لِمَ لا نستسلم؟

لِمَ لا نستسلم؟

13 0

تحدثت رين أخيرًا، بصوت شبه معدوم مشبع بالسخرية: «وكيف ستخرجون وقد دعوتم الزومبي ليشربوا الشاي معنا… هاهم ينتظرون أمام الباب.»

كلامها كان منطقيًا، ونحن قد نسينا الزومبي الذين لاحقونا للتو.

شعرت بقشعريرة تتسرب إلى عمودي الفقري، وعيناي تتفحصان الباب وكأنه بوابة إلى الهاوية.

توقف هارو للحظة، يفكر بصمت، ثم وضع الجهاز أرضًا واتجه بخطوات مسرعة نحو أرفف المختبر، يبحث وينبش بهمة.

نحن نقف مشدوهين، نتابع كل حركة له وكأنها آخر فرصة لدينا للنجاة.

بعد لحظات، أخرج كيسًا كبيرًا قليلاً، بداخله تراب أسود برائحة مالحة غريبة… لم أعرف ما هو بالضبط، لكن شيئًا فيه جعل قلبي يقفز.

لم ينظر إلينا حتى، بل قال بينما يصعد إلى ممر التهوية: «لدي خطة… انتظروا قليلاً.»

دخل هارو إلى ممرات التهوية بضيق الصمت، وتركنا نتبع خطواته بعينين مترقبتين. قلبي ينبض بسرعة، شعوري مزيج من الخوف والإثارة، وكأن كل خفقة له صدى في جسدي. الرائحة المعدنية للمعدن البارد تحت أصابعه، وحرارة الجهاز بين يديّ، جعلتني أشعر بثقل المهمة أكثر من أي وقت مضى.

سمعت صوت حركة خفيفة خلف الجدار، كأن الزومبي بدأ يلاحظ شيئًا، فأمسكت يدي الجهاز بقوة،

شعرت بالقلق، خفت أن يكتشف الزومبي أمره ونخسره قبل أن نبدأ رحلتنا للخروج.

مرت الدقائق وكأنها ساعات، ثم عاد أخيرًا، وابتسامة ماكرة مرسومة على شفتيه، كأنه يعرف سرًا لا نستطيع نحن فهمه بعد.

قال ميازايكي بصوت حاد: «ماذا فعلت بالبارود؟»

رد هارو بينما يشد حزام بنطاله: «لا شيء… فقط وضعت البهارات فوق اللحم قبل أن نطبخه.»

في تلك اللحظة، شعرت بالدهشة تتسلل إليّ، ثم فهمت أخيرًا ما كان يخطط له.

أخرج هارو من جيبه علبة كبريت ووضعها في يد كاي، وقال: «هذه مهمتك… افتح الباب، أشعل عود الكبريت، وارمه على الأرض بعيدًا قليلاً عنا… سيشتعلون ونتمكن من الخروج.»

ارتبك كاي، وأعاد الكبريت لهارو قائلاً: «لا لا… لا يمكنني… ماذا لو فشلت وتسببت بموتنا؟»

ابتسم يوشيدا، وهو يعدل نظارته بهدوء: «حينها سنكون قد ارتكبنا أحد الأخطاء التاريخية التي لطالما يسخر منها الفلاسفة.»

نظر هارو إليه بنصف عين، ثم دفع يد كاي التي تحمل الكبريت بحزم: «سبق ووكلتك بالمهمة… لا نقاش.»

دُفِع الكبريت في يد كاي رغمًا عنه، وبدا وكأنه يحمل قدَرًا كاملًا بيده الصغيرة وليس مجرد علبة خفيفة.

وقف هناك لدقائق بدت أطول من عمر الجامعة نفسها، يده ترتجف، وعيناه تتحركان بين الباب وبين وجوهنا… وكأن كل واحد فينا ينتظر منه أن يكون شجاعًا بدلًا عنه.

كنت أراقبه من الخلف، وأحسست بشيء يشبه العطف يلمس صدري… ثم تبخر بسرعة، لأن صوت الخدش خلف الباب عاد، وصار أقرب، أثقل، كأن الزومبي يحكون مخالبهم على المعدن.

يوشيدا قال فجأة، بصوت منخفض لكنه حازم: «سلاحك الحقيقي الآن… أعصابك. لا تحرقها قبل البارود.»

لم أعرف هل كان يحاول تهدئته… أم يهددنا كلنا لو انهار.

هارو انحنى قليلًا، كأنه يقرأ حركة الهواء: «هم تجمّعوا عند الباب… ممتاز.»

ممتاز؟ أنا شعرت أن قدميّ صارتا ثلجًا، لكن هارو كان يتعامل مع الأمر كأنه تجربة علمية عادية.

اقترب كاي أخيرًا.

كنت أستطيع رؤية العرق يلمع على عنقه رغم برودة الجو.

فتح القفل ببطء… ببطء يكاد يكون قاسيًا.

الهواء خارج الباب كان أثقل… رطوبة غريبة محمّلة بأنفاسهم.

رائحة تشبه اللحم المبتلّ… رائحة تُعلِمك أن الحياة ذهبت من هؤلاء منذ زمن.

كاي بلع ريقه بصوت مسموع.

أشعل عود الكبريت…

انفجر الضوء البرتقالي في وجوهنا الصغيرة، وصرير اللهب مع الهواء البارد جعل جسدي يقشعر.

فتح فتحة صغيرة فقط، تكفي ليمد اصبعه بالكبريت.

الزومبي انحنت أجسادهم نحو الفتحة فورًا… كأنهم يشتموننا.

قال هارو بصوت منخفض: «ارمه… الآن.»

العود ارتطم بالأرض وصوت احتراق البارود تردد تحت أقدامنا مثل همهمة غاضبة… لحظة واحدة فقط، ثم اشتعل الممر أمام الباب، واندفع الضوء مثل لسان نار طويل، زاحف، وحار بما يكفي ليجعل الزومبي يتراجعون رغم غبائهم.

حرارة اللهب لامست وجهي من بعيد… شعرت وكأني أستعيد شيئًا يشبه الحياة.

هارو لم ينتظر لحظة: «نخرج. الآن.»

رفعنا الجهاز، وأنا شعرت بوزنه وكأنه يحمل كل نتائج ما سيحدث لاحقًا.

السير بمحاذاة النار لم يكن سهلاً، أقدامنا تنزلق على الحطام، وأنا أشعر بحرارة اللهب على خدي، وعيناي تحاولان مراقبة كل شيء حولنا.

الممر ضيق، الحرارة محيطة بنا، والدخان يلف أعيننا ويخنق أنفاسنا.

كل نفس أصعب من الذي قبله، كل خطوة تحتاج تركيزًا شبه كامل.

شعرت بالقوة والتوتر في آن واحد، شعور بأننا نلعب على حافة الهاوية، لكن لا خيار أمامنا سوى التقدم.

أصوات الزومبي المشتعلة تتقاطع مع دوي ألسنة اللهب، كانت أصوات حية ومرعبة، لكنها تمنحنا فرصة للهروب.

ما إن ابتعدنا عن الممر المشتعل حتى خيّل إليّ أنّ حرارة النار ما زالت تطارد ظهري، كأنها يد خفية تمدّ أصابعها نحوي.

كان الدخان ورائحة اللحم العفن والمحروق قد التصقت بملابسي، وصوت خطواتنا يرنّ في الممر الطويل، متقطعًا، كأننا لا نمشي بل ننجو خطوة بعد خطوة.

الجهاز بين يديّ صار أثقل، وربما لم يزد وزنه قط… لكن الخوف يجعل أبسط الأشياء جبالاً.

لم نتبادل الكلام.

لم يكن هناك وقت، ولا نفس يكفي لمجرد الثرثرة.

هارو كان يسير أمامنا، يعرف الطرق كما لو أن الظلام يحفظه هو، بينما كنت أراقب كتفيه يتحركان بثبات غريب… وكأن العالم لم يكن على وشك الانهيار.

الممرات كانت مظلمة إلا من أضواء خافتة من النوافذ المحطمة... ترمش ببطء، مثل أعين متعبة.

أصوات بعيدة… شيء يشبه سحب أقدام فوق الأرض… وربما لم يكن شيئًا إلا خيالي المتوتر.

وصلنا إلى الدرج.

الهواء هنا أبرد، وكأن الجامعة نفسها تتنهد.

خطواتنا فوق السلالم تصنع صدى يشبه نبضًا معدنيًا.

كل درجة أنزلها أشعر بثقل الحياة فوق ظهري، وثقل الموت خلفنا.

رائحة البارود ما زالت عالقة في أنفي، ورائحة الخراب في كل زاوية.

هارو قال بصوت منخفض، دون أن يلتفت:

«ابقوا قريبين… المكان من هنا يصبح أضيق.»

شدّ كاي على نفس طويل، وسمعت في صوته رجفة صغيرة، لكنه أكمل النزول.

يوشيدا خلفي، هادئ على نحو يجعل القلق يرتفع في داخلي بدل أن يهدأ.

عندما وصلنا أسفل السلالم، بدا الممر مثل حلق نفق قديم، جدرانه تغطيها خربشات طلاب كانوا قبل سنوات يكتبون أحلامًا... او قبل أسابيع، والآن لا يبقى منهم سوى آثار حبر باهت.

