الفصل الاول:
كانت رائحة الياسمين تأتي دائماً من حيث تجلس شمس.
كانت تجلس على حافة النافذة المطلة على الشارع الهادئ، عيناها مثبتتان على الأفق بدلا من كتابها المفتوح. لم تكن شمس اما تقليدية؛ نادرا ماكانت تصرخ، ونادرا ماكانت تضحك. كانت اشبه بتمثال جميل منحوت بدقة، لكنه يحمل الكثير من القصص المكسورة بداخله.
جلس محمد ذو السنوات العشر على مكتبه الخشبي الصغير، يقلد صوت طائرة حربية وهو يرسم صاروخا على دفتر واجباته.
"ياشمس" نادى عليها محمد دون ان يرفع رأسه، مستخدما اسمها مباشرة كما تعود أن يناديها. "هل النجاح صعب الى هذه الدرجة؟ المعلم يقول إنني بحاجة لتركيز أكبر"
لم تستدر شمس، بقيت نظرتها معلقة على نقطة بعيدة، لكن صوتها جاء دافئا ومشتتا، "النجاح يا محمد ليس صعبا. التخلي عن النجاح هو الأمر الصعب الذي يكسر الروح"
وضع محمد قلمه. هذا النوع من الجمل الثقيلة التي لا يفهمها تماماً، كان يأتي منها كثيراً مؤخراً. نهض من كرسيه واتجه اليها.
"هل أنتِ حزينة؟" سألها مباشرة، وهو يرفع يده ليمسح خطا وهميا رسمته الرياح على زجاجة النافذة.
في تلك اللحظة، استدارت شمس اخيراً، لم تبتسم،
لكن عيناها السوداوان كانتا مليئتين بشئ اقرب الى الألم البارد.
وضعت يدها على رأسه بحنان غريب، ثم نظرت الى مجلد قديم مليء بأوراق جامعية صفراء متروكة على حافة النافذة.
"اتعرف يامحمد،" همست"كان حلمي يوما ان اضيف حرف'د'صغيرا قبل اسمي، أن اكون شيئا لا يمكن للضروف أن تاخذه مني. لكن الضروف، يا بني... "
صمتت، تركت الجملة معلقة في الهواء، ثم أخذت نفسا عميقا، وقبلت جبينه قبلة طويلة جداً، كأنها تحاول أن تودعه شيئا لا يعود.
"محمد حبيبي، مهما حدث، تذكر انك أبن النور، تذكر أن تحقق كل مالم أستطيع تحقيقه."
قالتها وأبتعدت عنه فجأة، وعيناها مثبتتان على شيء آخر... شيء خارج النافذة.
كأنها رأت مخرجا سريا لم يره محمد.
"سأعود حالا ياحبيبي" كانت آخر جملة سمعها منها.
لم تكمل شمس طريقها نحو الباب، بل اتجهت نحو المطبخ. لم يهتم محمد في البداية؛ اعتقد أنها ستعد له شيئا. لكنه سمع صوت علبة معدنية تفتح
ذلك الصوت الذي كان يكرهه دائماً لانه يذكره بزيارات الأب للعمل في الورشة.
نهض محمد وسار بضع خطوات نحو المدخل المؤدي المطبخ. توقف على العتبة.
كانت شمس تقف في وسط المطبخ، والضوء المنبعث من النافذة الخلفية يسلط عليها ظلا اطول من المعتاد. لم تكن تبكي . وجهها كان هادئا ومستسلما بشكل مخيف لم يره محمد من قبل.
كانت تحمل العلبة المعدنية بيد، وفي يدها الاخرى كانت تمسك بدعصا ثقاب.
صرخ محمد صرخة مكتومة لا صوت لها في حلقة ادرك بفطرته الطفل النزيهة،أن هذا ليس شيئا عاديا. ركض نحوها قلبه يضرب كالطبل في اذنيه.
"شمس! لا! ماهذا؟
لكن شمس لم تسمعه، لم تره، لقد تجاوزة لحظة النداء.
ألقت شمس محتويات العلبة على ملابسها سريعا.
وخلال ثانية واحدة، اشعلت عصا الثقاب.
اغلقت عينيها كأنها تتلقى قبلة أخيرة.
كل ماتذكره محمد بعد ذلك هو الرائحة.
رائحة قوية وحادة ومؤلمة، ليست كالياسمين أبدا.
ثم جاء الضوء ، ضوء برتقالي مفاجئ ابتلع شمس في ثانية، وحولها من تمثال هادئ الى كتلة لهب راقصة.
تجمد محمد. لم يستطع الصراخ، لم يستطع الركض. كانت عيناه الواسعتان تسجلان كل شيء، لكن عقله كان فارغا تماما. لم يكن جسده ملك له.
كان يقف هناك كشاهد عاجز، والحرارة تضرب وجهه بقسوة، وهو يرى" شمس" تنطفئ امامه.
ظل على تلك الحال، مرعوبا ومشلولا، حتى سمع صوت بابا المنزل الخارجي يفتح بعنف.
دخول الأب:
في تلك اللحظة كان الأب ايوب يقف على بعد امتار من المنزل. رأى عمود الدخان الاسود يرتفع من نافذة المطبخ. سحب نفسا عميقا متجمدا، وضرب كفا بكف وهو يتمتم بهلع لا يصدق:
"ياإلهي... هل فعلتها حقا؟"
ركض ايوب نحو الباب كالمجنون. لم يكن يركض لينقذ، بل ليؤكد شكا كان يعذبه طويلا.
اقتحم الباب ودخل الى هول المطبخ.
كانت النار تشتعل، والفوضى تعم المكان، لكن عينا ايوب سقطتا على زاوية المدخل الداخلي.
وجد ابنه محمد جالسا على الأرض. وجهه شاحب كالثلج، وعيناه مثبتتان على نقطة واحدة في الفراغ. لم يكن يبكي، فقط كان يصمت بصوت اعلى من أي صراخ.
ركض الأب الى ابنه، محتضنا جسده المرتجف بعنف.
هزه وهو يصرخ في أذنيه "محمد! ماالذي حدث؟
أين كانت امك؟ تكلم!"
لم يجب محمد. لم يصدر منه أي صوت، لكن في تلك اللحظة
ضمه فيها والده، لم يكن يرى وجه أبيه، بل كان يرى فقط بقايا حريق... بقايا"شمس "
"واحلامها" و"الوعد الذي ألقته عليه"
في تلك اللحظة ادرك محمد شيئا: النار لم تحرق جسد امه فقط، بل احرقت صوته وقدرته على البكاء. وآخر شيء تذكره قبل أن يقمض عينيه
ويغرق في الظلام، هو رائحة العطر الرجالي القوية المنبعثة من ملابس أبيه تختلط برائحة الرماد الحادة.
"نهاية الفصل الاول"
زهراء سعود