أتى دور نبيل ليخدمني مجدداً، ولم أتوقع منه تقصيراً أو مماطلة ولم يحدث منه بالفعل أي منهما؛ فقد أسرع بتلبية طلبي وأتى لرؤيتي؛ فحكيت له ما حدث باختصار وكيف أن معتوهاً بنظارة شمسية راوغني وأفلت مني، وأني وجدت الشمبانزي الجديد الذي سيعوض مطاردتي له؛ فضحك وهو يسألني عن دوره الذي سيؤديه والذي طلبته من أجله؛ فأجبته أنه سينزل إلى الشوارع مجدداً ويتحرى لي عن هذا الشاب الغامض وأعطيته أوصافه بالطبع بقدر ما تذكرت – ومن حسن الحظ أني تذكرت أموراً كثيرة أهم من النظارة الشمسية – وكان هذا كل شيء قبل أن يرحل واضطر لانتظاره مجدداً ليعود إلي بأخبار جديدة.
والانتظار صعب، والصبر ليس فضيلة يسهل تعلمها، رغم ذلك فهي تقريباً الفضيلة الأقوى التي يمكنها جعلك منيعاً ضد أفاعيل الحياة؛ لأني أؤمن أن نسبة كبيرة من آلامنا لا نقدر على مجابهتها لأننا لا نستطيع الصبر عليها، و...
ومر يومان قبل أن يعود نبيل، وهذه المرة عاد بأفضل مما توقعت حتى!
فقد اتضح أن هذا الشاب ليس محترفاً على الإطلاق بحق، وإنما لم يكن أحد قبلي يأبه لأمره وحسب، وهو، حسب كلام نبيل، شاب متمرد قاس يسيء معاملة والده، بل وكثيراً ما يتحدث عن نيته لقتله، وحاله الذي رأيته عليه ليس جديداً سوى علي؛ فكثيراً ما يراه الناس يتجول بنظارته وحقيبته تلك ولكنهم بالطبع لا يسألونه إذ أن الأمر لم يبد غريباً بالنسبة لهم، وأظنني كنت سأقول مثلهم لو أني لم ألمح المدية في يده وألحظ أنه كان يفعل شيئاً ما لا يود أن يراه أحد، شيء لو أني لم أتعجل وأتصرف بحماقة لكنت اكتشفته!
ولم أضيع لحظة بالطبع، وطلبت من نبيل أن يأتي معي لنذهب إلى منزله ونقرب الزاوية أكثر؛ فوافق دون أدنى تردد.
ليتني عرفتك في أيام عملي يا نبيل؛ كنت لتوفر علي عناء كبيراً!
انطلقنا مسرعين بالفعل، وعندما وصلنا طرقت الباب وانتظرنا الرد، وبعد لحظات سمعنا وقع أقدام يقترب من الباب ويبتعد مجدداً بسرعة؛ فنظرت إلى نبيل لأجده يشاركني قلقي الذي زاد بعد أن سمعنا ضجة تأتي من الداخل وأصوات شجار تبدلت بعد ثوان إلى أصوات تطلب النجدة؛ وهنا زادت حدة توتري بالطبع فركلت الباب بقدمي بقوة محطماً إياه ثم دلفت إلى الداخل وتوجهت بسرعة نحو مصدر الأصوات؛ فوجدت الشاب – دون نظارته الشمسية هذه المرة – وقد احتجز رجلاً استنتجت بسهولة أنه والده كدرع بشري ووضع سكيناً على عنقه؛ فشهرت مسدسي بحركة غريزية محذراً إياه فقال ساخراً موجهاً كلامه إلي: "أرني الآن كيف ستجرؤ على لمسي أو إطلاق النار علي، إن اقتربت نحرت عنقه!"
سهل جداً أن تتخيل مقدار التوتر الذي ساد المكان بالطبع، الأب يكاد قلبه ينفجر من شدة الرعب وقد ارتسمت على وجهه نظرات أدركت بخبرتي سريعاً أنها نظرات بها نوع من الندم، ووقف نبيل متحفزاً لا يدري ما يفعل لكن التوتر كان بادياً على وجهه بالطبع، ولم يكن توتري بأخف منهم على الإطلاق بل وكان توتراً مركباً؛ فجهلي بالشاب ووالده وسبب ما يحدث وخوفي من الفشل في إنقاذ الرجل وترقبي لكل حركة قد يقوم بها هذا المجنون، كل هذه كانت لتفجر عقلي لو أنني لم أكن متعوداً على التعامل مع مواقف كتلك من قبل، ومع ذلك لا أنكر أنه قد أصابني توتر وقلق شديدين نتيجة بعدي عن الميدان لوقت طويل، ولكي أكسر حالة التوتر الجماعي تلك ألقيت في وجهه الأسئلة البديهية لموقف مثل هذا: "من أنت أيها الشاب وما حكايتك، وما الذي كنت تفعله منذ بضعة أيام في الباحة، وكيف تجرؤ على فعل هذا بوالدك؟!"
أتى رد الشاب ساخراً كما توقعت: "تبدو ذكياً جداً لدرجة أنك ربما تستطيع حل هذه الأسئلة بنفسك!"
حاولت تهدئة نبرتي: "اسمع يا بني، لا أريد لأحد أن يتأذى، ولا أعرفك حتى لأقرر ما إن كان يجب أن أقف في صفك أم لا، لكن ما تفعله لا يبشر أنك شخص صالح!"
=تقف في صفي؟! لا أحد يقف في صفي طوال حياتي، من أنت لتفعل شيئاً مختلفاً؟!
-لماذا؟ لماذا قد لا يود أحد أن يقف في صفك؟!
=لأن هذا ما تريدوننا أن نفعله وأن نكونه؛ خدم لأحلامكم ورغباتكم!
وإثر كلماته تلك شعرت أن جزءاً ما بداخلي قد تفهم من نبرة حديثه شيئاً رفض توضيحه لعقلي؛ فوجدتني تلقائياً قد وضعت مسدسي على الأرض بجانبي وقلت له بهدوء تام هذه المرة: "أنا لست هنا لأكون ضدك وإنما أريد أن أنصر الحق دون أن يتأذى أحد، يبدو أنك تريد قول شيء ما لا يستمع إليه أحد أو يأبه له، أليس كذلك؟!"
كأن قوة خفية داخلي جعلتني أسأل هذا السؤال!
ولاحظت أنه قد بدأ يهدأ هو الآخر وهو يرد: "لا شك أنك ضابط، بأية حال فهذا لا يخيفني..."
-لم أقل أني هنا لإخافتك أو ظلمك!
=لكن أليس هذا ما تفعلونه دائماً؟!
-الظلم حتمي في كل جزء من أجزاء الحياة!
=هه! غريب أنك تقول هذا، لكن يبدو أنك مختلف بعض الشيء عنهم!
-تحدث يا بني، لا نريد أن نضيع وقتاً، وأفلت والدك أرجوك.
=لكي تتعاونوا ضدي وتكبلوني ب...
-تحدث إذن ولا تفلته، لكن أسرع، لا أحب هذه الأجواء وتوترها!
=إن هذا الرجل الذي يفترض أنه والدي قد جعلني أحيا أسوأ أيام حياتي؛ فما وجدته أبداً بجانبي عندما احتجت إليه، ولا وجدته لي مشجعاً ومعيناً لي على مواجهة زمني...
اعترض الرجل من بين دموع خوفه: "كيف لك أن تقول عني هذا وقد أنفقت عليك..."
احمر وجه الشاب وهو يرد بغضب هادر أعادنا لنقطة البداية: "إياك والحديث عن أموالك اللعينة تلك! كل ما أردته مني أن أكون ظلاً لك ولوجودك الحقير على الأرض، قهرتني وأذللتني ومنعت عني أحلامي وسعادتي، وكثيراً ما نهرتني وآذيتني نتيجة لكل صغيرة وكبيرة، وفعلت بي ما لن أحيط به كله مهما تحدثت، والآن انظر إليك وأنت ضعيف ذليل مهان على بعد خطوة واحدة من الموت ولا زلت تنكر..."
قطعت حديثهما وقد شعرت حينئذ أني فهمت الشاب جيداً بكلمات وجهتها إلى الأب: "أنت لست بريئاً من هذا، هذه القصة تتكرر في كثير من البيوت كل يوم بسبب أمثالك، أنت من جعلته هكذا!"
وقبل أن يعترض بكلمة واحدة منعته بإشارة من يدي، ثم وجهت كلامي إلى الشاب سائلاً إياه عن اسمه؛ فأجاب أن اسمه عزيزاً؛ فأمرته بهدوء: "أفلت والدك يا عزيز، أنت تعلم أني لن أفعل شيئاً لذا أرجوك أن تفلته بسرعة لنكمل حديثنا!"
وهذه المرة استجاب الشاب لأمري ببطء وأفلت والده، وعندها أشرت له – أي والده – ليخرج من الغرفة التي كنا فيها، وبالفعل لم يعد سوانا نحن الثلاثة بالداخل؛ فسألته: "لم تخبرني بعد ما أمر الحقيبة وماذا كنت تفعل في الباحة!"
تنفس بعمق وأجبني برد غير شاف ومتوقع: "لا أستطيع إخبارك، وتعاطفك المزعوم معي لن يجعلني أتحدث بالمناسبة لئلا تظن نفسك ذكياً!"
-ومن قال أنه مزعوم يا عزيز؟! أما زلت تظنني هكذا حقاً؟! أتظن أن كوني من الشرطة يمنعني من التعاطف مع مأساتك والشعور بها، أو من إدراك أن الجهل المتوارث في مجتمعاتنا يخرج لنا آباء أسوأ من والدك هذا كل يوم؟!
=أتعلم؟ أنت حقاً لست مثلهم وهذا غريب!
-ألهذه الدرجة؟! أصبح وجود من يتفهمك ويتعاطف معك غريباً عليك؟!
=أنت تعلم أني لست الوحيد الذي يعاني من هذا، جيلنا بالكامل قد قهره كل شيء من حوله؛ أهله ورفاقه وحكومات بلاده والمؤثرات المعنوية الخارجية التي نتعرض لها، لقد خلقنا لنُحطم ليس إلا، ولنحيا حياة لا نكهة لها أو لون!
-ليتني أستطيع فعل شيء من أجلكم...
=كلا، لا بأس، يكفي أنك فهمتني!
-أما زلت لن تخبرني شيئاً عن يوم الباحة إذن أو تلمح للأمر حتى؟ أهناك شيء يمنعك من الحديث؟ أنا لا أحب أن أنام بأسئلة تؤرقني وتحيرني يا عزيز، ولا بد أنك تفهم شعوري!
=...أنا حقاً لا أستطيع!
-أنت تعلم أني لن أخرج من هنا دون إجابات!
=وأنت تعلم أني لن أنطق بكلمة مهما تفعل أو تقول!
تنهدت بقوة وساد الصمت بضع لحظات تبادلنا فيها نظرات متحدية، وفكرت خلالها فيما قال وحللت كلامه سريعاً؛ وقادني فِكري إلى فرضية غريبة استبعدت أن تكون صحيحة، لكني كسرت الصمت بطرحها أمامه بأية حال: "ألك علاقة باختفاء الألوان يا عزيز؟! واعتبر هذا سؤالاً إن لم أحصل على إجابة كافية له فإني سأتخذ معك إجراء لن تحبه!"
ولدهشتي؛ تغيرت ملامحه وكستها دهشة غريبة؛ فضحكت وأنا لا أصدق حقاً أن فرضيتي كانت صائبة، ثم غمزت سريعاً لنبيل ففهمني وأسرع ليمسك به بقوة من الخلف متجاهلاً مقاومته، ثم انحنيت لألتقط مسدسي مجدداً وأقترب منه قائلاً: "تحدث يا عزيز، تحدث لأني أريد للأحداث القادمة أن تكون حقاً في صالحك!"
رد غاضباً: "كان علي ألا أثق بأمثالكم حقاً!"
-لكن ما أفعله الآن لا يغير شيئاً مما قلته يا عزيز؛ ما زلت مؤمناً بكل ما نطق به لساني أمامك، لكن عليك أن تعلم أني أفعل كل هذا الآن لمصلحتك؛ إن الاعتراف لي سيكون أهون بكثير من الاعتراف لغيري، لا أريد أن نصل لهذه المرحلة!
=لن أفعل، اقتلني إن شئت، أخمد صوتي كما أخمدتم أصواتاً كثيرة من قبلي، لا يهمني!
-أنا لا أريد إخماد صوتك أيها الأحمق، أعطني أي شيء أسجله كاعتراف، تحدث أيها الغبي ولو بالتلميحات!
=...لن تستطيعوا قهرنا إلى الأبد، نحن نعلم كيف سنوقظ المجتمع من سباته العميق...
-لكني لا أرى أن حرمان المجتمع من الألوان قد جعله يستيقظ يا عزيز، وإنما جعلك ببساطة متهماً في جريمة إلحاق الضرر بأكثر من ألف مواطن!
=لا بأس، إننا نخطط لزيادة الضغط عليهم في الأيام المقبلة بطريقتنا!
وهنا شعرت أني سمعت كل ما أحتاج إلى سماعه، وشعرت أني حللت ثلث اللغز، وحصلت على إجابة مرضية بعض الشيء لسؤال "لماذا"، وتبقت لي إجابتين لسؤالي "من" و"كيف"؛ فوجهت سؤالي له: "أود إذن أن أقابل زعيمكم هذا الذي جمعكم على هذه الأفكار، أنا متأكد أننا سنجد موضوعات كثيرة نناقشها سوياً، وأرجو أن تسرع لأن الأمر حقاً أصبح يشبه الأفلام الأجنبية والروايات!"
بدت على ملامحه الدهشة مجدداً لبضع ثوان، لكنها سرعان ما زالت هذه المرة وهو يرد: "لن أتحدث، افعل ما تريده لكنك تعرف أنك تضيع وقتك معي هنا، في خلال الأيام القادمة ستحدث أمور كان عليها أن تحدث منذ وقت طويل، وسيتغير كل شيء، ولن أتفوه بحرف عن هذا الأمر أيضاً مهما كان ما ستفعله!"
ظللت أحدق في وجهه لبضع ثوان وقد خلا وجهي من التعابير، ثم أمرت نبيلاً أن يفلته، وقلت له بنبرة جادة مخيفة هذه المرة: "أنا بالفعل لن أضيع وقتي معك، وأنت لست لدى الشرطة الآن تُهان وتعذب وتُستجوب بأعنف الأساليب إلا لأنني أريد ذلك، وآمل ألا أجدك مجدداً في خضم أية أحداث غير سارة، وأياً كان ما تفعله أوقفه، ولا ترفع يدك على أبيك مجدداً لأن ما فعلته ما زال خاطئاً أياً كانت مبرراته، ولا تتهمني أني لا أفهمك أو أشعر بك، لكن هذا الغضب الذي يسوقكم كالبهائم لن يجعلكم تغنمون شيئاً، لقد حذرتك يا عزيز، وفي المرة القادمة لن أكرر تحذيري!"
بدا على وجهه القلق هذه المرة لدرجة أني أشفقت عليه؛ فخرجت ونبيل مسرعين دون أن ننتظر منه رداً، وفي الطريق أخبرت نبيلاً بما فهمته بالضبط؛ إن هوس التقليد لدى الشباب عندما يختلط مع القهر البدني والفكري والنفسي الذي يعانونه يجعلهم يبحثون عن حرية أو انتصار – حتى لو كان زائفاً – بين ثنايا حكايات الأمم السابقة، أو أدب وسينما الثورة؛ والسيناريو البديهي والواضح أن هؤلاء مجموعة من الثوار الشباب تجمعهم صفات ورغبات وأفكار مثل ما قد يُوصف به عزيز، ومن البديهيات السهلة جداً أن لديهم رأس غول يدبر شؤونهم ويفكر نيابة عنهم ويضع خططاً لهم، وبطريقة ما استطاعوا فعل شيء تسبب في ضياع الألوان من المدينة وإصابتنا بعمى الألوان الجماعي هذا، ورغم أني لا أفهم طبيعة ما فعلوه إلا أني أظن أني أدرك رمزية الأبيض والأسود، وتفسيرها سهل لدرجة أني لا أحتاج حتى لتوضيحه، أطلق العنان لخيالك يا عزيزي القارئ!
لكني شرحته لنبيل بالطبع!
بأية حال، انتهت أحداث هذا اليوم بأني، فور عودتي إلى المنزل، طلبت من نبيل أن يراقب الشاب سراً؛ فهو دليلنا الوحيد إلى أن يجد جديد، وأخبرته أيضاً أن يكمل تحريه في الشوارع بدءاً من الغد؛ فما قاله عزيز عن الأمور التي ستحدث قد أثار قلقي الشديد؛ فما الذي قد يفعلونه للضغط علينا كي نسمع صوتهم ونمنحهم حقوقهم أسوأ من إخفائهم الألوان من عالمنا؛ ليجبروننا على رؤيته كما يرونه؟!
الرب وحده يعلم، وربما سيعلم نبيل شيئاً من تحرياته خلال الأيام المقبلة.
سنرى...
سنعلم...
سنفهم...
سنكشف...
محمد تامر