٤

٤

23 0

عندما أردت أن أعلمه الرماية؛ وجدت أنه يستطيع تعليمي وتعليم ألف غيري إياها!

مواهب رائعة في التجسس والتنصت، وربما لم يكن ما تعلمه مني سوى بضع نصائح بشأن ما ينبغي أن يسأله من أسئلة، وأسمعكم تقولون أنه يجب علي أن أحذر منه لأن مهاراته مثيرة للشك أو أنني أذكر هذا مثلاً كخداع لكم، لكن أنى لكم الشك فيه بعد ما قاله؟!

نبيل حقاً نبيل، وليس هذا حرقاً لأحداث مررت أنا بها، لكني أحترم الرجل حقاً لدرجة تجعلني لا أتحمل حتى أن يسيء به الظن قارئ هذه المذكرات!

بالفعل نزل إلى الشوارع بهيئته الجديدة، وكنت أطمئن عليه كل يوم لمدة أسبوع من مهمته التي شرحتها له سابقاً، وعندما انتهى منها بالفعل زارني مجدداً، وقد طمأنني أن أحداً لم يعرفه حتى أهل حيه لم يتعرف أغلبهم عليه، ومن تعرف عليه أمره نبيل أن يصمت وأخبره أنه يتخفى وحسب عن الأنظار لبعض الوقت، وقد أزعجه أن يشعر بغربة كتلك بين من كانوا وطنه الوحيد ولا زالوا، لكني طمأنته أن الأمر لن يطول وأنه قريباً سيعود إليهم بحكاية شيقة يقصها عليهم؛ فيزيد فخرهم به، لكني وجدته يرد علي رداً ترك في أثراً بليغاً: "لكني لا أهتم لكونهم فخورين بي وحسب، فخرهم بي لن يحل مشاكلهم أو يمنحهم حياة كريمة أو يعيد إليهم الألوان، ولا يعني هذا أني ألومك يا سيدي إذ أني أعلم أنك لا تستطيع حقاً فعل شيء بهذا الصدد!"

أثارت كلماته تلك وجداني، وشعرت لأول مرة منذ زمن طويل أن أشعر بالتعاطف مع أحد!

وأتاه ردي: "لكنك ستصبح رمزاً لهم يا نبيل، ويوماً ما حتى ولو لم تكن أنت موجوداً في هذه الحياة، سيأخذون حقوقهم ولو بالقوة ممن جاروا عليهم، وفي غمرة أفراحهم سيتذكرون اسمك، أعلم أنه يبدو حديثاً خيالياً ولكن..."

=لا يهم يا سيدي، أنت محق؛ ما أفعله اليوم ربما يحدد ما سيفعلونه هم غداً، أنا معك!

-رائع يا نبيل، والآن أخبرني كيف سارت مهمتك، ما الذي علمته عن الناس بالضبط؟

=أغلبهم يحزنهم ضياع الألوان يا سيدي، ويبدو أن البهجة ما عادت تزور منهم أحداً بل حل محلها الروتين والملل وتكرار الأيام، والشباب فقدوا شغفهم ورغبتهم في القيام بأي شيء لأجل أنفسهم حتى أو لأجل غيرهم، والكبار يتمنون أن يأتي موتهم سريعاً وأصبحوا يرون فيه مخلصاً لهم من معاناتهم، هذه هي خلاصة ما اكتشفته يا سيدي؛ كأن الناس أصبحوا خالين من كل شيء إلا اللحم والدم، ما عاد هنالك ما يبهجهم أو يثير فيهم أية مشاعر أو يدفعهم للتقدم خطوة في الحياة!

-بل يريدون أن يعودوا زاحفين إلى أحضان العدم...سهل أن نفهمهم بالطبع!

=أنا أشعر بهم يا سيدي أيضاً لأن حالهم ببساطة لا يختلف كثيراً عني!

-فلندع الرب ألا يظل هذا الحال قائماً يا نبيل، وأن ينقشع هذا الظلام حتى لو لم نكن نحن موجودين لنشهد هذا.

=آمين.

-أهنالك أمور أخرى لفتت انتباهك؟

=الناس يشعرون بحيرة ويحيون في انقسام رأي بين كون ما حدث هنا غضب من الرب قد نزل علينا، وبين كونه حادثة غريبة لها أسباب علمية أو عسكرية، وبالطبع يشتد هذا الجدال كون الحقائق خلف الأمر مجهولة كلياً.

-هذا طبيعي، ولكن ألم تلحظ شيئاً غريباً حقاً؟

=كلا يا سيدي، هذا كل شيء.

-لا بأس، رائع يا نبيل، وما قلته قد يساعدنا كثيراً.

=أحقاً؟

-أكثر مما تتخيل يا نبيل، إننا نتعامل مع مجرم فريد من نوعه كما أخبرتك، كل هذه المعلومات ستجتمع وتسدل الستار عن الحقيقة قريباً.

=لم تتفاءل هكذا يا سيدي؟!

-لا أدري يا نبيل، لكن شيئاً ما يؤكد لي أن المتسبب...أو لنقل المتسببين بكل هذا لأنه أيضاً احتمال وارد، قد خرجوا من الشوارع، من الحياة، من رحم هذه المعاناة، لأن حال الناس اليوم لم يختلف كثيراً من الأساس عن حالهم قبل حدوث كل هذا، بل ساء وحسب ورافقه تأقلم متوقع منهم...سنكشف السر يا نبيل، علينا ذلك قبل أن نجن!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نوار

المؤلف محمد تامر
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة