الفصل الثالث:
توقفت سيارة أيوب أمام قصر العائلة القديم الذي يملكه الجد. كان محمد وأيوب قد جلسا صامتين طوال الطريق، وكلاهما يحملان آثار الحريق كان الرماد لا يزال عالقاً في شعر محمد القصير، وعلى حواف ملابسه كشاهد صامت لا يمكن مسحه.
فتح الجد الباب. كان رجلاً ذا هيبة وقسوة، لكنه لم يتفاجأ بمنظر ابنه وحفيده المغطى بالرماد. نظر إلى أيوب نظرة طويلة وباردة لم تكن نظرة مواساة، بل كانت نظرة "لقد حذرتك".
ولم ينتظر أحد ليتكلم.
اندفعت الجدة صفية كانت امرأة ذات بنية قوية، تحمل مفاتيح البيت بيدها كصولجان. لم تنظر إلى وجه ابنها أيوب، بل ركزت فوراً على محمد.
تعال معي يا ولد." قالت بصوت حاد، خال تماماً من الحنان، لا تسأل ولا تعزي.
حملت الجدة محمد من ذراعه بقوة، لا برفق وابتعدت به عن أيوب الذي بقي واقفاً في مكانه صامتاً ومثقلاً.
صعدت به الجدة السلالم نحو الطابق العلوي. كانت خطواتها حاسمة. أدخلته غرفة واسعة لكنها مهملة في الزاوية، بعيدة عن الضوضاء. كانت الغرفة كما وصفتها باردة جدرانها بلون داكن، وشباكها مغطى بستائر سميكة، مما جعلها لا ترى ضوء الشمس، أو بالأحرى "شمس" أخرى. لم يكن فيها أي أثر للدفء أو رائحة الياسمين. كانت رائحتها هي رائحة الغبار القديم والصمت.
دفعت الجدة محمد داخل الغرفة، ثم أشارت إلى الرماد على وجهه وملابسه.
"اذهب واغتسل ستنظف كل شيء، يا محمد كل شيء." قالت الجدة، مؤكدة الكلمة الأخيرة بنبرة جعلت محمد يدرك أن التنظيف لا يشمل الملابس فقط، بل يشمل الذاكرة أيضاً.
نظرت الجدة إلى محمد الذي ظل صامتاً وجامداً، ثم تابعت بحدة أكبر:
" هنا، لن تذكر أمك ولا أحلامها المجنونة. انتهى الأمر. لقد أخذت المصيبة معها. هنا، أنت طفل مطيع، تدرس ما يُطلب منك، وتنسى ما رأيت هل هذا واضح ؟"
كانت هذه هي وصية الجدة الجديدة.
تركته واقفاً، وأغلقت الباب خلفها بمفتاح سمع محمد صوته وهو يدور في القفل.
جلس محمد على حافة السرير. كان الرماد يثقل كاهله. أدرك أن الجدة لم تحبسه، بل حبست الحقيقة، وحبست معه أي فرصة للحديث عن شمس.
في تلك اللحظة، لم يعد محمد طفلاً عادياً. أصبح طفلاً يحمل وعداً سرياً يجب أن يحافظ عليه تحت سطوة الخوف والمنع نظر حوله في الغرفة الباردة المظلمة. هذا لم يكن بيتاً، بل كان سجناً للذاكرة.
قرر محمد أن الرماد على وجهه قد يزول، لكن الرماد في قلبه الرماد الذي نبت منه حلم أمه، سيبقى محفزاً أبداً.
لم يستمر صمت محمد ليوم أو يومين؛ لقد استمر الأسابيع امتدت إلى شهور. لم يكن محمد عاجزاً عن الكلام جسدياً، بل كان يرفض الكلام نفسياً. كأن الحريق لم يحرق أمه شمس فقط، بل أحرق جزءاً من لسانه.
"نهاية الفصل الثالث"
زهراء سعود