١٠

١٠

18 0

خلال الأيام التي تلت آخر حدث سردته، اشتعل شباب المدينة غضباً بصورة مرعبة ما زال عقلي لم يستوعبها حتى لحظة كتابتي لهذه الكلمات!

فقد بدأ الأمر بما اكتشفه نبيل عن عمليات الانتحار التي بدأ يسمع عنها خلال تحرياته؛ فقررت أن أنزل إلى الشارع معه لأفهم أكثر؛ فوجدنا أن نسب الانتحار ارتفعت في المدينة بنسبة مخيفة والمشترك بينها كلها أن من قاموا بها شباب، ومعظمهم قتلوا عائلاتهم قبل تنفيذها!

علمت أن هذا ما حذر منه عزيز – الذي وجدته ضمن من انتحروا بالمناسبة بعد أن قتل والده، ولا تعليق لدي سوى أن الوالد استحق ذلك، والشاب كان أهوجاً وغبياً وأظنه استحق العدم أيضاً كونه لم يقدر وجوده ووجود غيره – ولكني أعترف أن كل هذا قد خالف توقعاتي، بدا الأمر وكأن الشباب قد ارتكبوا في حق أنفسهم الجيل الذي يسبقهم مذبحة جماعية، ولكن لماذا؟!

ما الذي قد يغيره هذا، وأي نوع من الثورة تلك الأمور المخيفة التي يفعلونها؟!

وأذكر أن أموراً عدة حصلت خلال تلك الأيام، ولكني، ورغم علمكم أني أهوى الاسترسال والثرثرة في قص حكايتي، سأكتفي بالاختصار دون كثير من التفاصيل؛ لأن ما رأيته كان فظيعاً وأنا لا أبالغ، أفظع من أن أكتبه أو يقرأه أو يتخيله أحد!

الجزء الذي أود قصه من أحداث هذه الأيام السوداء عليكم، هو ختامها، فقد توصلت أنا ونبيل بعد جولات وأسئلة وكثير من المراقبة والأساليب الأخرى إلى أحد الذين عزموا على الانتحار، وعندما كنا مستعدَين أخبرت نبيلاً أن ذنب هؤلاء الذين أضاعوا حيواتهم بأيديهم يثقلني، وأني غاضب بشدة من تجاهل الشرطة لما يحدث رغم أنه سبب رعباً مدوياً في البلدة وأن كل ما فعلوه إصدارهم أمراً لكل المقيمين بتسليم أي شاب يبدي نية الانتحار، نعم، هذا ما حدث، هذا ما فعله جهاز شرطتنا الحبيب!

لم يكفهم دعمهم لأنظمة حكم قهرت الشباب وجعلتهم كالموتى السائرين بل جعلوهم الآن مجرمين، وبعيداً عن صعوبة الخطايا التي ارتكبوها فمن تظنونه مجرماً بحق؛ من ارتكب الجريمة أم الذي هيأ له أسباب ارتكابها؟!

كنت ولا أزال أؤمن أن كلاهما مجرم ومخطئ، لكن الآن أعلم أن اللوم لا ينبغي أن يوجه للنتيجة بقدر ما يجب أن يوجه للسبب!

وقد هدئ نبيل من روعي مؤكداً لي أننا وحدنا، وليست مسؤوليتنا حماية كل هؤلاء، بل نحن مسؤولون عمن رأيناهم يحتاجون إلى المساعدة ولم نمد أيدينا لهم، لا أحد منا قد فُرِضَ عليه لإنقاذ العالم، لكن يجب أن تكون عقيدته مد يد العون لمن يستنجد به فيه، أينما كان ومهما كان العون الذي سيقدمه، الكلمة حتى قد تغير بلاداً وتصنع عجائب وغرائب، والتاريخ يشهد، بحق الإله إنه ليشهد!

توجهنا نحو منزل هذا الذي علمنا برغبته في الانتحار، وأمام بابه نظرت إلى نبيل قائلاً: "هذه المرة يا نبيل، ستكون تلك مسؤوليتنا، إن أفلت منا ذلك الشاب فسألقي بنفسي ورائه؛ هذا أهون علي من ألا أستطيع الصفح عن نفسي!"

ربت على كتفي ورد بهدوء: "أنت تحتاج إلى الإيمان يا سيدي، لا تنس ذلك!"

-نعم...الإيمان!

=حتى ولو فشلت فلن تكون مسؤوليتك لأنك حاولت، أنت أفضل بكثير من زملائك القدامى على الأقل!

-نعم يا نبيل...أنا أفضل منهم، أنا لست مثلهم!

=دعنا إذ نفعلها، إني رهن إشارتك!

-لن نطرق الباب بود؛ لن أكرر غلطتنا مع عزيز، سنقتحم المنزل أياً كان ثمن ونتيجة ذلك، وسنمسك بهذا الشاب قبل أن يفكر في أي شيء، وسيكون عليه أن يعترف لأنه أملنا الأخير؛ هذه المحاولات الجماعية دليل على صدق ما توقعته؛ هناك رأس أفعى يجب قطعها، وإن لم نصل إلى هذه الرأس فتخيل فقط...

=سيدي، اهدأ، سننجح!

-...آمل يا نبيل...هيا، فلنفعل ما يجب أن نفعله، وما لن يفعله أحد سوانا!

حطمنا الباب ودلفنا مسرعَين إلى الداخل؛ فوجدنا الشاب قد فوجئ بحضورنا لكنه رغم ذلك شرع يركض مسرعاً أعلى الدرج؛ فركضنا وراءه إلى أن أصبحت على بعد سنتيمترات منه ثم قفزت نحوه بجسدي كله وقيدت حركته، ثم رفعته عن الأرض وطوقت عنقه بذراعي، وسألته السؤال الأهم: "لماذا أيها المجانين؟! ما الذي يحملكم على إزهاق أرواحكم؟!"

أجاب بصعوبة: "لكي تنتبهوا إلينا وتشعروا بما نعانيه، كانت الطريقة الوحيدة أن نضعكم في خضم ما نحياه، ولا يمكنك القول أنها تجربة سارة حسبما أفترض!"

-لا تمارس هذه الألاعيب معي الآن!

=لكني لا أمارس أية ألاعيب، أنتم من تمارسونها مع أنفسكم، نحن أحكمنا خطتنا وتعلمنا قيمة التضحية من أجل الأجيال القادمة، لم نشعر بمعنى لحيواتنا بقدر ما نشعر اليوم!

-تشعر بمعنى حياتك بإنهائها؟!

=من رحم هذه النهاية تولد بداية جديدة، وهذه الصدمة التي نقدمها للناس اليوم هي الهدية والخلاص الذي سيخرجهم مما هم فيهم ويعيد إليهم مشاعرهم ووعيهم...

-وهل تراه حقق شيئاً الآن؟!

=...الأمور العظيمة تأخذ وقتاً...

-كم منكم عليه أن يموت إذن في سبيل إيصال رسالتكم النبيلة؟!

=اسخر كما شئت...

-أنا لا أسخر أيها الأحمق بل أتفهم كل ما تفعلونه، لكنه جنون خالص!

=...لا أحد يفهمنا على الإطلاق!

-دعك منهم؛ لا أحد فيهم يرى أبعد من نفسه...أنا أفهمك...لكن أرجوك ألا تفعل هذا؛ أنت لا تصبح هكذا قدوة لمن سيأتون لاحقاً لأنكم توجهون جهودكم بشكل خاطئ، أنتم بما تفعلون تحاربون أنفسكم وحسب، ولا أحد يريد أن يأبه لكم مهما فعلتم وهذا واضح وجلي، كف عن إنكار هذا واطرد هذه الفكرة من ذهنك، أقسم لي أنك لن تنفذ هذا وسأفلتك!

=...أقسم لك أني لن أفعل!

أفلته بالفعل، ثم سألته مسرعاً وقد أشرت لنبيل أن يقف خلفه فوراً كإجراء احتياطي: "هل ستعطيني أية معلومات عن زعيمك؟ علي أن أقابله يا فتى قبل أن يموت المزيد منكم!"

ازدرد لعابه ولم يستطع الرد؛ فأكملت حديثي: "لا بد أنكم أتباع له، يمكنكم الاجتماع عنده قبل قدومي إليكم لتطمئنوا أني لن أؤذيه."

=ومن يضمن أنك لن تأتي مع الشرطة مجتمعين؟!

-لأني لست من الشرطة يا فتى! إن كان زعيمك يظن أني ضابط موكل بإيجادكم مثلاً فأنا أحفظ هذه السيناريوهات، أخبره أني استقلت من العمل لديهم منذ وقت طويل، ولن أفكر أبداً في تقديم العون لهم مجدداً!

=...إن كان ما تقوله صحيحاً فهو خطير، لم عساك تصارحني به وكيف لي أن...

-أن تثق به؟! أليست الشرطة من أصدر أمراً بتسليم من ينوي الانتحار؟ لم لا أسلمك إذن؟!

=ماذا لو أنك تخدعني؟!

-اللعنة يا فتى، أرجوك ألا تعقد الأمور علي، ألا يمكنك أن تفهم أني أريد مصلحتكم؟!

=...أنت تعرف أني لا أستطيع الثقة بك!

-فقط اجعله حتى يقابلني هنا إذن في بيتك...بالمناسبة، أين...

=ماتوا، أنا أحيا وحدي، وقوت يومي أجنيه بصعوبة!

-...أنا حقاً آسف لسماع هذا!

=...لا يمكن له أن يأتي بأية حال.

-اجعله يراسلني عبر الهاتف اللعين إذن!

=لكي تتتبعه بأدوات تحديد المواقع...

-أخبرني أين هو أيها الأحمق قبل أن يموت المزيد منكم، أنتم مجرد متسرعين قد استعر بكم الغضب وتقاتلون عدواً قاتلاً دون أن تكون لكم أدنى فكرة عن كيفية مقاتلته! حرمتم المدينة من الألوان وقتلتم أنفسكم ظانين أن هذا سيغير شيئاً و ما زال لديكم صبر وأمل! أليس ما يزعجكم بشأن جيل الكبار غرورهم وظنهم أنهم يعلمون كل شيء ولديهم حق التحكم بكل شيء؟! فلم عساكم تفعلون مثلهم وتتمردون على آراء غيرهم؟! أنا لا أريد إلحاق الأذى بزعيمك اللعين أو تسليمه أو احتجازه أو قتله أو أياً مما يدور بخلدك من هراء...

كنت قد انفعلت جداً وأنا أتحدث فاقترب مني نبيل محاولاً تهدئتي، وبعد بضع ثوان التقطت فيها أنفاسي تابعت، وقد لاحظت تغير ملامح الشاب دلالة أنه يفكر في كلامي: "لا تكن غبياً ومتعجلاً أنت ورفاقك، إن ما تفعلونه بهم يستحقونه بل وأكثر منه، لكنكم بفعلكم ما تفعلونه الآن تخسرون الصراع...أرجوك يا فتى، علي التحدث معه، أخبره أني آت وأعلمني بمكانه أو دعه يختار مكاناً مليئاً بالناس أو..."

=يوم (...)، الساعة العاشرة مساءً في (...)، هو يحب التواجد هناك للتمشي، سأخبره أنك قادم إليه!

-...أقسم لي أنه لن يكون فخاً، لا تثر غضبي!

=ليس فخاً، أقسم لك!

-...وأنا أقسم لك الآن أني أشعر بك، وأرى دخان أرواحكم التي تحترق، أرجوك أن تنام الليلة وأنت على علم أن أحدهم يفهمك، ولا يود التقليل منك أو قهرك والسيطرة عليك؛ سيحدث هذا فرقاً حسبما آمل!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نوار

المؤلف محمد تامر
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة