ماذا بعد؟

ماذا بعد؟

19 0

هارو أسند ظهره إلى الجدار، واضعًا يده على ركبته، يحاول استعادة النفس الذي لم يعد يعود بسهولة.

رين سقطت جالسة على الأرض، كأن ركبتَيها لم تعودا تحملانها.

باقي الطلاب كانوا متوزعين في أرجاء الغرفة... وجوههم شاحبة، أعينهم زجاجية.

صوت العواء والاحتكاك بالخارج كان يشبه حنجرة إنسان يُسحب منها الهواء عنوة.

ثم قال أحد الطلبة بصوتٍ مرتجف «لماذا... لماذا يحدث هذا؟ كيف بدأ كلّ شيء؟ كيف خرج هذا الجحيم؟»

لم يجبه أحد.

حتى تكلّم الرجل الذي كان واقفًا قرب المكاتب، ذلك المعلم الأربعيني "ميازاكي" الذي كان صامتًا طوال الوقت... صامتًا أكثر من اللازم.

كان ينظر إلى الطاولة أمامه، لا إلى أحدٍ منا، كأنه يرى مشهدًا لم نره.

قال بصوتٍ منخفضٍ، كأنه يروي ذنبًا «كنت أعرف... بعض الشيء.»

التفت الجميع.

بلع ريقه، وأكمل:«أحد أقاربي... كان يعمل في مختبرات خاصة بتطوير أدوية فطرية. في البداية كانت مجرد أبحاث... كانوا يحاولون تعديل نوعٍ من البكتيريا لمعالجة العدوى المقاومة للمضادات الحيوية.»

سكت ثانية، والنافذة خلفه واصلت الارتجاف.

«لكن البكتيريا لم تعد كما كانت. تحوّلت... أصبحت أشبه بمخلوق جائع. كلما هاجمت خلية... استبدلتها بخلايا تشبهها. كأنها تصنع نسخة من الجسد... لكنها نسخة بلا عقل، بلا إرادة، بلا روح.»

صمت لثوان قبل ان يكمل «قالوا إنهم تخلّصوا منها. أحرقوا العينات. عُقّمت المختبرات. أغلقوا الأبواب. ولكن...»

هنا رفع رأسه نحونا للمرة الأولى.

«لم يعرفوا أن أحد العلماء كان قد أصيب بالفعل.»

تجمّد الهواء بيننا.

«عاد إلى منزله. عانق زوجته. قبّل ابنه. نام بينهم تلك الليلة.»

صوت ضربة قوية على النافذة جعل رين والفتاة الأخرى تصرخان.

المعلم لم يرمش.

«بحلول الصباح، لم يبقَ شيءٌ من البيت سوى أبواب مفتوحة... وجدران عليها دماء وجلد عليه آثار عضّ.»

طأطأ رأسه، وكأنه يخاف أن يرى وجوهنا ونحن نفهم.

«الحكومة سمّت الأمر حالات سعار... ظنّوا أنه مرضٌ نفسيّ... أو فيروس عادي. أرسلوا سيارات الإسعاف. ثم الشرطة. ثم الجيش.»

صوته انخفض حتى أصبح همسًا «وفي كل مرة... كانت الفوضى هي التي تعود»

ارتفع صوت الزومبي بالخارج... صياح ممزوج بقرقعة عظام.

كأن أحدًا يكسر شيئًا داخله بينما يصرخ.

أغلق المعلم عينيه، وقال ببطء «لم يكن هذا وباءً طبيعيًا... بل خطأ بشريّ. خطأ لا يمكن إصلاحه.»

صمت بعدها وصمت معه الجميع...

لم يكن في المختبر ضوءٌ حقيقي.

المادة الفسفورية التي تركها أحدهم قبل الكارثة في كأسٍ زجاجي كانت تلمع بضعف... كنبض مريض على وشك التوقف.

اللون الذي انسكب على الجدران كان أخضر باهت، يجعل الوجوه تبدو وكأنها أحياء نصف أحياء... تمامًا مثلنا.

جلستُ قرب الجدار البارد.

لم أكن أرغب بالكلام.

كان الكلام مكلفًا... يستهلك شيئًا من الروح، ونحن لا نملك الكثير.

هارو كان جالسًا على الأرض، ظهره ملتصق بحافة الطاولة المعدنية.

عيناه ثابتتان على الباب المغلق... كأنه يتوقع أن ينفجر في أي لحظة.

صوت النفس فقط...

ليس لأحدٍ القدرة على الحديث.

هارو قال أخيرًا، بصوت منخفض جدًا، وكأنه يكلّم نفسه: «لو كان هناك أحد... لو كان... فقط أحد يسمع.»

لم أرد.

أنا دائمًا لا أرد.

لكن المعلم اندو فعل.

قال المعلم بصوتٍ خافت، صوت رجل لا يريد أن ينهار أمام طلابه

«اسمعوني... أخي كان يعمل في مختبرٍ حكومي. كان يحدثني أحيانًا، دون تفاصيل. كانوا يستعدّون لأسوأ سيناريو قد يحدث للعالم... حرب، وباء، أي كارثة. كانوا يبنون منطقة آمنة... مدينة صغيرة داخل قبة زجاجية ضخمة. قبة لا يدخلها هواءُ الخارج ولا تخرج منها الأمراض. لكنهم لم يُعلنوا عنها... لأنها لم تكن جاهزة. على الأقل... هذا ما قاله لي.»

سكت قليلًا.

سمعنا خارج المختبر في الممر وقرب الباب سحبًا خفيفًا على الأرض... خطوات غير بشرية تتحسس الجدران.

تابع المعلم اندو كلامه، وصوته ازداد جفافًا:

«إذا كان هناك ناجون... فهم هناك»

هيرو رفع رأسه. «وأين هي؟»

ضحك أندو ضحكة قصيرة... ضحكة لا تحمل أي سعادة. «لا أعرف... ربما في الجبال. ربما في الصحراء. ربما قريبة... أو بعيدة حدّ الاستحالة.»

الصمت عاد.

أثقل من قبل.

كأن جملة "لا أعرف" هدمت الجدار الأخير الذي كنا نتكئ عليه كي لا ننهار.

أحسست بحلقي يجف.

تنفست ببطء.

ثم قلت:

«الموجات...»

رفع ميازاكي عينيه إليّ.

أكملت: «إذا كانت هناك قبة... وكانت مأهولة... فهم سيملكون أجهزة استقبال... إذا أرسلنا إشارة... قد يسمعون.»

أخيرا تحدثت رين بصوت مرتجف:

«وكيف نرسلها؟ كل شيء يبدو مستحيلا... الخروج مستحيل وارسال اي اشارة مستحيل»

اسند احد الطلاب راسه الى الجدار وقال:

«وماذا نفعل؟ نبقى هنا؟ نموت هنا؟»

ترددت الكلمات في الهواء كصفعة.

تنفّس المعلم ميازاكي ببطء، ثم قال:

«لا... ما زال أمامنا احتمال واحد. يمكننا إرسال الموجة اذا تمكنا من الخروج من هنا والوصول لمكان اعلى»

نظرتُ إليه.

الرهبة تشبه تلك اللحظة عندما يقف القلب بين ضربة وضربة.

أشار بيده ناحية الظلام... جهة الغابة خلف المبنى:

«هناك تل أعلى من كل شيء حولنا. إذا وصلنا إليه... سنتمكن من تشغيل جهاز الإرسال من هناك بعد ان نجد طريقة لصنعه. لكن...»

سكت.

الجميع فهم "لكن" دون أن يقولها.

ذاك التل... طريقه مملوء بما فقد ملامح البشر.

أما يوشيدا - معلم الفلسفة - فكان جالسًا في الزاوية... يعبث بقطعة حديد حادة قليلا.

توقف لبرهة، ثم أضاف بصوتٍ حادٍّ:«هذه مخاطرة كبيرة. قد لا يعود البعض. قد نخسر مزيدًا. لكن البديل هو التجمّد هنا والانتظار حتى يصبح الصبر موتًا بطيئًا.»

ميازاكي ــ معلم الفيزياء ــ جلس قرب الطاولة الطويلة.

فكّك جهاز إرسالٍ قديم مكسور من جهة الغلاف، كان موضوعًا ضمن خردة المختبر.

كانت يداه تتحركان بدقة غريبة، كمن يحاول إعادة نبض لقلبٍ توقف.

إلى جانبه كان أندو - معلم التقنية - يبحث في الأدراج عن أسلاك، بطاريات، قطع صغيرة قابلة للكسر بمجرد التفكير فيها.

كان يرمم... يجمّع... يقطع الأسلاك بأسنانه حين لا يجد أداة مناسبة.

كل هذا يجري بلا كلام كثير.

تقدمت رين وسألت:

«أستاذ ميازاكي... هل تظن فعلاً أن هنالك من يمكنه سماعنا؟»

لم يرفع رأسه. صوته جاء متعبًا: «لا أعلم يا...»

«رين...»

«نعم... رين... لست متأكد مما اذا كان هناك من سيسمعنا... لكن الجلوس وانتظار النهاية... أشد قسوة من الخروج لملاقاتها.»

جملته تلك تركت طعماً مريراً في حلقي.

سحبتُ نفسي من الجدار، واقتربت قليلًا.

لم أكن أفهم ما يفعلونه، لكن صوت المعادن الخفيفة، والاحتكاك، والضغط... كان مُقلقًا... لكنه مطمئن في الوقت ذاته.

شيء أفضل من لا شيء.

اقترب هارو خطوة، صوته قارع:«ومن أين نستخرج موجة قوية؟ الكهرباء مقطوعة، ومولداتنا محدودة... وكيف نبلغهم إن لم نعرف ترددهم؟»

نظر إليه ميزايكي بهدوء مرعب:«لا أضمن ترددهم... لكن المختبر يحوي أجهزة إرسال وتجهيزات قياس. علينا فقط جمع ما نحتاجه لصنع جهاز ارسال موجات قويه ونصعد به إلى نقطة عالية... التل كما قلنا سابقا. الإرتفاع يعطي خط رؤية أفضل، والإشارة تنتقل أبعد. نُرسل نبضات متتالية بصوت إنذار أو رسالة مُسجلة: اسم الجامعة - 'موقع آمن؟ ردّوا' - نكررها لساعات.

أي بث قوي ومكرر سيُلاحظ. حتى الفرق المدنية قد تراقب أطيافًا واسعة. أي جهاز استماع محترف سيلتقط نمطًا متكررًا ويولد إنذارًا. لا نحتاج لأن نكون مثاليين، نحتاج أن نكون صاخبين بما يكفي، ومن مكانٍ مرتفع.»

العملية كانت بسيطة فكريًا ومعقّدة عمليًا.

قال هارو بعد دقيقة من التفكير «خلال المدة السابقة عندما كنت اراقب من النافذة... الزومبي فقط يقلون في منتصف النهار لمدة محدودة قصيرة ولا اعلم لماذا... ربما بسبب حرارة الشمس!... لا يهم، لكن يمكننا خلال يومين جمع ما نحتاجه والبحث عن مصدر غذاء ثم في اليوم الثالث نخرج للتل»

ميزايكي أضاف تفاصيله الواقعية:«نحتاج مولد صغير أو بطاريات سيارات، مضخم صوت أو مُرسِل راديو، سلك طويل كهوائي مؤقت، وقطعة معدن طويلة نثبتها عموديًا فوق التل لرفع الهوائي. كلّ ذلك يمكن تجميعه هنا إن وجدنا المكونات. الخطر الكبير... الطريق إلى التل ينطوي على خط سير مكشوف، وممرٌ يمرُّ بجانب الغابة حيث يتجمعون. والمخاطرةُ الكبرى أن نضيئ أو نُصدر ضوضاء تجذب المزيد...»

هارو لم يبتسم. نظر إليّ، ثم إلى رين، ثم قال بصوتٍ لا يحتمل النقاش:«من يذهب؟»

خرجت أسماء بسرعةٍ غاضبة وهادئة؛ عيون تقرأ دمهم على الجميع. أحد الطلبة تلعثم وقال "أنا..." لكن صوتًا متقطعًا من رفيقه أخبره بالتراجع.

في النهاية قرّر هارو بنفسه وبصوتٍ صارم:«أذهب أنا. ومعي؟»

لم يجب احد... فقط طالب واحد رفع كفه بتردد، لكنه لم يتحدث.

وبعده المعلم يوشيدا رفع يده دون تردد.

رين جلست تبكي بهدوء. أنا شعرت بشيءٍ في قاع صدري يصرّ على النهوض.

هارو نظر إليّ، صوته منخفضًا:«إيزومي، هل ستأتي معنا؟»

لم أكن أتوقع ذلك، لكن شيئًا في صدري هتف بالموافقة. ربما لأن البقاء هنا كان موتًا مؤجلاً، وربما لأنني أردت أن أفعل شيئًا يتجاوز الخوف.

ابتلعتُ ريقي.

شعرت بالبرد يتسرب إلى ظهري، رغم أن المختبر كان مغلقًا بإحكام.

ثم قلت بعد الكثير والكثير من التردد:

«إذا كانت هناك فرصة... ولو كانت صغيرة... يجب أن نأخذها.»

ثم قال المعلم يوشيدا بمنطق بسيط ووحشي: "المسألة ليست ألفةٌ أو خطة إنقاذ مضمونة. المسألة أن نأخذ فرصةً صغيرة جدًا ونحاول. البقاء هنا يفقد معناه إذا لم نفعل شيئًا."

قال أندو بصوت منخفض: «السلك هنا مقطوع... نحتاج بديلًا.»

ميازاكي لم يرفع رأسه. «قص جزءًا من سلك المصباح هناك. لا حاجة للضوء... لسنا نراه على أي حال.»

______________ بعد يوم ______________

لم يكن الصباح يشبه أي صباحٍ عرفته من قبل.

الضوء لم يكن ضوءًا... كان لونًا رماديًا باهتًا، كأن الشمس نفسها تعبت من محاولة البزوغ.

الهواء بارد، مشبع برائحة غبارٍ ودمٍ قديم.

كنا في المختبر، جميعنا صامتون إلا رين.

كانت تجلس قرب الجدار، تضم ركبتيها إلى صدرها، وعيناها حمراء كأنها لم تتوقّف عن البكاء منذ الفجر.

لم يتحدث أحد.

لم يكن أحد يريد أن يبدأ الحديث، لكن الجوع كان يتكلّم منّا بدلًا عنّا؛ بطونٌ فارغة تصدر أصواتًا حادة، وجفاف حلق يجعل الكلمات ثقيلة كالحصى.

احد الطلاب قطع الصمت وقال بصوت خافت، كمن لا يريد أن يوقظ شبحًا: "إذا بقينا هنا طوال اليوم... سنجوع قبل المساء، ولا يمكننا فعل شيء حينها"

لم يكن أحد بحاجة إلى التذكير.

المعدة الخاوية تتحدث أسرع من أي عقل.

كنتُ أراقب هارو. كان يجلس بظهر مستقيم، كأنه متّكئ على شيء واثق لا نراه نحن. كان ينظر إلى الأرض، لكنه في الحقيقة كان ينظر إلى قرار قد اتخذه منذ ليلةٍ كاملة.

لم يكن هارو ممّن يشرحون نواياهم. كان يفعل فقط، ولا ينتظر موافقة أحد.

رفع بصره، وقال بصوت هادئ، لا يحاول فيه الإقناع ولا الاعتذار:

«نذهب الآن عبر ممرات التهوية، قبل أن يستيقظ المبنى كلّه.»

قالها بهدوء.

ببساطة.

وكأن المسألة أن يخرج يجلب ماء من البقالة المقابلة، لا أن يضع رأسه بين أنياب الموت.

ثم التفت إليّ.

لم يسألني.

لم يطلب رأيي.

قال فقط: "أنتِ معي."

قالها وكأن اسمي يتبع قراره تلقائيًا.

نظرت إليه، ولم أجد في ملامحي شيئًا أستطيع أن أقدّمه كرفض.

لم تكن لدي القوة للكلام أصلًا.

ثم جاءت اللحظة التي شقّت الصمت نصفين.

رين.

كان وجهها شاحبًا منذ أيام، لكن تلك اللحظة تحوّل الشحوب إلى كسرةٍ واضحة، كتشققات الطين اليابس.

تقدّمت خطوة واحدة فقط، لا أكثر، ومع ذلك كانت كافية لتجعل أرض المختبر تنزلق إلى شيء آخر.

«لا تخرجوا.»

قالتها أولًا بصوت منخفض، يشبه الرجاء.

هارو لم ينظر إليها.

لم ينظر إلى أحد.

كان يقوم بربط حزامه فقط.

لكن رين تقدمت خطوة أخرى، وصوتها هذه المرة خرج من شيء مكسور في داخلها:

«أرجوكم... لا تفعلوا هذا.»

لم يرد أحد.

ومع الصمت، انهارت فجأة. كأن أحدهم سحب منها العظم، وبقي جلدٌ وروحٌ تتشبث ببعضها.

صرخت:

«كايدي مات هناك! كازويا مات أيضًا! ماتوا ليحمونا! ليحمونا نحن! لا لنرمي أنفسنا إلى الجحيم من جديد! هل تفهمون؟! ماتوا ليحمونا! أنتم... أنتم تخونونهم!»

كانت كلماتها تهتز، ليست من الغضب فقط، بل من الخوف.

ذلك الخوف البدائي الذي يجعل الإنسان يلتصق بأي شيء يشبه الحياة.

تقدمت أكثر، أمسكت بذراعي، أظافرها كانت ترتعش:

«إذا خرجتي... إن خرجتما... لن تعودا. لن تعودا لي! لا يمكنني أن أتحمل موتًا آخر! لا أستطيع... لا أستطيع.»

كانت تبكي، لكن البكاء لم يكن دموعًا فقط. كان صوتًا مخنوقًا يشبه نهاية شخص.

وقفت أمامنا، وكأنها ستمنعنا بجسدها:«إذا ذهبتك... سأفتح الباب... سأصرخ... سأجعلهم يأتون! لن تذهبوا! لن تموتوا وحدكم! سنموت جميعا!!»

اقترب يوشيدا منها ببطء، كمن يقترب من زجاج مشروخ:«رين... ارجعي. نحن لا نضحي، نحن نحاول البقاء.»

لكنها كانت تصرخ، تبكي، تتنفس بسرعة، تضرب الهواء...

مثل قلبٍ احترق وهو يحاول أن يظل قلبًا.

اضطررنا... إلى تقييدها بحزام حقيبة،

وضعنا قطعة قماش على فمها كي لا تصرخ.

كانت تنظر إلينا... نظرة تشبه شخصًا يرى العالم وهو يبتعد عنه، ولا يستطيع اللحاق به.

لم تفعل شيئًا سوى الارتجاف والبكاء بصوت مكتوم...

وصوتها كان يمزّق شيئًا في صدري لم أعرف اسمه.

حين انتهينا من تثبيتها بجانب الجدار، وقفتُ، وحاولت أن أتنفس.

لم يلتفت إليّ هارو.

قال فقط:

«لنذهب.»

نظرت إلى رين مرة أخيرة.

عيناها كانتا تقولان شيئًا لم أستطع احتماله:

لا تتركوني وحدي.

لكن قدمي تحركتا رغمًا عني.

سرنا أنا وهارو نحو فتحة التهوية.

وضعنا كرسي فوق طاولة حتى نصل إليها لأنها كانت مرتفعة.

الضوء كان خافتًا... مصدره تلك المادة الفسفورية التي يضعونها في التجارب.

يكشف أشكالنا كظلال تمشي وسط غبار.

وضعت يدي على الحافة المعدنية، باردة بشكل لاذع.

عندها إلتفت هارو الي وقال بصوتٍ منخفض: "لا تقتربي مني كثيرًا... هذه الممرات لا تتحمل وزنًا كبيرًا."

هززت رأسي.

دخلنا.

الممر كان ضيقًا بدرجة مؤلمة.

الحديد يلامس كتفي من الجانبين، وكان تحت ركبتيّ بارداً، كأنه جلد ميت.

والهواء بدا ثابتًا، ثقيلًا، وكأنه لم يتحرك منذ شهور.

كل حركة كنت أقوم بها تصدر صوت احتكاك خفيف.

كنت أتعمد أن أكون بطيئة، محسوبة، وكأن الأرض نفسها ستنهار لو تجرأت على السرعة.

هارو كان أمامي مباشرة.

ظلّه يتحرك قليلًا كلما زحف، كتفه الأيسر يرتفع ثم ينخفض، ثابت، واثق...

كأنه يعرف كل شيء عن هذا المكان وكيف يتنفس.

وأنا كنت أتنفس بإيقاعٍ محسوب،

كأن الهواء أصبح شيئًا يمكن أن ينكسر.

سرنا... ببطءٍ يشبه الزحف.

كنت أمسك بيدي اليسرى خيط طويل -لنسحب الطعام به- كمن يحمل شيئًا مقدسًا لا يمكن التفريط فيه.

عندما اقتربنا من إحدى فتحات التهوية الصغيرة، تلك التي تطل على الردهة الرئيسية، توقّف هارو لحظة.

أشار بإصبعه دون أن ينطق.

تحركت إلى جانبه بحرص دون أن اقترب اكثر من اللازم، ووضعت عيني قرب الفتحة.

كان هناك... واحد منهم.

زومبي طويل القامة، جسمه مائل قليلاً، كأن عموده الفقري غير واثق أنه ما زال له وظيفة.

كان يمشي ببطء شديد، حركة بعد حركة، وكأنه يفكر، لكن ليس هناك عقل يفكر.

عيناه كانتا فارغتين، جافتين، لا يوجد فيهما شيء، لا روح، لا معنى...

فقط فراغ جائع.

ثم فجأة...

لقد كان يمشي باتجاه الدرج.

وبدون أي تردد...

سقط.

نعم.... سقط.

سقط بكل بساطة.

تعثر بقدمه... ثم تدهور على الدرج كدمية مكسورة.

حاولت أن أكتم ضحكتي.

صوت سقوطه كان مزيجًا بين الكوميديا والرعب.

نظرت إلى هارو.

كان وجهه محمرًا من محاولة كتم الضحك.

رفعت يدي وغطيت فمي، وكتمت ضحكتي حتى شعرت أن صدري قد ينفجر.

كنا نختنق... من الخوف والضحك في نفس اللحظة!!.

هارو التفت نحوي قليلًا، بعينين نصف مندهشتين ونصف مستمتعتين، ورفع حاجبه فقط...

وكأنه يقول: لا تضحكي وتكشفينا الآن.

أومأت.

كان ذلك أول صوت ضحك منذ أيام.

قصير. مخنوق.

لكنه كان حياة.

واصلنا الزحف.

وقبل أن نصل إلى قاعة الاستراحة، مررنا فوق ممر آخر، حيث كان ثلاثة من الزومبي يتجمعون حول شيء ما.

توقعت أن يكون إنسانًا.

لكن لم يكن.

كانوا يلتهمون بعضهم البعض!.

ليس لأنهم جائعون ويريدون لحم بعضهم، بل لأن أي تحرك، أي صوت، أي حركة أخرى... كانت كافية لإثارة هجومهم.

كانوا وحوش بلا هدف.

أجساد بلا قيادة.

غريزة بلا عقل.

وذلك وحده كان مرعبًا بما يكفي ليجعلني أقطع التنفس لثوانٍ طويلة.

وصلنا أخيرًا إلى الفتحة التي تطل مباشرة على قاعة الاستراحة.

المكان كان كما ترك منذ ايام.

طاولات متفرقة. كراسي مقلوبة.

أكواب بلاستيكية كانت ذات يوم تخص أحدًا.

والأهم - المقصف في الجهة اليمنى، حيث توجد الآلات الصغيرة ورفوف الوجبات.

هارو أخرج من جيبه الخطاف المعدني الصغير.

ربطه بالخيط الذي كنت احمله بيدي اليسرى.

ثم أشار إليّ أن أمسك الثقل خلفي جيدًا حتى لا ينجرف ممر التهوية أو يصدر صوتًا.

كان وجهه يبدو ساكنًا جدًا.

هادئًا.

لكنني كنت أرى تحت ذلك شيئًا آخر.

تركيز قاتل.

نوع التركيز الذي لا يسمح لأي شيء أن يحدث خطأ.

ألصق جسده بداخل الفتحة أكثر وأخرج يده ببطء.

التقط علبة ماء أولى.

سحبناها.

ثم الثانية.

ثم كيسًا من البطاطس - لا نذكر طعمها، لكن رائحتها الآن كانت تشبه الأمل.

كنت أردد في رأسي:

(لا تسقط. لا تتحرك. لا تتنفس بصوت. لا تصدر صوت. لا. لا. لا.)

بعد عدة دقائق...

توقف هارو فجأة.

أخرج شيئًا آخر من المقصف.

سكاكين.

ثلاثة.

مقبضها أسود.

الحديد فيها نظيف بشكل غريب.

نظر إليّ.

وقال بصوت خافت، بالكاد نسمعه:

«العودة ليست مضمونة.»

وأول مرة منذ بداية الرحلة...

كنت أنا من أومأ له.

ربط السكاكين عند خصره.

ثم أشار.

«نرجع.»

بدأنا الزحف عائدين...

ببطء...

بنفس الحذر...

العودة كانت دائمًا أصعب من الذهاب.

الذهاب يشبه خطوة نحو الأمل...

أما العودة فهي خطوة نحو الحقيقة.

لم يكن هناك سوى صوت الحديد تحتنا... وأنفاسنا.

حتى الأنفاس... صارت أخف.

كأن الهواء نفسه يخاف أن يسمع.

كنا نقترب من الفتحة التي تطل على الردهة الرئيسية - نفس المكان الذي رأينا فيه الزومبي يسقط من الدرج.

لكن هذه المرة... لم يكن هناك سقوط.

كان هناك صوت قريب جدا... تحتنا مباشرة.

صوت شيء يُجرّ على الأرض.

خطوات، لكنها ليست خطوات.

سحب.

وكأن قدمًا واحدة تتحرك، بينما الأخرى تُجَر خلفها.

هارو توقف.

توقفت.

لم نكن نرى شيئًا بعد... لكن الصوت كان يقترب.

جر... جر... جر...

ثم...

ظهر رأسه تحتنا مباشرة، من خلال الفتحة.

لم يكن جثة جديدة.

كان شيء ضاع بين الموت والحياة منذ زمن.

جلده مشقق، مشدود على عظام وجهه، كأنّه لم يُصنع ليبقى.

فكه يتحرك حركة بطيئة، لا يبحث، لا يشم، لا يسمع...

بل يحس.

مقلتاه كانتا موجهتين نحو السقف... نحو الفتحة... نحونا.

لم يكن من المفترض أن يرى.

لكنّه شعر بنا.

هارو لم يتحرك.

ولم أتحرك.

كنت أسمع قلبي في أذني، صوتًا يعادل سقوط مبنى كامل.

الزومبي رفع رأسه أكثر.

شق فمه.

أنفاسه خرجت كرائحة صدأ وتعفن وبرد.

ثم فجأة...

مدّ يده.

يده ارتفعت نحو الفتحة.

نحونا.

نحو الهواء الذي نحتله.

كأنّه يعرف.

أصابع ميتة، طويلة، بطيئة، لا تتراجع...

أصابع تبحث عن حياة.

هارو حرك يده ببطء شديد.

رفع سكينًا من التي أخذها.

لم يكن يستطيع أن يطعن - لأن الطعنة تعني صوت.

والصوت يعني نهاية.

لذلك... كان عليه الانتظار قليلا.

وكان عليّ الانتظار أيضاً.

اليد اقتربت من حافة الفتحة.

طرف ظفره لامس الحديد.

كنت أتنفس من خلال أسناني، وكأنني أحبس الهواء بالقوة.

شعرت بألم في صدري.

لحظة واحدة فقط تفصل بين الحياة والصراخ.

ثم...

من نهاية الردهة البعيدة...

صوت زومبي آخر يصرخ.

صرخة مجنونة، ضائعة، لم تكن تعرف هدفها.

الزومبي تحتنا استدار نحو الصوت.

تحرك...

تركنا...

سار ببطء... واندمج في الظلام.

هارو بقي جامدًا ثلاث ثوانٍ.

ثم همس دون أن يلتفت:

«تابعي.»

كان صوته هشًا لأول مرة.

كنت ازحف أسرع هذه المرة.

كانت عضلاتي ترتجف.

الخيط كان يرتجف في يدي.

وأشعر... أن الممر كله صار أضيق.

حتى وصلنا إلى الفتحة المؤدية للمختبر.

عندما انزلقت خارج الممر، ووطأت الأرض من جديد، شعرت بكل عضلة في جسدي تنهار.

استلقيت على الارض وضممت ركبتي إلى صدري وسمعت اصوات الطلاب والمعلم ميازاكي ويوشيدا وصوت هارو والجميع يسأل وبعضهم يهلل...

ثم تلاشت الاصوات رويدا رويدا... شعرت بيد تمسك كتفي وصوت هارو يقول «إيزومي... هل أنتِ على ما يرام؟»

قلت محاولة جعل نبرتي مستقرة قدر الامكان «نعم... اريد فقط أن استريح... انا متعبة»

«حسناً... أفهم ذلك»

لم أتكلم.

لكنني كنت أعرف...

إذا كان الزومبي بدأوا يشعرون من دون رؤية، فالعالم الذي نعرفه... أصبح أضيق بكثير مما ظننا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين أكلتنا الأرض "when the earth ate us"

المؤلف Rahaf_yem
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة