٢

٢

24 0

سبق وأخبرتكم أن رفاقي القدامى كثيراً ما يطلبون مساعدتي سراً في بعض الأمور، ومن هذه النقطة سنبدأ الحكاية، ولنأمل أن تسعفني ذاكرتي على الأقل بتذكر الأحداث الهامة – رغم أنها صعبة النسيان بل شبه مستحيلة كما سترى في المذكرات المقبلة – واغفر لي نقص بعض التفاصيل مما أقص عليك، وأرجو بالطبع ألا يفسد هذا عليك متعة الحكاية.

هه...متعة الحكاية، أنت تقرأ أحداثها لتستمتع بها وأنا عشت أقسى وأشق أيام حياتي حينما عاصرتها!

بدأ الأمر حينما اتصل بي أحد زملائي – ولا أنعتهم بأصدقائي لأنهم لا يذكرونني إلا حينما تدفعهم حاجة لذلك، وهذه ليست سمة أريدها في صديق لي – وقد أغدق علي بالمجاملات والأوصاف الطيبة التي لا أتمتع حتى بنصفها، مقدمة واستهلال رائع ومعتاد من أمثاله لجملة: "أود أن أطلب منك خدمة"!

وبصراحة، لا أخفي أنني كنت في هذه الفترة قد بدأت أُعَوِّدُ لساني على قول "لا"؛ لأنها منجية الإنسان في هذا الزمان، وكررت رفض طلبات كثيرة بالفعل من زملائي؛ إذ أني لم أرد حقاً أن أربط نفسي مجدداً وقتئذ بأعمال التحقيق والشرطة، وكنت أعاني اكتئاباً شديداً نتيجة ما حدث بشأن الألوان ونتيجة أمر آخر لا أود ذكره الآن؛ وقد تفاقم وتعاظم هذا الاكتئاب فغدا أزمة وجودية مهلكة لعقلي، وجاعلة إياي فاقد المشاعر والأحاسيس تقريباً؛ ما عدت أشعر بلذة الأدب أو أستطيع تذوق الجمال من حولي، ورغم أن هذا كله طبيعي بالنسبة لما نحياه لكنه كان زائداً عن حده عندي، أقسم على ذلك!

وإثر كل هذا ورغم خدري الانفعالي الذي يفتك بروحي قررت أن أقبل؛ عل خدمته تلك تمنحني مغامرة جديدة قد تعيد إلي صوابي وتذكرني بقيمتي وتعرفني مجدداً على ذاتي وترد إلي مشاعري...إلخ!

تحدث شارحاً طبيعة المهمة؛ أرادني أن أتحرك بشكل سري بصفتي مدنياً – رغم أن بعض مجرمي الشوارع يتذكرونني من الأيام الخوالي – وألقي القبض على لص، ولم يكن اللص من فئة المبتدئين بالطبع ولم أظن ذلك عندما وصفه لي كأنه شيطان مريد، وراح يرمي كلمات بشأن كونه تابعاً لمجموعة إرهابية ويحاول سرقة أشياء لهم وأمور أخرى من هذا القبيل...وهنا شعرت أنه يبالغ!

وهذه ليست المرة الأولى التي يطلب مني فيها القبض على مجرم دولي يتضح في النهاية أنه سارق شطائر من فصول المدارس!

لكني طاوعته بأية حال فمن يدري؛ لربما كان محقاً هذه المرة، رغم أن شكوكي لم تزل عني بسهولة بالطبع.

أعطاني بقية التفاصيل، وأماكن ومواعيد تواجده وخطوط سيره، وشعرت نوعاً ما أنه يعبث معي إذ أن الإمساك به بدا سهلاً جداً من وجهة نظري، لكنه أخبرني أنه سريع البديهة ويكشف الضباط الذين يحاولون القبض عليه كل مرة؛ وهنا أصبح الأمر شيقاً بالنسبة لي؛ فقبلت المهمة، وأغلقت المكالمة بعد أن أكد علي أن أتصل به بعدما أمسك به وأحتجزه ليأتي ويتسلمه، ثم نمت.

مجموعة إرهابية...بالطبع كان بديهياً أن أشعر أنه يضخم الأمور؛ فأنا كنت مع الشرطة يوماً ما وأعلم كيف تسير الأمور، وأعلم أنهم لا يحمون إلا أنفسهم ومصالحهم، أما الشعب فهو نكتة رخيصة عتيقة عندهم، وبأية حال من العبقري الذي سيشن هجوماً إرهابياً على بلدة أصبحت كأنها فيلم قديم من عهد السينما الصامتة؟!

لربما أقتنع إن قال أنه يعمل على كشف مجموعة إرهابية تسببت مثلاً فيما حدث للمدينة، لكن حتى هذا الأمر تجاهلوه تماماً كأنه لم يكن؛ وهذا ما يجعلني أستثقل تصديق الشرطة وأشعر دائماً أنهم يخفون أكثر مما يبدون.

بالفعل في اليوم التالي ذهبت حيث نصحني زميلي الوغد هذا وقد دسست مسدسي في جيبي، المفترض أنه مقهى مفتوح وعلي أن آخذ طاولة في مكان استراتيجي أستطيع من خلاله تحديد هوية رجلنا من خلال الأوصاف التي أعطانيها زميلي الوغد أيضاً، وعندما فعلت هذا رحت أجول ببصري في المكان وأنا أدعي الاستمتاع بشرب قهوتي، روتينيات اعتدتها في عملي القديم، لكن ما لم يكن مألوفاً لدي في عملي القديم بصراحة هو أنه، بمجرد أن التقت عيناي بعينيه؛ قام يركض هارباً!

ولا أخفي أني من الدهشة فغرت فيَّ وفتحت عينيَ عن آخرهما، لكني قاومت دهشتي واعتمدت على غريزتي وسرعة ردود أفعالي؛ فشرعت أركض مطارداً إياه بسرعة من يهرب من مصيره إن لاح له في الأفق، ولم يكن هنالك وقت بالطبع للالتزام بالأخلاق النبيلة ومحاسبة صاحب المقهى، ورؤيته – هو ورواد المقهى كلهم بالطبع – لي أركض هكذا تقودهم لاحتمالين؛ إما أني ضابط أطارد مجرماً، أو أن كلانا نعمل في حقل المخدرات والممنوعات وغيرهما ونطارد بعضنا لمجرد أن بيننا سوء تفاهم، ومن الرائع أن الاحتمالين يقودان إلى نتيجة واحدة: أني لن أضطر لمحاسبة صاحب المقهى!

بينما كنت أطلق ساقيّ للريح دارت بخلدي أفكار وأسئلة بالطبع، لكن سؤالاً منها استحق أن آخذه على محمل الجد أكثر مما سواه: لماذا هرب عندما رآني؟ لا بد أنه يعلم أني ضابط وهذا قادني لسؤال أصعب تتعدد احتمالات إجابته: كيف له أن يعرف أني ضابط؟!

حسناً، هنالك طريقة قد تفلح لأعرف كل هذا؛ أن أمسك به وأسأله بنفسي!

ربما سيكذب أو لن يتحدث أصلاً، لكنها الطريقة الوحيدة أمامي لأجيب هذا السؤال الذي كاد يصيبني بالجنون قبل أن أنهي مطاردتنا الممتعة تلك حتى!

إن هذا الوغد يركض كالهر ويحفظ الشوارع الجانبية كأنها منهجه الدراسي في عامه الدراسي الجامعي الأخير، غريب حقاً أنه ماهر إلى هذه الدرجة!

ربما لم يكن زميلي الوغد يبالغ!

عندما كدت أمسك به وجدته فجأة يتعلق بأفاريز نوافذ منزل بسيط في أحد الشوارع وبشقوقه البارزة ويتسلقه كالقرد، وهذه أكثر فئة أكرهها من اللصوص: الفئة التي تهوى ألعاب Assassin's creed!

لم أكن على نفس القدر من الرشاقة لكني حاولت لئلا يكون مظهري محرجاً أمام قرد الشمبانزي هذا؛ فتقمصت بدوري دور غوريلا وشرعت أتعلق بنوافذ المنزل وشقوقه ببعض من الجهد والمشقة، وساعدني الأدرينالين كثيراً لأعتلي سطحه أخيراً بعد مجهود أليم لكنه لم يكن بطيئاً لحسن الحظ؛ فوجدته واقفاً يلتقط أنفاسه وقد نزلت عليه السكينة ظناً منه أني لن أستطيع مجاراته، وقد أفزعته رؤيتي مجدداً فركض نحو حافة المنزل وقفز منها إلى سطح البناية المقابلة المنخفض عنه، وتدحرج لبضع ثوان قبل أن يقوم ليحاول استعادة توازنه.

وقد كانت القفزة كبيرة حقاً ولم يكن لدي أمل في تنفيذها على الإطلاق، وراح عقلي يبتدع سيناريوهات رائعة وشيقة أهمها اصطدام رأسي بجدار المنزل بدل التمسك بحافته وسقوطي صريعاً بعد ذلك؛ وقد كان هذا السيناريو رائعاً بالنسبة لشخص مثلي لا يرى جدوى من حياته ولا ينتابه فيها الشعور بأي شيء، ها هي فرصتي قد أتتني على طبق من فضة، سأقفز إذن وليكن ما يكون!

وبالفعل استجمعت كل قواي وشحذت همتي، ثم ركضت نحو الحافة وأطلقت جسدي كله للريح هذه المرة؛ آملاً أن أموت، لكني للأسف ما زلت أخط لكم نصوص هذه المذكرات بيدي حتى اللحظة!

أكملت القفزة بنجاح لم أصدقه، وتلاحقت أنفاسي بسرعة رهيبة، لكني أردت حقاً لهذا الأمر أن ينتهي؛ فاستللت مسدسي وأطلقت رصاصة سريعة بين قدميه، ومن سوء حظه أني كنت جيداً في الرماية، ثم قلت له: "حتى لو كنت ستطير في الهواء هذه المرة، تعلم الآن أني أستطيع بسهولة أن أفجر رأسك من موضعي هذا؛ لذا توقف ودعنا نتحدث كرجلين راشدين!".

ولمفاجأتي وصدمتي وجدته قد توقف بالفعل وهو ينظر إلي بعينين دامعتين مناشداً إياي ألا أقتله: "أرجوك يا سيدي، الأمر ليس حقاً كما تظنونه، أعلم أني أجرمت وأخطأت لكني لا أستحق أن أُقتل!".

عقدت حاجبيّ وسألته: "نظنه؟ أنت تتحدث عمن أفلتت منهم قبلي إذن، ويبدو أنك فعلت شيئاً فظيعاً جعلهم يحاولون قتلك!".

=ليس فظيعاً حقاً يا سيدي، أقسم لك، لو أنكم فقط تستمعون إلي...

-كيف أثق بك وقد عرفت أني ضابط بمجرد أن التقت عيوننا؟! أنت لا تبدو بسيطاً كما تدعي!

=لأنني حفظتكم! أنت عاشر ضابط يود قتلي، وتصرفاتك كانت واضحة جداً بالنسبة لي؛ كنتَ بكل بساطة تتوقف بعينيك عند كل شخص لبضع ثوان وهذا يعني أنك تقارنه بأوصاف محددة في ذهنك...

-اللعنة، أنت حقاً ذكي!

=وبريء أكثر مما تظن يا سيدي!

-لكن الذكاء غالباً لا يكون دليلاً على البراءة!

=اعتبرني استثناءً واستمع وحسب، أرجوك!

-...تحدث.

=كل ما حدث أني حاولت سرقة عدستين ملونتين من أحد الأثرياء الذين يعملون في صناعتها وبيعها، عدستين فقط من مخزون كامل وقد كُشِفت؛ فهربت دونهما، وغضب هذا الرجل بشدة حسبما استنتجت، ولا بد أنه يطالب الشرطة الآن بقتلي وهم يستجيبون بالطبع لأنهم لا يستطيعون الوقوف في وجه الأثرياء...

وقبل أن يكمل حديثه دفنت وجهي في كفي، وأخذت بضع خطوات على السطح وأنا أضحك، وعندما قطع كلامه ليسألني ما بي أجبته: "نظريتك صحيحة، أنا أعتذر منك، أنا حقاً آسف لك وآسف أني وثقت بما أُخبرت عنك، كان علي أن أعلم أن الشرطة لم ولن تتغير على الإطلاق، وأنها مجرد جزء من هذه اليوتوبيا الحقيرة التي تسعى إليها الحكومات على مر التاريخ لتهميش الناس العاديين وتعظيم أمر الأثرياء، إن ثالث أسوأ وأغبى خطيئة قد يرتكبها الإنسان هي ظنه أن الحكومات تسعى لمصلحته، وأن الشرطة تسهر على راحته!"

=...وما أول خطيئتين يا سيدي؟!

-ماذا؟ اسمع، لا تشغل بالك!

=أياً كان ما تقوله يا سيدي!

-أهنالك ما تود إضافته إلى أن أقرر ما إن كنت سأقبض عليك الآن أو أفعل شيئاً آخر؟!

=هذه العدسات لم أردها لنفسي، بل أردتها لابن رجل أعرفه يتمنى رؤية الألوان، وقد أعجزه الاكتئاب في سن صغير أكثر منا؛ فأشفقت عليه وحدث ما حدث، وأنت تعلم أن الأثرياء لا يريدون لنا خيراً يا سيدي، وأقول ذلك لأني أرى أنك لست كمثل سابقيك، لا بد أنهم أخبروك أموراً عظيمة عني لكني أقسم لك أن لا شيء منها حقيقي دون أن أسمعها منك حتى!

-...هذه ليست أول سرقة لك على ما أظن!

=أنا أسرق من أجل من أشفق عليهم وحسب!

-ألا تشفق على نفسك إذن؟!

=كلا يا سيدي، إنني وحيد وليس لدي من أهتم لأجله، غيري يستحقون الشفقة أكثر مني!

-أنت الآن مطلوب للعدالة، أتشعر بالأمان عندما تعود حيث تسكن؟!

=الحي الذي أقطن فيه سكانه يعرفونني يا سيدي، ولا أحد منهم يقول كلمة عني إطلاقاً!

-ولم عساك تكشف لي كل هذا دون أن تشك أنني قد أستغله...

=ولم عساك تكشف لي أنك تكره الشرطة التي تعمل لحسابها يا سيدي؟!

-...لم؟!

=لأننا مظلومين يا سيدي، والمظلومون إخوة على اختلاف جبهاتهم!

-وأنى لك أن تعلم أني مظلوم؟!

=لأن ما قلته يدل أنك خُدعت كثيراً بل وربما اعتقلت أبرياء في حياتك بسبب توجيهاتهم!

-ألا يجعلني هذا ظالماً؟!

=بل مظلوماً يا سيدي؛ فأنت لا تقدر على رفض أوامرك، لكنك لا تحبها أو ترضاها، الظالم هو من يظلم لأنه يريد أن يظلم، أما من يظلم وهو يكره ذلك لأي سبب قهري هو مظلوم، هذا على الأقل ما أظنه أنا يا سيدي!

-... أتعلم ما سيحدث الآن إذن؟!

=...ماذا سيحدث يا سيدي؟!

اتصلتُ بزميلي الوغد اللعين ذاك، وأخبرته باختصار أني لم أجد رجله المطلوب، وأني فقدت اهتمامي بالأمر وعادت إلي ذكرياتي التي أكرهها بشأن العمل معهم؛ فتفهم الأمر بسرعة – لأنه أحمق قبل أن يكون وغداً فلم يشك في أي شيء حتى – وأغلق المكالمة، وعندما نظرت إلى روبن هود الذي يقف أمامي هذا وجدت تعابير وجهه قد تغيرت وكستها الدهشة وهو يسألني: "أنت لا تعمل حقاً الآن مع الشرطة؟!"

-تركتهم منذ فترة لأسباب كثيرة، ولكن يبدو أنهم يرسلون رجالاً كثيرين حقاً للإمساك بك حتى لو كانوا خارج الجهاز مثلي!

=ألهذه الدرجة؟!

-إليك ما سيحدث أيها اللص النبيل؛ ستأتي معي إلى منزلي وسأخبئك منهم لبعض الوقت، وسأتأكد أننا سنذهب إلى هناك عبر طريق آمن لا يكشفنا فيه أحد، وسنتحدث لبعض الوقت عن أمور شتى قبل أن أـخذ قراري النهائي بشأنك!

=أحقاً ستفعل يا سيدي؟!

-تبدو فرحاً بهذا!

=لأنني حقاً ممتن لما فعلته لي، ستزيح عني هماً عظيماً!

-...سنرى، اسمي يونس بالمناسبة.

=تشرفت يا سيدي، واسمي نبيل!

-أتسخر مني؟!

=كلا، اسمي حقاً هو نبيل!

-...يبدو أن من سماك كان لديه بعد نظر، أو قصر نظر...المهم الآن أيها الشمبانزي الوغد، كيف سننزل إلى الأرض مجدداً؟!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نوار

المؤلف محمد تامر
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة