*الصفحة التاسعة - وراء قناعي*
مرّتْ ثلاثُ سنواتٍ على صدورِ الكتاب.
بلغتُ العشرين.
خرجتُ من دارِ الرعايةِ بلا قيدٍ، ولا قناعٍ، ولا خوف.
في يدي حقيبةٌ صغيرة.
ودفترُ أبي.
ومفتاحُ شقّةٍ صغيرةٍ تطلُّ على البحر، اشتريتُها من أرباحِ "وراءَ قناعي".
في الجامعةِ، سجّلتُ في كلّيةِ الحقوق.
قالَ لي العميدُ يومَ المقابلة: "لماذا القانونُ بعدَ كلِّ ما حدث؟"
أجبتُ: "لأنَّ أبي ماتَ وهو يبحثُ عنه. وأنا وجدتُهُ في الكتابة. أريدُ أنْ أجدَهُ في المحاكمِ الآن."
ميرا صارتْ طبيبةً نفسيّة.
تعالجُ الأطفالَ الذينَ يلبسونَ أقنعةً لا تُرى.
ليان تدرّسُ الأدبَ في المدرسةِ الثانوية.
كلَّ عام، في ذكرى موتِ والدِها، تقرأُ لطلابِها فصلاً من كتابي وتقولُ: "العدالةُ لا تُورَّث. تُكتَب."
أمّا أنا، فصرتُ أزورُ أبي كلَّ جمعة.
أضعُ على قبرِهِ وردةً بيضاء، ونسخةً جديدةً من كتابٍ أكتبُه.
كتابي الجديدُ اسمُهُ: "بلا قناع".
ليسَ عن الانتقام.
عن الغفران.
عن الطفلةِ التي وجدَها رجلٌ على بابِ بيتِهِ ذاتَ شتاء، فمنحَها اسمَهُ، وقلبَهُ، وقلمَهُ.
في الصفحةِ الأخيرةِ من "بلا قناع" كتبتُ:
"قالوا لي إنَّ القاضي خفّفَ الحُكمَ لأنّني كنتُ قاصراً.
الحقيقةُ أنّني خفّفتُ الحُكمَ عن نفسي حينَ خلعتُ القناع.
السجنُ الحقيقيُّ لم يكنِ الزنزانة.
كانَ صمتي.
والآنَ أنا حرّة.
أكتبُ، فأحيا.
وأحيا، فأكتب."
في المساءِ، جلستُ على شرفةِ شقّتي.
البحرُ أمامي.
صورةُ أبي بجواري.
وصورةُ المرأةِ التي أنجبتْني، والتي صرتُ أزورُها كلَّ شهر.
امرأتانِ منحَتاني الحياة.
ورجلٌ واحدٌ منحَني المعنى.
رفعتُ قلمَ أبي.
فتحتُ دفتراً جديداً.
وكتبتُ السطرَ الأولَ من حكايةٍ لا يعرفُ نهايتَها أحد:
"في البدءِ، كانتِ الكلمة."
ميم را