عندما دخل نبيل علي ووجدني ممسكاً بالسكين وجدت التوتر قد غزا ملامحه، ولم أرد أن أثير قلقه أكثر من ذلك فأشرت له بالجلوس وقد أقسمت له أني لن أمسه بسوء، وإنما أريد فقط أن أفرغ بضع كلمات تعتمل في صدري، وقد أنفجر إن لم أستطع تفريغها!
وعندما جلس؛ قلت كل شيء باختصار شديد مستغلاً هذه الشجاعة التي حلت على نفسي فجأة وهي تؤكد لي أن ذكرياتي ليست أقوى مني، وكثير من هذا الهراء: "كنت متزوجاً خلال عملي في سلك التحقيقات قبل تركي الشرطة، كنا نعشق بعضنا حد الجنون...وكان كل منا يرى الآخر معيار الجمال في الكون كله، حتى بعدما مرت أعوام عديدة على زواجنا كنا مواظبَين على عادة شاعرية جداً؛ كان كل منا في لحظات عشوائية تلتهب فيها مشاعره يثبت بصره على الآخر ويظل يتأمله، وعندما كان يدرك الآخر منا ذلك كان يبتسم بخجل ويظل ثابتاً في مكانه إلى أن ينتهي الآخر من تأمله...لم أعتد ملامحها أبداً، وحتى اللحظة كلما رأيتها ولو صدفة أشعر أنها تتجدد في نظري، وأن جمالها نهر لا ينضب...لا ينضب يا نبيل، كانت بارعة الجمال..."
سكتت لبضع لحظات؛ فسألني نبيل وقد فهمني قبل أن أكمل حتى: "ولم لستما مع بعضكما إذن؟ ما الخلاف الذي دب بينكما؟!"
ابتسمت لنباهته، وتابعت باختصار: "كانت تعمل عن بعد تسليةً لنفسها مع مؤسسة أو شركة ما، وحدث أمر جنوني...اكتشفنا ضلوع هذه الشركة في أنشطة إجرامية خطيرة، ويبدو أن مديرها كان أذكى مما توقعت وقد تحرى عنها جيداً؛ فعندما قابلته لاستجوابه أعلمني أنه يعرف بكوني زوجها، وأعطاني أدلة تفيد بتورطها معهم في هذه الأعمال، ولك أن تتخيل أن غرامي المفرط بها قد تحول في تلك اللحظة إلى كراهية آتية من أعماق الجحيم!
وضعتها ضمن دائرة شكوكي، وأسأت معاملتها...عذبتُ قلبها يا نبيل وخلفت في نفسها جرحاً غائراً، وآذيتها أكثر مما تتخيل، وفي النهاية ظهرت براءتها وأن رئيسها كان قد زيف الأدلة ضدها وضد كثيرين وكثيرات ممن عملوا معه غيرها، ولك أن تتخيل ما شعرت به وقتئذ!
بالطبع انفصلنا يا نبيل، ولا تمر ليلة دون أن يعيد صوتٌ خفي علي هذه الحكاية كل يوم وليلة، وقد نويت حينها الانتحار...كنت أجلس هكذا وأمسك بهذا السكين و..."
وفجأة وجدت دموعي تنهمر رغماً عني وأنا أقول: "لا أسامح نفسي أبداً يا نبيل ولا أسمح لي أن أسامحها حتى! ولا أستطيع تغيير ما حدث رغم أني حاولت كثيراً لكن...لها كامل الحق أن ترفض النظر في وجهي مجدداً حتى، كانت وحيدة مثلي لا أحد لها سواي، واليوم أعلم أنها عادت لتسكن منفردة دون من يؤنسها، لا آبه لكونها غاضبة مني بقدر ما آبه لكونها قد عادت وحيدة؛ قلبها رقيق ولا يتحمل هذا يا نبيل...أخشى عليها الموت حزناً دون أن تجد من يدفنها حتى!"
وإثر جملتي الأخيرة شعرت أن الكلمات تأبى الخروج من فمي من فرط ما ألم بقلبي من الغم؛ فاستدرك نبيل الأمر وتوجه نحوي، وانحنى ليسحب مني السكين ببطء ويبعده عني، ثم جلس بجانبي وراح يربت على كتفي إلى أن هدأت قليلاً وتابعت حديثي: "أحياناً أشعر أني أفهم عقل من يقرر الانتحار رغم أني لا أحبذه؛ فقد كانت بدايتنا عدماً إلى أن خلقنا الرب، ويبدو أن الحنين إلى هذا العدم يسري في أوصالنا أجمعين لكننا نتجاهله، وعندما تصيبنا المصائب وتتألم قلوبنا فجأة يهيج هذا الحنين بداخلنا، ويتجدد إدراكنا أن العالم ليس لنا..."
اختنقت الكلمات داخلي مجدداً؛ فتحدث نبيل بثقة: "أظنك تحتاج إلى قليل من الإيمان؛ هذا ما يمكنه أن يشفيك!"
نظرت إليه مستفهماً وقد عقدت حاجبيّ؛ فاستطرد: "إيماني علمني التضحية، وعلمني أن أقدس ألمي وألم غيري، علمني أموراً كثيرة لا يسعني ذكرها كلها، لكن أهم ما علمني إياه حقاً أن أكره الدنيا، وألا أنتظر منها شيئاً على الإطلاق، ربما أكون لصاً لكني أكره كوني كذلك وأصارع نفسي كل يوم لئلا أكونه، والأهم أن إيماني منحني قدرة على مسامحة نفسي حتى لو كنت سأكرر خطاياي كل يوم، ربنا يتوب ويسامح ويصفح، وأحب كلماته لأنها مطمئنة ومتفهمة للبشر وأهون على قلوبهم من أحكامهم القاسية على أنفسهم، رغم أنه يعلمنا حب أنفسنا والصفح عنها إلا أننا نقسو عليها بل ونود إزهاقها!"
ليتني عرفتك منذ وقت طويل يا نبيل!
سكت قليلاً قبل أن يختم قوله: "عندما ننتهي مما نفعله يا سيدي، وإن كنت لا تزال تعلم أين هي، سأخوض معك محاولة جديدة لطلب السماح منها، أعلم أنك حاولت كثيراً بلا شك لكن لا بأس بإعادة المحاولة...مع قليل من الإيمان!".
لا أنكر أن كلامه طمأنني وبث في بعض الأمل، ولم أحتج مهلة تفكير لأتفق معه؛ ربما ما ينقصني حقاً قدرٌ من الإيمان، ولا أخجل من اعترافي أني تعلمته من نبيل!
إني بالطبع أؤمن بالرب، لكن ليس بالفهم الصحيح أو القدر الذي يعينني على مجابهة نوائب الدهر، لكن نبيلاً صحح لي كل هذا في ذلك اليوم، ووجدت نفسي أرد عليه وقد هدأت أكثر: "كلامك أحدث في نفسي أثراً عظيماً لن أنساه لك، وسنكرر الحديث عن هذا بالفعل عندما ننتهي من هذا الأمر كما اتفقنا."
ابتسم نبيل برضا وهو يربت على كتفي مجدداً ويسألني عن خطوتنا التالية؛ فأجبته وقد عاد فكري لينشغل بمعضلتنا الرئيسية: "قلت لك أن تراقب عزيزاً..."
=ولم يفعل شيئاً بكل صدق، ويبدو أنه سيتخذ حذره منا يا سيدي ويتوقع أننا قد نراقبه؛ أرى أن مراقبته إذن لا جدوى منها يا سيدي.
-أنت محق يا نبيل، وإذن علينا أن نسير وراء دليلنا الوحيد الذي تفوه عزيز به؛ ما قال أنه سيحدث خلال الأيام المقبلة.
=وإذن ماذا سيحدث يا سيدي؟
-ستنزل إلى الشوارع مجدداً وتحاول استخراج أية معلومات مفيدة، أعلم أني أرهقتك بهذا الطلب...
=أتشرف بمساعدتك يا سيدي، بشرط ألا أسمعك تقول هذا مجدداً!
وجدتني ابتسم، ثم قمت لأعانقه!
محمد تامر