الفصل الخامس:
الصمت الذي يتحدث:
وقف رجل بظهره للطفل والمنزل، منكفئ الرأس وكأن ثقل العالم كله على كتفيه. كان الشكل عامًا، ولكن أيوب عرفه عرف انحناءة الظهر المنهزمة.
عرف الوقفة التي اعتاد عليها في المرآة.
تمتم أيوب بصوت بالكاد مسموع، يتجمد الدم في عروقه: "الرجل... الذي يشعر بالذنب."
فجأة، دخل محمد الغرفة حاملاً كوب ماء، فجمد المشهد. نظر الطفل إلى أبيه، ثم إلى الرسمة في يده. لم يتحرك محمد، لم يتكلم. لكن عينيه اللتين اعتاد أيوب على رؤيتهما فارغتين كانتا تتحدثان الآن..... باللوم، والألم، والمعرفة.
ظل محمد واقفًا عند المدخل الكوب في يده يرتجف. كانت عيناه تُطلقان سهام اللوم التي لم يكن أيوب بحاجة إلى سماعها ليصاب بها في مقتل.
انكسر أيوب. سقط على ركبتيه أمام ولده، وعيناه غارقتان في دموع لم يستطع حبسها، دموع تغسل ذنبه لكنها لا تمحوه. مد يده المرتعشة، أمسك بكف محمد الصغيرة التي كانت لا تزال تحمل رائحة الطلاء الطازج.
ولدي محمد ... تكلم. ولو لحرف واحد، تكلم. تمتم أيوب بصوت خشن ومختنق، "تكلم يا محمد... أنا لم أسمع صوتك منذ شهور. أرجوك، تكلم يا بني."
ارتفع صوته قليلاً صارخًا على نفسه في المقام الأول، وهو يضغط على يد ابنه: "تكلم، وقل لي.... لماذا يا أبي ؟ لماذا ... لماذا لم تحاول إنقاذ أمي؟ لماذالم نستطع البقاء معها ؟ لماذا أتينا إلى هنا؟ لماذا ..."
أرخى أيوب رأسه منكسرًا بالكامل، وضعه على كف ولده وبكى بكاءً حارًا يغسل جلد محمد دون أن يصل إلى قلبه.
شعر محمد بالحرارة تنتقل من دموع والده إلى جلده، ولكنه بقي صامتًا. لم يكن صمته الآن عجزا بل كان اختيارًا. كان سلاحًا يحمي به نفسه من العودة إلى ذاكرة أمه، ومن هذا الرجل الذي يبكي والذي يمثل الخطر الذي تحدثت عنه أمه.
بهدوء بارد سحب محمد يده من تحت رأس والده دون أن ينبس ببنت شفة. استدار، وذهب إلى سريره. دفن نفسه تحت الأغطية، وأعطى ظهره لوالده، متظاهرًا بالنوم. كان يعلم أن صمته الآن أقسى وأكثر فتكا من أي كلمة يمكن أن يقولها.
شعر أيوب بالرفض. أدرك أن ابتعاد محمد لم يكن جسديًا فقط رفع رأسه الثقيل، ونظر إلى جسد ابنه الملتف تحت الغطاء، وإلى الرسمة الملقاة على الأرض كأنها شهادة اتهام.
عرف أيوب أنها خسارة مضاعفة. ابنه لا يزال يرفض الكلام، ورفضه هذا ليس لسبب مرضي، بل بسبب الاختيار أطفأ أيوب النور، وخرج من الغرفة بصمت مهزوم، تاركا الباب مواربًا على ظلمة الصمت التي ابتلعت حياتهما.
تجنب الأب...
واحتضان الابن
خرج أيوب من الغرفة، خطاه ثقيلة، وكأنه يسحب أمتارًا من سلاسل الذنب خلفه. كان يدرك تماما أن صمت ابنه الآن لم يعد يعني العجز، بل صار يعني الرفض. ولأنه لم يمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة هذا الرفض أو مواجهة نفسه، قرر التجنب.
أغلق أيوب باب الغرفة بهدوء مميت. كان يخشى النظر إلى الرسمة، يخشى ذكر اسم زوجته يخشى حتى التنفس في ذات المكان الذي يشاركه فيه محمد.
في تلك الليلة الباردة، لم يجد أيوب ملجأ له داخل الجدران التي أصبحت خانقة بعبء السر. ارتدى سترته الثقيلة، وخرج من المنزل تاركا خلفه الضوء الخافت والنار التي اشتعلت في الرسمة. مضى يمشي على طول الطريق، بلا وجهة، عيناه تحدقان
في الظلام بينما الدموع تتجمد على خديه. كان يبكي على محمد ووضعه المؤلم، ويبكي على نفسه الذنب الذي يحمله كصخرة.
احتضان الرسمة
في الداخل، انتظر محمد حتى سمع صوت إغلاق الباب الخارجي. تأكد من أن ظل والده قد ابتعد عن النافذة. عندها ترك محمد دفء السرير، وذهب نحو الرسمة الملقاة على الأرض.
لم يعد محمد يتظاهر بالقوة أو بالاستسلام الآن. انحنى رفع الرسمة الصغيرة التي كانت تحمل وجه النار والندم، وحضنها إلى صدره. بدأت دموعه تسقط بهمس، بكاءً مكتومًا يخشى أن يسمعه أحد، وكأنه يشاطر الرسمة سره العظيم.
بالنسبة لمحمد كانت هذه الرسمة هي صوتهالوحيد، وجسد أمه الأخير. كان يحتضن اللوم والخسارة، وكل الكلمات التي اختار أن يسجنها بداخله. ظل هكذا، جاثمًا على الأرض، حتى غلبه النوم، والرسمة مطبوعة على صدره.
" نهاية الفصل الخامس "
زهراء سعود