نحن نحاول...

نحن نحاول...

14 0

استيقظت على أصواتٍ خافتة، كأنها موجات تتكسر على جدارٍ داخلي.

لم يكن أحد يصرخ... فقط همس متوتر يتصاعد من زاوية المختبر.

فتحتُ عيني ببطء، شعرت بلسعة الهواء البارد على وجهي، وبثقل في أطرافي كأن جسدي لم يذق النوم منذ دهور.

كان هارو واقفًا قرب الطاولة، ذراعه ممدودة وهو يشرح شيئًا بحماسٍ مكتوم، بينما ميازاكي ينظر إلى دفترٍ مليء بالرسومات والأسلاك. أندو يحكّ رأسه، ملامحه مرهقة كأنه لم ينم منذ أيام.

رفعت رأسي قليلًا.

رين كانت نائمة قرب الحائط، أو ربما غائبة عن الوعي، رأسها مائل على كتفها، وذراعاها مربوطتان بحبلٍ ناعم.

تنفسها هادئ، كأنها في حلمٍ بعيد لا يعرف ما يجري حوله.

مشهدها كان قاسيًا.

بقية الطلاب متوزعون هنا وهناك، بعضهم نائم، وبعضهم يحدّق في الفراغ بعيونٍ خامدة.

لا أحد يحلم بعد الآن.

تحركت بهدوء، سحبت علبة ماء نصف فارغة من قرب الباب.

لم أشرب سوى ثلاث رشفات... كنت أشعر أن كل قطرة من الماء تساوي نبضة حياة.

فتحت لوح بسكويت صغير من النوع الذي كان يوضع في المقصف، تذوقته كما لو أنه طعامٌ ملكي، واحتفظت بالباقي في جيبي.

سمعتُ صوت هارو يقول:

«يجب أن نخرج الآن، قبل أن ترتفع الحرارة. نحتاج بطاريات سيارات وسلك طويل ومضخم إرسال. هذا كل ما نحتاجه ليعمل جهاز الاتصال.»

ردّ ميازاكي بصوتٍ جادّ:

«ستمرّون عبر الساحة؟ مستحيل. عددهم زاد الليلة الماضية. ربما لأن الضوء في المدينة انخفض... الزومبي يتحركون حسب الصوت والذبذبة، ليس فقط الرؤية.»

هارو قال وهو يربط حذاءه المهترئ:

«إذن نتحرك بهدوء، ما عاد عندنا وقت... إن لم نصل للقبة الزجاجية أو لمن فيها... نموت هنا مثل الحشرات.»

عندما انتهى النقاش، رفع هارو رأسه وقال:

«نحن سنخرج الآن... نحتاج بطاريات سيارة، أسلاك طويلة، ومضخم إرسال. إن وجدنا أي أجهزة من مختبرات الفيزياء أو السيارات فسنأخذها. أنت، ميازاكي، ابقَ مع البقية هنا. أنا، إيزومي، أندو، ويوشيدا سنذهب.»

يوشيدا، الذي كان يجلس صامتًا في الزاوية، رفع عينيه.

كان يبدو أصغر من ميازاكي، شعره مبعثر ونظارته تنزلق على أنفه.

قال بابتسامة خافتة فيها شيء من الفلسفة المرهقة:

«الغريب أننا نحاول إنقاذ العالم بأدواتٍ صنعناها لعالمٍ لم يعد موجودًا. لكن حسنًا، لا بأس بمحاولة أخيرة.»

ردّ عليه هارو بضيق:

«أستاذ يوشيدا، ليس وقت الفلسفة.»

ابتسم يوشيدا وقال:

«كل وقت هو وقت الفلسفة يا هارو، حتى وأنت تهرب من الموت.»

عندما خرجنا من المختبر، كان الفجر يوشك أن يولد. لم يكن شروقًا حقيقيًا، بل ضبابًا رماديًا يزحف من خلف الأبنية المحترقة.

السماء رمادية مائلة للزرقة، والضباب يزحف على الأرض مثل كائنٍ يتنفس ببطء.

لم يكن هناك صوت سوى الريح وهي تمرّ بين النوافذ المحطّمة.

كانت رائحة الصدأ والرماد تملأ الممر الطويل، وأحذيتنا تحدث صريرًا خفيفًا مع كل خطوة.

قلت بهمسٍ وأنا أرفع مصباحي الصغير:

«كم من الوقت لدينا قبل أن يتحركوا؟»

قال هارو بصوتٍ منخفض وهو يثبت السكين في حزامه:

«لا احد يعلم... لكن علينا أن نتحرك بسرعة قبل أن يستيقظوا... إن كانوا ينامون أصلًا.»

يوشيدا سار خلفنا بخطواتٍ ثابتة، يضع يده بداخل جيب بنطاله... تمتم بصوتٍ يشبه التفكير بصوتٍ عالٍ:

«حتى الوحوش تحتاج فلسفةً لتفهمنا... أو لتكرهنا بشكلٍ أدق.»

تبادل هارو وأندو نظرة قصيرة لم أفهم معناها.

أما أنا... كنتُ أراقب خطواتنا على الأرض المغطاة بالغبار. كل صوتٍ يصدر منا يبدو فاضحًا، كأنه صفعة على وجه الصمت.

خرجنا من الباب الخلفي للجامعة، فتحنا الباب الحديدي الكبير بصعوبة.

كان عالقًا من الصدأ، وصريره الحاد كاد يفضح وجودنا.

دفعتُه أنا وهارو معًا حتى انفتح بقدرٍ يسمح لنا بالمرور، فاندفع هارو أولًا، يتفقد الطريق بمصباحه المحمول، بينما تبعناه واحدًا تلو الآخر.

السماء كانت تتلوّن ببطءٍ مريض، كأنها تحاول أن تتذكر كيف تكون الصباحات.

اللون الرمادي تمدد فوق رؤوسنا مثل دخانٍ لم يتبدد بعد، يلامس أطراف المباني المهشمة ويعطيها وهجًا خافتًا، كأنها رماد متوهج من حربٍ لم تنتهِ.

كانت أنفاسي تتكاثف بخفة، والبرد يعض أطراف أصابعي.

أمامنا فناء الجامعة، تتناثر فيه السيارات المقلوبة، والنوافذ المحطمة، وأوراق الامتحانات الممزقة التي تتحرك بخفة مع نسيم الفجر.

قلت بهدوء: «يبدو أنهم... رحلوا.»

ردّ أندو بصوتٍ منخفض: «لا أحد يرحل فعلاً في هذا المكان، فقط يختبئون حتى يسمعوا صوتًا جديدًا.»

كانت كلماته حقيقية أكثر مما أردت أن أصدق.

تحركنا بحذر، نمر بين السيارات المتآكلة، نبحث عن أي مركبة سليمة نسحب منها بطارية. هارو كان في المقدمة، مضرب البيسبول في يده، يتفقد كل زاوية بعينين يقظتين.

أندو يحمل سكينة، أما يوشيدا فكان يسير بخطواتٍ محسوبة، يداه في جيبيه كأنه في نزهة فكرية.

وقف فجأة أمام لوحةٍ زجاجية سقط نصفها، وقال بصوتٍ متأمل:

«هل تعلمين يا إيزومي... الفلاسفة القدماء قالوا إن الإنسان لا يُعرف إلا عندما يُسلب منه الأمان، يبدو أن الزومبي اختصارٌ مأساوي لتلك الفكرة.»

نظرت إليه، شعرت بشيءٍ بين الإعجاب والجنون. قلت: «أستاذ... لسنا في محاضرة.»

ابتسم بخفة: «ربما، لكن لا ضرر من بعض المنطق في فوضى كهذه.»

بينما كان هارو يحاول فتح غطاء سيارة بيضاء، سمعنا صوت ارتطامٍ بعيد، تجمدنا.

لم يكن صراخًا ولا أنينًا، بل صوت جسمٍ ثقيل يسقط، ثم... همهمة متقطعة، تجرّ معها لُعابًا واهتزازاتٍ خفيفة في الهواء.

رفعتُ مصباحي نحو الصوت، لكنه تلاشى.

قال أندو هامسًا: «تابعوا بسرعة، لا تلتفتوا.»

فعلنا.

فتح هارو الغطاء أخيرًا، مدّ يده وسحب البطارية بمجهودٍ واضح. وضعها في الكيس وبدأنا التراجع ببطء.

لكن... في تلك اللحظة، انبعث صوتٌ حاد من الجهة الخلفية.

التفتنا دفعة واحدة. كانت هناك ثلاث جثث تتحرك ببطء، أجسادها ملتوية، تتصارع فيما بينها كما لو كانت لا تدرك مَن العدو.

أحدهم أمسك رقبة الآخر بأسنانه، والثاني يحاول جرّ ساقه لينهشها... كان المشهد فوضويًا، كأن الغريزة وحدها هي القائد.

تمتم يوشيدا بدهشة: «حتى الجوع عندهم بلا اتجاه...»

صوت تمزيق اللحم تردد في الساحة، والمشهد جعل قلبي يخفق بقوة.

قال هارو بسرعة: «فرصة... وهم مشغولون بأنفسهم! نتحرك الآن!»

بدأنا نركض بصمتٍ قدر المستطاع، نمرّ خلف الجدران المحطّمة، حتى اقتربنا من أحد المباني الصغيرة التي كانت تُستخدم كمستودع قديم للأجهزة.

لكن عندما وصلنا إليه، سمعنا ارتطامًا قويًا من أحد النوافذ، تبعه صرير بطيء.

ثم... وجهٌ رمادي متآكل التصق بالزجاج من الداخل، يطرق عليه بجمجمةٍ نصف مفقودة.

تراجعنا فورًا، والبرد اخترق صدري.

قال يوشيدا فجأة بصوتٍ متماسك رغم كل شيء: «هنا! خلف هذا الخزان، تعالوا!»

سحبنا نحوه بسرعة، كان المكان ضيقًا خلف خزان ماءٍ صدئ، لكنه كافٍ لنتوارى عن الأنظار.

جلسنا هناك، أنفاسنا تتلاحق، وأصوات الزومبي تتزايد ببطء في الخارج.

هارو همس لي: «إيزومي، أغلقي المصباح.»

أطفأته فورًا، صرنا جزءًا من الظلام.

ثم قال يوشيدا، بصوتٍ بالكاد يُسمع:

«الاختباء ليس جبنًا... إنه تأملٌ مؤقت قبل الفعل.»

نظرت إليه، فابتسم لي بخفة... كانت عيناه ثابتتين، وفيهما لمعان رجلٍ يراقب الموت كما يراقب نظريةً جديدة.

الزومبي كانوا في الجهة الأخرى من الساحة، يتحركون بحركاتٍ متقطعة غير منتظمة، كأنهم يبحثون عن شيء لا يعرفون ما هو.

اثنان منهم ما زالا يهاجمان الثالث، ينهشان فيه بلا هدف، بينما آخر يسقط أرضًا ويجرّ نفسه نحو جدارٍ بلا سبب.

قال هارو بخفوت، وهو يراقبهم من خلف فتحةٍ صغيرة:

«إنهم... أغبياء أكثر مما توقعت.»

ردّ أندو بوجهٍ متوتر: «الغباء لا يعني الأمان، قد يغيرون اتجاههم في أي لحظة.»

كنت أتابع المشهد بصمت، أسمع أصوات احتكاك أقدامهم بالأرض... كأن الرمال تئن تحتهم. لا شيء يشبه الخوف أكثر من انتظار الصراخ.

ببطء أخرج هارو رأسه أكثر قليلًا، يراقب الطريق المؤدي إلى المختبر. قال:

«لو تحركنا الآن سنصل قبل أن تشرق الشمس تمامًا، الضوء مازال ضعيف والزومبي لن ينتبهوا للحركة الصغيرة.»

أندو أشار برأسه: «هم ينتبهون أكثر مما نظن... لكن علينا السير على الصف الطويل من السيارات، نستخدمها كغطاء.»

قلّبتُ البطارية بين يديّ... كانت ثقيلة، كأنها تحمل مصيرًا كاملًا.

لم أكن أعرف إن كنا سننجو، لكنني كنت متأكدة أنني لا أريد أن أموت هنا، في هذا اللون الرمادي من الصباح.

هارو أشار لنا بإشارة صغيرة، ثم تحرك أولًا، خطواته بالكاد تُسمع.

تبعناه واحدًا تلو الآخر، نمرّ قرب السيارات المتآكلة، نحاول أن نختبئ من الظلال التي تتحرك خلفنا.

كانت السماء قد صارت أفتح قليلًا، لكنها ما زالت بلا لونٍ حقيقي.

في الأفق، ظلّ المبنى الذي كنا نقصده يلوّح بهيكله الزجاجي المتصدع.

كتبت فوق بابه لوحة معدنية مائلة: "قسم الإعلام والبث الجامعي" — نصف الحروف سقط، والنصف الآخر مغطى بالسخام.

قال هارو وهو يضيق عينيه:

«هناك... الطابق الثاني فيه غرفة الإرسال، أتذكرها من الفعاليات، قد نجد ما نحتاجه بداخلها»

ردّ أندو: «وإذا كان الزومبي هناك؟»

«إذن نأخذ الأدوات بهدوء أو نتراجع، لا خيار آخر.»

اقتربنا من المدخل بحذر.

الزجاج المكسور يغطي الأرض كطبقة من الجليد الميت، وعند كل خطوة يصدر صوت خافت كأننا ندوس على العظام.

رائحة الغبار المحترق تختلط بشيء معدني ثقيل، ربما دم قديم أو صدأ.

تقدّم هارو أولًا، فتح الباب الحديدي نصف المفتوح، ومررنا واحدًا تلو الآخر.

الداخل كان أكثر ظلمة مما توقعنا، الأثاث مقلوب، أوراق متفرقة، وميكروفونات قديمة متناثرة على الأرض مثل أطراف أجسادٍ بلا ملامح.

في الزاوية، كانت هناك مقصورة زجاجية صغيرة — غرفة المذيع — يجلس فيها شخص ما... أو ما تبقى منه.

كان جسده الرمادي المتعفن ما زال مستقيمًا على الكرسي، الرأس مائل إلى الميكروفون، وأصابعه متيبسة على لوحة التحكم.

حتى بعد كل هذا الوقت... المذيع لم يغادر بثه.

همس أندو: «يا إلهي...»

أما يوشيدا فاقترب ببطء، نظر إلى الجثة لحظة ثم قال بابتسامة صغيرة:

«ربما كان آخر ما قاله إعلانًا عن نهاية العالم، ثم صدّق كلماته أخيرًا.»

شعرت بكلمات يوشيدا تزداد سوداوية كل مرة... أما هارو فتجاهله، وبدأ يتفحص الأجهزة. قال وهو ينحني فوق لوحة معدنية:

«هنا المضخم... ما زال في مكانه، وإذا كان التيار مستقرًا يمكن إعادة تشغيله من البطارية، سأشغله لنتأكد من سلامته اولاً»

كانت الأجهزة مغطاة بطبقة من الغبار الكثيف، لكن الأسلاك ما زالت متصلة ببعضها.

هارو أخرج المفك من جيبه وناولني مضربه لأمسكه بينما هو وبدأ بفكّ الغطاء الخلفي للجهاز، بينما وقف أندو يراقب الباب، وانا أُمسك المصباح لأضيء له بخفة.

يوشيدا وقف قرب الجثة، وأخذ يتأملها بصمت طويل، ثم قال فجأة:

«هل تظنون أن هؤلاء الزومبي يسمعون؟ أقصد... لو بثثنا شيئًا عبر هذا الجهاز، هل سيصغون؟»

أندو التفت نحوه باستغراب: «لماذا تسأل عن ذلك الآن؟»

ابتسم يوشيدا وقال: «لأننا نحن أيضًا نصغي، رغم أننا لم نعد نعرف لمن.»

صوت خافت قاطع كلامهم — خشخشة من الممر الخلفي، ثم حركة بطيئة.

تجمدت... انطفأت ابتسامة يوشيدا فورًا.

أشار هارو بيده للجميع أن يصمتوا.

تسلل الصوت أقرب، كان أقرب إلى زحف... ثم توقف فجأة.

تبادلنا نظرات سريعة.

قال هارو همسًا: «إيزومي، أطفئي الضوء.»

اطفأت المصباح، الغرفة غرقت في العتمة.

بقيت ثوانٍ لا تنتهي، نسمع فيها تنفسنا فقط... حتى دوى صوت ارتطام خفيف بشيء زجاجي.

التفتت نحو المقصورة — الجثة التي كانت ساكنة، رأسها الآن تحرّك قليلًا، وارتطم بميكروفونٍ صدئ.

همست بذهول: «أستاذ... الجثة... تحركت!»

اقترب أندو بخطواتٍ بطيئة، مصباحه في يده.

أضاء بسرعة نحوها.

لكنها لم تكن تتحرك.

فقط سقطت من على الكرسي، تاركة خلفها صدى الصوت في الميكروفون.

ثم فجأة، انطلق صوت ضوضاء من مكبر الصوت المثبت في السقف — موجة مشوّشة، كأن أحدهم أعاد تشغيل الجهاز من تلقاء نفسه.

هارو صرخ: «اغلقوه! بسرعة!»

ركض نحو اللوحة، فصل أحد الأسلاك، لكن الصوت استمر... بل ازداد.

صفير حادّ اخترق المكان، جعل الزجاج المتبقي يهتز، والهواء يتذبذب.

امسكت أُذنّي، والوجع يخترق رأسي.

ثم — من بعيد، من خارج المبنى — دوّى صراخ الزومبي.

قال أندو وهو يصرخ: «لقد سمعونا! الجهاز جذبهم! اللعنة»

هارو سحب البطارية بسرعة، أوقف التيار، لكن الصدى كان قد انتشر.

قال يوشيدا بصوتٍ ثابت وسط الفوضى:

«ها قد وجدونا...»

الزجاج في النوافذ تحطم فجأة، والأصوات اقتربت من الخارج.

هارو أمسك البطارية والمضخم مثل من يمسك كنزاً وسط عالم فقير، صرخ: «نخرج من الباب الخلفي، الآن!»

ركضنا بين الممرات، بقايا قطع الزجاج تتكسر تحت أقدامنا، والظلال تتحرك خلفنا.

الهواء صار أثقل، والضوء الرمادي من الخارج يتسلل عبر الشقوق كأنه يراقبنا.

عندما وصلنا إلى الباب الخلفي، دفعه أندو بقوة.

الشمس كانت قد بدأت تشرق أخيرًا، شمس بلا دفء، تلوّن الخراب بلونٍ ذهبيٍّ كاذب.

حين خرجنا إلى الفناء، سقط الصمت للحظة، ثم... صوت واحد اخترق كل شيء، صرخة حادّة أتت من بين النوافذ المحطّمة.

بعدها، كأن الهواء انفجر، بدأوا يتقافزون من الداخل، يتخبّطون ويتساقطون فوق الأرض الطينيّة، وجوههم باهتة، عيونهم زجاجية، يتحرّكون بعشوائية لكنها مميتة.

صرخ أندو:

«الجانب الشرقي خالي! لنذهب هناك!»

لكن قبل أن نتحرك، رفع يوشيدا يده بصوت مبحوح:

«لا، نتّجه إلى المبنى الخلفي. الممرّات فيه ضيّقة، والزحام في صالحنا... الفوضى سلاح الفلاسفة أحيانًا.»

لم أفهم وقتها إن كان يمزح أم ينهار، لكننا تبعناه.

ركضنا عبر الممرّ الحجري المؤدي إلى المبنى الخلفي. الشمس بدأت تُطلّ ببطء، كأنها خجلى من المشهد. كان الضوء الرمادي ينسكب على الجدران ويكشّف الغبار في الهواء مثل طيف من زمن آخر.

أشعر بوخز في صدري من التعب، وكل خطوة صارت معركة.

خلفنا ارتطام أجساد بالأبواب والزجاج وصوت جماعي خافت كأن مئات الأفواه تهمس بنفس الكلمة الغامضة.

حين وصلنا إلى الباب المعدني، اندفع يوشيدا وفتحه بركلة واحدة، وصعدنا الدرج كمن يتسابق مع أنفاسه الأخيرة.

طرقنا الباب الحديدي للمختبر بكل ما تبقّى فينا من قوة.

كان صداه يتردّد في الممرّ الخانق كصرخة من باطن الأرض.

صرخ هارو وهو يضرب الباب بقدمه:

«افتحوا! بسرعة! إنهم خلفنا!»

من الداخل سُمِع ارتباك وصوت خطوات متعجلة، ثم انفتح الباب فجأة لتظهر ملامح ميازاكي المرهقة.

في لحظة واحدة اندفعنا جميعًا إلى الداخل، أنا وهارو وأندو... يوشيدا كان آخر من دخل، انحنى قليلًا، يضغط على صدره ويتنفّس ببطء بعد أن أغلق الباب بقوة جعلت الصدى يزلزل الجدران.

سمعنا ارتطامهم بالخارج بعدها بثوانٍ، كأنهم يحاولون ابتلاع الجدار نفسه.

كنت أتنفس وكأنني أبتلع النار.

يوشيدا جلس على الأرض، يمسح نظارته بطرف قميصه الممزّق.

التقط هارو أنفاسه بصوت مرتفع، واضعًا مضخّم الصوت والبطارية على الطاولة المعدنية ثم اخذ مضربه من يدي، بينما جلس أندو أرضًا يحاول كتم رجفته.

نظرتُ حولي... الغرفة مضاءة بوهج رماديّ من شقوق الستائر، والغبار يرقص في الضوء كأنه زمن متجمّد.

رين تجلس قرب الحائط، وعيناها متسعتان كأنها لم تصدق أننا عدنا أحياء.

اقترب منا ميازاكي وقال بقلق:

«هل أصيب أحد؟»

هززت رأسي بالنفي وأنا أتنفس بصعوبة.

ميازاكي بدأ يفحص الأدوات بعناية، وعيناه تتحركان بين كل قطعة، كأنه يحاول توقع ما سنفعل بها، أو ربما كان يقرأنا نحن.

شعرت بشيء من الراحة الغريبة، رغم كل التوتر الذي يحيط بالغرفة.

نحن هنا، المهمة لم تنته بعد، لكن على الأقل، المرحلة الأولى من الخطر انتهت، وطريق العودة أصبح واضحًا… قليلًا.

جلستُ بجانب رين، محاولةً أن أجد شيء من الهدوء، أو حتى مجرد شعور بأن وجودي هنا مقبول، لكنها لم تلتفت إليّ،ولم تتحدث ولو حتى بكلمة... ولا مرة واحدة، رغم أن القماش الذي كان يغطي فمها قد نُزع، كما لو أن الصمت أصبح حصنها الوحيد.

شعرت بثقل الصمت بيننا، وحرج الموقف يضغط على كتفي.

في الزاوية الأخرى، هارو يجلس مضرب البيسبول في يده، جسده متعب وكتفاه منهكة.

عيناه تنظران إلى الفراغ، لكنهما لا ترى شيئًا، العقل منهك كما الجسد، كل نفس يبدو عبئًا، كل حركة متعبة.

يوشيدا، في حينه، يمشي ذهابًا وإيابًا على أرضية المختبر.

يده في جيبه، كأنه في نزهة هادئة على شارع خالٍ من البشر، وكأن كل ما يحيط به مجرد ديكور خلفه. يرفع نظارته... يعدلها، ثم يضع يده مجددًا في الجيب، يستمر في السير وكأن الوقت لا يعنيه، وكأن المكان بأكمله جزء من عالمه الخاص، البعيد عن كل ما يحدث حوله.

أندو وميازاكي مشغولان بالعمل على الأدوات، يربطان الأسلاك، يضغطان على الأزرار، يتحققان من كل قطعة بدقة، وكأن أي خطأ صغير قد يوقف المهمة بأكملها. كل حركة منهما صامتة لكنها مليئة بالتركيز، شيء يجعل كل شيء آخر يختفي للحظة، وكأن غرفة المختبر كلها تتوقف لتراقب حركتهم.

الطلاب الآخرون منهارون، يتكئون على الطاولات، على الجدران، بعضهم يغط في صمت، بعضهم يبكي بهدوء. لا أحد قادر على الحركة أو الكلام، فقط يتردد همس بين احد الطلاب والفتاة الاخرى... جلسا بجانب بعضهما، يتحدثان بصوت منخفض رغم أني أسمعهما بوضوم، محاولين التمسك ببعض اللحظات الطبيعية وسط الفوضى.

الولد يحاول تعديل مزاج الفتاة، يحرك عينيه بين الحذر والإعجاب، ينظر إليها وكأن أعجابه ينكشف في كل نظرة، بينما هي متوترة، منهارة، تحاول التماسك.

كل ابتسامة أو كلمة منه تبدو صعبة، كل حركة من جانبها تحمل رهبة وقلقًا، كما لو أن مجرد النظر إليه قد يجرحها أكثر.

كل شيء مشوش لكن حقيقي.

شعرت بثقل الغرفة كلها على صدري، وكل شخص يحمل عالمه الخاص: هارو يكافح مع جسده وروحه، رين تتجاهلني، يوشيدا يعيش في بعد آخر، أندو وميازاكي يسيطران على التقنية، والطلاب الآخرون مجرد ظلال منهارة.

وبين كل هذا، شعرت أنا وكأن قلبي يراقب الجميع، وكل خطوة، وكل حركة، وكل همسة، وكل صمت… وكأن كل شيء حولي مجرد لوحة ضخمة من المشاعر المختلطة، ألوانها قاتمة لكنها حية، نابضة رغم السكون.

سمعت الولد يقول بصوت هادئ لكنه متوتر:

«سنخرج من هنا، أكيد سننجو، صدقيني… لن ينتهي كل شيء هكذا.»

كان يحاول أن يبتسم، لكن إبتسامته ترتجف قليلا ثم تنهار... صوته مهزوز، وكأن الكلمات تخرج من فم شخص يحاول إقناع نفسه قبل أن يقنع غيره.

الفتاة كانت جالسة بكتفيها المتقوسين، عيناها متصلبتان في نقطة ما على الأرض، وشفتيها ترتجفان وهي تهمس:

«لا، لن ننجو… حتى لو خرجنا من هنا، أين سنذهب؟ كل شي ميت، كل شي انتهى، ربما دورنا أيضا قادم.»

حرك رأسه بسرعة، وكأنه يرفض حتى فكرة الخسارة:

«لا تقولي هكذا... المعلم أندو لديه خطة، وميازاكي لا يتوقف عن العمل لنتخلص من هذا الجحيم، كلنا حاولنا اكثر من مرة أن ننجوا، ونجحنا... هذا يعني أن بمقدورنا النجاح مرة أخرى.»

ضحِكتْ، ضحكة قصيرة محشوة باليأس:

«تسمي هذا نجاح؟ الم ترى كم شخص فقدنا؟ كل مرة نقول سننجو، نفقد شخص آخر... لم يسبق أن نجونا دون أن نضحي باحد... ربما المرة القادمة دوري أنا، أو أنت.»

ظل صامتًا للحظة.

يده كانت ترتجف على الطاولة، لكنه أخفاها بسرعة، وحاول يتكلم بنبرة أكثر ثباتًا، لكنه فشل.

«لن يحدث لكِ شيء، فهمتي؟ أنا…»

توقف، صوته انكسر فجأة، وبصعوبة أكمل:

«اريد منكِ أن تصمدي قليلا... فقط قليلا.»

رفعت رأسها ببطء، ونظرت إليه، بعينين فيها شيء غريب… خليط بين خوف، وحب، واستسلام.

لم ترد، فقط نظرت، وكأنها تحفظ ملامحه قبل أن يُمحى كل شيء.

نظرت إلى رين بجانبي، ما زالت ساكتة، تحدق في الفراغ، وجهها شاحب.

هارو في الزاوية، رأسه بين يديه، كأنه يستمع إلى أصوات لا نسمعها.

أندو وميازاكي يواصلان العمل بلا توقف، والجو كله مشحون بشيء لا يُرى… كأن المكان كله على وشك أن يبتلعنا.

داخلي بدأ يطفو إلى مكان آخر، بعيدًا عن كل الفوضى.

عيناي تحدقان في أي شيء، وفي نفس الوقت لا ترى شيئًا، بينما جسدي كان حاضرًا في المختبر، لكن عقلي بدأ يسرح بعيدًا، يهرب إلى ذكريات مضت بحلاوتها ومرارتها معًا.

تذكرت القرية... الطفولة البسيطة، كيف كنت أجري مع أخي الصغير بين الأزقة الضيقة، نضحك بلا سبب، نتسابق خلف الطيور، ونختبئ خلف الأشجار والبوابات القديمة

. كانت يده الصغيرة تمسك يدي بشدة حين نخاف من صوت الريح، وضحكنا يملأ الهواء كأنه يطرد كل الظلام حولنا.

ثم النهر... حيث كنت أذهب مع جدتي، أسمع خرير الماء البارد تحت قدمي، وأستمتع بصوت الجريان الذي يملأ المكان بالهدوء.

كانت جدتي تمسك يدي بحنان، وتحدثني عن بساطة الحياة، عن الزهور على الحافة، الطيور التي تحلق فوق المياه، وعن ضوء الشمس الذي يعكس على الأمواج وكأنه يبتسم لنا.

تذكرت أيضًا البستان... ووالديّ يقودانني بين الأشجار، نحصد الفاكهة، نضحك على بعضنا، ودفء أيديهما يغطي أصابعي الصغيرة، شعور بالأمان والطمأنينة الذي لم أعد أجده بعد ذلك.

لكن أكثر ما أعود إليه في ذهني كان يوم هروبي من القرية... كانوا يريدون أن أجلس في بيت كبير القرية، أن أقبل زواجًا لم أره أنا نفسي خيارًا لي.

كنت أرتعش من فكرة أن يقرر أحدهم حياتي بدلًا عني، وكان قلبي ينبض بالتمرد والخوف في الوقت ذاته.

ركضت بين الأزقة، أسمع صرخات الناس من خلفي، شعرت بالريح على وجهي وكأنها تحاول أن ترفعني وتحميني.

كنت أهرب، لكني شعرت بالحنين لكل شيء تركته: أخي، جدتي، والدّاي، البستان، النهر… كل شيء كان جزءًا مني، والآن أتركه خلفي، مضطرة أن أختار حياتي رغم الألم.

وقفتُ ببطء، حين لاحظتُ شيئًا غريبًا يحدث على طرف الطاولة.

كانت يد ميازاكي ترتجف وهو ينظر إلى الجهاز المعدني الصغير أمامه.

الأسلاك تلتف حوله كشبكة من الأعصاب، والضوء الفسفوري الخافت المنبعث من إحدى الدوائر بدا كنبضة حياة في جسد ميت.

أندو رفع رأسه فجأة، ونظر إليه بنظرة لم أرَها من قبل… مزيج من الدهشة والإنجاز والخوف في آنٍ واحد.

رفع ميازاكي رأسه ببطء، عيناه تتسعان كطفل يرى البحر لأول مرة، ثم أطلق زفرة طويلة كأنها آخر ما تبقى من خوفٍ في صدره.

لم يتكلما.

لكن في اللحظة التالية، مدّ ميازاكي يده، والتقاها أندو بقبضة قوية، مليئة بشيء لا يمكن وصفه.

كانت مصافحة كأنها بين رجلين أنقذا العالم، أو دمّراه، لا أحد يعرف بعد.

جلس ميازاكي على الأرض، وأسند رأسه إلى الجدار، وراح يضحك بخفوت، ضحكة مرهقة، خافتة، فيها نغمة ألم حقيقي.

«ظننت أننا لن نصل إلى هنا… لو رأى الطلاب هذا في ظروفٍ طبيعية، لكان مشروع لا يُنسى.»

لم يُجِب أندو، فقط ابتسم ابتسامة صغيرة غريبة، فيها تعب عمرٍ كامل.

ثم رفع يده يمسح عينيه بسرعة، لكنه فشل في إخفاء الدموع.

دموعه لم تكن فقط فرحًا، بل شيئًا أعمق من ذلك… كأنها اعتراف متأخر بأنه ما زال إنسانًا، رغم كل شيء.

طالب آخر كان متكئًا على الجدار رفع رأسه لأول مرة منذ أيام، فمه مفتوح بذهول، ثم راح يضحك بخفة، ضحكة مرتعشة لكنها حقيقية.

رين إبتسمت إبتسامة شبه ميتة ثم أغمضت عينيها، ودموعها انسابت على وجنتيها في صمتٍ ناعم.

هارو رفع مضربه عاليًا، وقال بصوتٍ أجشّ:

«قلتها لكم! لم نكن لننتهي بعد!»

صوته ارتدّ بين الجدران، وأشعل فينا دفئًا غريبًا.

ضحك ميازاكي بخفوت، والدموع تلمع في عينيه:

«لقد فعلناها... يا إلهي، فعلناها حقًا...»

لم أستطع منع الدموع من النزول.

شعرتُ بأن قلبي يضرب بقوة، وأن كل شيءٍ في داخلي كان يصرخ — ليس خوفًا هذه المرة، بل لأن الحياة بدأت تتسرّب من جديد بين أنقاض هذا العالم.

رفع أندو عينيه، نظراته ترنو إلينا واحدًا واحدًا.

قال بصوتٍ متقطع لكنه صارم: «الجهاز يعمل مبدئيًا، لكن لن يصل بثُّه بعيدًا إلا إذا وضعناه في أعلى نقطة — قمة التل خلف الجامعة، الإرتفاع يعطي مدى، والقوة تحتاج أن تُحمل إلى هناك.»

تردّد الكلام في الغرفة كأنّه سؤالٌ لا بدّ من الإجابة عليه بصوتٍ واحد.

البعض التفت إلى الآخر، بعض العيون لمع فيها أملٌ خافت، وبعضها امتلأت بالخوف.

هذا الصمت أخبرني أكثر من أي كلمة: إنه قرارٌ خطير.

تقدّم هارو بِثِقَلٍ واضح، واضعًا يده على المقبض الصغير للجهاز كمن سيحمل مصيره.

قال بصوت عمد إليه أن يكون حاسمًا: «سأحمله... لا أخلِ بما بداخلي من قوة هذه المرة... إيزومي، تعالي معي.»

أندو رفع رأسه، عينيه ثابتتان على مدار الجهاز، ثم قال عمليًا: «لا يمكن لشخصين فقط حمله، الوزن والتوازن… سينخفض المدى إن لم يُثبت جيدًا أثناء النقل، ونحتاج من يغطّي الطريق — أحيانًا لا تأتي الهجمات متوقعة.»

يوشيدا وضع يده على الطاولة، نظر إلى وجوهنا متتابعة، ثم قال بنبرة هادئة تحمل شيئًا من الحنان: «إذا كنتم مصرّين على حمله أنتما الاثنان، فسأرافقكم»

— ولم يكن في صوته تردد، بل قبول الهجرة إلى المخاطرة معنا —

«وسآخذ طالب واحد إلى جانبي... من سيأتي؟»

اقترب طالب فجأة أمام الطاولة. كان شابًا هادئًا، وجهه لا يزال يحمل شيئًا من الطفولة، لكنه رفع يده بثبات وقال: «أنا أذهب... أعرف طرق التل، أستطيع أن أكون معكم.»

كان صوته صغيرًا لكن كلماته كانت صادقة.

التفت إليه يوشيدا وقال: «ما أسمك»

رد عليه الطالب بثقة: «كاي»

ابتسم يوشيدا ووضع يده فوق كتفه وقال: «حسنا، كاي... أنت معي»

حمل هارو الجهاز برفق، ووجدت يدي تلقائيًا تلامس المقبض الآخر للجهاز، حرارة معدنه كانت أقل بكثير مما توقعت؛ ثقله كان في المسافة التي يجب أن نقطعها، لا في قسوة الحديد وحدها.

نظرت إلى وجوه الرفاق... إلى رين التي تتابع بعينين لا تفهمان كثيرًا لكنها تشعران، إلى أولئك الذين أمسكوا بعضهم بعضًا وكأن الأيام المقبلة ستكون أصعب من الأمس.

يوشيدا وضع يده على كتفيّ للحظة، ثم أمسك كاي من جهة أخرى، وقال بهدوءٍ فيه حث وطمأنينة: «نمشي كما نعلم، خطوة بثقة، لا تهرعوا، لا تخسروا أرواحكم في لحظة ضعف.... الصوت يحتاج أن يصل، وهذا لصالح الجميع.»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين أكلتنا الأرض "when the earth ate us"

المؤلف Rahaf_yem
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة