أسمعكم تقولون أنه من الغريب أن يثق ضابط بلص، ولكني أرى أن الأغرب هو ثقتكم أنتم بأن الشرطة حقاً تسهر على حمايتكم وراحتكم!
لو لم يفعل الأثرياء ما فعلوه لما وجدنا أمثال نبيل يحاولون السرقة، لكن حكوماتنا تترك الفرصة للسرطان كي يتفشى ثم تشكو عدم قدرتها على استئصاله، من خلال جهاز الشرطة المحترم الأمين الذي لا يأبه إلا للأثرياء وذوي النفوذ ليضمن وجوده، ويساعد من هم أكبر منه لدحر طبقات الشعب كلها عدا طبقات الكبار، وكلامي هذا ليس غريباً على من يقرأ في التاريخ ولو قليلاً.
أنا، كمحقق شرطة سابق، أقول أن الوغد الثري الذي يصنع العدسات بأسعار خيالية ليستغل الأزمة بها هو من يستحق أن يُزج به في السجن، لا نبيل؛ لأنه من المنطقي جداً ألا يفعل نبيل ما فعله لو كانت العدالة الحقيقية حاضرة، ولو كان الناس قد حصلوا على العدسات كحق أساسي لهم حتى لو بالمال لكن بسعر زهيد على الأقل، ومن حق الناس أيضاً بالمناسبة أن تحقق الشرطة في الأمر بجهد أكبر من ذلك لأجلهم، لكن الطواغيت باختلافهم على مر التاريخ يرون أن الظلم هو ألا تظلم، والعدل لا يمنحونه إلا لمن يعجبهم ويكون على شاكلتهم وهواهم...آه يا دنيا!
أتى نبيل معي إلى منزلي بالفعل بأمان، أجلسته على أريكة مريحة في الصالة ثم اتخذت مجلسي بجانبه، ولاحظت شروده وهو يتأمل المكان فقرأت أفكاره قبل أن أفتتح الحديث وأقول: "أسمع ذهنك بوضوح، والإجابة هي نعم؛ ليس كل أفراد الشرطة يحيون في منازل فخمة كما تظن..."
قاطعني مسرعاً: "فقط الشرفاء منهم يا سيدي!"
ابتسمت رغماً عني: "أشكرك على الإطراء يا نبيل، لكن المنزل بحالته تلك فخم بالنسبة إلي، بكونه بسيطاً ومريحاً هكذا، أحب المكان حقاً حتى وإن كنت لا أطيق نفسي!"
=لم أقل شيئاً على الإطلاق يا سيدي، هذا رد أتوقعه منك لأنك حقاً شريف!
-تكرار الإطراء يفقده قيمته يا نبيل!
=أنا أقرر حقيقة رأيتها!
-كيف وفيم رأيتها؟ في إحضاري لك إلى هنا...
=وفي حديثك عن نفسك وثقتك بي كأنك تعرفني منذ زمن، لا أودك أن تضغط نفسك يا سيدي، إن كان سيريحك حقاً تسليمي...
-أتسألني هذا السؤال بعد سيرك القردة الذي أقحمتني فيه منذ قليل؟!
=...أنا آسف يا سيدي.
-...إني أعلم أن كل شيء يعج بالفساد حولنا يا نبيل، ومثلك أرى الظلام في كل ما حولي؛ وهذا جعلني بارداً لا آبه بشيء، وأصبح الكثير يعتمل في صدري دون أن أجد من أبوح به له، ولذا فإن أخبرتك أسراري الشخصية كلها الآن فاعلم أني لا آبه لما ستفعله بها...
=أنت تعطيني قيمة أكبر مما أستحق بظنك أني قد أحاول إيذائك حقاً!
-...آمل أن تكون محقاً في هذا!
=...هل لي أن أسألك أمراً وأشكو لك أمراً آخر؟!
-تفضل.
=أوجدتم سبباً لما يحدث؟!
-لا تتحدث بالجمع يا نبيل؛ لم أعد منهم بعد الآن، ربما أعمل على الهامش أحياناً وأساعد بعض من أعرفهم لكن...
=إذن أوجدوا هم سبباً لما يحدث؟!
-لا، وتعرف أنهم لا يأبهون، ما الذي تحاول قوله بالضبط يا نبيل؟!
ولدهشتي وجدته قد أجهش في البكاء وهو يكمل حديثه: "هذا يقودنا إذن إلى ما أود أن أشكوه لك؛ إن حياتنا صعبة يا سيدي في الحي ونحيا على قوت اليوم، وننام محرمين على عقولنا الأحلام، لكن الشرطة تستهدف أماكننا البسيطة والتجار عندنا دون وجه حق، ويتصيدون لنا الأخطاء ولو كانت بسيطة، ولا يحاولون حتى الضغط على الأثرياء لينتبهوا إلى البئر الذي نحيا في قاعه، أو ليتفضلوا علينا ببعض العدسات على الأقل حتى لو كانوا سيعطونها لقليل منا، ما ذنب ابن هذا الرجل الذي حاولت السرقة من أجله؟! أتظنني حقاً المجرم هنا يا سيدي كما يظنوني؟!"
كان جسده يرتعش نتيجة انفعاله بشكل لا يدل إطلاقاً أنه يختلق أكاذيب أو يحاول خداعي؛ وهذا حذا بي أن أشفق حقاً عليه، وأن أرى فيه في تلك اللحظة عنصراً غير في ذهني كثيراً عن مفهوم المعنى ووجود الإنسان؛ فأنا اليوم، بعد أن كنت محققاً يحيا حياة تنافس حياة شيرلوك هولمز، أصبح وجودي مفرغاً من القيمة والمعنى لن تتأثر الحياة به أو بعدمه، أما نبيل، روبن هود حيه، فحياته مهمة لجيرانه ورفاقه رغم أنه سارق لدرجة أنهم يتكتمون عليه ويتحملون المشاكل والمضايقات نتيجة لذلك بالطبع؛ فهو بطلهم الذي يسرق ممن يظلمونهم، ويعبر عن نزعتهم لقتال ظالميهم...هذه نكتة وجودية تجعلني أعيد التفكير في معنى الحياة كلها منذ أن خُلق آدم وحتى اللحظة الحالية!
ربتت على كتفه وأنا أحاول تهدئته قائلاً: "اهدأ يا نبيل، اهدأ أرجوك، كل ما نقاسيه هنا ليس تجربة فريدة كما تظن، هذا يحدث في كل أركان العالم بشكل أو بآخر وعلى مدار التاريخ...أنا لا أراك مجرماً يا نبيل، لكن هذا لا ينفي خطأ محاولتك سرقة هذا الوغد، لنكن عادلين في حديثنا وأحكامنا، ولكن بالطبع خطيئتك لا تساوي مثقال ذرة من خطاياهم، أعلم هذا لأني كنت بداخل هذا النظام وأفهمه جيداً، ولي عدة حكايات شيقة عن تمردي على كثير من أوامرهم بالمناسبة، يمكنك أنك تقول أنهم ارتاحوا مني أكثر مما ارتحت أنا منهم!"
بدأت شفتيه تفرج عن ابتسامة صغيرة ببطء، وشجعني هذا لأسرع الأمر فأكملت وأنا في غمرة حماسي، وقد أخفيت داخلي إعجاباً عظيماً به ورغبة مني أن يكون لحياتي معنى مثله: "أليس ما يغضبنا أن الشرطة لا تأبه؟ إذن لم لا نأبه نحن؟ لم لا أحقق في الأمر بنفسي بمساعدتك؟!"
التفت إلي مسرعاً ويبدو أن أساريره قد تهللت لجزء من الثانية قبل أن يقول مستدركاً: "لكني ما زلت مطارَداً..."
-سنغير شكلك قليلاً بالطبع، ملابس جديدة وقصة شعر وحلاقة ذقن، كل هذا كفيل بجعلك إنساناً جديداً!
=...لكن، أتتوقع أن تصل أنت إلى نتيجة بينما لم يصلوا هم؟ وأقسم أني لا أقصد التقليل من شأنك لكن...
-لا بأس يا نبيل، أفهمك، وبأية حال هم لم يحاولوا جاهدين حتى، سيكون هذا هو الفرق بيننا وبينهم؛ أننا سنحاول ولن نستسلم للتأقلم، حتى ولو لم يكن هنالك علاج أو نهاية لما نحن فيه فالمهم أن نجد سبباً يريح أذهاننا من أسئلتها الغزيرة.
=معك حق يا سيدي، وأنا طوع أمرك.
-...كلا يا نبيل، أنت حر ولست طوعاً لأمر أحد، أنت مساعدي من الآن فصاعداً!
=كما ترى يا سيدي!
-حسناً، علينا كبداية أن ندرس أحوال الناس في المدينة أكثر ونكون صورة واسعة عن الحالة العامة لهم؛ ومن أجل هذا ستكون مخبري؛ لا بد أنك خبير أكثر مني حتى بالشوارع وأسرارها وبالبلدة وأهلها...
=ولكن كيف يساعدنا هذا يا سيدي؟
-إن ما حدث هنا يا نبيل لا يمكن لفاعله إلا أن يكون عبقرياً بحق، وهو لم يقتل الناس بل حرمهم من نعمة الألوان؛ وهذا يعني أننا نتعامل مع شخص فريد من نوعه، لقد فعل هذا لأنه أراد أن يبلغنا رسالة ما، وأنوي فهم هذه الرسالة من خلال تحليل الحال العام للناس!
=...كيف تعرف كل هذا يا سيدي؟!
-أعرفت الآن لماذا يطلب أصدقائي مني تحديداً مساعدتهم حتى بعدما تركت الخدمة؟!
=أنت عبقري!
-أراهنك أن أحداً لم يفكر مثلي، لكن الأمر واضح كوني رأيت أموراً مشابهة في أدب وسينما الديستوبيا أو في فِكر الأشرار ذوي عقد الانتقام أو جنون العظمة أو العباقرة المخابيل...كل هذه احتمالات حتى وإن لم يكن الأمر دائماً متعلقاً بعملية إعماء عامة؛ فهذا تجديد رائع في الشر بصراحة يستحق تحويله إلى فيلم أو رواية إن استطعنا حقاً كشف سره...
=أشعر أني لا أفهم كثيراً مما تقول يا سيدي!
-لا تقلق؛ ليس عليك أن تفعل!
=...إذن، كل ما علي فعله الآن أن أستطلع أحوال الناس وآتي لك بأخبارهم؟
-نعم، بقدر إمكانك وبشكل عشوائي، استمع إلى أحاديث الناس واستعلم عن حيواتهم ومزاجهم وآرائهم، ولا تلفت الانتباه كثيراً...وسأعلمك بضعة أمور قد تساعدك.
=أنا رهن إشارتك يا سيدي!
-إذن؛ دعنا لا نضيع مزيداً من الوقت.
محمد تامر