أندو جرّ كرسيه إلى الطاولة، مدّ يده المرتجفة قليلًا، وسحب ورقة وقلماً من الدرج، وأشار إلينا بأن نقترب.
قال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا:
«بما أنه لا توجد خطة… سنصنع واحدة الآن.»
جلسنا حول الطاولة المعدنية، والهواء في القاعة متوتر كأنه ينتظر الانفجار معهم.
ميازاكي جلس بجانب أندو مباشرة، كأنهم ثنائي قديم يعرف كيف يشتغل مع الآخر حتى من غير كلام.
بدأ أندو يرسم حدود المبنى الجامعي، خطوطًا سريعة لكنها دقيقة، بينما كان ميازاكي يضيف طرقًا جانبية ومخارج الطوارئ التي لا يعرفها إلا الموظفون.
كورودا انحنى فوق الطاولة، يضغط على ركبته، يراقب.
هاياتو وقف خلف سايوري، يتنفس بثبات، كأنه يحاول حمايتها من مجرد النظر.
كنت أراقب خطوط القلم وهي تتكوّن…
كل خطّ كان يشبه خيط أمل نحيف، قابل للقطع.
رفع أندو رأسه وقال بثبات يضرب اليأس في صدره:
«لسنا هنا لنتجوّل… إنْ أمسكنا خيط الأمل، فلن نتركه. السقوط ليس خياراً.»
يوشيدا وقف عند الطرف الآخر للطاولة، ذراعاه مطويتان، وصوته خافت لكنه حاد:
«ضعوا الطريق من هنا… الغابة بهذه الجهة، الجبل في أقصى الشمال الشرقي، المسافة طويلة.»
أندو هز رأسه وهو يرسم خطًا أعوج ثم عدله:
«علينا تحديد نقاط التوقف… والممرات التي قد تكون فيها زومبي.»
رين كانت واقفة بعيدًا قليلًا، كتفيها متصلبين، تتأمل الورقة كما لو أنها خريطة لمقبرة لا طريق نجاة.
سايوري رفعت يدها بتردد وسألت:
«هل… هل سنحدد طريقًا واحدًا أم عدة طرق؟»
أندو رد:
«إن استطعنا… طريقان احتياطيان.»
رين علّقت بنبرة جافة:
«لكن الجزء الثاني من الطريق سيكون مكشوفًا… الغابة لن تكون لطيفة معنا.»
هاياتو انحنى فوق الورقة وقال بصوت متوقد:
«لو اتبعنا حواف الغابة فقط… يمكن أن نخفّف خطر الهجوم. لا نمشي في العمق.»
كورودا وضع يده على كتفه، وقال بشبه ابتسامة:
«وإن توزّعنا مجموعتين… واحدة تراقب الخلف، والأخرى تؤمّن الأمام… لن نفقد السيطرة.»
قبل أن يجيب أحد، اندفع هارو قائلاً:
«هذه الخريطة غبية! الطريق إلى الجبل مسدود أصلاً—»
قاطعه كورودا وهو يدفع الورقة نحوه:
«لأنك لا تعرف كيف تقرأ خريطة! دع غيرك يفكّر.»
هارو قال ببرود يقطر احتقارًا:
«عجيب… العبقري الذي يتحدث هو الذي كان يسرق إجابات زميله كل ترم ثم يتفاخر بأنه الأذكى.»
رأس كورودا تحرّك فجأة، كأنه تلقّى طعنة.
وقف من كرسيه، وخطوته الأولى كانت تهديدًا كاملًا.
«أنت آخر من يتحدث عن الذكاء. لولا أن العميد رقّ قلبه عليك آخر السنة لكان مكانك في البيت الآن.»
هارو وقف ودفع الطاولة بيده حتى اهتزت الخريطة، وصاح:
«قلها ثانية!»
كورودا وقف قباله، كتفاه للأمام، عيناه تقدحان:
«أجل. لأنك طوال عمرك غبي… ومع ذلك تريد إنقاذنا؟»
هارو اقترب خطوة، ثم قال بصوت منخفض لكنه لاذع:
«على الأقل لست مثلك… الذي كان يبكي بالحمام بعد كل امتحان صعب.»
وجه كورودا تغيّر.
تغيّر تمامًا.
«ذكرني… من الذي فشل ثلاث مرات في مادة الحاسوب؟ من الذي كان يقبل يد الأستاذ شُو ليسامحه ويعيد له الاختبار مجدداً؟»
هارو قبض يديه، وتقدّم أكثر.
«ذكرني… من الذي كان يسرق مشاريع زملائه ويعدّل عليها وينسبها لنفسه؟»
كورودا دفع كرسيه جانباً، يده ترتفع بتهديد غير مباشر.
«تتحدث كأنك كنت مفيدًا يومًا، أنت كنت مشكلة قبل الكارثة، والآن… أصبحت كارثتين.»
قال هارو بعينين تقدحان ناراً:
«أنت آخر شخص يتكلّم عن التفكير يا عبقري قسم الرياضيات!»
كانت الكلمات تضرب كأنها طلقات.
كورودا دفع هارو بيده بقوة.
وهارو لم ينتظر.
قفز نحوه وضربه في بطنه بلكمة جعلتني أسمع الهواء يخرج من صدر كورودا.
انحنى كورودا للحظة، الهواء خرج من رئتيه، ثم رفع رأسه وبدون تفكير ردَّ بلكمة مباشرة على فكّ هارو.
هارو اندفع من جديد…
كورودا مسك ياقة قميصه…
والاثنان صاروا يتدحرجون فوق الأرض، الكراسي تقع على الأرض، وصوت احتكاك الأحذية يدوّي.
شعرت لحظتها بأن الغرفة أصغر من أن تتسع لأحقاد قديمة.
ثم—
جاء صوت يوشيدا.
ليس صراخًا…
بل زئيرًا.
«توقفاااااااااا!!!»
تجمد كل شيء.
حتى الهواء توقف.
اقتحم العراك، وقبض على ياقة هارو وسحبه للخلف بقوة جعلته يرتد، وضربه ضربة أسفل صدره جعلته يترنّح.
ثم دفع كورودا بعيدا عن هارو ووجه له ظربة في كتفه اهتز لها جسده كله.
«هل أنتم أطفال؟! تتشاجرون فوق خطة نجاة؟! لو أردتم الموت… أخرجوا الآن!... لا اريد سماع كلمة أخرى، وإلا سأدفنكما هنا بيدي.»
جلس الاثنان.
يتنفّسان بوضوح، وجوههم مليئة بالعرق، والغضب القديم ما زال يتصاعد من صدورهم مثل بخار.
شعرت أن يوشيدا… لم يكن غاضباً منهما فقط.
كان غاضباً من العالم كله.
وبينما يحاول ميازاكي إصلاح الخريطة، بدأت رين تتكلم بصوت بارد جداً:
«حتى لو توقفتم عن العراك… خطتكم ستفشل. الطريق الثاني مسدود ايضا. والثالث ينتشر فيه الزومبي. والرابع—»
لم تكمل.
يوشيدا التفت إليها ببطء… ببطء ينذر بالانفجار.
عيناه قاسيتان، فمه مشدود، ووجهه كأنه انشقّ من داخله.
قال بصوت متشبع بالغضب المكبوت:
«يكفي يا رين… كل كلمة تقولينها تحمل موتنا. ما مشكلتك؟ هل كرهتِ الحياة فجأة؟»
ميازاكي لم يغضب، لكنه شدّ على القلم بقوة حتى انشق رأسه أكثر.
قال:
«نعرف أنه صعب، ولكن لا ضرورة لدفن كل فكرة نقدّمها.»
ردّت رين ببرود، كأنها تقول الحقيقة فقط:
«أفضل أن ندفن فكرة… من أن ندفن أحدنا.»
قال يوشيدا كمن يحفر صبره من الصفر.
«رين… قلت يكفي. كل كلمة منك خنجر. هل تظنين أننا لم نعد نحتمل؟ هل تظنين اليأس شطارة؟ لا أريد سماع كلمة أخرى تشبه الاستسلام.»
هي رفعت حاجبها:
«ولماذا؟ هل تريدون أن أصفق؟ أن أكذب؟ النهاية واضحة.»
هنا… رأيت وجه يوشيدا يتغيّر.
كأن أحدهم فتح بابًا في داخله كان مغلقًا بقفل صدئ.
«هل تتصرفين هكذا لأنك فقدتِ أخيك؟»
صوته كان يرتجف.
«هل تظنين أنك الوحيدة التي فقدت؟ كلنا فقدنا… جميعنا!... رأيناهم يموتون... أضطررنا لقتلهم بأنفسنا... خسرناهم وخسرنا معهم كل شيء... لكننا لم نتصرف مثلك»
كادت نبرة يوشيدا تنكسر.
لكن ميازاكي تحرّك بسرعة، وضع يده على كتف يوشيدا كأنه يخشى سقوطه:
«يوشيدا… يوشيدا يكفي، نحن نحاول... هذا هو المهم.»
كانت هذه أول مرة أرى فيها ميازاكي خائفاً… ليس من الزومبي، بل من انهيار يوشيدا نفسه.
هارو مسح الدم من شفاهه وقال ببطء:
«أكمل… أندو. ارسم الطريق… وسنذهب إليه. سواء أعجب رين أم لا.»
رين لأول مرة خفضت رأسها.
ميازاكي وضع يده على ذراع يوشيدا يهدئه بصمت… نظرة صداقة سنين بينهم ظهرت في ثانية واحدة.
أندو رفع الورقة وقال بصوت ثابت رغم الخوف:
«لدينا طريق… ليس مثاليًا، لكنه طريق، إن بقينا... نموت. إن تحركنا… نمتلك فرصة. ولو كانت صغيرة.»
هاياتو قال بصوت جهوري:
«هذه الخطة هي أملنا الوحيد... علينا جميعنا الذهاب بها إن اردنا النجاة.»
كورودا تنفس من أنفه بقسوة، لكنه قال:
«سأذهب بهذه الخطة… حتى لو مات هارو في الطريق.»
هارو ابتسم نصف ابتسامة غاضبة.
«وأنا سأذهب… حتى لو احتجت لدفعك من الجبل.»
__________________
بعدما فرغنا من وضع الخطة، وانطفأت حرارة النقاش من صدورنا، شعر الجميع بالعطش فجأة، كأن التفكير نفسه سحب ما تبقّى من الماء داخل أجسادنا.
أخرج اندو علبة الماء الوحيدة التي بقيت معنا، وهزّها قليلًا أمام الضوء… لم يبقَ فيها إلا قاع خجول، يكاد يلتصق بجدرانها.
قال بهمسٍ يشبه صوت شخص يقسم يمينًا:
«نقسمها… بالتساوي.»
جلسنا جميعًا في دائرة صغيرة.
رنّت حركة العلبة في يد اندو كأنها حجر يسقط في بئرٍ عميق.
رفعها أولًا إلى شفتيه لكنه لم يشرب؛ استنشق فقط، ثم سلّمها لميازاكي.
كان ذلك غريبًا… كأن الاثنين يملكان اتفاقًا صامتًا على التضحية، صداقة مبنية على جروح مشتركة أكثر من الكلمات.
ميازاكي شرب رشفة صغيرة جدًا، حدّ أنّي تساءلت إن وصلت فعلًا إلى حلقه، ثم قال وهو يمسح فمه بكُمّه:
«الدور عليك يا سايوري.»
سايوري أخذتها بيدين مرتجفتين.
كانت شاحبة، وجهها متعب بطريقة تقول إنها تريد البكاء ولا تملك القوة حتى لذلك.
شربت ببطء… ثم ناولت العلبة بهاياتو الذي جلس قريبًا منها أكثر مما يجب، كعادته منذ بدأ كل شيء.
هاياتو شرب باندفاع بسيط ثم حاول أن يبدو طبيعيًا وهو يسعل سعلة خفيفة.
فهمت أنّه يريد الظهور قويًا أمامها، رغم أنه واحد من أكثرنا خوفًا.
سلّم العلبة لكورودا، الذي اكتفى ببلّ شفتيه فقط، ثم ناولها لكاي بلا كلمة.
اخذها كاي بيد مرتجفة وهو ينظر الى الماء داخلها وكأنه يخشى أن تكون هي آخر علبة ماء قد تراها عيناه، ارتشف منها رشفة واحدة بسيطة ثم ناولها لهارو.
هارو رفع العلبة ونظر إليها طويلًا… كأنه يعيد حساب الحياة والموت داخلها.
شرب رشفة صغيرة جدًا ثم أغلق الغطاء بقوة، ومدّها لي:
«إيزومي.»
أخذتها منه، وشعرت بثقل غير طبيعي… كأنها أصبحت رمزًا لشيء أكبر من مجرد ماء.
شربت رشفة قصيرة، حاولت أن أسمع صوتها وهي تنزل في حلقي، كأنني أؤكد لنفسي أنني ما زلت على قيد الحياة.
