الفصل الثامن:
ركض محمد إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه. لم يفتح الضوء، بل انزوى في زاوية الغرفة المظلمة. كانت القصة التي سمعها للتو تجعله يشعر بالبرد رغم حرارة الغرفة. لم يكن محمد طفلاً ليبكي وينسى؛ كانت القصة كبيرة جداً، وقاسية جداً.
جلس محمد في صمت مطبق. كان رأسه يدور بصوت والدته وهي تتوسل، وبصوت أبيه وهو يصرخ بالغضب والمنع. لم يكن أيوب يوماً بطلاً مثالياً في عينيه، لكنه لم يكن يتصور أنه كان القيد الذي كسر روح شمس.
بدأ محمد يفكر في اللوحة. كانت اللوحة بالنسبة له مجرد لغز؛ الآن أصبحت مهمة. إنها دليل على الحلم المقتول. تذكر أيوب وهو يقول: "هذه... بدأتها في اليوم الذي غادرت فيه، لم أستطع أن أضع فيها آخر لمسة "
أيوب لم يكمل اللوحة لأنه لم يستطع تقبل النهاية.
أما محمد، فقد كان يفكر بطريقة معاكسة تماماً.
يجب أن تكمل هذه اللوحة. يجب أن ترفع هذه القصة عن قماشة الرسم وتُعرض بوضوح. لم تكن المسألة مسألة ريشة وألوان، بل مسألة انتصار مؤجل لحلم الأم.
نظر محمد إلى النافذة المظلمة، ثم إلى الباب. أدرك أن المواجهة مع أبيه لم تنته بانسحابه؛ بل بدأت للتو. لكنها لن تكون مواجهة بالصراخ أو الدموع.
في هذه اللحظة، اتخذ محمد قراراً صامتاً وقاسياً: لن يتحدث مع أيوب عن الماضي مرة أخرى. لن يفتح محمد موضوع شمس أو حلمها أو حتى اللوحة. سيتصرف وكأن الكشف لم يحدث. لكن، خلف هذا الصمت، سيُجهز محمد لمواجهة أخرى مواجهة صامتة ومؤجلة ستكون أقوى من أي كلمة.
لم يخرج محمد من غرفته في تلك الليلة إلا بعد أن أشرقت الشمس. خرج بوجه خال من التعبير، لم يكن هناك أثر للدموع أو الغضب الظاهر، بل مجرد هدوء جليدي.
في الأيام التي تلت تحول محمد إلى شخص آخر تماماً. لقد اختار سلاحه في هذه المواجهة المؤجلة: الدراسة. لم يعد يهتم بأي شيء آخر؛ لا اللعب، لا الأحاديث العابرة، ولا حتى محاولات أبيه أيوب الخجولة للاقتراب.
التحول الصامت
كانت اللوحة التي رسمت فيها شمس بملابس الطبيب تعرض الآن في عقل محمد بدلاً من غرفة الرسم. تحول المعطف الأبيض غير المكتمل إلى قسم صامت. كل صفحة يقرؤها، وكل مسألة يحلها، وكل ليلة يسهرها، كانت خطوة نحو إكمال ذلك الزي.
لم يعد محمد يدرس لينجح، بل لينجز.
أصبح هدفه الوحيد أن يكون من الأوائل، أن يحصل على أعلى الدرجات التي تؤهله لدخول كلية الطب التي حُرمت منها والدته. بالنسبة له، لم يكن الطب مجرد مهنة، بل كان العالم الذي وعدت والدته بالخروج إليه إذا لم يُسمح لها بالدخول. هو الآن يدخل هذا العالم نيابة عنها.
كان أيوب يلاحظ هذا التغير القاسي. ابنه الذي اعتاد على الصمت الطبيعي، تحول إلى صمت أكثر عمقاً، صمت مليء بالاستياء المقنن.
حاول أيوب الحديث مرة أو مرتين، لكن محمد كان يجيبه بنظرات فارغة، أو بكلمات مقتضبة لا تكسر حاجز الدراسة.
"لماذا لا تخرج قليلاً، يا محمد؟ أنت تدرس كثيراً." قال أيوب ذات مرة.
نظر محمد إليه، وكانت عيناه تحملان إجابة واحدة غير منطوقة: أنت تعرف لماذا .
كانت المواجهة المؤجلة قد بدأت فعلاً. كان محمد يضع عبء ندم أبيه وخطيئته أمام عينيه في كل لحظة، ليس بالكلمات، بل بالتفوق الصارم.
مضت خمس سنوات على هذا القرار الصامت....
خمس سنوات من الصمت القارس
مضت خمس سنوات على القرار الصامت الذي اتخذه محمد خمس سنوات من العزلة الاختيارية حيث كان الصوت الوحيد المسموع في غرفته هو حفيف أوراق الكتب. لم يكن محمد يرى الألوان، بل يرى الدرجات. كل علامة كاملة هي خطوة نحو المعطف الأبيض الذي لم يكتمل على قماش اللوحة.
لقد أصبح محمد من الأوائل بالفعل. تفوقه كان لافتاً، ليس لأنه ذكي بالفطرة فحسب، بل لأنه يدرس بدوافع أكثر عمقاً وقسوة من أي طالب آخر. الجميع أثنى على انضباطه، لكن لا أحد يعرف أن دوافعه مستمدة من فاجعة عائلية.
أما علاقة أيوب بابنه، فكانت قد وصلت إلى أدنى مستوياتها. لم يعد أيوب يجرؤ على الاقتراب صمت محمد لم يكن صمتاً عادياً، بل كان حكماً يومياً عليه.
كان أيوب يحاول بائساً أن يكسر الجليد، يحضر لمحمد الهدايا، يسأله عن دراسته، لكن محمد يرد باقتضاب لا يترك مجالاً للحوار. كان أيوب يرى في عيني ابنه شيئاً لم يستطع تحمله انعكاس غضب شمس.
وفي تلك الليالي الشتوية الباردة، كان أيوب يمر
كالعادة، ضوء عرفه محمد لا يزال مشتعلا.
فجأة، سمع أيوب صوتاً خافتاً قادماً من اتجاه غرفة الرسم. لم يكن صوتاً قوياً، بل أشبه بهمس حركة أو خشخشة خفيفة. هذا الصوت لم يسمع في هذا الجزء من المنزل منذ خمس سنوات.
شعر أيوب بارتعاش في عموده الفقري. لم يكن محمد فضوء غرفته لا يزال مضاءً.
قام أيوب ببطء وتوجه نحو مصدر الصوت.....
" نهاية الفصل الثامن "
زهراء سعود