شعرت بشيء غريب في صدري… شيء يشبه الحنين، لكنه كان مشوبًا برائحة الخطر.

تابعنا السير حتى لاح الضوء الخافت القادم من باب معدني نصف مفتوح.

الهواء من الخارج يهبّ ببرودة خفيفة، وكأنه يد تطبطب على وجوهنا بعد ساعات من الجحيم.

قال يوشيدا بصوت خافت:

«المخرج الخلفي… إذا لم يكن أحد قد سبَقنا إليه، فنحن محظوظون الليلة.»

كدت أبتسم رغم كل شيء.

الحظ… كلمة صغيرة لواقع يمشي على حافة السكين.

عبرتُ آخر الممر، وكانت الأرض زلقة قليلاً من الرطوبة التي تتجمع دائمًا هنا.

وضعت يدي على الباب ودفعته… ضوء النهار الرمادي انسكب علينا فجأة، باردًا، صافياً، يكاد يطهر رئتَي من الدخان.

خطونا خارج الجامعة.

السماء فوقنا رمادية من لون الغيوم الكئيبة، والهواء يحمل رائحة المطر القادم.

خلفنا، بقيت الأصوات المكتومة، أصوات المكان الذي كاد يبتلعنا.

الطريق الى التل كان هادئًا بشكل مخيف، كأن الغابة نفسها تحبس أنفاسها قبل أن تتنفس.

الشمس بالكاد ترسل اشعتها من بين فجوات الغيوم، والضباب يلتف حول الأشجار كأشباح تتربص بالممر الذي نسلكه.

الهواء كان بارداً، لكنه يحمل رائحة الرطوبة والأرض المبتلة، ورائحة الدخان البعيد الذي تركناه وراءنا في الجامعة لا تزال تتسلل بين الأشجار.

أمسك كاي المضرب الخاص بهارو بيديه المرتجفتين قليلًا، يوشيدا يمشي بجانبه، سكينه في يد واحدة ويده الأخرى داخل جيبه، يخطو بخفة كأنه يتنزه في حديقة، ولكن عينيه المتيقظة تكشفان عن كل حركة مشبوهة.

أنا، أحس بثقل الجهاز بين يديّ، ليس فقط وزنه المادي، بل ثقل المسؤولية، ثقل الجوع الذي لم نذق له طعامًا كافيًا منذ أيام.

أقدامي تتثاقل مع كل خطوة، وكل مرة أنظر فيها لهارو، أرى في عينيه نظرات تشجيع وطمأنينة، كأنه يقول لي بدون صوت: «يمكنك المضي… فقط استمري.»

الغابة حولنا غريبة، أصوات الطيور متقطعة، أوراق الأشجار تتحرك برفق، لكن كل حركة تبدو لنا وكأنها خيط ينذر بالخطر.

أحيانًا يلتفت أحدنا سريعًا، يضغط الكتف ليحذر الآخر، ثم يعود إلى الصمت، لأن الكلام بصوت عالٍ سيكون جنونًا في هذا المكان.

كل خطوة على التل كانت مليئة بالإحساس بالغموض والخطر، الأرض غير متساوية، جذوع الأشجار تقف كالجنود الصامتين، وكل ظل يتحرك مع الريح يجعلنا نتجمد للحظة، نفكر فيما إذا كان هناك شيء يختبئ بين الظلال.

الصمت يلفنا، يكاد يكون ملموسًا، ويشعرنا أننا نحمل معه كل شيء: الخوف، التعب، المسؤولية.

أسمع فقط تنفسنا المتقطع، وخطواتنا على الحصى والعشب الرطب، وكلما التفتت، شعرت بعينين خياليتين تراقبنا من بين الأشجار.

هارو لم يقل شيئًا، فقط ينظر إليّ كل فترة، وابتسامة صغيرة تترسخ في وجهه، تلمس قلبي وتدعمني للاستمرار، بينما أواصل المشي، أثقل وأبطأ، وأحاول ألا أظهر ضعفًا أمامهم.

الغرابة والخوف يختلطان، ولكن شيئًا داخلي يقول لي: «استمري، فقط استمري…»

بعد دقائق من السير... سمعنا الصوت قبل أن نراه، خطوات ثقيلة وبطيئة تتقادم فوق الأرض الرطبة، كل خطوة تتخللها رعشة خافتة… الزومبي كان يقترب.

هارو بسرعة وضع الجهاز على الأرض، وبدون أي كلمة، بدأ يتسلق شجرة ضخمة قريبة، وأتبعناه بحذر.

كاي ارتجف فوق الغصن، أصابعه تتشبث بالخشب كأنه يخشى أن تسقطه أي لحظة، بينما يوشيدا يراقب الزومبي بصمت، عينيه ثابتة وكأنها تقرأ صفحات رواية تاريخية مليئة بالمآسي والدهشة.

أنا نظرت إلى هارو، وأعيننا تلتقيان مباشرة عند رؤية ملامح الزومبي… وكان قلبنا يتوقف.

الزومبي لم يكن متحللاً بالكامل، كان بالإمكان تمييز ملامحه، كان... كايدي!.

الصدمة أصابتنا مثل صاعقة، كأن الأرض اختفت من تحت أقدامنا للحظة.

وقف، اقترب من الجهاز بحركة بطيئة، ثم رفع رأسه ونظر إلى الشجرة، إلى حيث نحن مخبئون، بعينين شاحبتين تحملان وعيًا غريبًا… شعرت بأن روحه تعرفنا، أو تعرف شيئًا لم نستطع نحن فهمه.

ثم بدأ يخرج منه صوت، في البداية همهمة متقطعة، تتخللها شهقات قصيرة، وكأن شيئًا داخله يرفض الواقع.

ثم تحول الصوت إلى ضحك شاحب، ثم إلى ضحك هستيري، ضحكة تكاد توقف القلب وتجعله يقفز من الصدر… كل شجرة حولنا اهتزت بالصدى، وكل نفس أخذناه بدا ثقيلًا، كأن الهواء نفسه صار يختنق معنا.

تحركت ساقاه البطيئتان، وأحسست أن كل لحظة قد تكون النهاية… حاول الإمساك بالجذع لتسلق الشجرة، لكن يده انزلقت على لحاء رطب، وانكسرت، ولم يستطع الصعود.

كان مشهدًا مخيفًا، لكنه غريب في آن واحد، كأن قوة خارقة تتدخل، تمنع الزومبي من اللحاق بنا.

كاي ارتعش فوق الغصن بشدة، وأمسك بيدي، والعرق ينساب من جبينه، لكن يوشيدا بقي ساكنًا، كتمثال، يراقب كل شيء بعينين باردتين، كما لو أن هذه اللحظة جزء من دراسة علمية دقيقة.

قبل أن نستوعب ما يحدث، ظهروا… ثلاثة زومبي آخرين جذبهم صوت الضحك الهستيري لكايدي.

كان المشهد رهيبًا: أقدامهم الثقيلة تتحرك بسرعة فوق الأرض، وعيونهم الميتة تتوهج بعنف.

من بينهم... كان واحد واضح بالنسبة لنا! … كازويا!!!.

كازويا تحرك بخطوات سريعة، مثل نمر رصد فريسة، كل عضلة في جسده مشدودة، ثم فجأة قفز فوق كايدي، يلتصق به، يحاول افتراسه.

كان الصراع وحشيًا، أصوات العظام تتكسر، صرخات الزومبي المتحلل تتقاطع مع صوت كايدي، والدماء تتطاير على الأرض الرطبة.

أمسك هارو بيدي بقوة، وأنا أتمسك بالغصن، عيوننا واسعة، أصابعنا تشد الخشب حتى تألمت، لكن لم نستطع حركتها… لم يكن هناك خيار سوى المشاهدة.

الزومبي الآخران انخرطا في العراك أيضًا، وجسد كايدي أصبح تحت هجومهم، وصراعه مع كازويا صار عنيفًا للغاية.

لحظات شعرت وكأن الزمن توقف… وكل شيء كان صاخبًا وهادئًا في الوقت نفسه، أصوات الصراخ والضحك والمفاصل المكسورة تخترق أذني، بينما نحن نعلو فوق الشجرة، بلا قدرة على التدخل.

ثم، فجأة، تفرقوا… الزومبي الثلاثة، مشوشين بعد الفريسة المشتركة، ابتعدوا، خطواتهم الثقيلة تصدح في الأرض، حتى اختفوا عن ناظرنا بين الظلال والأشجار.

جلسنا فوق الغصن لفترة طويلة، نتنفس بصعوبة، أصوات قلوبنا تطغى على كل شيء، وكل منا يحاول أن يثبت أن الخطر انتهى، أو على الأقل تأكدنا من أن لا زومبي آخر يقترب.

يوشيدا، بعد صمت طويل، ابتسم بسخرية خفيفة، وهمس بصوت منخفض: «رائع… يمكنهم الشعور، الضحك… ويفهمون كيف يتكاتفون من أجل الفريسة، لم لا نستسلم!؟»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين أكلتنا الأرض "when the earth ate us"

المؤلف Rahaf_yem
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة