بداية الجحيم

بداية الجحيم

23 0

رواية "حين أكلتنا الأرض"

بقلمي "رهف يوسف"

لا احلل النقل دون ذكر المصدر

اذا كنت تقرأ الرواية في منتصف الليل... فيبدوا انك لن تنام مطمئناً لاسابيع.

استمتعوا...

________________

كنتُ مستلقية على سريري في الشقة الصغيرة التي أسكنها وسماعات الأذن تغمرني بصوت أغنيتي المفضلة my love.

نعم...انا أعيش وحدي الآن.

طردتني عائلتي لأنني رفضت الانصياع لتقاليدهم البالية هربت إلى المدينة، ومنذ ذلك اليوم وأنا أتعلم كيف أعيش بمفردي... كيف أتنفس بحرّيتي، ولو وسط جحيم.

نظرت إلى الساعة وقد كانت الحادية عشرة صباحًا.

خرجت لأشتري الحليب والخبز من البقالة القريبة

في الداخل، كان هناك تلفاز صغير في زاوية السقف يعرض مباراة كرة قدم، وبينما كنت أمد يدي لأدفع الحساب، انقطع البث فجأة وظهر مذيع متوتر يقرأ بيانًا عاجلًا:

"انتشار حالات سُعار مجهولة بين المواطنين... نرجو من الجميع التزام منازلهم حتى إشعارٍ آخر."

تجاهلت الخبر ظناً مني انها شائعة عادية.

ناولني المحاسب كيس المشتريات والباقي بابتسامة روتينية، فابتسمت ورددت التحية.

وعند خروجي من البقالة، سمعت امرأة تحدث زوجها بقلق:

- «حبيبي، أقلقتني، ما بك؟»

فردّ وهو يضع يده على رأسه، صوته مبحوح ومتعب:

- «مجرد صداع... سيزول بعد لحظات.»

تجاهلتهما ومضيت.

البقالة لا يفصلها عن المبنى الذي أقطن فيه سوى شارع واحد.

صعدت الدرج ببطء وانا استمتع باغنيتي والسماعات ما زالت في اذني، حتى إذا وصلت إلى الطابق الثاني، بدا لي أني سمعت صراخًا بعيدًا. تجاهلته، وتابعت الصعود.

أدخلت المفتاح في قفل الباب، لكنّه علق. حاولت مجددًا،

وفجأة دوّى صراخٌ حادٌّ من أسفل الدرج، كأن أحدهم يُذبح حيًّا.

تجمدت في مكاني... نزعت السماعات وسمعت صوت همهمة غريبة وصوت يشبه تمزيق لحم نيء، تقدمت نحو سلم الدرج بتردد ومال جسدي بحذر لأطلّ على الأسفل.

كان اول ما شاهدته عيناي رجلٌ ضخم منبطحًا فوق آخر، ينهش لحمه بأسنانه كوحش جائع.

1

عقلي لم يستوعب، لم أتحرك... كنت متحجرة.

ثم رفع ذلك المسعور رأسه ببطء، وعيناه تلتقطانني من بعيد

التقت نظراتنا، وسرت في عمودي الفقري قشعريرة الموت.

بدأ يصعد ويركض بسرعة لا تليق بجسده الثقيل.

ارتبكتُ واسرعت نحو الباب... المفتاح لا يدور... والرعب يشتعل في صدري.

سمعت صوته وهو في الطابق الثالث...

أخيرًا انفتح الباب!... دفعت أكياس البقالة بقدمي ودخلت، لا أعلم لماذا أخذتها أصلًا وحياتي على المحك!

أغلقت الباب بالمفتاح وبقيت أتنفس بصعوبة.

خلف الباب سمعت أصواتٌ غريبة، أنين، وشهقات مكتومة...

ثم اختفى الصوت، كأنّه رحل يبحث عن فريسة أخرى.

لم أجرؤ على الحركة ولم أتحرك لدقائق.

كنت أسمع صوت دقات قلبي أعلى من أي شيء آخر

الهواء في الشقة صار ثقيلًا كأنه يتحرك ببطء معي.

شعرت بأنني غريبة في مكاني، كأن جدران الشقة لم تعد تعرفني.

جلست على الأرض وظهري ملتصق بالباب.

كنت أسمع همسات من الشارع البعيد، صراخًا متقطعًا، ارتطام سيارات، وزجاجًا يتحطم.

حاولت أن أصدق أنني ما زلت في العالم نفسه الذي استيقظت فيه هذا الصباح... لكن لا شيء من حولي يؤكد ذلك.

تنفست ببطء، أغمضت عينيّ، وبدأت أعدّ أنفاسي لأقنع نفسي أنني بخير.

واحد... اثنان... ثلاثة...

لكن يديّ كانتا ترتجفان.

كان عقلي يرفض تصديق أن ما رأيته قبل لحظات كان حقيقيًا.

رجل يأكل رجلًا آخر.

لا أحد يصدق ذلك حتى في أفلام الرعب الرديئة، فكيف في الحياة الحقيقية؟

زحفت بخطوات مرتجفة نحو النافذة، وسحبت الستار قليلاً.

رأيت البقالة المقابلة وقد تلون زجاجها بلون الدم الأحمر.

الناس يركضون... يصرخون... يُهاجَمون من أجساد مسعورة تمزقهم بأسنانها.

كانوا يأكلونهم كما يفعل الزومبي...

بل كانوا زومبي حقًا.

أغلقت الستائر بإحكام، وأسرعت نحو التلفاز.

البث الإخباري ما زال مستمرًا، المذيع يصرخ محذرًا الناس من الخروج للشوارع.

"انتشار حالات سعار..."

سعار؟! عن أي سعار يتحدث؟ هذا ليس سعارًا بشريًا...

إنها نهاية العالم.

بعد دقائق... نهضت بتردد، كأن الأرض تحت قدمي غير مستقرة.

تقدمت إلى النوافذ، شددت الستائر بإحكام، أغلقت القفل، ثم وضعت كرسيًا أمامها - لا أعلم لماذا، لكنني أردت أن أشعر أن هناك شيئًا يحرسني.

بعدها اتجهت نحو المطبخ بخطوات مترددة.

فتحت الخزائن واحدة تلو الأخرى، أحصيت الطعام وكأنني أجري عملية حسابية مصيرية.

حليب، خبز، بعض المعكرونة، علبة تونة، قهوة، وزجاجة ماء واحدة نصف ممتلئة.

ابتلعت ريقي بصعوبة.

هذا لا يكفي.

لكن فكرة الخروج مجددًا كانت كفيلة بجعل قلبي يتوقف.

عدت إلى غرفة المعيشة، أطفأت الأنوار كلها إلا واحدة خافتة قرب النافذة.

جلست على الأريكة، واحتضنت ركبتيّ.

بدأت أستعيد تفاصيل اليوم من البداية: الأغنية، البقالة، الزوج والزوجة، الدم على الزجاج...

كل شيء حدث بسرعة كأن الزمن نفسه تعثر وسقط في حفرة مظلمة.

أغمضت عينيّ محاوِلة أن أهدّئ نفسي، لكن الأصوات من الخارج كانت تمزّق كل محاولة للسكينة.

صراخ، صفارات سيارات، زجاج يتكسر، ثم فجأة ضحكات هستيرية، أو ربما بكاء... لم أعد أميز.

كل شيء يبدو كأنه يحدث على مسافة نفس واحد مني، حتى وأنا محصنة خلف هذا الباب.

عقلي يكرر نفس الجملة بلا توقف: اهدئي... مجرد كابوس... ستستيقظين بعد قليل...

1

رفعت رأسي... لم أستطع التفكير، فقط الإصغاء.

كل لحظة تمرّ كانت تثبت أن العالم في الخارج لم يجنّ فحسب... بل بدأ يلتهم نفسه.

_______________

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين أكلتنا الأرض "when the earth ate us"

المؤلف Rahaf_yem
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة