الفصل السادس:
الفجر البارد:
مع بزوغ خيوط الفجر الأولى، كان أيوب قد استسلم للنوم في أحد الطرقات الضيقة، منهكا من السير والبكاء. لم يكن يملك مكانًا يذهب إليه سوى عزلته.
عاد أيوب إلى المنزل بعد شروق الشمس، متسللاً كالمتسلل، خائفًا من مواجهة الصباح. وجد محمد في مكانه، نائمًا على الأرض، والورقة البيضاء مطوية بعناية على صدره. لم يستطع أيوب الاقتراب اكتفى بالوقوف عند الباب، ثم ذهب ليعد إفطارا صامتًا، متجنبًا النظر إلى محمد.
بينما كان أيوب منهمكاً في تجهيز الإفطار - خبز جاف وبعض الزيتون - كان صوته الخافت وهو يحرك الأطباق يعزف لحن التوتر والقلق في أرجاء المنزل. لم يجرؤ على إشعال النار لإعداد الشاي خوفاً من أن يوقظ صوت الحطب محمد، أو ربما خوفاً من الدفء الذي قد يجلبه، وهو غير مستعد لكسر هذا الجليد بينهما.
وضع أيوب الإفطار على الطاولة الخشبية المتهالكة وأخذ يجلس على كرسيه القديم، ناظراً إلى نقطة فارغة على الحائط المقابل، متجنباً النظر مجدداً نحو الركن الذي يرقد فيه محمد. كان يشعر بثقل في معدته يمنعه من لمس الطعام، كما لو أن كل لقمة ستكون اعترافاً بالخطيئة أو سبباً في تجدد الجرح.
بعد بضع دقائق صامتة مريرة، بدأ محمد يتململ.
تنهد تنهيدة عميقة اهتز لها صدره، ثم رفع يده ببطء ومسح بها عينيه. كانت حركته خالية من أي توتر، وكأنه استيقظ لتوه من حلم هادئ، لولا تلك الورقة المطوية التي ما زالت مستقرة على صدره، كشاهد صامت على ليلة الأمس.
فتح محمد عينيه بهدوء. لم ينظر إلى أيوب مباشرة بل إلى الإفطار الموضوع على الطاولة. بقي للحظة يحدق به، قبل أن يرفع ظهره ببطء، ويطوي الورقة ويضعها بعناية في جيب قميصه.
نهض محمد أخيراً. لم يكن نهوضاً فجائياً، بل تدريجياً، كمن يجمع كل فتات القوة المتبقية لديه. كان جسده ما زال يتشرب برودة الأرض، لكن عينيه كانتا هادئتين بشكل مخيف.
تجاهل أيوب الجالس خلف المائدة تماماً. كانت حركاته دقيقة ومدروسة، كأنه يمثل مشهداً على مسرح فارغ سار إلى الحائط، تناول سترته المهترئة التي كان يعلقها دائماً على مسمار صدئ، ولبسها ببطء. ثم التقط حقيبة قماشية صغيرة من زاوية الغرفة، لم تكن تحتوي إلا على الأساسيات.
ظل أيوب مجمداً في مكانه، يتابع المشهد بعينيه فقط غير قادر على تحريك عضو واحد من جسده حتى صوته خذله. كان يتمنى لو أن محمد يصرخ يلوم، أو حتى يضربه، أي شيء يكسر هذا الصمت القاتل.
عندما وصل محمد إلى عتبة الباب، توقف. لم يدر ظهره ليتكلم، بل بقي محدقاً في الفضاء أمامه للحظة طويلة جداً. ثم مد يده إلى جيب السترة وأخرج الورقة المطوية. لم تكن ورقة الليلة الماضية، بل قطعة مختلفة، أصغر حجماً.
انحنى محمد، ووضع الورقة الجديدة بعناية فائقة على حافة المائدة بجانب طبق أيوب الفارغ. كانت الحركة أشبه بوضع وردة على قبر.
دون أن ينظر إلى الخلف، ودون كلمة واحدة، دفع محمد الباب وخرج أغلق الباب خلفه بهدوء لم يكن يتناسب مع حجم الزلزال الذي تركه خلفه.
بقي أيوب وحده.
بعد دقيقة بدت كأنها الأبد، اهتز أيوب أخيراً ووصلت يده المرتجفة إلى الورقة. فتحها ليجدها مكتوباً عليها بخط محمد البسيط والمألوف، جملة واحدة فقط
" أنا آسف."
كانت الكلمة كافية لتهد الجدران.
الكلمة الواحدة، "أنا آسف" لم تكن اعتذاراً من محمد بل كانت صرخة استغاثة منه، وإدانة قاسية لأيوب في آن واحد. أدرك أيوب في تلك اللحظة المدمرة أن محمد لم يكن آسفاً على ما فعله، بل كان آسفاً على العلاقة التي تحطمت على الكلمات التي قيلت، وعلى حاجته هو نفسه إلى اللجوء إلى هذا الصمت المخيف.
انكمش أيوب فوق الطاولة، سقط رأسه بين ذراعيه والورقة تحت راحة يده. لم يعد صوته مكبوتاً؛ خرج الانهيار كفیضان مدمر
بدأ البكاء صامتاً في البداية، مجرد رعشات تهز كتفيه. ثم تحول إلى نحيب مرير، يتبعه شهقات عالية، تتردد في أرجاء المنزل الفارغ. لم يكن بكاء طفل؛ كان عويل رجل يدرك أنه دمر أثمن ما يملك بكلمة واحدة قاسية قيلت في لحظة ضعف. كان
يلوم نفسه على ليلة الأمس، على السير الصامت على وجبة الإفطار الباردة، وعلى كل لحظة سمح فيها لهذا الجليد أن يتراكم بينهما.
دفعه اليأس إلى فعل غير منطقي. انتفض أيوب داس بقدمه على الكرسي ليسقطه أرضاً، وركض إلى الباب. لم يهتم بحذائه، ركض حافي القدمين في الخارج، تحت أشعة الشمس الباردة التي كانت قد ارتفعت للتو.
كان الطريق فارغاً، لكن أيوب ركض كالمجنون. لم يكن لديه وجهة محددة، فقط الحاجة إلى إيقاف محمد، إلى سحب تلك الورقة من جيب سترته، إلى إخباره أن الخطأ خطؤه هو.
یا محمد محمد! صرخ بصوت مبحوح، لم يكن صوته المألوف، بل صوت رجل فقد كل شيء.
وصل أيوب إلى زاوية الشارع، ثم توقف فجأة.
الطريق كان مفتوحاً أمامه، لا يوجد أثر لمحمد. لا يدري أيوب الاتجاه الذي سلكه محمد، هل ذهب نحو السوق أم المحطة أم القرية المجاورة. كان العالم فجأة شاسعاً وموحشاً.
استند أيوب إلى جدار بارد، وسقط على ركبتيه
يلهث وعيناه تملأهما الدموع والوحل.
أثر الألوان المنسي:
توقف أيوب عن الصراخ، وعقله المشتت بدأ يعمل فجأة بحدة مؤلمة. أين يذهب المرء عندما يريد أن يكون وحيداً تماماً ، لكنه يائس من أن يُعثر عليه؟
الجواب لم يستغرق وقتاً طويلاً.
لم يكن محمد يملك سوى مكان واحد يعتبره ملاذاً حقيقياً، مكاناً لم يزره أيوب منذ وفاة والدتهما قبل سنوات المرسم.
كان المرسم عبارة عن كوخ صغير مهجور على أطراف البلدة، بالقرب من النهر الجاف. كانت والدتهما، الرسامة الموهوبة، تقضي فيه أيامها ولياليها، تعلمهما كيف يمزجان الألوان ويهربان من الواقع على القماش. بالنسبة لمحمد، كان هذا الكوخ هو صندوق الذكريات الوحيد الذي لم يتجرأ الزمن على نبشه.
ركض أيوب مجدداً، لكن هذه المرة بخطوات أسرع وأكثر هدوءاً. كان الركض الآن موجهاً بالندم والخوف بدلاً من الذعر المطلق.
عندما وصل إلى الكوخ كانت رائحة التراب القديم وزيت الكتان هي أول ما استقبله. دفع الباب الخشبي المتآكل بهدوء، ورأى المشهد الذي توقع حدوثه وخشيه في نفس الوقت.
كان محمد جالساً في المنتصف، على كرسي خشبي مائل، ظهره إلى الباب. لم يكن يرسم. كانت عيناه مثبتتين على حامل خشبي قديم، لا يحمل قماشة جديدة، بل لوحة والدتهما الأخيرة التي لم تكتمل أبداً.
على الأرض، بجانب محمد، لم يجد أيوب حقيبة سفره الصغيرة أو أي شيء آخر، بل وجد شيئاً أكثر أهمية: دفتر رسم قديم ذو غلاف جلد بال، كان أيوب يعرف أنه هدية محمد في عيد ميلاده العاشر ويحتفظ فيه برسوماته الأولى. الدفتر كان مفتوحاً على صفحة معينة، ومحمد يمسح ببطء طرف إصبعه على حوافها.
اقترب أيوب ببطء، وكان صوته مجرد همس "...محمد"
كان العرض الصامت مشحوناً، صمتاً أثقل من أي ضجيج. اقترب محمد من اللوحة الوحيدة التي بدت وكأنها تستصرخ لكي تكتمل. كانت تلك اللوحة تحديداً، هي اللغز الذي لم يستطع حله منذ سنوات.
لم ينطق محمد بكلمة. كل ما فعله هو أنه رفع يده الصغيرة فقط ليشير بإصبع نحو الوجه غير المكتمل ثم نحو المعطف الأبيض، ثم نظر إلى والده أيوب بعينين واسعتين تحملان كل أسئلة الكون: ما هذا؟ نظر أيوب إلى اللوحة، ثم إلى ابنه الصامت.
استوعب أن محمد لا يسأل عن تقنية الرسم، بل يسأل عن القصة الكامنة خلف اللون الأبيض. كانت عيناه تستعرضان الألوان الباهتة والمساحات البيضاء المتروكة بعناية. ظهرت فيها ملامح شمس زوجته الراحلة، في زي لم ترتديه يوماً.
مد أيوب يده المرتجفة نحو اللوحة، ولمس حافة قماش الكانفاس. لم يكن قادراً على النطق في البداية. كانت نظراته مزيجاً من الحنين والألم القديم.
وأخيراً، كسر الصمت الهش بصوت مثقل: "أمك، يا محمد... شمس."
ظل محمد يحدق. لم يتحرك، لكن الإصرار في عينيه لم يتزحزح؛ لماذا هذا الزي ؟
تنهد أيوب، وكأنه يخرج الهواء المحبوس في صدره منذ سنوات. هذا... كان حلمها يا بني حلم أن تكون طبيبة. لم تستطع أن تكمله... لم تستطع أن تكمل دراستها."
مرت رجفة صامتة في جسد محمد الصغير. لم يكن يحتاج إلى الكلمات ليفهم أن هذا الذي يمثل شيئاً غالياً وضائعاً. أدرك أن تلك اللوحة ليست مجرد رسم، بل هي قبر الأمنية.
في هذه اللحظة، شعر أيوب بأن الصمت لم يعد يحتمل. كان لزاماً عليه أن يروي القصة كاملة تكريماً لشمس وتخفيفاً عن لغز محمد.
" نهاية الفصل السادس "
زهراء سعود