الفصل التاسع:
توقف أيوب أمام الباب، يتصبب عرقاً بارداً رغم برودة الممر. لم يكن لديه الشجاعة لفتح الباب ومواجهة ما خلفه. لم يكن خائفاً من الأشباح بالمعنى الحرفي، بل كان خائفاً مما قد يحرر من ذاكرة شمس والندم الذي يطارد روحه.
سحب أيوب أنفاسه بصعوبة، وألصق أذنه بمفصل الباب الخشبي العتيق.
الصوت أصبح الآن أكثر وضوحاً، وأكثر تحديداً. لم يكن صوتاً مادياً ساقطاً، ولا صوتاً لخطوات. إنه أشبه بـ رقصة خفيفة، متقطعة، لكنها منتظمة.
تذكر أيوب أن زوجته شمس كانت تستخدم طريقة خاصة لمزج الألوان الزيتية على لوح الخشب قبل أن تبدأ الرسم، وكانت تضرب الريشة بطريقة إيقاعية خفيفة للتخلص من تكتلات اللون. كان الصوت يشبه ذلك تماماً: ضربات ريشة، أو نقرات أظافر خفيفة جداً على سطح ممتد.
كان الإيقاع يتسارع، وكأن اليد التي تحرك الريشة تستعجل إنهاء شيء ما. شعر أيوب بارتفاع ضغط الدم في أوردته. عقله يصرخ: "لا أحد هناك. المنزل فارغ. هذه مجرد هلوسة بسبب ذنبك!" لكن أذنه كانت ترسل إشارات مغايرة: "هناك حركة، هناك عمل يجري خلف هذا الباب!"
قرر أيوب: لا يمكنه العودة دون أن يعرف ما يجري. إن بقى هنا، سيجنّ. وربما يكون الكشف أسهل من التوتر.
رفع يده المرتعشة، لم يفتح المقبض، بل دفع الباب بقوة إصبع واحد. الباب لم يكن مغلقاً تماماً، ففتح ببطء شديد وبصمت، كأنه يتردد هو الآخر في الكشف عما بداخله.
وفي الظلام، لم ير أيوب شيئاً يتحرك.
الغرفة كانت مغمورة بظلام كثيف، بالكاد يخترقه ضوء خافت من نافذة صغيرة. لكن بمجرد أن انفتح الباب قليلاً، تسلل إليه رائحة غريبة. ليست رائحة الغبار المعتادة، بل كانت رائحة حادة ومنعشة لدهان زيت جديد، ممزوجة بعبق ضعيف لعطر شمس القديم!
وهنا، توقف صوت النقرات فجأة.
ساد سكون مفاجئ. وكأن أي شخص أو أي شيء كان في الغرفة قد تجمد أو اختفى بمجرد أن شعر بفتح الباب.
تصلب أيوب في مكانه، ولسانه معقود. لم يستطع النطق بكلمة واحدة.
المشهد: النداء في الظلام
تصلب أيوب عند حافة الباب، والرائحة الحادة للدهان الزيتي الجديد تخنق أنفاسه مع عبق عطر شمس القديم. لم يعد الصوت موجودًا، والظلام في الداخل كان كفيلًا بابتلاع أي دليل مادي.
ضغط أيوب على شفتيه، خائفًا من أن يخرج صوته كصرخة مذعورة. دفعته رغبة مجنونة في استدعاء هذا الوهم، هذا الخيال المؤلم الذي يخدر ندمه.
همس بصوت مرتعش بالكاد يتجاوز همس الريح:
"من... من هناك؟ هل... هل أنتِ شمس؟"
لم يكن يتوقع إجابة عقلانية. كان يتوقع صدى، صمتًا مهيبًا، أو ربما انزلاق قطعة خشبية.
لكن ما حدث كان أكثر رعبًا: جاء رد خافت جدًا، كخشخشة ورقة جافة، أو صوت فرك قماش ثقيل ببطء. لم يكن صوتًا بشريًا واضحًا، بل كان أشبه بحركة متعمدة لأحدهم يزحف أو يبتعد في الظلام.
ثم، من قلب الظلام الكثيف، سمع أيوب صوتًا آخر جعله يتجمد في مكانه، صوتًا مألوفًا جدًا، لكنه لم يأتِ من جهة المدعو:
صوت بكاء مكتوم.
إنه ليس بكاء شمس الذي كان يعرفه، بل هو بكاء متقطع، مكبوت ومخيف، كأن صاحبه يحاول إخفاء دموعه عن شخص قريب منه. صوت أقرب ما يكون إلى بكاء طفل أو مراهق.
في تلك اللحظة، تلاشت تمامًا أوهام الندم والخيال من عقل أيوب. هذا الصوت حقيقي، مادي، وينتمي إلى شخص حي يتنفس داخل الغرفة. وتذكر على الفور وجود شخص واحد فقط يمكن أن يكون هنا...
ابنه محمد!
لم يعد هناك متسع للهلوسة أو الخيال. صوت بكاء محمد المكتوم مزق أوهام أيوب وأعاد قدميه إلى الأرضية الصلبة للواقع. هذا ليس شبح شمس، إنه ابنه.
مدّ أيوب يده إلى مفتاح الإنارة بجوار الباب دون تردد.
كليك!
اقتحم الضوء الأصفر الباهت مصباح السقف الغرفة، مطارداً جيوب الظلام الكثيف التي كانت تخفي أسرارها.
توقفت عينا أيوب على الفور عند زاوية الغرفة المقابلة. لم يكن محمد واقفًا أو مختبئًا.
كان منطويًا على نفسه كجنين، جالسًا على الأرضية الخشبية الباردة خلف حامل اللوحات (Easel) الذي يخص والدته الراحلة. كان يخفي وجهه بين ركبتيه المرفوعتين، ويهتز جسده النحيل بعنف من شدة البكاء.
لم تكن الرائحة الكيميائية للدهان الزيتي مجرد وهم. على مقربة منه، كانت هناك لوحة قماشية كبيرة ترتكز على الحامل، مغطاة بألوان زيتية لم تجف بعد. لم يكن الرسم واضحًا بسبب الفوضى وقلة الإضاءة، لكن أيوب لم يركز على اللوحة.
ركز على ابنه الذي يبكي.
"محمد!؟" نطق أيوب الاسم أخيرًا، ليس بصوت غاضب، بل بصوت متقطع يغلبه الصدمة والخزي.
رفع محمد رأسه المفزوع، وعيناه متورمتان وحمراوان، ووجهه مبتل بالدموع. في يديه، كان يمسك ريشة رسم يقطر منها اللون الأزرق الداكن، وبجواره كانت علبة ألوان زيتية مفتوحة مبعثرة.
المشهد: عناق صامت
لم ينتظر أيوب منه تفسيرًا، ولم يكن الوقت مناسبًا للوم. بكاء محمد الصامت، ورائحة الألوان الزيتية التي حملت عبق شمس، كانت جميعها شهادة على ندم مشترك.
اندفع أيوب نحو ابنه. لم يفكر في جسده المتعب أو في برودة الغرفة. انحنى ببطء على ركبتيه أمام محمد المنطوي، ثم سحبه بذراعيه بحركة خرقاء، وضمه إلى صدره بقوة لم يعتدها محمد منذ زمن طويل.
كان العناق مشوبًا بالخجل والحزن والألم. شعر أيوب بصلابة جسد ابنه النحيل وهو يهتز بعنف. لم يكن محمد قادرًا على الكلام، لكنه رد على العناق بتشبث ضعيف، ودفن وجهه في صدر أبيه، لتختلط دموعه بدموع أيوب التي كانت تجد طريقها أخيرًا بعد كل هذه السنوات من الجفاف.
لم يتفوه أيوب بكلمة. كل ما احتاج أن يقال كان موجودًا في هذا العناق المرتجف. اعتراف ضمني من الأب بأنّه أهمل، واعتراف من الابن بأنّه وحيد ومشتاق.
بقي الاثنان على هذه الحال لثوانٍ طويلة، أو ربما لدقائق، قبل أن يبدأ محمد في الهدوء شيئًا فشيئًا، وتخف حدة اهتزاز جسده.
ابتعد أيوب قليلاً، ورفع وجه ابنه المبتل والمرهق بين كفيه.
"أنا آسف يا بني." همس أيوب بصوت مبحوح. "أنا آسف لأني جعلتك تشعر أنك يجب أن تختبئ لتشعر بوجود أمك."
لم يجب محمد. هز رأسه بنفي بطيء، ثم أشار بيده الملطخة بالدهان إلى اللوحة الكبيرة التي تقف خلفه.
هنا، ركز أيوب عينيه أخيرًا على اللوحة.
لم تكن اللوحة مجرد خطوط وألوان. لقد كانت صورة ذاتية كبيرة لشمس، لكنها لم تكن كاملة. كانت عيناها مرسومتين ببراعة لا تصدق، مليئة بالدفء والحياة، لكن وجهها كان فارغًا ومحفوفًا بالضوء. كان محمد يضيف إلى اللوحة لونًا أزرق داكنًا، يحاول ربما أن يكمل العمل الذي تركته أمه.
"هل... هل كنت تحاول إنهاءها؟" سأل أيوب، مشيرًا إلى الريشة الزرقاء في يد محمد.
أومأ محمد برأسه بقوة.
مسح أيوب دموعه الساخنة التي اختلطت بدموع محمد، ثم قام بمسح دموع ابنه بأصابعه المرتعشة، مطفئاً برفق نار الحزن التي كانت تشتعل في عينيه.
"هيا يا محمد،" همس أيوب، "سنكمل هذا لاحقاً. هيا نذهب للنوم."
حمل أيوب ابنه النحيل بين ذراعيه. كانت رائحة الألوان الزيتية وعطر شمس عالقة بملابس محمد وجلده، وكانت بمثابة بلسم يهدئ روح أيوب المتأججة. أغلق أيوب باب غرفة الرسم بهدوء شديد، وترك خلفه الوصية المؤجلة، اللوحة التي تنتظر من يكملها.
لم يعد أيوب بمحمد إلى غرفة ابنه الباردة، بل اتجه مباشرة إلى غرفته الخاصة. وضع محمد برفق على سريره الكبير، ثم استلقى بجواره.
احتضن أيوب ابنه بقوة، وبدأت يد محمد الصغيرة تستقر على صدر أبيه، كأنها تثبّت كيانًا كان يوشك على الانهيار.
دفن أيوب وجهه في شعر ابنه، مستنشقاً تلك الرائحة التي باتت مزيجاً من رائحة الطفولة النقية، وذاكرة شمس المتمثلة بعبق الألوان الزيتية.
لم يتحدثا بكلمة واحدة. كان هذا العناق الصامت، في قلب ليل طويل من الاعتراف المتبادل بالذنب والشوق، هو كل ما يلزم لربط أرواحهما من جديد.
نام أيوب أخيرًا، نومًا ثقيلاً لم يذقه منذ وفاة شمس، محتضناً الجزء الوحيد المتبقي منها: ابنهما محمد.
" نهاية الفصل التاسع "
زهراء سعود