المبنى الجامعي

المبنى الجامعي

14 0

خطونا فوق الجسر بحذرٍ كأننا نمشي على جثةٍ نائمة.

كان الحديد يصدر أنينًا خافتًا تحت أقدامنا، وكل اهتزازٍ صغير يوهمنا بأن الجسر سيسقط في أي لحظة.

تسللت الريح عبر القضبان، تحمل معها رائحة الماء العفن والدم القديم.

نظرت إلى الأسفل، فرأيت النهر ساكنًا كأنه ميت هو الآخر، لونه رماديّ كالسحب التي بدأت تتكاثف فوقنا.

قال دايكي بصوتٍ منخفض، دون أن يرفع نظره:

"لا تتوقفي... حتى لو سمعنا شيئًا، نكمل السير."

أومأت له رغم أن قلبي كان يدق بسرعةٍ مؤلمة، كأن كل نبضة تصرخ: اركضي.

رنّ صرير الحديد من خلفنا، فالتفتت رين بسرعة، لكن لم يكن هناك شيء. فقط الريح... أو هذا ما أردنا تصديقه.

وحين وصلنا إلى نهاية الجسر، ظهر لنا مبنى الجامعة من بين الضباب، ضخمًا ومظلمًا، نوافذه المفتوحة تشبه أعينًا ميتة تراقبنا.

تجمّدنا جميعًا للحظة، لا أحد تجرأ على الكلام.

بدت الساحة أمامه فارغة، إلا من بعض السيارات المحطّمة والأوراق المتناثرة، كأن الحياة توقفت فجأة في منتصف مشهدٍ دراسيّ لم يكتمل.

تمتمت رين بصوتٍ واهن:

"هل... هذا هو المكان الذي قال عنه صديقك؟"

أجاب دايكي بخفوتٍ وكأنه يخشى أن يسمعه المبنى نفسه:

"نعم... مبنى السكن الجامعي. من هنا تبدأ النهاية، أو النجاة."

أخرج دايكي هاتفه من جيبه، بيدين مرتجفتين من البرد أو الخوف، لم أعد أميز.

ضغط على الشاشة عدة مرات حتى أضاء الضوء الأزرق الباهت على وجهه، كأنه انعكاس من عالمٍ آخر.

كنا نقف قرب البوابة الحديدية، نختبئ خلف سيارة محترقة نصفها ذاب من جهة السائق.

قال وهو يكتب بسرعة:

"سأراسله... ربما لا يزال في الداخل."

توقفنا نتنفس بصمتٍ كامل، ننتظر أن تصدر الشاشة أي إشارة حياة.

ثوانٍ طويلة مرت قبل أن تهتزّ يده فجأة، وصوت الإشعار كاد يجعل قلوبنا تتوقف.

فتح الرسالة بسرعة، وقرأ بصوتٍ منخفض:

"لا تدخلوا... المبنى لم يعد آمنًا. الزومبي في الأروقة، بعضهم عالق في الطابق الثالث. انتظروا عند الساحة، أنا قادم."

رفعت رأسي ببطء إلى النوافذ المعتمة للمبنى، بدا بعضها يتحرك بخفوت، وكأن أحدًا يسير خلف الزجاج.

ابتلعت ريقي بصعوبة، وسألت بخفوتٍ يكاد لا يُسمع:

"هل... هو متأكد أنه سيصل؟"

أجاب دايكي دون أن ينظر إليّ، ما زال يحدق في الهاتف وكأن الكلمات قد تحترق إن أغلق الشاشة:

"قال إنه قريب... سيأتي من الجهة الغربية للمبنى. طلب منا ألّا نصدر أي صوت، ولا نتحرك كثيرًا."

لم يكن في الشارع سوى أصوات الريح وهي تجرّ قطع الورق على الإسفلت.

أغمضت عينيّ للحظة، وشعرت بأن كل ثانية تمرّ الآن، هي محاولة من العالم ليختبر صبرنا قبل أن يفتح فمه ويلتهمنا.

مرّت عشر دقائق بدت كأنها ساعة كاملة...

وفجأة، سمعنا وقع خطواتٍ سريعة قادمة من الجهة الغربية، خطوات مترددة لكنها مستعجلة.

رفع دايكي رأسه بسرعة، وجهه تملؤه الدهشة الممزوجة بالارتياح، همس:

"إنه هو..."

ظهر رجلٌ في أواخر العشرينات من بين الظلال، يحمل بندقيه ومصباحًا صغيرًا يلفه بقطعة قماش حتى لا يفضحه الضوء.

كان يرتدي سترةً رمادية ملوثة بالتراب، وشعره منكوش كمن لم ينم منذ أيام...عندما رأى ضلالنا رفع السلاح وكان على وشك الإطلاق، كأنه مستعد للكارثة، لكن حين لمح دايكي خفف قبضته وقال بصوت مبحوح:

"دايكي؟!"

اقتربا من بعضهما بسرعة، وتصافحا بعنفٍ أشبه بالنجاة.

نظرتُ إلى الرجل في صمت، ورين خلفي تمسك بحقيبتها وكأنها درع.

أشار الرجل نحونا وسأل:

"هؤلاء معك؟"

أومأ دايكي:

"نعم، اختي رين وصديقتها... ساعدتنا على الوصول إلى هنا."

هزّ الرجل رأسه بامتنان، ثم أضاف بصوتٍ حذر:

"الطريق إلى الداخل محفوف بالخطر... الطابقان الأول والثاني مليئان بالجثث، بعضها يتحرك أحيانًا. لكننا أغلقنا السلالم من الأعلى، الطريق الآمن الوحيد هو عبر المصعد القديم، نستخدمه كفتحة للوصول إلى الممر الخلفي."

ترددت رين وهي تنظر إلى الباب الزجاجي المهشّم، قالت بارتباك:

"مصعد؟ هل... يعمل؟"

ابتسم الرجل ابتسامة باهتة، وقال:

"ليس تمامًا، لكننا جعلناه ثابتًا بما يكفي لتسلقه. لا يوجد خيار آخر."

دخلنا خلفه إلى البهو الرئيسي للمبنى.

كانت الأرضية مغطاة ببقعٍ داكنة، والهواء خانقًا برائحة الصدأ والعفن.

الهدوء هنا مختلف... كأن الأصوات تبتلع نفسها حتى لا تُسمع.

قادنا الرجل إلى نهاية الممر، وهناك فتحة مصعدٍ مفتوحة، الحبال المعدنية تتدلى، وفي الأسفل ظلامٌ بلا قاع.

قال بصوتٍ خافت:

"سأصعد أولاً... خطوة بخطوة، تمسكوا بالحبال، لا تنظروا للأسفل أبداً."

بدأ الصعود، يده تمسك بالحبل بإحكام، والمصباح امسكه بفمه كي لا يقع وصوت احتكاك المعدن يهمس في الصمت.

صعد دايكي بعده، ثم أنا، ثم رين التي كانت تتنفس بسرعةٍ مضطربة.

كل خطوة كأنها اختبار للقوة والصبر، وكل صريرٍ من المعدن يجعل القلب يقفز في الصدر.

حين وصلنا إلى الأعلى، سحبنا الرجل واحدًا تلو الآخر إلى أرضيةٍ ضيقة، ومن هناك فتح بابًا صغيرًا يقود إلى ممر مظلم، تصطف فيه الجدران الخرسانية المشققة.

قال وهو يتقدم أمامنا:

"الآخرون في الطابق الخامس، جمعنا الطعام والمياه هناك. لدينا مولد صغير يضيء الغرفة لبضع ساعات فقط كل ليلة."

سارت خطواتنا ببطءٍ على السلالم وسياج الدرج الحديدية المتكسرة التي تصدر صريرًا مع كل حركة، والهواء يصبح أكثر دفئًا كلما صعدنا حتى استقبلنا شابان في نهاية الدرج اومأ لهما الرجل بصمت وهما في قمة التوتر... كأنهما ينتظران ان يريا شيء اخر غيرنا.

تبعناه عبر الممر حتى وصلنا إلى قاعةٍ كبيرة في نهاية الممر.

الباب الخشبي كان مائلًا قليلًا، خلفه سمعنا همساتٍ خافتة وحركاتٍ بطيئة.

فتح الرجل الباب بحذر، وقال بابتسامة باهتة: "مرحبًا بكم في آخر ما تبقّى من الجامعة... وآخر ما تبقّى منا."

عندما فتح الباب، انكشفت أمامنا قاعة دراسية تحوّلت إلى مأوى.

كانت الغرفة فوضى مرتّبة على طريقة الناجين...

لم أتكلم.

اكتفيت بالوقوف قرب الباب، أنظر إلى الوجوه. بعضهم كان يرتدي ملابس الجامعة، وبعضهم بملابس عادية، لكن عيونهم جميعاً كانت متشابهة... عيون من شاهد النهاية أكثر من مرة.

نظرت حولي: أربع طاولات مكسورة جُمعت على شكل حاجز، نافذة مسدودة بخزانة مقلوبة، وعلى الأرض حقيبة إسعاف مفتوحة... قناني ماءٍ موضوعة بعناية في الزاوية.

في الزاوية الاخرى، كانت فتاة تضع ضمادة على ذراع شاب آخر، بينما جلس شخص ثالث عند النافذة ممسكًا بمضرب بيسبول.

وقف صديق دايكي أمامنا وقال:

"هؤلاء زملائي. حاولنا التجمع كلنا هنا بعد ان بدأ الهجوم في السكن الرئيسي. الكهرباء قُطعت أمس، والمياه تضعف كل ساعة."

ثم التفت إليّ بسرعة وكأنه تذكر آداب الحديث المتبقية في العالم القديم وقال:

"أنا كازويا."

قلتُ بصوتٍ منخفض وأنا أومئ برأسي:

"إيزومي."

سأله دايكي وهو يضع حقيبته على الأرض:

"كم عددكم هنا؟"

رد كازويا وهو يشير ناحية الممر:

"تسعة... انا وثلاثة معلمين وخمسة طلاب... لكن اثنين يغلقون الدرج جيدا كي لا يصعد المتعفنون. "

اقتربت رين وسألت بخوفٍ لا تحاول إخفاءه:

"هل الزومبي في المنطقة الجامعية؟"

تبادل كازويا والفتاة في الزاوية النظرات، ثم قال أخيرًا:

"الجهة الشرقية ممتلئة بهم... لكن الغرب شبه فاضي. ربما بسبب النار اللتي اشتعلت أمس. لكن لا نعرف كم سيصمد الوضع."

اقتربت من النافذة بخطواتٍ حذرة.

كان الهواء الداخل من الشقوق باردًا على غير العادة، ورائحته تحمل رمادًا وشيئًا يشبه الحديد. نظرتُ عبر الفتحة الصغيرة بين الخزانة والزجاج المكسور، فرأيت الشروق بدأ يغمر المدينة بلونٍ اصفر باهت غريب.

سمعت صوتًا خلفي يقول بهدوء:

"إن نظرتِ أكثر، ستبدئين في تخيّلهم حتى لو لم يكونوا هناك."

التفتّ، فرأيت الشاب الجالس بجوار النافذة. شعره أسود غير مرتب، يمسك مضرب بيسبول كأنما هو امتداد لذراعه، عيناه ثابتتان على الخارج، كأنه يحرس العالم لا المبنى.

قال دون أن يشيح نظره:

"لا أحب النظر طويلاً... يجعلني أظن أن المدينة تراقبنا."

اقتربت أكثر، وأجبت:

"أفضّل مراقبتها قبل أن تلتهمنا."

ابتسم ابتسامة قصيرة، ثم أدار وجهه نحوي للمرة الأولى.

"اسمك إيزومي، صحيح؟"

أومأت.

قال وهو يمد يده بسرعة غير متوقعة:

"هارو."

صافحته، ويده كانت دافئة رغم البرد.

ثم سألني بصوتٍ منخفض:

"كم يوماً كنتم بالخارج؟"

"يومان... أو ربما أقل. فقدنا الإحساس بالوقت."

هزّ رأسه بتفهم، ثم عاد ينظر إلى الشارع.

"غريب كيف يومان فقط كانا كافيين ليجعلانا نبدو كمن عاش حرباً طويلة."

سكتُّ قليلاً ثم قلت:

"الأمر ليس في طول المدة... بل في ما تبقّى فينا بعدها."

التفت نحوي ثانية، هذه المرة بنظرة طويلة وكأنه يحاول أن يقرأ ما وراء الكلام، ثم قال بهدوء:

"يبدو أنكِ كنتِ ترى أشياءً قبل أن ترى الزومبي."

لم أجد جوابًا مناسبًا. فقط نظرتُ معه إلى المدينة، إلى المباني التي تشبه جماجم صامتة.

كانت الشمس تُشرق بخجلٍ ذلك اليوم.

دفءٌ باهت يتسلل من النوافذ المحطمة، يغمر الطابق الخامس بنورٍ ذهبيٍّ غريبٍ يشبه الأمل... لكنه أمل مكسور الأطراف.

وبقيت استمع لصوت الريح وهي تمرّ عبر الممر الطويل، كأنها تتفقد من بقي حيًا.

رين جلست قرب الجدار، تحتضن كوبًا شبه فارغ كأنه شيء ثمين.

هارو كان يقف عند النافذة، مضرب البيسبول مستند إلى كتفه، يراقب الشارع الجامد كتمثال.

أما أنا، فقد جلستُ أراقب السماء من فتحةٍ في النافذة.

كانت صافية بشكلٍ يوجع القلب... وكأنها لا تعرف ما يجري تحتها.

مع الوقت بدأ المكان يشبه معسكرًا مؤقتًا أكثر منه ملجأ.

قسمنا الطعام القليل الذي معنا، وعلّقنا البطانيات بين المكاتب المكسورة لتبدو كستائر تحفظ شيئًا من الخصوصية.

كان الجو مشحونًا، لا أحد يتحدث كثيرًا.

نظراتنا تقول كل شيء: إلى متى سنصمد؟

في الظهيرة، سمعتُ دايكي يتحدث مع كازويا بصوت منخفض:

"الوقود الذي لدينا لن يكفي إن حاولنا الهرب بالسيارة. ربما نحتاج طريقة أخرى."

ردّ عليه كازويا:

"وإلى أين؟ الطرق كلها مغلقة... المدن صارت مصيدة ضخمة."

سكت دايكي طويلاً، ثم قال:

"على الأقل لا نبقى هنا للأبد."

كنت أستمع بصمت، وكل كلمة منهم كانت ترنّ في رأسي كناقوس إنذار.

حين مالت الشمس نحو الغروب، صار الضوء في الممرات برتقاليًا غريبًا، كأن النار تقترب من المكان.

جلس بعض الطلبة على الأرض، منهم من نام على المقاعد المقلوبة، ومنهم من راح يدوّن شيئًا في دفترٍ صغير، كأن الكتابة آخر ما يمكن الإمساك به قبل الانهيار.

بدأت أصوات الجميع تهدأ، حتى الريح توقفت عن الحركة.

تحركت مجددا نحو النافذة التي يقف عندها هارو، ووقفت بجانبه.

قال لي من دون أن ينظر:

"المدينة هادئة أكثر من اللازم... هذا لا يعجبني."

ابتسمتُ بخفوتٍ متعب:

"الهدوء صار يخيفني أكثر من الصراخ."

التفت إليّ وعيناه غارقتان بالتعب وقال:

"تعلمين؟ كنت أكره هذه الجامعة. كنت أراها مملة... الآن أفتقد حتى محاضرات الصباح الباكر."

لم أعرف ما أقول.

ربما لأن كل الكلمات في هذا العالم فقدت معناها.

فاكتفيت بأن أنظر معه نحو الأفق، حيث تختفي الشمس ببطءٍ خلف المباني، تاركة السماء بلون رمادٍ مائلٍ إلى الدم.

لم تمر سوى دقائق على حديثي مع هارو حتى دوّى صوت ارتطامٍ عنيفٍ في الممر.

تبادلنا النظرات - تلك النظرة التي لا تحتاج إلى كلمات - ثم انطلقنا نحو الباب.

تسارعت أنفاسي، وشعرت بأن الدماء في رأسي تصرخ.

ركض هارو نحو الباب ممسكًا بمضربه، وتبعه دايكي وهو يشتِم بين أسنانه.

تقدّم أحد الطلبة بحذر، وبيده عصا مكسورة، لكن قبل أن يخطو خطوة ثانية... ظهر من الظلال جسد يسير مترنحًا.

عيناه فارغتان، وفكه السفلي يتدلى بزاوية غير طبيعية.

كانت أصواتهم أشبه بصفير الريح داخل القبور، والجلد الممزق على وجوههم يلمع من عرق الموت.

اختنق الهواء.

الصرخات امتزجت مع أصوات الطاولات وهي تُسحب من أمام الدرج بسرعة. كان الدرج طريقنا الوحيد، لكننا أغلقناه من قبل بالطاولات لمنعهم من الصعود.

صرخ دايكي من أقصى الممر:

"أبعدوا الطاولات بسرعة! لا نملك وقتًا!"

ركضتُ نحوه وأنا ألهث، بينما رين تمسكت بذراعي وهي ترتجف.

كازويا كان أول من بدأ بدفع الطاولة الكبيرة، كتفه مضرج بالغبار، وصوته يتقطع وهو يقول:

"ساعدوني! الزومبي في بداية الممر!"

اقترب اثنان من الطلبة لدفع الطاولة معه، لكنهم بالكاد تمكنوا من تحريكها بضع سنتمترات.

الصرخات تقترب، الأقدام الثقيلة تجرّ نفسها نحونا، والهواء صار ثقيلاً من رائحة العفن والدم.

واحد من الزومبي سقط أرضًا وبدأ يزحف بسرعة غير بشرية، لحقه آخرون يتدافعون، أصوات أنينهم تتردد في الممر مثل موجة مظلمة قادمة نحونا.

صرختُ برعب:

"أسرعوا! إنهم قريبون جدًا!"

أخيرًا، تحركت الطاولة الكبيرة، فتدافع الجميع نحو السلالم، يتساقطون فوق بعضهم في محاولة للهرب.

وبمجرد أن نظرنا للأسفل... رأيناهم يصعدون من الاسفل ايضا... جذبتهم اصوات الصراخ.

صرخ هارو:

"علينا الصعود! الآن!"

ركضنا نحو السلالم المؤدية للسطح.

دايكي كان يسحب رين من يدها، وأنا ألهث خلفهما بينما هارو يلتفت كل لحظة ليتأكد أنهم لم يقتربوا.

حين استدرت، رأيت أحد الطلبة - شابًا قصير الشعر - يتعثر وهو يحاول الصعود، قبض الزومبي على ساقه وسحبه بعنف للأسفل.

صرخ بصوتٍ اخترق صدري:

"ساعدوني!"

تقدّم زميله نحوه، لكن دايكي أمسك به من كتفه وصرخ:

"لا وقت! تحرك!"

بينما هارو من خلفي يستعجلني للصعود بسرعة.

حين وصلنا إلى آخر السلالم، دفع كازويا الباب الحديدي للسطح بقوة، وصاح:

"ادفعوا معي!"

فتعاون معه دايكي وفتى اخر... الباب فتح بصعوبة، وانفجر الهواء البارد في وجوهنا كأنه نجاة مؤقتة.

تدافعنا للخارج واحدًا تلو الآخر...

هارو كان آخر من صعد، ضرب أحدهم بالمضرب وهو يصعد، الدم طار على السلم كرشّة طلاء.

ثم أغلق دايكي الباب خلف هارو، وأسنده بعارضتين من الحديد كانتا ملقيتين قرب خزان المياه.

خلف الباب، سمعنا الضربات تتكاثر، والأنين يعلو، حتى بدا وكأن الجحيم نفسه يحاول الدخول.

جلسنا جميعًا على الأرض نلهث.

الهوا ملوث برائحة صدأٍ وغبار، وصوت الريح يجر الألواح المتهالكة حولنا.

همس كازويا بصوتٍ متعب:

"السطح آمن مؤقتًا... لكنهم لن يتوقفوا."

نظرتُ للسماء، كانت تميل إلى السواد، والنجوم القليلة بدت باهتة.

نظرتُ نحو المدينة الميتة أمامي وهمست لنفسي:

"السطح ليس نجاة... إنه تأجيل مؤقت للموت فقط."

.....

كانت السماء تذوب في السواد ببطء، مثل حبرٍ ينسكب فوق لوحة رمادية.

الهواء صار أثقل، وكأن المدينة تحبس أنفاسها معنا.

كنت أسمع دقات قلبي بوضوح، متناسقة مع صوت الريح التي تدور حول السطح، تصفع الأبواب المعدنية، وتحرّك بقايا الورق على الأرض.

المدينة تمتدّ من حولنا كبحرٍ من الخراب. الشوارع خالية إلا من السيارات المصطدمة ببعضها، والأبواب المفتوحة التي تتحرك مع الريح في صوتٍ يشبه الهمس البشريّ.

من هذا العلو بدت المدينة مثل حشرة ضخمة ميتة ما زالت أطرافها ترتعش.

قال كايدي بصوتٍ خافت:

"لا يمكن أن نظل هنا طويلًا… الطعام والماء لن يسقطا من السماء."

رد عليه كازويا من حيث جلس على الأرض يربط الجرح في ذراعه:

"ولو نزلنا، سنكون نحن الطعام. على الأقل هنا لا أحد يستطيع أن يعضّنا."

تبادل الاثنان نظراتٍ متوترة، وارتفعت الأصوات قليلاً بين من يريد البقاء ومن يريد النزول.

واحدة من الفتيات بدأت بالبكاء، وصوتها انكسر مثل زجاج. أحدهم صرخ فيها أن تصمت، فزاد بكاؤها أكثر.

كنت أنظر إلى الجميع وأفكر… كم سيحتاج الخوف ليأكل عقولنا تمامًا؟

وقفتُ عند السور، إلى جواري هارو، يضرب بمضربه الخشبي على الحافة بخفةٍ متكررة.

قال بصوتٍ مبحوحٍ دون أن يلتفت:

"أحيانًا أظن أن هذا الصوت وحده ما يبقيني عاقلًا."

لم أجب، فقط نظرتُ إلى أسفل حيث الظلال بدأت تزحف بين المباني.

سكتنا طويلاً، ثم قطعتُ الصمت:

"لم أكن أعرف أسماءهم جميعًا…"

قال هارو وهو يزفر ببطء:

"ولا أنا، لكنهم كانوا يضحكون في الصباح."

ساد الصمت ثانية، صمتٌ ثقيل كأنه جدار من الغبار.

ثم قالت فتاة كانت تجلس قرب الجدار، وجهها مبلل بالدموع:

"كنتُ أعمل وأدرس في الوقت نفسه. كنت أريد أن أتخرج هذا العام… كنتُ سأبدأ عملي الأول الشهر القادم، كنتُ سأعيل إخوتي الصغار… والآن لا أدري إن كانوا أحياء أم لا."

غصّت الكلمات في حلقها، وانحنى أحد الطلبة يربت على كتفها دون أن يقول شيئًا.

قال أحد الأساتذة بصوتٍ مبحوحٍ أيضًا، رجلٌ في الأربعين من عمره كان يمسح نظارته المرتعشة:

"كنتُ أقضي أيامي بين المحاكم، من قاضٍ إلى قاضٍ، أبحث عن وصاية ابنتي… أردتُ فقط أن أعيش معها، أن أُخرجها من بيت أمّها… والآن، لا أعلم حتى إن كان البيت ما زال موجودًا."

تنهّد، وحدّق في الأرض طويلًا.

ثم تكلم كازويا، صوته كان متماسكًا على نحوٍ مزيف، كأنّه يخاف أن ينهار بين كلمةٍ وأخرى.

قال وهو يحدّق في الفراغ أمامه:

"كنتُ هنا قبل يومين فقط… أوصلتُ أخي إلى الجامعة. كنا نمزح في الطريق، كان يقول إنه سيتأخر على محاضرته الأولى."

سكت لحظة، وكأنه يستعيد المشهد من وراء جدارٍ سميك من الألم، ثم تابع بصوتٍ أخفض:

"عندما بدأ كل شيء، بحثت عنه بين الجموع… سمعت صراخه، كان قريبًا جدًا… وحين وجدته، كان قد تغيّر. لم يكن هو بعد الآن."

بلع ريقه بصعوبة، وواصل بصوتٍ متكسرٍ هذه المرة:

"أمسك بي… وكنت أراه، عينيه لم تعودا له… كان كمن غادر الجسد وبقي صدى منه فقط. حاولتُ أن أتكلم معه، لكنه هجم عليّ… اضطررتُ أن…"

لم يكمل. أغمض عينيه بشدة كمن يريد طرد صورةٍ لا تفارقه، ثم همس بصوتٍ متحطم:

"اضطررتُ أن أُنهي الأمر بنفسي."

ساد صمتٌ دام طويلاً، حتى الريح هدأت كأنها تستمع معه.

كانت رين تنظر إليه بعينين دامعتين، بينما هارو خفف قبضته على مضربه.

لم يقل أحد كلمة.

لم يكن هناك ما يُقال.

كان هارو يجلس بجانب الجدار، ممسكًا بمضربه، يدوّره بين يديه كأنه لا يعرف ماذا يفعل به. قال بنبرةٍ واهنة:

"كنت أكره هذا الشيء."

نظر إليه كايدي باستغرابٍ خفيف، فقال هارو وهو يحدّق في المضرب:

"أبي كان بطل بيسبول… نوع الآباء الذين يعيشون الماضي كأنه مجدٌ خالد. كان يراني امتداده، يريد أن أكون هو من جديد، بنسخةٍ أحدث."

رفعت رأسي نحوه، فتابع دون أن ينظر لأحد:

"أبي… كان يرى الحياة مباراةً لا تنتهي. كان يقول إن الهزيمة عار، وإن ابنه لا يمكن أن يكون أقل منه. لم يسألني يومًا إن كنت أريد أن أكون لاعب بيسبول، هو فقط قرر ذلك عني."

ضحك بخفةٍ مشروخة، كأنها ضحكة تنهار من الداخل.

"كل يوم… تدريب. كل يوم صراخ. لم يكن هناك وقت لأصدقائي، أو حتى لنفسي. كان يقول إن العظمة تحتاج تضحية. لكنني كنتُ أنا التضحية."

توقّف، ثم نظر إلى المضرب في يده وقال بصوتٍ خافت:

"كنا في الملعب، والعالم كله يتفكك حولنا. الزومبي يأتون من كل جهة، والسماء رمادية كأنها فقدت نفسها.

صرخ لي: "اركض، هارو!"

لكني لم افعل.

كنت متجمد، مثل لاعب واقف عند القاعدة الأخيرة وغير قادر على ضرب الكرة.

ثم رأيت واحد منهم يعضه في كتفه.

أبي، البطل العظيم، اللذي كان دائماً يقول لي “القوة هي كل شيء”، صار يترنح أمامي مثل ظل ثقيل.

اقترب مني، وكنت أعرف أنه… لم يعد هو.

كنت انظر في عينه، فيها شيء مكسور، شيء لم يكن في الزومبي.

رفع يده المرتجفة كأنه يريد لمسي… أو ربما كان يريد قتلي، لا اعلم.

لكني كنت أسرع.

ضربته بالعصا.

مرة، مرتين، ثلاث.

ثم سقط.

ومعه سقط كل صوت في رأسي"

مرّت لحظة صمت خانقة. كأن الجميع شعر بأنهم فقدوا شيئًا مشابهًا، أبًا أو حلمًا أو حياةً لم تُعش.

وضعتُ يدي على المضرب برفق، لم أقل شيئًا… فقط نظرت إليه.

كلّنا نحمل سلاحنا بطريقتنا، وكلّنا نحمل موتنا أيضًا.

كنت أسمع أنفاسي وأنفاسهم، وأشعر أن الخوف صار له رائحةٌ في الهواء، رائحةُ معدنٍ وعرقٍ ودمٍ قديم.

ثم سمعنا صوت ارتطامٍ قادم من أسفل السطح.

تجمّد الجميع. تبادلنا النظرات.

"هل سمعتم ذلك؟" قالت رين بصوتٍ متوترٍ متكسر.

أجابها كايدي بسرعة، يرفع إصبعه للهدوء:

"ابقوا هادئين."

اقتربتُ بخطواتٍ حذرة من السور، نظرتُ من خلال الفتحات المعدنية… كان هناك شيء يتحرك على الجدار.

ظلّ غامض يتشبّث بالإسمنت ككائنٍ لا يعرف السقوط.

في البداية ظننته قطةً… لكنّ الحركة لم تكن حركة قطة.

كانت يدًا بشرية، مشوهة، أصابعها تنزلق وتعود تبحث عن الثبات. تبعتها رأس نصفه مهشّم، والزومبي يحاول أن يسحب جسده للأعلى كأنه يتعلم التسلق.

السماء صارت اكثر ظلمة، والريح بدأت تعوي بين الأبراج، تحمل معها رمادًا خفيفًا ورائحةَ موتٍ طازج.

تراجعتُ دون أن أشعر.

"إنهم هنا..."

خرجت الكلمات من فمي هامسة، لكنها كانت كافية لتفجير الصمت.

كازويا أمسك بذراعي وسحبني للوراء بسرعة.

"إلى الخلف!"

كان صوته قاسيًا، لكنني لم أجادل.

أحد الطلبة صرخ:

"إنهم يتسلّقون! إنهم يصعدون من الجدار!"

لم يكد ينهي جملته حتى دوّى من الجهة الأخرى صوتٌ عنيف.

باب الحديد الذي في السطح بدأ يهتز، ثم ارتطم بشيءٍ ثقيل من الجهة الأخرى.

صوت الطرق تكرّر… مرة، مرتين، ثم صار متواصلاً، كأنه مطرٌ غاضبٌ على معدن.

تراجعنا جميعًا إلى منتصف السطح، والذعر بدأ يشتعل في العيون.

سمعت صوت كازويا وهو يقول بجمودٍ يشبه الحجارة:

"الليل قادم… ومعه ما لا نريد أن نعرفه."

رين شهقت وهي تلتصق بالجدار، وبدأ أحدهم يصرخ أن الباب لن يصمد.

كايدي رفع يده يطلب الصمت، لكن لا أحد سمعه.

كل الأصوات تلاشت في ضجيج واحد: الفزع.

الريح اشتدت، تصفر بين الأسطح، تحمل رائحةً لاذعة من شيء محترق في مكانٍ بعيد.

كنت أرتجف. لم يكن بردًا، بل ذلك النوع من الرجفة الذي يصعد من العمود الفقري، عندما يشعر الجسد أن الموت اقترب أكثر مما ينبغي.

كازويا أمسك بأنبوب حديدي وسحب قطعةً خشبية كانت بجانب الباب. قال وهو يضغط على كتفه الجريح:

"ادفعوا الطاولات، أي شيء ثقيل، بسرعة!"

ركضنا جميعًا.

سحبنا المقاعد القديمة، الصناديق، وحتى خزانة معدنية صدئة.

أحد الطلبة انزلقت يده وهو يدفع الباب، فقطع الحديد كفه وسقط على ركبتيه يصرخ، لكن لا أحد توقف.

الهزّات تزداد.

من الأسفل تأتي أصوات جديدة، ليست صرخاتٍ بشرية تمامًا… بل خليط من غرغرةٍ ورجفةٍ معدنية، كأن أحدهم يصرخ من داخل الماء بينما تُكسر عظامه.

"اسمعيهم..." همس هارو وهو يضغط بظهره على الباب يلهث.

"هل تسمعين؟ الليل يجعلهم مختلفين."

نظرتُ إليه، وجهه شاحبٌ ومبلل بالعرق، يده تمسك المضرب بقوة كأنها تمسك الحياة نفسها.

صرخةٌ حادة شقت الهواء، أقرب إلى نغمةٍ غير بشرية.

ثم صوت تمزق، وكأن المعدن بدأ يستسلم.

تراجعنا إلى الخلف قليلاً.

كايدي كان يتفقد أطراف السطح، يبحث عن أي مخرج، لكن لا شيء… لا درج، لا باب آخر، لا طريق.

"إنهم يأتون من كل جهة!"

صرخت رين وهي تشير إلى الحافة، حيث كانت الأيادي تزداد، تتشبث بالإسمنت، تسحب الأجساد المشوهة إلى الأعلى واحدًا تلو الآخر.

ارتجف السطح تحتنا، أو ربما كان هذا أنا فقط.

الريح تصفر، والسماء لم تعد سماء، بل غطاء من الظلام الصافي.

كايدي رفع رأسه ببطء، والضوء البرتقالي الباهت من مصباح الطوارئ انعكس على عرق جبينه.

ثم… يد.

اليد ترتجف لحظة، ثم تُسحب إلى الأعلى نصف وجهٍ مدمى، بعيونٍ ميتة زجاجية تحدّق مباشرة فيهم.

لم يصرخ أحد في البداية — فقط ذلك الجمود الصافي قبل الانفجار.

الزومبي يزحف فوق الحافة، يتبعه آخر. ثم ثالث.

أجسادهم تلتوي ببطء، تصدر أصواتًا تشبه الغرغرة مع طقطقة عظامٍ تتكسر في الداخل، كأن شيئًا يعيد ترتيبهم من الداخل ليتلاءم مع الكابوس.

«سدّوا الباب! بسرعة!»

كازويا جرّ قطعة معدنية صدئة وركلها بقوة لتستقر أمام الباب الحديدي، بينما دايكي يحاول جرّ برميل غاز فارغ للمساعدة.

لكن الصوت الذي صدر من الزومبي الآن لم يكن مثل أي شيء سمعوه من قبل — خليط من نَفَسٍ يغرق في دمه وصوت حيوانٍ يتلوّى في ألمٍ لا ينتهي.

كأن الليل نفسه يصرخ معهم.

الزومبي الأول تحرك فجأة بسرعة غير متوقعة وانقضّ على كازويا، وصرخ بشراسة، بينما يلتف جسده المشوه في الهواء. كازويا لم يتراجع بل وجه له ضربه قويه على راسه جعلت عينه البيضاء تقع من راسه، ثم هوى الزومبي على الارض يهتز وكأن جسده يرفض الاستسلام...

لكنه شعر بلمسٍ بارد على ذراعه، خدش الجلد، وقطرة دم تنساب بسرعة على يده. قلبه بدأ يطرق في صدره مثل طبول الحرب، لكنه لم يسمح للخوف أن يسيطر.

كايدي دفع البرميل الأخير على الزومبي الثاني، لكن يد الزومبي الثالث اقتلعت قطعة من اللوح الذي كان يغلق الباب، فتطايرت شظايا الخشب في الهواء، كسنانير صغيرة تصطدم بالوجه والذراعين، تاركة خدوشًا ودمًا.

ثم… انزلق احد الزومبي على الدماء على الأرض، لكنه لم يسقط فقط، بل انقضّ فجأة على كايدي من الخلف، يعض ذراعه بلا رحمة. صرخة كايدي علت، دماءه تتدفق على يده وعلى الأرض.

فاندفع كازويا على الزومبي بكل ما يملك من قوة، رماه أرضًا وبدأ يضرب رأسه بلوح خشبي حتى تناثر الدم على الإسمنت.

لكن الدم لم يكن وحده… كان وجه كازويا مليئًا بالدموع، وهو يهمس:

«لا… لا… ليس مرة أخرى…»

هارو حاول سحب دايكي للخلف، لكن الدم كان ينزف بسرعة من يده.

عيناه تائهتان، والخوف فيهما أعمق من الألم.

من الجهة الأخرى، سُمِع صوت الباب الحديدي يُطرق بعنف.

ثم ضربة أقوى.

ثم صوت انكسار القفل.

كازويا رفع عينيه نحو الباب، وصوته خرج خافتًا لكنه حادًّا:

«الليلة... إما نحن او هم.»

دايكي ارتجف قليلاً، دماؤه تختلط مع الدم المتطاير من الزومبي. رائحة الحديد والصديد اختلطت مع عرقه، وكان كل نفس يلتقطه وكأنه يبتلع الموت نفسه.

السطح أصبح مسرحًا للفوضى: الزومبي يتسلقون، يسقطون، ينقضون على أي شيء يتحرك، ودماؤهم تطير على كل شيء، على الجدران، على الأرض، على كازويا وكايدي… حتى رائحة الجلد الممزق واللحم المشوي امتزجت بالهواء.

كل ضربة، كل طعنة،كانت تترافق مع صوت تقطيع العظام والعضّ، كلها تتلاحم لتخلق سمفونية موت حقيقية، يترنح معها العقل ولا يمكن الهروب منها.

كل ثانية تمر كأنها ساعة، وكل حركة صغيرة قد تكون النهاية.

كل شيء صار بسرعةٍ أقرب إلى الحلم المكسور.

كنت أسمع صرخاتهم تختلط بصوت الرياح، وصوت الباب الحديدي وهو يتشقق مثل ضلعٍ مكسور.

كايدي يحاول تهدئة الجميع، كازويا يصرخ أن لا أحد يتحرك، ودايكي يضغط على جرحه بيده المرتجفة.

ثم رأيته — هارو.

كان يحدّق في السلالم الجانبية، السلالم الصدئة التي طالما حذرونا منها.

قال بصوتٍ خافت، لكني سمعتُه رغم كل الفوضى:

«لا خيار آخر.»

رمى حقيبته جانبًا، وركض.

صوت خطواته فوق الحديد الصدئ دوّى مثل نبضٍ أخير.

انحنى على طرف السلالم، وأمسك بمضربه وبدأ يضرب الزومبي الذين يحاولون التسلق.

كل ضربة كانت تصدر صوتًا غليظًا، عظمٌ يتحطم، أو جمجمة تُسحق.

الزومبي كانوا أسرع الليلة… يتحركون كأن الليل نفسه يحرّكهم.

واحد منهم أمسك بساقه، لكنه رفع قدمه وركله بكل قوته حتى سقط الجسد الميت يتدحرج للأسفل.

ثم نظر إلينا بسرعة، صوته مبحوح لكنه ثابت:

«اتبعوني عندما اخبركم!»

وصل إلى منتصف الطريق عند الدور الثاني، وهناك رأى نافذة المختبر، مغلقة بإحكام منذ الحصص السابقة، لكنها ليست محكمة كما يظن، شاهدته يكسر زجاج نافذة المختبر بمضربه.

الزجاج تطاير في كل اتجاه، وصوت الكسر القصير غطّى على كل الأصوات الأخرى. تكسر الزجاج وفُتحت له طريقًا ضيقًا للدخول.

لكن الدخول لم يكن سهلاً، يحتاج للقفز والتمسك بالأطراف لتفادي السقوط.

بينما انقضّ كازويا على الزومبي الرابع بسكينه، كأنّ الغضب يقوده أكثر من الخوف. اخترق النصلُ اللحمَ المتعفّن، لكنّ الصوت الذي دوّى لم يكن صوت الطعنة… بل طقطقة العظام وهي تتحطّم تحت قبضته، كأنّ الجسد الميت يصرخ بلا فم.

رائحة الدم المختلط بالعفن ارتفعت في الهواء، وأصابت أنوفهم بالغثيان.

كازويا حاول استرجاع أنفاسه، لكنه شعر بكتفه... أحد الزومبي يعضها بلا رحمة. صرخة من الحلق الباطن، دماء تندفع على يده، والوجوه الملطخة بالدم حوله تتحرك بلا توقف.

سقط الزومبي تحت الطعنات المتتالية، لكنه لم يمت بعد. تحرّك جسده بشكل مضطرب، أطرافه ترتجف، عظامه تتكسر واحدة تلو الأخرى، وصوت العظام المكسورة أصبح صدى في الأذان، يذكر كل من على السطح بوحشية الموت القريبة.

كازويا التفت إلى كايدي وعلى فمه ابتسامة مكسورة وقال بصوت متعب:

"نحن منتهيان على أي حال... إذا كنا نريد للبقيه أن ينجوا… يجب علينا أن نستمر، لا مجال للوقوف هنا."

كايدي، يلمس ذراعه الممزقة والمليئة بالدماء، يشعر بالغثيان والحرارة ترتفع في جسده بشكل لا يطاق... يبتسم بينما دموع خافته تتجمع تحت عيناه ثم همس:

"نعم… نستمر… مهما حصل… حتى لو غطت دماءنا الأرض كلها."

ثم اندفع يقاتل وعينيه تلمعان، وكايزويا يدفن السكين بعمق في صدر آخر زومبي اقترب، يسمع صوت العظام وهي تتكسر، يسمع الدماء وهي تنهمر على الأرض… لكنه لا يتوقف. لا مجال للتوقف.

صوت الصراخ أصبح مستمرًا، صوت الطرق، العضّ، الطعن… وكل نفس يلتقطه كايدي وكازويا يعكس رعب اللحظة، قسوة الموت، وهمّ البقاء على قيد الحياة بين وحوش لم تعد تعرف الرحمة.

السطح كله أصبح عبارة عن لوحة دموية حيّة.

قفز هارو اخيرا وتشبّث بحافة النافذة المكسورة، قدماه تتأرجحان في الهواء، صوت صرير النافذة والجروح التي يسببها الزجاج المكسور تحت اصابعه جعلت كل نفس يلتقطه وكأنه يبتلع خوفه بالكامل.

رفع نفسه بقوة ودخل اخيرًا إلى داخل المختبر، أرضه مغطاة بالغبار وبعض الأدوات المبعثرة، لكنه آمن.

ثم مد يده لنا.

كايدي دفع الفتاة أولًا لتنزل، كانت ترتجف، لكنها تبعت هارو ، نزولًا على السلالم التي تصرخ تحت أقدامها... ثم تبعها البقيه.

الهواء كان مليئًا برائحة الصدأ والدم.

وكل خطوة تصدر صريرًا يخيف الأعصاب، لذلك قرروا النزول اثنين اثنين فقط، كل شخص يراقب الآخر.

خلفي كان دايكي وكازويا يصرخان كي نسرع.

رين كانت تصرخ اسم أخيها وتحاول اللحاق به لكني اجرها من يدها لتنزل، وصوتها كان مثل شيء يُنتزع من صدري أنا.

كايدي التقط زجاجة مكسورة ورماها على زومبي يقترب منا، ارتطمت الزجاجة بالرأس، تشقق الدم من الرأس في منظر مروّع… ومع ذلك، لم يكن كافيًا لإيقاف الوحش الذي لم يبدو أنه يعرف الألم.

وصلتُ إلى النافذة بعد ان نزل الجميع، قفزتُ، ووقعت على الأرض داخل المختبر، زجاجٌ تحته، ودمٌ على كفي.

،ثم سمعنا صرخة عالية — كايدي.

نظرت من النافذة، كان يدفع الزومبي بآخر ما تبقى فيه من قوة.

وجهه مغطى بالعرق والدم.

كازويا بجانبه، عيونه نصف مغلقة، لكنه ما زال يقاتل.

ثم فجأة…

توقفا عن الحركة.

كأن الزمن تجمّد عليهما.

نظرا نحونا للحظة واحدة فقط، نظرة لن أنساها حتى وأنا أحتضر.

نظرة وداع… بلا كلمة.

الزومبي غطّوهم تمامًا بعد ثانية.

صرخة رين كانت طويلة، جارحة، كسرت جدار الصوت وجدار قلبي معًا.

هارو أغلق النافذة بسرعة، دفع الطاولات أمامها، ثم الخزائن.

كلنا ساعدناه، أيدينا ترتجف.

كنا نسمع الضربات بالخارج والصياح والاصوات التي يرتجف معها كل جزئ في الجسد.

جلستُ على الأرض، ظهري للحائط، أنفاسي متقطعة.

رين كانت تبكي بحرقة، تصرخ اسم كايدي وتضرب الأرض بيديها.

دموعها تلمع تحت الضوء الأخضر البارد المنبعث من المواد الكيميائية المضيئة في المختبر.

كلانا كنّا نعلم أنهم لم يعودوا هم.

أنهم سيتحولون… وربما الآن، في هذه اللحظة، بدأوا فعلاً يفقدون آخر ما تبقى من إنسانيتهم.

نظرت إلى يدي الملطختين بالدم والزجاج.

شعرت أن جسدي كله صار ثقيلًا، روحي صارت رمادًا.

كنا أحياء… لكن بشعورٍ يشبه الموت أكثر من الحياة.

بعد ساعات من الحزن كان الهواء داخل المختبر متخم بالصمت.

ورين ما زالت تهمس بصوتٍ خافت، مكسور:

«لم يكن من المفترض ان نتركه… كان علينا ان ناخذه معنا.»

وأنا فقط…

جلستُ أحدّق في الأرض، وأفكر أن البقاء أحيانًا ليس نجاة،

بل عقوبة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين أكلتنا الأرض "when the earth ate us"

المؤلف Rahaf_yem
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة