*الصفحة الثامنة - وراء قناعي*
وقفَ القاضي.
عمَّ الصمتُ القاعةَ حتى صارَ لصوتِ أنفاسِ الحاضرينَ دويٌّ.
نظرَ إليّ طويلاً، ثمَّ إلى دفترِ أبي المغلقِ في يدي.
قالَ: "سما سليمان.
سبعةَ عشرَ عاماً.
ثلاثُ جرائمِ قتلٍ مع سبقِ الإصرار.
واعترافٌ كاملٌ ساعدَ العدالةَ على كشفِ شبكةِ فسادٍ دامتْ عشرينَ عاماً."
ابتلعتُ ريقي.
أكملَ: "القانونُ واضح. والعقابُ واجب.
لكنَّ العدالةَ ليستْ عمياءَ إلى هذا الحدّ."
طرقَ بمطرقتهِ مرّةً واحدة.
"تحكُمُ المحكمةُ على المتهمةِ بالسجنِ لخمسِ سنواتٍ مع وقفِ التنفيذ، وبالإقامةِ الجبريةِ في دارِ رعايةِ الأحداثِ حتى تبلغَ سنَّ الرشد.
وتُكلَّفُ بكتابةِ مذكّراتِها كاملةً، لتكونَ وثيقةً توعويةً في المدارسِ عن ثمنِ الانتقام."
ضجّتِ القاعةُ.
بعضُهم صرخَ: "براءة!"
وبعضُهم همسَ: "ظلم!"
أمّا أنا، فلم أسمعْ شيئاً سوى صوتِ القيدِ وهو يسقطُ من معصمي.
في دارِ الرعاية، أعطوني غرفةً صغيرةً.
نافذةٌ تطلُّ على مكتبةِ المدينة.
وطاولةٌ، عليها قلمُ أبي.
كلَّ صباح، أكتبُ.
وكلَّ مساء، تأتي ميرا وليان.
نجلسُ ثلاثتَنا نقرأُ ما كتبت.
نبكي أحياناً.
نضحكُ نادراً.
لكنّنا نعيش.
بعدَ عام، طُبعَ الكتاب.
اسمُهُ: "وراءَ قناعي".
على الغلافِ، قناعٌ أبيضُ مكسور، وتحتهُ يدُ فتاةٍ تمسكُ قلماً.
في حفلِ التوقيع، وقفتُ أمامَ مئاتِ الوجوه.
بلا قناع.
قلتُ لهم: "أنا لستُ بطلة. أنا نجوت.
والقناعُ الحقيقيُّ هو الصمت.
فلا تصمتوا."
في الصفِّ الأخير، كانتْ تجلسُ امرأةٌ لم أرَها من قبل.
في الأربعين، تشبهُني.
حينَ انتهى الحفل، اقتربتْ منّي.
قالتْ وهي تبتسمُ بدمع: "أنا أمُّكِ يا سما.
ووالدُكِ... لم يكنْ والدَكِ البيولوجي.
لكنّهُ كانَ والدَكِ الحقيقي.
وتركَ لكِ هذا."
وضعتْ في يدي مظروفاً.
بداخلِهِ صورةٌ لرجلٍ وامرأةٍ يحملانِ طفلةً رضيعة.
وخلفَ الصورةِ كلماتٌ بخطِّ أبي:
"وجدتُكِ على بابِ بيتنا ذاتَ شتاء.
فاخترتُ أنْ أكونَ أباكِ.
سامحيني إنْ أخفيتُ عنكِ هذا.
لكنّني خفتُ أنْ تظنّي أنّ حبّي لكِ كانَ كذبة.
وهو الحقيقةُ الوحيدةُ التي عشتُ لأجلِها."
ضممتُ الصورةَ إلى صدري.
ورفعتُ رأسي إلى السماء.
لا لأبحثَ عن أبي.
بل لأقولَ لهُ: "رأيتُك.
من دونِ قناع."
ميم را