحت الطفلة فمها اخيرا.
" أجل.... سأفعل... "
خرجت الكلمات مرتجفة متقطعة مما جعل المرأة تحدج الطفلة من اسفل أعينها في عدم رضى
" بقائنا معا يعتمد عليكِ، هو..، سيفعل أي شيء لفصلنا "
بدأ المشهد ينضحل شيئاً فشيء إلى أن تبخر تماما و صار كل شيء بعدها مظلم، بارد....، كان جسدها يغرق في بحر عاتم ليس به حياة، و بينما بعض من النور يتسلل لها، يغريها للسباحة نحوه لكنها آبت التحرك و فضلت الغرق أكثر .
احبت هذا الهدوء، و لا نية لها بتركه، فجأة....
تشنج جسدها و غمر صدرها ألم غريب
' الهواء، احتاج الهواء '
كان يفصلها عن السطح طبقة كثيفة من الدماء
' دماء ! ؟ '
اتسعت عينيها في ذهول، انها تسبح، لا بل تغرق في بحر من الدماء
أنفاسها تتقطع، الهواء يفر منها لا مهرب، لا ضوء فقط الدماء و الاختناق
اصبحت جفونها ثقيلة و بدأوا بالانغلاق
' هل هي النهاية ؟ '
ارتفع جفناها فجأة، شهقة صغيرة خرجت منها تبعتها نظرات مرتجفة موجهة الى الرجل البشوش الجالس على مقعد السائق
" أعتذر هل أفزعتك "
" زيل ! " همست بصوت أجش
" توقفي عن النظر إلي هكذا، لقد وصلنا لهذا حاولت إيقاظك "
ادارت رقبتها الى النافذة، تم عرض مساحة واسعة يتوسطها قصر ضخم
ارتجفت شفتيها بسخرية على الاقل هذا ما كانت تحاول فعله
" هكذا إذا..، تساءلت عن سبب زيارة الاموات حلمي، كان هذا السبب "
لم يفهم زيل المقصد من حديثها، بغير قصد نزل ببصره الى الاسفل تحديدا الى كتفها، كانت تغرس أظافرها على جلد سترتها .
_____________________________________
قراءة ممتعة ❤
و
الى اللقاء حتى الفصل المقبل
brabr