محطة الإستجابة

محطة الإستجابة

16 0

.... حين قال يوشيدا ببروده الغريب: «يمكنهم الشعور… والضحك… ويفهمون كيف يتكاتفون من أجل الفريسة، لمَ لا نستسلم؟»

سمعتُ ضحكة قصيرة من هارو، ضحكة شبه مهموسة، لكنها خرجت منه بثقة لم أفهمها فورًا.

التفت إليه، ورأيت ابتسامة صغيرة ترتفع على جانب فمه.

قال بوضوح، وبنبرة تعلن التمسّك بالحياة كأنها سلاح:

«لا نستطيع الاستسلام… ليس بعد كل هذه المسافة. قطعنا ما يكفي لنجبر أنفسنا على أن نكمل.»

هارو كان يقولها وكأنه يرمي بثقل كامل من اليأس خلف ظهره دفعةً واحدة.

يوشيدا صمت لثوانٍ… ثم هزّ رأسه ببطء، كأنه يعترف بسرّ ما.

«لم أتوقع أن أعيش لأسمع طالبًا نائمًا في محاضراتي يتحدث عن الإصرار بهذه الطريقة.»

هارو ضحك، ضحك صافي وهادئ، ورجعتُ أنا أنظر إليهما، أراقب تفاصيلٍ كنت أحتاجها كي أثبت لنفسي أننا ما زلنا بشرًا.

«كنت أنام لأني كنت أفهم الدرس بسرعة»، قال هارو بنبرة استفزاز خفيف.

«كنت تنام لأنك مراهق فوضوي عديم الاحترام»، ردّ يوشيدا بجفاف… ثم ابتسم. «ولم أتخيل يومًا أني سأعتمد على عقلك سريع النوم كي أبقى حيًا.»

شعرت بابتسامة ترتفع على وجهي دون أن أقصد.

الغابة كانت لا تزال ثقيلة، لكن هذا الحوار كان مثل شرارة صغيرة تشقّ ظلامًا طويلاً.

نزلنا من الشجرة ببطء، كأن أجسادنا ما زالت مرتبكة بين الحياة والموت بعد ما شاهدناه.

نحاول أن لا ندوس على بقايا جثة كايدي... الجثة التي ماتت مرتين.

الأرض تحت أقدامنا كانت رطبة، والغابة حولنا أصبحت أقل تهديدًا… أو ربما نحن أصبحنا ببساطة أكثر إنهاكًا من أن نخاف.

سار هارو أمامنا، وكاي خلفه يحمل المضرب بين يديه، وأنا ألتفت حولي كل قليل، كأنني أبحث عن أي حركة غريبة.

كان الهواء باردًا، ورائحة الخشب المبتلّ تمتزج مع بقايا دخان بعيد.

شعرت بأن صدري يهبط أخيرًا بعد ساعات من الشدّ، وكأن قلبي وجد فرصة واحدة ليلتقط أنفاسه.

ثم همس يوشيدا، صوته بالكاد يُسمع:

«تعلمين… مهما نركض، النهاية تُحاول دائمًا أن تسبقنا. وكأننا نمشي فوق خط واحد، خط لا يريد لنا أن نصل إلى نهايته.»

نظرت إليه بسرعة، خائفة من أن يعود الجو مرهونًا بالسواد.

لكنّه أكمل بنبرة أخف، وكأنه يتراجع عن نفسه قليلًا:

«لكن… أعترف، لم أتوقع أن أبقى حيًا بما يكفي لأكره هذا الصباح البارد. إنه مكسب صغير، أليس كذلك؟»

هارو قال بصوت منخفض جدًا:

«إذا وصلتَ إلى القمة معي… فذلك مكسب كبير.»

كاي، بصوت مُرتجف لكنه لطيف:

«المهم أننا مع بعضنا الآن، هذا بحد ذاته شيء.»

شعرت أن الجو يهدأ فعلًا.

وكأن الحديث الهامس كان ينعش شيئًا بداخلنا، شيء نسيناه ونحن نهرب كل هذه الساعات.

بعد دقائق كان يوشيدا يسير بجانبي، يده في جيبه، يتكلم وكأنه يسترجع الماضي من خلف ستار مرّ عليه غبار كثيف.

«تعلمين يا إيزومي… هذا الفتى»، أشار إلى هارو، «كان يجعلني أكره بداية كل يوم دراسي. كنت أدخل الصف وأنا أعرف أنه سيجد طريقة ما ليفسد مزاجي. ينام… يرمي ورقة… يسأل سؤالًا يزعزع المحاضرة… أو يضحك بصوت مرتفع في منتصف المحاضرة، كنت أتساءل لماذا لا يطردونه من الجامعة… لكن الآن؟»

ابتسم بخفة جافة.

«اتضح أن لعقلة فائدة»

هارو اكتفى برفع يده بلا التفات وهو يقول:

«عقلي له فائدة دائماً...»

«له فائدة لا تضهر إلّا في نهاية العالم.»

قالها يوشيدا، لكن ملامحه خانته، لأن ضحكة صغيرة ظهرت.

واصلنا الصعود حتى بدأ الضوء يعلو بين الأغصان، وكأن الشمس تُخبرنا أننا اقتربنا.

الأرض أصبحت أكثر صلابة، وانفتحت أمامنا مساحة صغيرة على شكل دائرة صخرية.

كاي تنفّس بعمق:

«وصلنا… القمة.»

وضعت الجهاز على الأرض، ومسحت بيدي على سطحه الحديدي الذي صار باردًا كالجليد.

كنت أتذكر القليل من تعليمات أندو… لكن كاي ركع بجانب الجهاز كأنه ولد ليستخدمه.

قال بصوت خافت:

«المعلم أندو قال… أوّل شيء نضبط التردّد… ثم نفتح القناة… ثم نرسل نبضات قصيرة.»

حرك أصابعه بثقة، وكأن عقله وحده لم يتعب من الركض.

انفتح الجهاز، وصوت خافت يشبه حفيف الريح خرج منه.

ليس راديو واضحًا… لكنه ليس صمتًا أيضًا.

استقررت بجانبه، أراقب حركة أصابعه فوق الأزرار.

الجهاز أطلق أول صوت تشويش… ثم ثانٍ… ثم ثالث.

فتح كاي مرسل الموجات، وبيده المرتجفة أمسك الميكروفون.

«هنا… مجموعة ناجين… هل يسمعنا أحد؟»

صمت.

تشويش.

رياح تمرّ فوق رؤوسنا.

كررها.

مرة… مرتين… ثلاثًا.

ثم… لا شيء.

هارو قال:

«كرّرها… لمدة ساعة إن احتجنا.»

وفعلنا.

مرّت ساعة كاملة ونحن نتناوب على النداء، تردد واحد… جملة واحدة… وقلق واحد يأكلنا من الداخل.

«هنا مجموعة ناجين… هل يسمعنا أحد؟»

كنت أقولها، ثم يعيدها كاي، ثم يأخذها يوشيدا بصوته الهادئ… ثم هارو يضرب الجهاز بقبضة خفيفة كلما شعر أن الصوت لا يتحسن.

ومع مرور الوقت، صارت أصواتنا أهدأ، لكنه ذلك الهدوء الذي يُشبه الحنين… وليس الخوف.

الريح فوق التل كانت باردة، تقطع وجوهنا كأنها تذكّرنا أن العالم لم يعد لطيفًا… لكن ما زال ممكنًا أن يسمعنا أحد.

بعد قرابة ساعة، بينما كنت على وشك فقدان الأمل، انقطع صوت التشويش فجأة… ثم ظهر صوت غريب، ضعيف، متقطع كأنه يأتي من مسافة لا يمكن تخيّلها.

«…هنا… محطة الاستجابة… رقم سبعة… هل… يسمعنا أحد؟»

صرخ كاي قبل أن نلتقط أنفاسنا:

«نعم! نعم! نسمعكم! هنا مجموعة ناجين!»

تقدمت قليلاً لأرى مؤشر الإشارة.

أضاء… ثم خفت… ثم عاد.

الصوت سأل:

«عددكم؟»

أجاب كاي بسرعة، وكأنه يخاف أن تنقطع الإشارة:

«نحن أربعة على قمة التل! وهناك ستة آخرون في مختبر الجامعة… نحتاج مساعدة، أرجوكم.»

صمت…

ثم جاء الصوت بوضوح أكبر:

«ما اسم الجامعة؟ وفي أي منطقة؟»

فتح يوشيدا فمه فورًا، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال منذ بداية الأزمة.

«الجامعة الشرقية – منطقة كانتو – الضاحية الجنوبية. المبنى الرئيس تضرّر جزئيًا، الممرات مليئة بالمصابين. المختبر الكيميائي في الطابق الثاني هو مركز الناجين.»

تعمد نطق الكلمات بثقلٍ أكاديمي، كأنه يلقي بيانات رسمية.

الصوت لم يعلّق… فقط تابع:

«نحن لا نرسل فرق إنقاذ إلا بعد التأكد من سلامتكم. هل ظهرت على أحد منكم أي أعراض؟ تغيّر في التنفس؟ حمى؟ رعشة غير مألوفة؟ تشنجات؟ فقدان مؤقت للوعي؟»

تنفس هارو بعمق وقال:

«لا. نحن بخير. خرجنا منذ ساعتين تقريبًا من المختبر لنبحث عن المساعدة… لم يُصَب أحد.»

ثم جاء السؤال التالي…

أقسى من كل ما قبله:

«كيف نجوتم من المصابين؟»

رمقت هارو بنظرة قصيرة… رأيته يضغط على شفته بعصبية.

لكن يوشيدا أجاب أولًا:

«لدينا عدة أسلحة للدفاع عن أنفسنا وسلكنا طرق خالية تقريبا من المصابين... لم يصب أي أحد منّا، أؤكد ذلك.»

الصوت لم يقتنع فورًا.

«هل فقدتم أي شخص قبل الوصول؟»

هارو انفجر أخيرًا:

«ما المشكلة؟ نرفع لكم تقرير طبّي؟ نقيس حرارتنا لكم عبر الهواء؟ نحن نطلب المساعدة يا رجل!»

الصوت جاء هادئًا… حذرًا… باردًا.

«شوهدت مجموعات مصابة تهاجم فرق الإنقاذ السابقة بعد أن أكدوا أنهم غير مصابين… نحن لا نخاطر.»

نظرت إلى هارو، رأيت في عينيه غضبًا من النوع الذي يأتي من الإرهاق لا من التحدي.

لكنه سكت، بضبط نفس يشبه شدّ خيط داخل صدره.

ثم جاء السؤال الأخير… الأطول… والأثقل:

«اذكروا أعماركم… أسماءكم… وكيف تأكدتم خلال الساعات الماضية أنكم غير مصابين.»

تبادلتُ أنا وكاي نظرات قصيرة، ثم بدأنا نجيب واحدًا واحدًا.

«كاي… 17 عامًا… كنا في المختبر منذ بداية التفشي. لم نتعرض لأي جروح.»

«هارو… 18… تدربت على فحص العلامات الحيوية، كلنا سليمون.»

«إيزومي… 17… لا إصابات.»

ثم يوشيدا، بصوته المتماسك:

«يوشيدا… 33… لا إصابات، ولم ألمس أي من المصابين.»

لم يترك لنا الصوت فرصة للراحة:

«حسنًا… والناجون الآخرون الموجودون في المختبر؟ نحتاج أسماءهم وأعمارهم، ونريد التأكد أنهم بخير.»

تبادلنا نظرات قصيرة، ثم تنحنح يوشيدا قليلًا كمن يستعد لإلقاء قائمة حضور في أول يوم دراسة:

«في المختبر ستة أشخاص:

ميازاكي… 45 عامًا.

أندو… 47 عامًا.

رين… 17 عامًا.

سايوري… 18 عامًا.

طالب آخر يدعى هاياتو… 18 عامًا.

والأخير كورودا… 19 عامًا.

جميعهم غير مصابين.»

سكت لحظة قصيرة، ثم أضاف بحدة أكاديمية مألوفة لديه:

«وأراقب حالتهم الصحية منذ بداية الأزمة بنفسي.»

عاد الصوت بعد ثوانٍ كأنه يقلب هذه المعلومات في رأسه:

«هل ظهرت على أيٍّ منهم أعراض؟ أيّ جرح؟ أيّ احتكاك مباشر بالمصابين؟»

قال كاي:

«لا... كنا جميعًا معزولين في المختبر منذ التفشي. عندما خرجنا ظل الستة في الداخل ولم يغادروا.»

سُمع صوت حفيف في الجهاز، كأن شخصًا يقلب أوراقًا أو يدوّن ملاحظات.

مرّت ثوانٍ طويلة…

كأن الجهاز نفسه يحبس أنفاسه.

ثم جاء الصوت… بنبرة أقل حذرًا، لكنها ما زالت مشحونة بالمسؤولية:

«تأكدنا. أنتم ناجون بالفعل.»

انفرج وجه كاي فورًا، وتنفس هارو من بين أسنانه كأن حجرًا ثقيلاً أزيح عنه…

لكن الصوت لم يمنحنا فرصة للشعور بالراحة.

«استمعوا جيدًا… لن نقترب من موقعكم الحالي. المنطقة منخفضة، والمصابين قادرون على تشكيل ما يشبه السلم البشري للوصول لأي طائرة هبوط.»

تجمدت أطرافي عند سماع العبارة.

تخيلت المشهد…

أجساد تتسلق فوق أجساد… طبقات لحمية تصعد نحو السماء.

الصوت أكمل بصرامة:

«سنرسل لكم إحداثيات مكان مرتفع جدًا… موقع لا يمكن للمصابين الوصول إليه بسهولة. عليكم جميعًا—الأربعة هنا، والستة في المختبر—التحرك إلى هناك. بعدها فقط نرسل فريق الإنقاذ.»

ثم انقطع الخط.

وساد الصمت…

صمت يشبه صفحة بيضاء قبل كتابة مصير جديد.

عاد الصوت في السماعة قبل أن نلتقط أنفاسنا، واضحًا وحادًا وكأنه يخترق الضباب حولنا:

«يرجى تدوين الإحداثيات التالية بدقّة تامّة، فالموقع المقترح هو النقطة الأكثر أمانًا لإجلائكم في الظروف الحالية.

نقطة الارتقاء تقع عند القمة الشمالية من جبل أماغي ضمن القطاع الخارجي الجنوبي لمنطقتكم، وتحديدًا على الإحداثيات الآتية:

خط العرض: 34.8507 شمالًا

خط الطول: 138.9854 شرقًا.

الطريق المؤدّي إلى الجبل لا يمر عبر الشوارع الرئيسية لعدم صلاحيتها، لذلك يجب عليكم التحرك من الجهة الغربية للجامعة، والدخول إلى ممر الغابة الكثيفة الموازية للوادي. ستجدون بعد نحو كيلومترين ممرًا صخريًا ضيقًا يصعد بزاوية حادّة نحو الجزء العلوي من الجبل؛ اتّبعوه دون انحراف.

سيستغرق الوصول إلى القمّة بين ساعتين وثلاث ساعات تبعًا لوتيرة السير، مع ضرورة تجنّب أي مناطق مفتوحة أو نقاط جذب صوتية.

عند بلوغكم ارتفاع المئة والخمسين مترًا تقريبًا، ستلاحظون تضاؤل النشاط حول المكان؛ أكملوا الصعود حتى تصلوا إلى الهضبة المكشوفة أعلى القمّة. ذلك الموقع هو نقطة الالتقاط المعتمدة لكم.»

يوشيدا تجمّد لحظة، ثم تراجع خطوة إلى الخلف، عيناه اتسعتا، وصوته حين خرج كان ممتلئًا بغضب مكتوم انفجر فجأة:

«تريدون منّا أن نتسلّق جبلاً كاملًا؟! في غابة مليئة بالزومبي؟! بدون طعام، بدون سلاح كافٍ، ونحن بالكاد نجونا من الموت منذ لحظات؟! كيف تتوقعون ذلك؟!»

ساد صمت قصير عبر الجهاز.

حتى الهواء حولنا وقف ليستمع.

هارو حاول أن يضع يده على كتف يوشيدا لتهدئته، لكن يوشيدا أبعدها بسرعة، وجهه مشتعل، أنفاسه حادّة، وكأنه أخيرًا سمح لكل الرعب المتراكم أن يخرج دفعة واحدة.

ردّ صوت فريق الإنقاذ أخيرًا… ولكن ببرود لا يناسب الموقف إطلاقًا:

«نحن لا نتوقع شيئًا… نحن نخبركم بالواقع. كما قلنا سابقا... آخر مرة حاولنا الهبوط لإنقاذ ناجين، صنع الزومبي سلّمًا من أجسادهم ووصلوا إلى المروحية وأسقطوها. خسرنا طيارين وثلاثة جنود… ولم ينجُ أحد من المدنيين.»

توتر الهواء فوق رؤوسنا.

كاي ابتلع ريقه، ووقف هارو جامدًا.

حتى أنا شعرت بأن قلبي أصبح أثقل من الجهاز الذي نحمله.

الصوت في الجهاز أكمل، بنبرة باردة لكنها حقيقية تمامًا:

«في هذا العالم… من يريد النجاة يجب أن يتحرك. يجب أن يصعد. يجب أن يخاطر. النجاة لا تأتي لمن ينتظر.»

يوشيدا فتح فمه ليرد، لكن الصوت على الجهاز قاطعه:

«نأسف… هذه هي القاعدة الآن. إذا كنتم قادرين على الوصول، سنكون هناك. إذا لم تكونوا قادرين… فلن نتمكن من فعل شيء.»

ثم…

انقطعت الإشارة.

الصوت توقف كأن العالم سحب أنفاسه وحبسها فجأة.

يوشيدا ظل واقفًا للحظات، يده ترتجف قليلًا على السكين، ثم قال بصوت خافت ومكسور، فيه مرارة الفلسفة التي كان يدرّسها دائمًا:

«جميل… يريدون منا أن نرتقي الجبل لنثبت أننا نستحق العيش. يبدُو أن حتى النجاة أصبحت نظرية… تحتاج تجريبًا وموتًا… قبل أن تُصدق.»

لم يرد أحد.

هارو حمل الجهاز بصمت، كاي أغلق دفتره الذي سجل فيه الإحداثيات وضمّه إلى صدره، وأنا تبعتهم بنظري فقط… نتجه جميعًا نحو الطريق الطويل المؤدي إلى الجامعة.

العودة لمختبرنا أصبحت ضرورة…

والنجاة أصبحت مسألة واحدة:

هل نستطيع أن نصعد… قبل أن يسقط أحدنا؟

لمّا هبطنا التلّ، شعرتُ وكأنّ الأرض تحت أقدامنا أصبحت أثقل ممّا كانت عليه قبل ساعات قليلة.

الهواء كان رطبًا، مشبعًا برائحة التراب البارد وآثار الدماء المتناثرة، ورغم أن خطواتنا بدت متماسكة، كنتُ أسمع الارتجاف الخفيّ خلفها… ارتجاف لا يراه أحد غيري.

كان يوشيدا يمشي أمامنا بخطى سريعة، متوترة، كأنّ الكلمات الأخيرة التي سمعها من فريق الإنقاذ ما تزال تحترق تحت جلده.

كنت أرى كتفيه يرتفعان وينخفضان بغضب مكتوم، ويكاد يصطدم بكل غصن يعترض طريقه.

أمّا كاي، فكان خلفه مباشرة، يراقبه بعين حذرة، كأنّه يتهيّأ للتدخل إن فقد أحدنا رباطة جأشه.

أمّا هارو…

كان يسير إلى جواري، يرفع مضربة فوق كتفه قليلًا، ووجهه ساكن وكأن كل الإنفعالات هاجرت منه.

بدا صامتًا أكثر من المعتاد، وكأنّ كل ما مررنا به منذ وصول الإشارة يطفو على سطح تفكيره دون ترتيب.

الغابة حولنا كانت تخفت شيئًا فشيئًا.

أصوات الحشرات، حفيف الأشجار، كلّه كان يتراجع كلما اقتربنا من المبنى الجامعي المظلم.

ولمّا ظهرت الكتلة الإسمنتية الضخمة وسط الظلام، شعرت بشيء يشبه الانقباض… ذلك الشعور المألوف بأننا نعود للمأوى الوحيد المتبقي، وللخطر ذاته في آنٍ واحد.

توقّف يوشيدا عند المدخل الجانبي للمبنى، التقط أنفاسه بحدة، ثم نظر إلينا.

لم يقل شيئًا، لكنه أشار بيده إشارة قصيرة تفيد بأن نتبعه.

الدرج الداخلي كان غارقًا في العتمة، والهواء في الداخل أثقل من الخارج، كأنه يحمل بقايا صرخات لم تُطلق بعد.

بينما نصعد درجات السلم، كنتُ أسمع خطواتنا تتردّد في الممرّ، تمتدّ كصدى بعيد يرافقنا مثل ظلّ خامس.

كنت أفكر في الوجوه التي تنتظرنا في المختبر… في ما سنقوله لهم، وفي تلك الإحداثيات التي بدا الطريق إليها أقرب إلى الحكم المؤجل لا إلى النجاة.

ورغم كل شيء…

كنتُ أشعر بأن عودتنا هذه ليست مجرّد عودة.

كأننا نحمل على أكتافنا شيئًا سيغيّر الليلة بأكملها...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين أكلتنا الأرض "when the earth ate us"

المؤلف Rahaf_yem
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة