في اليوم التالي – حسبما أذكر – راودني حلم عجيب، ومرعب، وصادق!
استيقظت فجأة لأجد نفسي ممداً على الأرض في الشوارع – وكان كل شيء بالأبيض والأسود أيضاً – وعندما قمت سمعت أصوات صراخ؛ صراخ غضب وثورة تارة ورعب وخوف تارة أخرى؛ فتحركت مسرعاً نحو المصدر إلى أن وجدتني في منتصف البلدة، وقد هاج الشباب وماجوا وراحوا يضربون كل شخص ويحطمون كل شيء، ثورة حقيقية لا رادع لها!
وما كان عجيباً أني رأيت أجسادهم تتلاشى وهم يركضون مسرعين ليخربوا أكبر قدر ممكن من أي شيء قابل للتخريب، وتتنوع صرخاتهم المقترنة بتقريرهم لأحلامهم، كأنها مطالب استسلام في حرب ضروس: "لم علي أن أفني ثلث عمري في نظام تعليمي لا أنتفع منه بعلم حقيقي؟ ولم لا يمكنكم ولا يمكن لأهلي تقبلي عندما أنطلق في درب أرتضيه لنفسي إن كان مخالفاً لهواكم؟!"، "لم لا يمكننا مساعدة من يحتاجون المساعدة من خارج بلادنا؟ لم علينا أن ننزوي بأنفسنا في ركن بعيد بينما العالم يضرم فيهم النيران إضراماً يسكت عنه الجميع؟!"، "أين الطبقات الاجتماعية المتوسطة يا ترى؟ أأصبحت البلد حقاً مقسمة إلى أغنياء وفقراء وحسب؟!"، "لم علينا أن نخرج من أوطاننا إن أردنا الحياة؟ لم تعذبنا بلادنا هكذا بذنب حبنا لها؟!"، "لم علينا أن نشاهدكم تقهروننا بصمت بينما إن تفوهنا بمطالبنا أصبحنا في أنظاركم إرهابيين مجرمين ليست لديهم ثقافة حوار؟!"!
وعندما تابعت النظر والتأمل في هذه الفوضى الجميلة حولي؛ رأيت الدماء تسيل منهم بلون أسود قاتم، كأنهم ينزفون ظلاماً يجري في أوصالهم منذ زمن طويل، رغم أن سبب هذا المشهد كان غياب الألوان فقط إلا أنه حمل ألف معنى ومعنى بالنسبة لي!
وعندما عدت أتجول ببصري فيما حولي؛ رأيت حنيناً وقد راح بعضهم يضايقونها؛ وهنا ثارت ثائرتي واشتعل غضبي فدنوت مسرعاً منهم، وقد لاحظت أني أنزف دماً أسود أنا الآخر كلما تحركت خطوة تجاههم، وعندما أصبحت على بعد سنتيمترات منهم وجدت أنهم ثلاثة وحسب؛ فاندفعت نحو أولهم وقد قفزت وسددت إليه لكمة هوائية في وجهه، وعندما لامست قدماي الأرض مجدداً رحت أسدد إليه لكمات قوية متتابعة، ولاحظت أن جسده بدأ يتلاشى مخلفاً غباراً أسود، وقبل أن ألتفت وجدت ثانيهم قد أمسك بي من الخلف بينما وقف الثالث أمامي وقد استعد لضربي؛ فصدمت وجه حاملي بمؤخرة رأسي مرتين بسرعة وقوة جعلته يفلتني ويتقهقر إلى الخلف، ثم تدحرجت جانباً لأتفادى هجمات الثالث، وعندما قمت استللت مسدسي بسرعة وأطلقت النار على ذراعَي وساقَي كل منهما، لكنهما رغم ذلك تبخرا بالكامل، ولكني لم آبه بأية حال إلا بحنين التي عندما التقى بصري بوجهها وجدت عينيها قد اغرورقتا بالدموع وقد بد الخوف والأسى على ملامحها وهي تقول لي غاضبة: "أتود إيذائهم كما آذيتني؟ أتود حقاً تدمير الجميع؟ أما لك من رادع؟!".
أفلتت مسدسي وركضت محاولاً اللحاق بها إذ أنها كانت قد شرعت في الركض بعيداً عني، وخلال ذلك وجدتني أنزف دماً أسود أنا الآخر وأتلاشى بسرعة؛ فزدت سرعتي لأحاول الاقتراب منها حتى قبل أن أتلاشى نهائياً، كانت جميلة حتى وسط كل هذه الفوضى، وكان عقلي قادراً على تجسيد كل ملامحها في أحلامي بدقة، بدت لي كالسلام وسط حرب وفوضى أبديتين، و...
وتلاشيت؛ فاستيقظت فجأة وقد تلاحقت أنفاسي بسرعة، وأخذت أتأمل المكان حولي فوجدت أني في المنزل، ما أجمل العودة إلى الوطن!
لكن لم لا يمكن لك أن تعودي لكونك وطناً لي يا حنين، لم يجب أن يكون وطني هذه الوحدة وهذا الخواء؟!
أعلم أني آذيتكِ وظلمتكِ وأخطأت في حقكِ، لكن...
لكن كان علي أن أفرغ ما بداخلي لئلا أجن؛ فاتصلت بنبيل وطلبت حضوره.
وخلال انتظاري له رحت أفكر في الحلم، لا أدري ما إن كان هذا كابوساً أو حلماً سيئاً يفترض أن أتمنى ألا يتكرر، أم أنه حلم أتوق أنا إلى تحققه لينتصر هؤلاء الشباب المظلومون؛ لأنني حقاً أتفهمهم وأشعر بهم – دعكم مما حدث مع عزيز بالأمس لأن واجبي وضميري فرضا علي ما فعلته – وأظن، رغم عدم إيماني الكامل بالفوضى والأذى، أن من حقهم أن يحرقوا العالم في سبيل إخماد النيران التي أضرمها هو في أرواحهم!
العالم البادئ، والبادئ أظلم!
وبعدها، وعندما وصل نبيل وصعد إلي كان تفكيري قد تحول ثانية إلى حنين؛ فوجدتني أحضر سكيناً من المطبخ وأجلس على الأريكة منتظراً حضوره!
محمد تامر