مرّت ساعات وأنا جالسة في مكاني، أحدّق في الفراغ محاوِلةً تخيّل كيف ستكون لحظة نهايتي... كيف سأُؤكل حيّة من قِبل الزومبي.
رفعت نظري إلى الساعة المعلقة على الحائط؛ كانت الخامسة تمامًا.
وقت غروب الشمس.
استوعبت فجأة أن الأصوات في الخارج قد بدأت تخفت.
توتّرت، فصوت التلفاز قد يجذبهم نحوي وسط هذا الهدوء الغريب. أسرعت وأخذت جهاز التحكم، وكتمت الصوت.
ثم تقدّمت نحو المصباح الصغير وأطفأته.
اقتربت من النافذة، أزحت الطاولة التي أسندتها أمامها، ورفعت طرف الستار بخفّة.
كان الشارع خاليًا تمامًا.
الهواء ساكن، والمدينة تبدو كأنها تخلّت عن نفسها. لا حركة سيارات، لا نباح، لا صدى لحياة. حتى القطط اختفت.
رأيت حمامة تهبط فوق سيارة مكسور زجاجها... وفجأة امتدّت يد من الداخل، سريعة كأنها سوط، قبضت على الحمامة وسحبَتها للداخل!
تجمّدت مكاني وأنا أراقب المشهد: زومبي يلتهم الحمامة بنهم، ثم يخرج من السيارة ليلتهمه زومبي آخر!
زومبي... يأكل زومبي؟!
لم أستوعب ما رأيت حتى كانت بقايا أحشائه تتدلّى من بين أصابع المهاجم.
سرت في جسدي قشعريرة كأن أحدهم مرّر سكّينًا على عمودي الفقري. أغلقت النافذة بعنف وأحكمت القفل.
لكن الرعب لا يعرف نهاية.
حين عدت أنظر إلى التلفاز المكتوم صوته، رأيت الكاميرا تسقط أرضًا في بثٍّ مباشر، والمذيع يُهاجم من زومبي أمام عيني.
مشهد واقعي أكثر من أن يُحتمل.
أطفأت التلفاز والدموع تنساب بصمت على خدي.
بعد أقل من ساعة سمعت أصواتًا مألوفة في الممرّ.
صوتان يتحدثان بخفوتٍ متوتّر:
"أخبرتك، لا أحد هنا."
"لا يا دايكي... فلنعد إلى الشقة، أرجوك."
تجمّدت. كان الصوتان لـ رين وأخيها دايكي.
اقتربت من الباب، فتحته بهدوء وهمست:
"رين... دايكي!"
التفتا إليّ برعب، ثم بدت الدهشة على ملامحهما.
كادت رين تبكي فرحًا وهي تهمس:
"إيزومي؟ أأنتِ بخير؟"
همست بسرعة وأنا ألوّح لهما بالاقتراب:
"عودا إلى الشقة، الوضع خطير."
لكن دايكي هزّ رأسه بيأس:
"لا يمكننا، لا نملك شيئًا نأكله."
قبل أن أرد، تجمّدت نظراتنا جميعًا نحو الدرج.
كان زومبي ينزل ببطء، رأسه مائل، عيناه فارغتان، وصوت أنفاسه الخشنة يملأ الممرّ. لم يكن قد لاحظنا بعد.
أشرت إليهما بصمت أن يقتربا نحوي دون التفات.
لكن رين، بدافع غبي من الخوف... صرخت.
أسرع الزومبي بالركض نحونا.
في لحظةٍ شعرت بالعالم كله يتباطأ. كان أمامي خياران: أن أغلق الباب وأتركهما، أو أن أخاطر بحياتي.
لم أستطع التفكير. وجدت نفسي أمدّ يدي وأجذبهما بقوة إلى الداخل.
كان الزومبي أسرع منا، لكنه لم يكن أذكى.
ما إن أغلقنا الباب حتى دفع بجسده النصف الميت نحوه محاولًا الدخول.
صرخت وأنا أقاومه بكل قوتي دون أن ألمسه.
فجأة، أمسك دايكي بالمكنسة وضربه مرارًا على الرأس حتى تراجع جسده للخلف وسقط أرضًا.
أغلقنا الباب بإحكام، دفعت الأريكة أمامه، ثم جلست على الأرض ألهث.
صدري يعلو ويهبط، ويدي ترتجفان.
رين تبكي بصوتٍ خافت، ودايكي الذي حالته ليست افضل منها يحتضنها محاولًا تهدئتها.
قلت لهما بصوتٍ مبحوح، وأنا أنظر نحو الباب المغلق:
"اخفضا صوتيكما... هم يسمعون أفضل منا."
مرّت دقائق طويلة والهدوء يحوم حول الشقة.
لا صوت سوى أنفاسنا المقطّعة، وصرير الخشب تحت أجسادنا المرتجفة.
كسر دايكي الصمت أخيرًا، صوته بالكاد يُسمع:
"حتى الطعام الذي عندك، سيأتي وقت وينفد... في النهاية، سنضطر للخروج، أو سنبقى هنا حتى نتعفن."
نظرت إليه بحدةٍ مكبوتة وهمست:
"ألا ترى كم عددهم؟ هم يتفوقون علينا بالعدد وبالقدرة، وحتى بالوحشية."
تدخلت رين بقلقٍ واضح وهي تحدّق فينا:
"يا رفاق... أتفق معكما معًا. إذا خرجنا سنموت على أيديهم، لكن إن بقينا هنا... سنموت جوعًا وعطشًا."
قال دايكي مؤيدًا كلامها، وعيناه تلمعان بعنادٍ غريب:
"علينا الخروج لأخذ الطعام. لا خيار آخر."
قاطعته بسرعةٍ لأُنهي النقاش قبل أن يتفاقم:
"لن ينتهي الطعام سريعًا... وحتى ذلك الحين، لن يخرج أحد من هذا الباب."
ساد الصمت.
تبادلنا النظرات، ورأيت في وجه رين اقتناعًا خافتًا بكلامي، بينما ظلّ دايكي متوترًا، قبضتاه تضيقان وتنفرجان كأنه يستعد لقرارٍ لا يجرؤ على تنفيذه.
الوقت بعدها صار بطيئًا... خانقًا...
لم يزر النوم أعيننا تلك الليلة.
وبينما كنا غارقين في الصمت، انطفأت الأنوار فجأة.
تجمّدنا.
لم يصدر أحدنا صوتًا، حتى أنفاسنا خفّت بينما الظلام غطّى المكان تماما.
من الخارج، بدأت الأصوات تعود...
أنينٌ متقطّع، ثم صراخٌ بعيد، ثم ارتطام زجاج.
اقتربتُ من النافذة بخطواتٍ بطيئة وأبعدت الستارة قليلًا، فغمرني سواد الشارع.
لم أرَ شيئًا، لكن الأصوات كانت كافية لتجعل جسدي يقشعر.
همست رين: "انقطعت الكهرباء..."
ردّ دايكي ببرودٍ مشوب بالخوف: "كأن الأمر لم يكن سيئًا بما فيه الكفاية."
جلست على الأرض وأضم ركبتيّ إلى صدري.
جلس دايكي في زاوية الغرفة، أخرج هاتفه بصمت، وبدأ يكتب رسائل قصيرة لكل رقم في قائمته.
أصدقاؤه، زملاؤه، عائلته...
رسالة واحدة تتكرر:
"هل أنت بخير؟"
ظل يرسل وينتظر، والشاشة تضيء وتخفت، تضيء وتخفت، بلا أي رد.
كان الصمت يبتلع كل شيء.
حتى التنبيهات المعتادة من مواقع التواصل لم تعد موجودة.
كأن العالم بأسره أغلق إشعاراته للأبد.
همست له رين بصوت خافت:
"هل رد أحد؟"
هز رأسه بالنفي، ثم تابع التحديق في الهاتف كأنه ينتظر معجزة.
لم يمر سوى لحظات حتى اهتز الهاتف بين يديه، وظهرت رسالة جديدة على الشاشة.
"أنا بخير... أظن أني لست وحدي في المبنى... هناك أحد بالخارج... ماذا عنك؟"
رفع دايكي رأسه بسرعة، واتجه نحو النافذة ليرى إن كان صديقه قريبًا.
لكن ما إن اقترب، حتى أضاءت شاشة الهاتف من جديد بضوءٍ أزرق خافت.
الضوء ارتدّ على الزجاج، كاشفًا ملامح وجهه للحظة واحدة فقط...
كانت تلك اللحظة كافية.
ظهر من الظلام وجه مشوه، عينان غائرتان، وفم ملوث بالدماء.
زومبي كان يترنح في الشارع، التقط الضوء كأنما هو نداء صيد، فرفع رأسه فجأة وصاح بصوتٍ غريبٍ يخلط بين الإنسان والحيوان.
في ثوانٍ معدودة، انضم إليه العشرات.
بدأوا يركضون، أجسادهم تضرب السيارات، أصواتهم كالطحن المعدني، وأيديهم تصطدم بزجاج الشقة.
صرخت رين وهي تندفع للخلف:
"ابتعد عن النافذة!"
تراجع دايكي خطوة، ثم سقط على الأرض عندما تصدّع الزجاج بصوتٍ حادّ.
رفعتُ نفسي بسرعة، فتحت الباب وصرخت:
"هيا! اخرجوا الآن!"
انطلقنا في الممر، والهواء مليء برائحة العفن والدم.
كانت خطواتنا تضرب الأرض بإيقاع الخوف، والزومبي خلفنا يصرخون ويضربون الجدران بأجسادهم.
انزلقت رين عند الدرج، فأمسكها دايكي وسحبها للأعلى.
كل طابق مررنا به كان مليئًا بالدماء، الأبواب مكسورة، والصرخات تتردد كأصداء من الجحيم.
وصلنا إلى السطح أخيرًا.
دفعت الباب بكل قوتي حتى أغلق، ثم صرخ دايكي:
"شيء لنسدّ به الباب!"
جررنا قطعًا من الحديد والخشب والأنابيب القديمة، وأسندناها للباب.
الأصوات خلفه لم تتوقف؛
الضرب، الخدش، الزئير...
كأن الباب مجرد ورقة بيننا وبين الموت.
جلسنا متعبين، والهواء البارد يصفع وجوهنا، فيما رين تبكي بصمت.
تمتم دايكي بصوتٍ مبحوح:
"لم نعد في الأرض نفسها... وكأنما الارض تاكلنا"
جلسنا فوق السطح، أنفاسنا تتلاحق، وأجسادنا ترتجف من التعب والبرد والخوف.
كانت أصوات الزومبي ما تزال خلف الباب الحديدي، تخبط بعنفٍ لا يعرف التعب، بينما الليل يزحف ببطءٍ فوق المدينة.
لم يقل أحد شيئًا، فقط كنا نستمع لصوت الريح وهي تمرّ بين الأبراج وكأنها تهمس لنا بتراتيل النهاية.
أخرج دايكي هاتفه مجددًا، أصابعه ترتجف وهو يعيد فتح الشاشة.
ظل يحدق في آخر رسالة من صديقه-ذلك الذي قال إنه بخير.
ثم بدأ يكتب ببطءٍ شديد:
"أين أنت بالضبط؟"
مرت دقيقة طويلة...
ثم ظهرت النقاط الثلاث على الشاشة-علامة الكتابة.
"أنا في مبنى السكن الجامعي... الذي بجانب الغابة."
رفع دايكي رأسه نحوي ونحو رين، عيناه متسعتان قليلًا من المفاجأة.
همس: "إنه قريب... المبنى الجامعي على بعد أقل من 200 كيلومتر من هنا"
استمر بالقراءة بصوتٍ منخفض:
"لسنا وحدنا... يوجد طلاب آخرون، وبعض الأساتذة أيضًا... ثلاثة منهم على قيد الحياة. أغلقنا المكان جيدًا ونملك طعامًا يكفينا لعدة أيام. الكهرباء مقطوعة، لكن المياه ما زالت تعمل."
تنفست رين بعمق وكأنها تتشبث بأي ذرة أمل في هذا الخراب، بينما كنت أراقب وجه دايكي وهو يقرأ الرسالة مرة تلو الأخرى.
كانت يداه ترتجفان، ليس من البرد، بل من فكرة أن هناك حياة ما زالت موجودة في مكانٍ ما.
لكن خلف الأمل دائمًا ظلّ من الشك.
قلت بهدوء:
"هل تثق به؟"
أجاب دايكي بعد لحظة صمت:
"كان أعزّ أصدقائي في الجامعة... إن كان ما زال على قيد الحياة، فهذا يعني أن جزءًا من العالم لم يمت بعد."
أضافت رين بنبرة مرتعشة:
"ولكن الذهاب الى هناك مخاطرة... الزومبي في كل شارع، لا يمكننا الوصول إليه بسهولة."
سكت دايكي قليلًا، ثم رفع رأسه نحو الأفق المظلم، حيث كانت المدينة تختفي تحت ستارٍ من الدخان والرماد.
قال بصوتٍ متعب:
"ربما المخاطرة هي الشيء الوحيد الذي بقي لنا."
سكت قليلا ثم قال بنبرةٍ متوترة وهو ينظر إلى الشارع الغارق في الظلمة:
"حتى الطعام... تركناه في الشقة. لا نملك الآن شيئًا يؤكل. يجب أن نجد طريقة للنزول من هذا المبنى، نصل إلى البقالة ونأخذ ما نحتاجه، ثم ننطلق نحو المبنى الجامعي... لكن المشكلة أننا لا نعرف كيف سنفعل ذلك."
صمت قليلًا، ثم تابع وكأنه يتحدث إلى نفسه:
"السلالم مليئة بالزومبي، والمصعد توقف مع انقطاع الكهرباء... لا يوجد طريق آمن."
انزلقت عيناه نحو الباب المقفل بشيء من القلق، كأن مجرد التفكير في فتحه كافٍ لجذب الكارثة.
بقيتُ مكاني أحدّق في الفراغ، أحاول فهم ما الذي فعلته لأُبتلى بكل هذا،
لكنّ صوت رين قطع شرودي فجأة وهي تشير بيدها نحو زاوية السطح قائلة:
"انظروا... هناك سلالم جانبيّة هنا، تقودنا للأسفل."
تحدثتُ قبل أن يسبقني دايكي وقلتُ بحذر:
"الزومبي في الأسفل أيضًا... ألا ترَون كم عددهم في الخارج؟ إن رَأونا فسننتهي."
ساد الصمت للحظات، لم نسمع خلالها سوى اصوات الزومبي وصفير الريح وارتطام شيء معدني من مكانٍ بعيد
ثم قال دايكي بنبرة مترددة ولكن فيها بريق فكرة:
"مهلًا... يمكننا القفز من السطح إلى المبنى المجاور، ذلك المبنى مغلق ومهجور منذ فترة، أعرفه جيدًا... كنت أهرب إليه لأدخن، ولا يمكن للزومبي دخوله. كنت أصل إليه عبر فتحات التهوية في الداخل، والزومبي كما يبدو ليس لديهم من العقل ما يكفي ليفكروا بذلك. يمكننا دخوله."
ترددتُ قليلًا، أحدّق في وجهه وفي الظلام الذي بدأ يلتهم أطراف السطح، وقبل أن أنطق، صدر صوت حادّ من الباب خلفنا...
إحدى الأخشاب التي وضعناها لمنع دخول الزومبي انكسرت.
لم يُفتح الباب بعد، لكنه ارتجّ بعنف، فقلتُ بتوترٍ خافت:
"هيا بنا... لا خيار آخر."
تقدَّم دايكي نحو حافة السطح بخطواتٍ سريعة، والظلال تتراقص على وجهه بفعل الضوء الخافت المنبعث من القمر. نظر إلى المسافة بين المبنيين، ثم قال بثقةٍ هادئة:
"المسافة قصيرة... أستطيع القفز."
ولم ينتظر ردًّا من أحد. ركض خطوتين وقفز بجسده بخفةٍ مدهشة، ارتطم بالأرضية المقابلة واهتز قليلًا قبل أن يثبت توازنه. التفت نحونا وهو يلوّح بيده قائلًا:
"يمكنكم المجيء! الأمر ليس صعبًا!"
لكن رين تجمّدت مكانها، عيناها متسعتان، تتنفس بسرعة، كأن الهواء يهرب منها. اقتربتُ منها وقلتُ بجديةٍ حاولت أن أُخفي بها رعشة صوتي:
"رين... يجب أن تقفزي الآن. الباب لن يصمد أكثر."
هزّت رأسها نفيًا، وارتجفت شفتاها:
"أنا لا أستطيع... ساقاي لا تتحركان."
وفجأة... دوّى صوت ارتطامٍ قوي من خلفنا، تبعه صرير الخشب وهو يتكسر، ثم انفتح الباب عنوة. اندفع منه أول الزومبي، أجسادهم المتعفنة تتمايل، وأصواتهم الغليظة تقترب منا.
صرختُ بها:
"رين، الآن!"
قفزت رين بكل قوتها، كأن الخوف دفعها أكثر مما فعل الشجاعة، ونجحت بالكاد في الوصول إلى الحافة حيث أمسك بها دايكي وسحبها إليه. لم أفكر بعدها... ركضتُ دون وعي وقفزت، لكنّ قدمي انزلقتا لحظة الهبوط، كدتُ أسقط إلى الفراغ لولا أن أيدي رين ودايكي أمسكت بي في اللحظة الأخيرة وسحباني إلى برّ الأمان.
وقفتُ ألهث، أسمع أنين الزومبي وهم يتدافعون خلفنا، لكنهم لا يفهمون المسافة. قفز أحدهم دون إدراك، فسقط مباشرة إلى الفراغ، تبعته أجسادٌ أخرى تهوي كأنها أمطار من لحمٍ متحلل.
وقف دايكي يلتقط أنفاسه، ثم أخرج هاتفه من جيبه وأضاء مصباحه الصغير. انبثق الضوء الأبيض بين الظلال، فانعكست على ملامحه المرهقة وهو يقول بصوتٍ خافت:
"اتبعاني... أعرف هذا المكان جيدًا، وسنكون بأمانٍ هناك."
ومشى أولًا نحو بابٍ معدنيّ في نهاية السطح، بينما كنا نتبعه بخطواتٍ حذرة، والليل من حولنا يبدو كأنه يراقبنا بصمتٍ ثقيل.
دخلنا المبنى المهجور، والهواء داخله ثقيلاً، محمّلًا برائحة الغبار القديم والصدأ.
الأرضية تحت أقدامنا تصدر صرير خشبي خافت، وكل خطوة تجعل الظلال ترقص على الجدران المتهالكة، وكأن المبنى يراقبنا بصمت.
كان الصمت يثقل الأجواء أكثر من أي خطر ملموس.
لم نسمع سوى خطواتنا المترددة، وصفير الريح الذي يتسلل عبر الشقوق في النوافذ المكسورة.
كل شيء بدا كما لو أن الزمن توقف هنا منذ عقود.
تقدمنا بحذر، كل منا يراقب الآخر، وكل منا يحاول التنبّه لأي حركة أو صوت غير مألوف. آثار الحياة الماضية كانت هنا وهناك: أكواب مكسورة متروكة على طاولة، كتب متفرقة تتساقط أوراقها، ولوحات قديمة على الجدران تتطاير ألوانها مع ضوء الهاتف الذي يضيء المكان.
واصلنا النزول عبر السلالم المتهالكة، كل خطوة تحتاج حذرًا شديدًا، حتى وصلنا إلى الطابق الأرضي.
أمامنا الآن الباب الرئيسي للمبنى، ضخمًا ومغلقًا بإحكام، كأنه يحرس أسرار المكان.
توقفنا للحظة، أنفاسنا متقطعة، وعيوننا تتفحص الباب بعناية. دايكي رفع هاتفه ليضيء قليلاً، وقال بصوت منخفض:
"هنا... هذه هي النقطة التي يجب أن نكون حذرين عندها. لا نعرف ما وراء هذا الباب."
أطفأ دايكي ضوء هاتفه بحذر، وكأن الظلام أصبح حليفنا الوحيد، يمنع أي عين متوحشة من رصدنا.
صمت المبنى المهجور أصبح أكثر ثقلاً، وأصبح كل صرير خفيف أو هسيس من خلف الجدران يبعث فينا شعورًا بالخطر.
اقتربنا من الباب بهدوء، فتحناه تدريجيًا، وتسللنا خارج المبنى، نختبئ خلف السيارات المتوقفة في الشارع.
الظلال الطويلة تمتد فوقنا، وأضواء القمر تتخلل الزجاج المتكسر لتلقي خيوط ضبابية على الأرصفة. لم نقترب كثيرًا من السيارات، فقد كنا نعرف أن أي حركة خاطئة قد تكشفنا لوجود الزومبي بداخلها.
فجأة، لمحنا زومبي واحد يلتفت ببطئ، عيونه فارغة وجسمه يتحرك ببطء وكان متجهًا نحونا.
قبضت رين حجرًا كبيرًا، ورفعته بكل قوتها ثم أطلقته بعيدًا، بصوت ارتطام الحجر بالأرض.
انطلق الزومبي وأصحابه الآخرين ركضًا نحو الصوت، معتقدين أنه فريسة جديدة.
تسللنا بهدوء نحو البقالة المجاورة، الهواء الداخلي مليء برائحة المواد الغذائية القديمة والغبار، وأرفف البقالة تموج بالألوان الباهتة للعلب والعبوات.
من بين الرفوف، رأينا أربعة زومبي يتجولون ببطئ وبصمت، يتفحصون المكان وكأنهم منتظرون شيئًا.
حافظنا على هدوئنا، جمعنا بعض الأطعمة والمياه والملابس ونحن نتجنبهم قدر الامكان، وكأننا أشباح تمر في المكان دون أن يلاحظنا أحد.
خرجنا إلى الخارج، وكان علينا ان نجد اي سيارة امنة، ولم تمر دقيقة الا ورأينا سيارة متوقفة على الرصيف، عليها آثار دماء، ومفتاحها ما يزال داخلها.
صمتنا للحظة، ادركنا أن صاحب السيارة أكلته الزومبي، أو تحوّل قبل أن يتمكن من الهرب.
بهدوء، فتح دايكي السيارة، جلسنا بالداخل، ورائحة الجلد القديم والمقود البارد تفوح في المكان.
ضغط دايكي على دواسة التشغيل.
صوت المحرك كان مثل همس في الليل، لكنه سرعان ما جذب انتباه العشرات من الزومبي القريبين، التفتت رؤوسهم نحو الضوء، صرخات غير مفهومة وارتجاف الجثث الميتة امتزج مع هدير المحرك.
دفع دايكي السيارة إلى الخلف بسرعة، بينما يطرق الزومبي الزجاج بأيديهم المتهالكة، بعض الشروخ بدأت تظهر على الزجاج الأمامي والزجاج المجاور لي ولرين بدأ يتحطم، لكننا نجونا دون أن يتحطم بالكامل.
قلوبنا كانت تنبض بسرعة، أنفاسنا تتلاحق، وعيوننا مثبتة على الطريق أمامنا، حيث كل ثانية كانت تحدد الحياة أو الموت.
انطلقت السيارة نحو الطريق المظلم، الهواء يندفع من النوافذ المكسورة، والليل يلفّنا بصمت ثقيل.
الطريق كان طويلاً، يمتد نحو المبنى الجامعي على بعد 200 كيلومتر، حيث صديق دايكي والناجون الباقون.
أصوات العجلات على الحصى، صفير الريح على النوافذ المكسورة، وصدى خطوات الزومبي البعيدين يتلاشى خلفنا... كل ذلك اختلط مع خفقات قلبي المتسارعة، وانا اعلم أن أي لحظة قد تحمل مفاجأة جديدة في هذا العالم الذي فقد فيه البشر عقولهم، وتحولت الشوارع إلى ساحة للصراع المستمر بين الأحياء والأموات.
مرت ساعة ونحن بداخل السيارة، والهدوء المؤقت يملأ الجو بعد كل الفوضى التي مررنا بها.
دايكي يضع يده على المقود بثقة، والشارع المظلم يمر بهدوء من النوافذ، بينما السيارة تتحرك بخفة على الطريق الفارغ.
رين تجلس بجانبي، شعرها يلتف حول وجهها بفعل النسيم البارد، وعيناها تتأملان الطريق بهدوء. بعد قليل، قالت بنبرة خافتة لكنها صادقة:
"كم تبقى لنصل؟"
أومأ دايكي برفق، وعيناه تركزان على الطريق أمامه، وقال بابتسامة هادئة:
"ساعة... تقريبًا ساعة واحدة أخرى."
ابتسمت رين بابتسامة صغيرة، وكأنها مرتاحة لأنها تعرف أننا سنصل بسلام، ولو بعد مسافة طويلة. نظرتُ حولي، أستمع لصوت المحرك المستقر، ورائحة الجلد القديم للمقاعد، وأصوات النسيم الخفيف بين النوافذ.
أغمضت عيني للحظة داخل السيارة، محاولة أن أستريح بعد الطريق الطويل، لكن النوم لم يكن حليفًا... سرعان ما ظهرت امامي صورة مرعبة، كابوس ينبعث من كل زاوية في عقلي.
رأيت الزومبي في منامي ايضا... لم يكونوا مجرد أجساد متحللة بطيئة الحركة، بل كائنات بشعة متفتحة الفم، عيونهم بيضاء كالرماد، وجلودهم ممزقة، وكأن اللحم يتدلى عن العظام بلا رحمة.
كل جزء منهم يتحرك بطريقة مشوهة، مفاصلهم تصدر أصوات طقطقة مخيفة عند كل خطوة، وكأنهم عظام تتكسر ببطء مع كل حركة.
شعرهم متشابك ومتسخ، ريح العفن تنبعث منهم حتى من خلال الخيال، وأظافرهم الطويلة الملوثة بالدم تحفر الأرض عند محاولتهم الاقتراب.
أصواتهم... كانت همهمات مكتومة، صرير الأسنان، وأنين مكتوم يتردد في أرجاء عقلي، وكأنهم يقتربون أكثر فأكثر.
حاولت الصراخ، لكن صوتي لم يخرج... رأيتهم يهجمون عليّ من كل جانب، الأجساد المتعرجة تتدافع فوق بعضها، تكاد تلمسني، وجسد أحدهم ينهض فجأة أمامي، فم مفتوح على مصراعيه، يلتهم الهواء حولي، الرائحة نتنة، وكأن العفن نفسه أصبح له وزن يضغط على صدري.
شعرت بأن قلبي يكاد ينفجر من الرعب، فتحت عيناي فجأة، والعرق يغطي جبيني، وأنا أجد نفسي داخل السيارة، بين دايكي ورين، بينما رين تنظر لي باستغراب... ولم يكن شيء أمامنا سوى الطريق المظلم الممتد، والهدوء بعد الكابوس يبدو خفيفًا بعد لحظة الرعب تلك.
همست رين بخفوت "هل انتي بخير؟"
اجبتها بنفس النبرة بعدما مسحت العرق من جبيني بطرف قميصي "نعم... مجرد كابوس لعين"
الهواء كان باردًا، والمصابيح الأمامية تشق الظلام بصعوبة والهواء البارد يدخل من النافذة المكسورة في السيارة التي يقودها دايكي بصمتٍ متجهم.
لكن فجأة، على بُعد أمتار قليلة، ظهر وميض خافت.
سيارة مقلوبة على جانب الطريق، أحد أبوابها مفتوح، وضوءها الخلفي يومض بشكل متقطع، وصوتٌ أنثويّ ضعيف يخرج من داخلها:
«أحدٌ ما... أنقذوني... أرجوكم...»
تجمّد دايكي، ضغط على الفرامل بقوة، فصرّت الإطارات على الإسفلت وتوقفت السيارة بحدة حتى كاد رأسي يرتطم بلوحة القيادة.
اخرج راسه من النافذة وقال بنبرة صوت مرتفعة تكفي ليسمعه من بداخل السيارة دون جذب الزومبي: "هييي!... هل تحتاجون المساعدة؟"
ولكن الصوت ظل يتكرر دون اجابة.
تحدثت رين بخفوت ونبرتها مشبعة بالذعر:
"لا تتوقف! قد تكون خدعة، دايكي!"
التفت إليها، نظرته مضطربة لكنه قال بثقةٍ واهية:
"وماذا لو لم تكن كذلك؟ ماذا لو كانت إنسانة حقيقية؟!"
نظرتُ إليه، وقلت بحذرٍ وأنا أراقب الطريق:
"لو كانت انسانة لما استمرت بنطق نفس الكلمات ونفس النبرة... كانت على الاقل سترفع نبرتها اكثر عند توقفنا!"
لكنه أشار بيده دون أن ينظر إليها وقال بلهجةٍ متوترة:
"وإن لم تكن؟ لا أستطيع تجاهل إنسان يحتضر!"
ساد الصمت لثوانٍ، ثم التفت إليّ وقال:
"خمس دقائق فقط."
مد يده إلى باب السيارة ببطء وقال بصوت منخفض:
"سأتحقق بسرعة... انتظرا هنا."
"دايكي، لا تذهب!" صرخت رين، لكن الباب أُغلق قبل أن تكمل جملتها.
خرج بخطواتٍ حذرة، مصباحه اليدوي يرتجف في العتمة. كلما اقترب من السيارة المقلوبة، ازداد الصوت وضوحًا.
راقبته وأنا أقبض على مقبض الباب بقوة.
كل خطوة منه كانت تبتعد أكثر... حتى رأيته ينحني بجانب الباب المفتوح للسيارة المقلوبة.
لكن قبل أن يلمس الباب، فجأة سقط المصباح من يده وعم سكون غريب حتى سمعنا صوتًا آخر خلفه... حركة خفيفة بين الأشجار، تبعها صوت خطواتٍ سريعة قادمة من العتمة.
فتحتُ الباب فورًا، خرجت ومعي رين، ناديتُ بصوتٍ مرتفع:
"دايكي!"
لكنه لم يجب.
وفي طرف الضوء القادم من مصباحه الساقط على الأرض، رأيت ثلاثة ظلالٍ بشرية تتحرك نحونا ببطء، وجوههم متسخة، عيونهم باردة كعيون الصيادين. أحدهم كان يحمل عصًا معدنية، وآخر سكينًا طويلة، والثالث بندقية صدئة تتدلى من كتفه.
تقدّم أطولهم، وقال بنبرةٍ ساخرة وهو ينظر إليّ وإلى رين:
"ما هذا؟ ثلاث جوائز في ليلة واحدة؟"
رفع السكين ببطء، وتابع بابتسامةٍ قذرة:
"سيارتكم، وطعامكم... وربما شيء آخر."
مدّ يده نحوي، لكني رفعتُ المسدس الصغير الذي وجدته في السيارة وكنت أخفيه منذ بداية الطريق، ووجهته مباشرة إلى وجهه.
تجمّد مكانه، ثم ضحك ضحكة قصيرة:
"شجاعة... لكنها بلا فائدة. الرصاص أثمن من أن تُهدريه علينا، أليس كذلك؟"
كان محقًّا... لم يكن فيه سوى طلقتين.
دايكي خرج من خلف السيارة المقلوبة في تلك اللحظة، وجهه مضرج بالتراب، يلهث، وعلى جبينه جرح صغير ينزف اثر ضربهم له بالعصا.
رفع صوته قائلًا:
"إيزومي! رين! إلى السيارة الآن!"
مد الرجل الضخم يده نحو دايكي ليدفعه، لكن دايكي قبض على معصمه ودفعه بقوة، فسقط على الأرض. في لحظة، انقضّ أحد الرجال بسكينه، فدافع دايكي وبدأ عراكٌ شرس وسط الظلام.
صرخات، حركات سريعة، اصطدام الحديد بالحجارة.
في خضم الاشتباك، اطلق ذو البندقية رصاصة في الهواء بالخطأ...
اللحظة التالية كانت صدى الرصاصة يرتد في الغابة، يعيد الحياة لما لا يجب أن يعود.
دايكي صرخ:
"ماذا فعلت؟! لقد سمعونا... "
ولم يُكمل...
من بين الأشجار بدأوا يظهرون، عشرات منهم، يتحركون بسرعة، وجوههم مليئة بالدماء، أفواههم مفتوحة بجوعٍ حيوانيّ لا يُشبَع.
صرخت رين:
"إيزومي! السيارة!"
أمسكت بيد دايكي وسحبته بقوة بينما الرجال الثلاثة تجمّدوا رعبًا.
ركضنا نحو السيارة، الزومبي يركضون خلفنا، بعضهم يسقط، وبعضهم يزحف، لكن لا شيء يوقفهم.
فتح دايكي الباب، دفعنا إلى الداخل، وأدار المحرك بأقصى سرعة.
في اللحظة التي انطلقت فيها السيارة، قفز أحد الزومبي على الزجاج الأمامي، كاد يخترقه بوجهه المتآكل، لكن دايكي حرّك السيارة بعنف، فاصطدم الزومبي بالأرض وتحطم.
اندفعت السيارة بين الظلام، والزومبي يتقافزون من الجانبين، يصطدمون بالهيكل المعدني، يتساقطون تحت العجلات، والدماء تتناثر على الزجاج.
صوتهم يطاردنا... كأنهم يزحفون خلفنا من جوف الأرض نفسها.
نظرتُ في المرآة الجانبية، ورأيتهم يتجمعون حول أولئك الرجال الذين نصبوا الفخ، يمزقونهم ببطء...
لم أستطع النظر أكثر. أغمضتُ عيني، وشعرتُ بدمعة حارة تنزل على خدي دون إذن.
العالم من حولي لم يعد يعرف الفرق بين الوحش والإنسان.
كلاهما الآن... يأكل الآخر.
بعد نصف ساعة... كانت السيارة تهتز تحتنا كلما تجاوزت حفرة أو بقايا طريق منهار، والعدّاد أمام دايكي بدأ يهبط ببطءٍ مؤلم. لم يكن أحد يتحدث. صوت المحرك وحده يملأ الجو مثل أنينٍ قديم، حتى اختنق فجأة... ثم خفت، ثم صمت. توقّفت السيارة.
ساد الصمت الكامل.
رمق دايكي العدّاد بوجه جامد، ثم ضرب المقود بقبضته وقال بصوتٍ خافتٍ يائس:
"انتهى الوقود."
نظرتُ إليه وأنا أضغط على حقيبتي، بينما رين هزّت رأسها بقوة:
"لا... لا يمكننا النزول الآن! ربما هناك زومبي في كل زاوية!"
ردّ دايكي ببرود متعب، وهو يفتح باب السيارة ببطء كي لا يُحدث صوتًا:
"وما الفائدة من البقاء هنا؟ إنهم لن يأتوا لنا بالوقود من السماء. سنتحرك سيرًا."
أضفتُ بصوتٍ هادئٍ رغم ارتجاف يديّ:
"سيكون الطريق أقصر من انتظار الموت في سيارة متوقفة."
نزلتُ بعده... الهواء كان بارداً، مشبعاً برائحة التراب والرطوبة، تبعتنا رين بعد لحظة تردد، أغلقت الباب خلفها بعناية، ويدها لا تزال ترتجف.
فتح دايكي الصندوق الخلفي وأخرج حقيبة الطعام وبعض الأدوات الصغيرة... وسكينة وعصا اخذها من الرجال الذين نصبوا الفخ سابقا... وزّعها بصمت، ثم أغلق الصندوق كمن يدفن شيئًا لن يعود إليه أبدًا.
همست رين: "ماذا عنك؟"
قال بعدم اهتمام: "يمكنني تدبر نفسي... انتن تحتجنها اكثر مني"
بدأنا السير... الأرض كانت مبللة، يعلوها غبار ناعم، وكل خطوة تُصدر صوتًا خافتًا، كأن الطريق يهمس لنا ألا نوقظه.
والبيوت المهجورة تراقبنا بنوافذ مكسورة تشبه أفواهًا صامتة.
لم يكن هناك سوى صوت خطواتنا... وصريرٍ بعيدٍ لبابٍ مهترئٍ يتأرجح بفعل الريح.
كنت أشعر بأن المدينة تنظر إلينا، بأن كل زاوية تترقبنا، وبأن السكون ليس سكونًا حقيقيًا بل كمين.
رفعت رين رأسها بعد صمت طويل وقالت بخوفٍ متكسر:
"أهذا... يعني أننا قريبون؟"
أجاب دايكي دون أن يلتفت:
"نعم... الجامعة بعد الجسر مباشرة. إذا لم يحدث شيء، سنصل خلال 15 دقيقة"
لكن بيننا جميعًا، لم يجرؤ أحد على القول إن "إذا لم يحدث شيء" هي أكثر جملةٍ مرعبة نعرفها الآن.
Rahaf_yem