مددتُها أخيرًا ليوشيدا.
ذلك الرجل لم يتردد، ولم يعتذر، ولم يمثل القوة؛ شرب بقدر حاجته فقط، ثم قال ببساطة:
«هكذا يكفي.»
بعدها… عمّ الصمت.
كل واحد عاد إلى زاويته، يحمل في صدره خوفًا أكبر من الليل.
أندو جلس يكتب شيئًا بيده المرتجفة، ربما يدوّن آخر خطوط الخطة.
ميازاكي أسند رأسه للحائط وحدق في الأرض، عيناه فارغتان كأنهما تبحثان عن زمنٍ آخر غير هذا.
سايوري جمعت ساقيها إلى صدرها ودفنت وجهها بينهما، أصابعها ترتجف كأوتار ممزقة.
هاياتو اقترب منها قليلًا، ليس ليحميها… بل ليطمئن نفسه أنه ليس وحيدًا.
هارو تمدّد على الأرض بيدين متشابكتين فوق صدره، يتنفس بعمق رجل يحاول أن يطفئ نيرانًا في داخله.
كورودا جلس بعيدًا عنه، يمسح على كتفه التي ما زالت تؤلمه ويضغط أسنانه، كأن الألم هو الشيء الوحيد الذي يبقيه مستيقظًا.
بعد ساعة او اكثر، بعدما أنهى اندو آخر تفصيلة في الخريطة، طوى الورقة كأنها عهد، ووضعها عند قدميه، ثم قال بصوتٍ حاول جعله ثابتًا:
«سنحتاج للنوم الآن… سنخرج قبل الفجر بدقائق.»
لم يجب أحد.
حتى أنفاسهم صارت حذرة، كأن كل واحد يخشى أن يسمع الآخر ارتجافه.
ابعدنا الزجاجة التي تحتوي المادة الفسفورية الخضراء الى الزاوية فطغى الظلام ولم يعد للضوء إلا وجود خفيف مثل ضباب، ثم افترشنا الأرض الموحلة من آثار القلق والركض والبارود.
تمددتُ قرب الحائط، واضعةً حقيبتي تحت رأسي، وركبتيّ منكمشتين مثل طفل يخاف أن يفلت من يدي أمه.
أغمضتُ عيني… ولم يحدث شيء.
لا نوم.
لا راحة.
لا غياب.
كانت الأصوات الخفيفة من حولي تقول الحقيقة أكثر من أي اعتراف؛
كاي يشهق بين حين وآخر كأنه حاول إخفاء بكاء لم يخرج.
رين تثبّت تنفسها كي لا يسمع أحد ارتجافه.
التفتُّ إلى سايوري.
رأيت كتفيها يرتفعان وينخفضان بخوف واضح…
وكأنها في كل شهيق تطلب من العالم ألّا ينطفئ.
وإلى جانبها هاياتو، لم يغلق عينيه فعلًا، كان يتنفس ببطء رجل يخشى أن يظهر خوفه.
كورودا وهارو كانا متقابلين ولا يمنع حدوث شجار جديد إلا المسافة بينهما، كأن الشجار السابق لم يُطفِئ نار أحدهما بعد.
كل واحد منهما كان مستيقظًا ينتظر حركة الآخر…
عدا أن الحقيقة الواضحة:
كلاهما خائف.
وأكثر ما يخيفهما… أن يحتاج كل منهما للآخر غدًا.
ميازاكي كان يتظاهر بالنوم لكنه لا يرمش.
وعيناه ثابتتان على السقف…
كأنه يرى فيه وجوهًا لا نراها نحن.
أندو كان يعضّ شفتيه وهو مغمض العينين، كأن هناك فكرة تعذّبه… أو ذكرى لا يريدها أن تعود.
أما يوشيدا…
فكان أكثرهم صمتًا.
ورأيته يضغط على أصابعه فوق ركبته…
كأن فيه رجلاً يخشى أن ينهار أمامنا، فيخسر آخر ما تبقى له من صورة القائد.
تمدّدتُ أكثر، وصار الظلام يمسح على وجوهنا بيدٍ باردة.
وللحظة شعرت أنّنا لسنا مجموعة ناجين… بل مجموعة تماثيل حجرية تنتظر ضوءًا ما يعيدها للحياة.
لم ينم أحد…
لكن كل واحد تظاهر بالنوم بطريقة مختلفة.
وكان الظلام يتسلل بيننا مثل حكم مؤجل.
تظاهرتُ بالنوم مثل البقية، وأغمضت عينيّ دون أن أغادر وعيي لحظة واحدة.
الغرفة كانت صامتة… لكن عقولنا كانت تشتعل كغابة لم يطفئها المطر منذ أشهر.
راودتني أفكار لا معنى لها…
وأخرى ذات معنى لا أحتمل الاعتراف به.
كنت أفكّر:
هل نحن خائفون من الزومبي؟
أم من أنفسنا؟
من تلك اللحظة التي نفقد فيها عقولنا مثلهم… أو نفقد شخصًا لا نستطيع أن نحمله معنا؟
كنت أفكّر في الطريق.
في الجبل.
في الخريطة التي رسمها أندو… كأنها وعد هشّ قد يخوننا في أي لحظة.
وفي داخلي سؤال تتحاشى روحي الإجابة عنه:
مَن سيسقط أولًا؟
ومَن الذي سيضطر الآخرون لتركه خلفهم؟
كنت أكره هذا السؤال…
لكنه كان يرنّ في رأسي كما يرنّ جرس مهجور في معبد مكسور.
____________________
اقترب الفجر…
لمحة ضوء رمادي تسلّلت من فتحة صغيرة أسفل النافذة المكسورة المغلقة بخزانة معدنية، لون يشبه العظام الباردة.
كنت مغمضة العينين، لكنني شعرت به…
ذلك الضوء الخفيف الذي لا يكشف شيئًا، لكنه يعلن انتهاء ليلٍ طويل كالعقاب.
سمعت حركة خفيفة.
ميازاكي رفع رأسه أولاً.
أحسست به أكثر مما رأيته.
جلس ببطء… لا يريد أن يوقظ أحدًا، رغم أنه يعرف أننا مستيقظون.
مدّ يده ولمس كتف أندو، وهمس:
«انهض… الفجر قريب»
أندو فتح عينيه وكأنه لم يغفلهما أصلًا.
جلس، ثم هزّ رأسه كما لو أنه يزيل غبار الأحلام… رغم أنه لم يحلم بشيء.
يوشيدا لم ينتظر أن يوقظه أحد.
نهض وحده، بقوة رجل يعرف أن الانتظار قتلٌ بطيء.
قال بصوت منخفض لكنه نافذ:
«يكفي… قوموا جميعًا.»
لم نتحرك فورًا.
أردنا أن نحافظ على الكذبة للحظة أخرى…
كذبة أننا كنا نائمين.
أننا بخير.
لكن يوشيدا قال مرة أخرى، بنبرة لا تحتمل التردد:
«هيا… يوم طويل ينتظرنا.»
فتح هارو عينيه بسرعة، كأنه كان يريد هذا العذر ليهرب من أفكاره.
كورودا رفع جسده ببطء، نفَسُه خشن، كأنه خرج من معركة أخرى داخل رأسه.
كاي نهض وعيناه محمرتين اما من بكاء صامت او من سهر خائف.
سايوري اعتدلت وهي تمسح على ذراعها، كطفلة تحاول ألّا ترتجف.
هاياتو وقف قربها، لا يعرف كيف يخفي خوفه فنظر إلى الأرض كي لا يلتقي أحد بعينيه.
وأنا… جلستُ أولًا، ثم وقفت.
لم يقل أحد: “صباح الخير.”
لم يكن الصباح خيرًا.
ولا كان يومًا عاديًا.
كان الهواء في المختبر ثقيلاً؛ ثقل ساعة تُستنزف رملًا قبل سقوطه الأخير.
تحركنا ببطء، وكأن كل واحد فينا يخشى أن يلفت انتباه موت يتربّص خلف الجدران.
يوشيدا كان يتحرك أولًا، يراجع السكاكين الصغيرة، يقسّم ما تبقى من الماء في قنينتين بلاستيكيتين، ويشدّ رباط حقيبته كجندي خرج للتوّ من خسارته الأخيرة.
أندو كان يعيد طيَّ الخريطة التي رسمها البارحة… بيدين تهتزّان قليلًا، لا من الخوف، بل من الإرهاق الذي صار جزءًا من جلده.
ميازاكي وقف بجانبه، يميل عليه مرّة، ويهمس له بشيء ثم يعود لعمله.
سايوري كانت تمسح على وجهها بكمّ قميصها، تلتقط أنفاسها كأنها تستعير الشجاعة من الهواء نفسه.
هاياتو لف حولها معطفة الذي كان يرتديه مسبقا رغم أن عليه بقعة دم خفيفة الا انها ابتسمت بامتنان من دون كلمة.
بينما هو اكتفى بالنضر اليها... مجرد نظرة ثابتة تقول: “أنا هنا.”
أما كورودا وهارو…
كانا القنبلة الموقوتة في الزاوية.
كورودا مرّ بالقرب من هارو ليلتقط عصا خشبية كان قد عثر عليها.
لم يكن بحاجة ليصطدم به.
لكنّه فعل.
دفعة خفيفة… لكنها ليست بريئة.
مثل يدٍ تقول: “تذكّر أننا لم ننتهِ.”
هارو التفت بسرعة، قبضته تشدّ نفسها وحدها، وصدره يرتفع كأن هواء الغضب أثقل من الهواء.
اقترب كورودا خطوة، وهمس بنبرة ساخرة:
«عذرًا… لم أرَ الغباء يمرّ.»
هارو رفع حاجبه، ابتسامة مائلة، ثم ردّ بصوت خافت:
«على الأقل أنا لا أحتمي خلف الآخرين… مثل بعض الناس.»
كانت لحظة واحدة…
لحظة يمكن أن تشتعل فيها القاعة من جديد.
لكن صوت يوشيدا سقط فوق رؤوسهم كحجر ثقيل:
«ليس… وقت… القتال.»
استدار إليهما كأنه رأى الشجار قبل أن يولد، وقال بحدّة تكفي لإسكات روح: «إن تبقّى فيكما ذرّة عداوة… اتركوها خارج هذا الباب.
الزومبي لن ينتظر شجاركما ليقتل أحدكم.»
لم يتكلما.
اكتفيا بنظرات حارقة… نظرات تحمل تاريخًا من الإهانات والندوب.
ثم ابتعد كل منهما عن الآخر كمَن يجرّ معه جمرًا يرفض أن ينطفئ.
أندو أنهى طيّ الخريطة ووضعها في جيبه.
ميازاكي أغلق حقيبته.
سايوري عقدت شعرها خلف رأسها.
هارو وضع قبعة معطفة الخفيف قليلا على رأسه ثم أمسك بمضربه مثل يستعد لرد الكرة.
هاياتو جرّب ثبات قبضة السكين في يده.
كورودا يحمل العصا الخسبية بين يديه ويجلس مثل لاعب احتياط ينتظر دورة في مباراة.
كاي يحمل سكين في يده المرتجفة وكأنه يخشى أن يصيب نفسه بدلا من ان يصيب الزومبي بها.
رين شدّت رباط حذائها بصمت كأنها تشدّ أعصابها معه.
أما أنا… فقد وقفت في زاوية المختبر أحاول أن أبدو ثابتة، بينما يداي تخوناني وترتعشان كلما حاولت شدّ رباط حقيبتي.
فتحت السحاب وأغلقتُه مرتين بلا سبب… فقط لأقنع نفسي أني أُمسِك بشيء.
ربطت شعري بسرعة، ثم فككته، ثم ربطته من جديد.
لم أعُد أعرف إن كنت أستعدّ… أم أتماسك.
تحسستُ العصا المعدنية التي اخترتها البارحة من بين الخردة، نظرتُ إلى انعكاس وجهي الباهت على سطحها، وشعرت للحظة أنّي أحمل أكثر من مجرد عصا… كأنها خط دفاع أخير بيني وبين عالم ينهش.
سحبت نفسًا عميقًا، وحاولت أن أبدو كمن يعرف ما يفعل.
لكن داخلي كان يعترف… أني خائفة.
خائفة جدًا.
ورغم ذلك… تقدّمت خطوة، لأن البقاء في الخلف كان أخوف.
ثم…
يوشيدا وضع يده على مقبض الباب الحديدي.
التفت إلينا جميعًا، وقال بصوت هادئ… لكنه يحمل ثقل يوم كامل لم يبدأ بعد:
«استعدّوا…
من هذه اللحظة… لا شيء مضمون.»
كانت هذه اللحظة التي شعرنا فيها…
أن كل خطوة تالية قد تكون آخر خطوة لنا.
Rahaf_yem