أخبرتكم سلفاً أني لا أشعر كما يشعر الشخص الطبيعي منكم، وإنما أعيش حياتي بمحاولات لمحاكاة المشاعر، والتي أصبحت تأتي من وراء قلبي كأنها تزيح صخوراً للهروب من مكان ما، لكن الأمر يختلف إثر رؤيتها؛ فقد كنت لجزء من الثانية على الأقل أشعر، أياً كان الشعور ولكني كنت أعلم في تلك اللحظات أن رؤيتها تحرك قلبي!
حنين؛ زوجتي السابقة، تبدو أجمل من الحال التي تركتها عليه، هي الجمال الوحيد في هذا العالم القبيح واللون في البلدة الباهتة، يأبى عقلي إلا أن يصورها لي بالألوان الزاهية رغم أن بصري يعارضه، وسر جمالها أنها لم تعد معي!
ألوم نفسي على أمور عديدة، وأعلم أن العودة بالزمن لتغيير كل هذا ليس اختياراً مطروحاً، لكني حقاً أحببتها بل تطرفت في حبها وكدت أجن بها، ولم تبادلني هي أقل من ذلك حينما كنا سوياً، ولكن عندما حدث ما حدث وتحول التطرف في الحب إلى تطرف في الكراهية ما عاد يطيق أحد منا النظر في وجه الآخر، ولم يذكرني أني أحبها إلا فراقها، ولا أعلم جانبها من الأمر ولا ألومها إن كانت قد كرهتني، لكني لن أستطيع أن أكرهها أبداً أو أنزعها من قلبي وأجتزها من ذكرياتي، حبي لها وألم فراقنا محتومان بداخلي، لا أستطيع أبداً إحداث أي تغيير فيهما!
كانت جالسة على مقهي، بدا أنها تنتظر أحداً لم يكن أنا، وستتحدث معه وهو ليس أنا، وستبتسم له وهو ليس أنا، وستفتح شفتيها العذبتين لتنطق بكلام عذب بصوتها العذب فيسمعه أحد لن يكون أنا، ربما صديقة لها أو حبيب جديد، لا أعرف...وبأية حال لم يكن من حقي أن أنتظر حتى بداعي الفضول لأتأكد من كونها ستقابل أحداً أو أنها تجلس وحدها هنا وحسب تحادث نفسها، ونفسها للأسف ليس أنا، لكن يوماً ما كانت نفسها حقاً أنا وكانت نفسي هي، ولم يفرقنا سوى انفصال بدنينا!
حثتني رؤيتها في تلك اللحظات على الإسراع فيما أنوي فعله؛ فإن استطعتُ حقاً كشف سر اختفاء الألوان وربما إيجاد حل له؛ سترى حنين الألوان مجدداً، ربما شعرت وقتئذ أن هذا كل ما يهمني!
وفجأة وجدتها تلتفت؛ فالتقت عيوننا، وكبحت دموعي بقوة بينما لاحظت أنها فغرت فاها قليلاً وحسب، ولم أرد أن أزعجها أكثر من ذلك وفعلت ما ندمت أني لم أفعله قبل بضع دقائق؛ رحلت مبتعداً عن الشارع، وقد تمنيت ألا تثير رؤيتها لي إزعاجاً لها وتعكيراً لمزاجها، والأهم ألا تخلف ألماً مجدداً في روحها...رحلت وحسب، رحلت!
ودعونا الآن ننهي حديثنا عنها وننتقل إلى ما تلا الحدث، فقد رأيت أخيراً ما كنت أبحث عنه منذ خرجت: أمر غريب!
رأيت شاباً يرتدي نظارات شمسية وحقيبة ظهر صغيرة، ويعبث بشيء ما في يده، وعندما ركزت على يده تأكدت أنه يعبث بمدية؛ وكان مظهره الغريب هذا كافياً لجعلي أتبعه، ولكن أياً من كان فكيف له أن يسير وسط الناس بهذه الجرأة؟!
ظللت أتبعه بحذر بينما أحاول أن أكون شبحاً وأنا أفعل لئلا يشك في شيء أو يغير مساره الذي لا أعرفه أصلاً، وبعد بضع دقائق وصلنا إلى مكان شبه خال ومكشوف؛ فأصبح من العسير علي الاختباء للأسف، لكن من حسن حظي أنه لم يلتفت وراءه حتى قبل أن يدخل باحة ركن سيارات صغيرة في المكان، وهذا لا ينبئ أنه محترف بأي حال من الأحوال!
انتظرت حتى توارى عن ناظري ودخل الباحة، ثم تبعته بخطوات بطيئة هادئة واختبأت خلف سيارة بالداخل وأنا أرهف السمع إلى ما يحدث بالداخل؛ فسمعت أصوات قطع معدنية يصحبها صرير يوحي أه يحك هذه القطع ببعضها أو يحاول تركيبها معاً؛ وهنا لم أستطع كبح فضولي وقلقي أكثر من ذلك فخرجت لأواجهه، وعندما أصبحت وراءه ببضع ارتكبت خطأً سخيفاً؛ فتحدثت عالياً إليه قبل أن أنظر بتركيز إلى ماهية هذه القطع والتي خبأها هو مسرعاً في حقيبته بعد أن أثار حواسه صوتي وأنا أقول: "ألا تظن أنك قد كبرت على ألعاب التركيب تلك؟!"
رد وهو ينظر إلي بتحفز وغضب وقد أشهر سكينه: "ابتعد أياً من كنت لئلا تتأذى!"
شهرت مسدسي بسرعة وأنا أرد ساخراً: "من تظنه سيتأذى حقاً؟!"
ازدرد لعابه وقد بدا القلق على ملامحه، وطمأنني هذا لبضع ثوان أنني مسيطر على الموقف، ورد بصعوبة: "من أنت؟! وكيف وجدتني هنا؟!"
-يا لك من مبتدئ! من ذا الذي ينوي فعل أمر ما بعيداً عن أعين الناس ولا ينظر وراءه حتى، أهو غرور أم أنها حقاً حماقة؟! في كلتا الحالتين أنا لا آبه أيها الشاب، افتح حقيبتك وأرني محتوياتها على الفور!
=اللعنة...أنت ضابط!
-واو! يا لك من لماح! لا ريب أنك كنت في مدارس المتفوقين بعقليتك الفذة تلك!
=وماذا لو لم تكن كذلك؟! أمن الحتمي أن يكون كل حامل مسدس شرطياً؟!
-اسمع يا بني، دعنا لا نضيع وقتاً أكثر من ذلك، افتح الحقيبة لئلا أضطر إلى استخدام أساليب لن تحبها!
=هه! أنت إذن من الشرطة التي لا تأبه لشيء مما يحدث ولا تفعل شيئاً سوى مضايقة من لا يستحقون المضايقة، أنتم أضعف مما تظنون!
وكان علي أن أكتم كراهيتي لهذا الجهاز اللعين لئلا أعطيه ميزة تفوق علي أو أدعه يستفزني فأرتكب غلطة أخرى تضيع كل شيء؛ فرددت: "ربما، لكن لا شيء مما قلته يغير حقيقة أني حامل المسدس!"
وجدته فجأة يبتسم بخبث وهو يرد: "لكنك لن تقتلني، وهذه نقطة ضعف أحييك عليها!"
وقبل أن يكمل جملته رمى مديته نحوي؛ فتحركت جانباً بسرعة لأتفاداها، ورأيته يركض هارباً مني فشرعت أطارده بأقصى سرعتي لئلا يفلت؛ فأياً من كان هذا الشاب لا بد أنه يخفي سراً هاماً، ولم أهتم في تلك اللحظة ما إن كان هذا السر مرتبطاً بما يحدث أم لا، كل ما علمته أنه يجب على الإمساك به!
وبينما كنت أركض خلفه وهو يراوغني في الباحة معتمداً على السيارات فيها؛ وجهت حديثي له: "ما الذي يجعلك متأكداً أنك لن تقتلني؟!"
رد ساخراً وهو يركض بصوت لا يبدو صاحبه أن الركض قد أنهكه على الإطلاق: "لن تفعل لئلا تواجه مشاكل في مهنتك وحسب وتضطر لإخفائي، ليس من فرط طيبتك بالطبع!"
-يبدو أن هنالك سوء تفاهم بيننا لا أرغب أن نحله بأسلوب غير ودي!
=وأنا أريدك أن تفعل، كل ما ترتكبونه من أمور غير ودية يصب في مصلحة قضيتنا!
-قضية؟!
=لن يستيقظ المجتمع بالود، سيتغير كل هذا!
-كل ما سيتغير الآن هو أنني سأؤذيك إن لم تتوقف!
=سيكون الأمر صعباً إلى أن تمسك بي، إن كنت تستطيع!
وكان صادقاً في تفاخره بسرعته؛ إذ أني، بعدما قادتني مطاردته إلى خارج المنزل، تابعت مطاردته بأقصى ما استطعت من جهد وسرعة، لكن اللعين كان سريعاً وحمته نظارته من أشعة الشمس التي جعلت رؤيتي ضبابية بعض الشيء وأفقدتني تركيزي، واستطاع أن يختفي مني، بمجرد أن أعادتنا المطاردة إلى الشوارع، في وسط الحشود الذين أثار فزعهم مطاردتي له، والتي انتهت حقاً بسرعة قبل أن تبدأ حتى رغم أني كدت أفقد أنفاسي فيها، ربما لا يكون محترفاً لكن ما كان علي أن أستهين به!
لم أفكر في إخبار زملائي من الشرطة بما حدث بالطبع لئلا يفسد غبائهم الأمر، وقررت أن أعود وأطلب المساعدة من نبيل مجدداً ليتحرى عن هذا الشاب الغامض؛ فوجهي أصبح مكشوفاً له وعلي أن أختفي لبعض الوقت.
لكن أياً من كان هذا الشاب فعلي أن أمسك به، لا أهتم الآن لم بدأت تحقيقي الشخصي حتى، لقد أصبح هو هدفي الآن!
بالمناسبة قبل أن أنهي هذه المذكرة، اعذروا فوضى الأزمنة التي أسرد بها الأحداث، أعلم أنها خطأ سردي مزعج لكني أقص الحدث تارة وكأني أعيشه مجدداً فتجدني أكتب بزمن المضارع، وأقصه كحدث ماض تارة أخرى، سامحني إن كان هذا يثير إزعاجك، سأحاول تحسينه في الصفحات المقبلة.
وإن فشلت فسامحني أيضاً واقرأ بهدوء دون تصيد للأخطاء؛ أنا لست بصدد إرسال رواية إلى دار نشر هنا، هذه مجرد مذكرات متسلسلة أسرد فيها أحداثاً شخصية، اتفقنا؟!
محمد تامر