الفصل السابع:
ظل محمد يحدق بأبيه الإشارة الصامتة أصبحت صرخة لا يسمعها إلا أيوب.
أغمض أيوب عينيه للحظة، وكأنه يستجمع القوة لفتح صندوق أسود مليء بالندم. فتح عينيه، كانت نظراته تائهة بين ملامح شمس المرسومة والخطوط البيضاء غير المكتملة.
"لست طبيبة، يا محمد... حرمت من أن تكون طبيبة." بدأ أيوب، صوته كصوت المطر الغزير فوق سقف قديم.
لم يتحدث محمد بقي صامتاً، لكن اهتزاز كتفيه الصغيرتين كان أبلغ من ألف كلمة.
" منذ طفولتها، كان هذا حلمها الوحيد يا بني لا شيء غيره. لكن أهلها ... لم يسمحوا لها. كان رأيهم قاطعاً: الفتاة ليس مكانها مقاعد الدراسة الجامعية.
بالكاد سمحوا لها بإنهاء الثانوية العامة.
تنهد أيوب، ويده تعلقت في الهواء بينه وبين اللوحة.
تفوقت شمس... وحصلت على القبول في جامعة أحلامها، في تخصصها الذي عشقته. لكن الأهل رفضوا رفضاً مطلقاً. وفي ذلك الوقت كانت هناك خلافات كبيرة بين عائلتنا وعائلتها.... وحينما سمع أهلي أن والدها يريد تزويجها بأي شكل لينهي الموضوع... قالوا لي: أنت يا أيوب من يتزوجها.
ستكون لك فرصة لرد اعتبارنا وكسر كلمتهم.
نظر أيوب إلى الأرض، وغطت الظلال ملامح وجهه.
" في البداية، رفضت الفكرة رفضاً قاطعاً. قلت لهم:
مستحيل لكنهم هددوني بالقطيعة والغضب الأبدي. وهكذا ... تقدمت لخطبة أمك. تزوجنا، ولكن يا بني.... الحقيقة أن هي لم تحبني وأنا لم أحبها. كنا ضحية ترتيب قاسي."
عاد الصراع الاجتماعي ليلقي بظلاله مجدداً.
حاولت شمس بعدها، بعد زواجنا، أن تعود للجامعة وتكمل الحلم. لكن أهلي لم يوافقوا. وصدقني يا محمد، أنا أيضاً لم أوافق. كنت أفكر مثلهم تماماً.
كانوا يقولون لي: المرأة عندما تدخل الجامعة سوف تهملك وتهمل المنزل والأطفال، ستتحرر مبادئها .... وكنت أصدقهم. لم أسمح لها أبداً بالدخول."
اليوم الأخير
وصل أيوب إلى ذروة الرواية، تبللت عيناه بدموع جافة.
" في نفس اليوم الذي... الذي تركتنا فيه، يا محمد. في ذلك الصباح، بعدما ذهبت أنت إلى المدرسة..... ذهبت أمك إلى الجامعة لتقدم أوراقها مجدداً، لتقدم على حلمها سراً. لكن.... صادفتها أمي (جدتك) في الطريق. اتصلت بي أمي فوراً، وجئت أنا مسرعاً."
قبض أيوب على يده بقوة. "أخرجتها من أمام بوابة الجامعة، وقلت لها بغضب: ألم أقل لك لن تدخلي الجامعة ؟ توسلت إلي يا محمد. حاولت أن تقنعني بكل الطرق... لكنني لم أعرها انتباهاً. يومها، قالت لي
جملة واحدة: إن لم تسمح لي بدخول عالمي
فسوف أخرج من عالمكم."
ارتعش جسد أيوب كله.
"لم أدر لها بالاً. صرخت فيها: اذهبي إلى المنزل وكفي عن هذا الهراء فعادت أمك إلى المنزل، وأنا عدت إلى عملي... وأنت يا محمد... أنت تعرف ماذا حدث بعدها."
ساد صمت مطبق. هذه المرة، لم يكن صمتاً محرجاً، بل صمتاً حافلاً بالفاجعة نظر محمد إلى اللوحة، ثم إلى أبيه. كل خط أبيض الآن يحكي قصة حرمان وكل لون هو شاهد على مرارة.
ساد صمت مطبق. لم يكن صمتاً محرجاً، بل صمتاً حافلاً بالفاجعة. كل كلمة قالها أيوب سقطت كصخرة ثقيلة، حطمت الجدار الذي كان يحمي ذاكرة محمد الهشة عن أمه.
نظر محمد إلى اللوحة، ثم إلى أبيه. كل خط أبيض الآن يحكي قصة حرمان، وكل لون هو شاهد على مرارة. استوعب محمد أن هذا المعطف الأبيض لم يكن رمزاً لمهنة ضائعة، بل كان وصمة عار على كف أبيه.
لم يكن محمد قادراً على النطق، ولا حتى على البكاء شعر فجأة بأن المكان ضيق ومخنوق. تلك الكلمات الساخنة عن الرفض، والتهديد، وإهانة الحلم، كانت تخنقه.
ببطء شديد، سحب محمد يده من الإشارة، وكأن اللوحة أحرقتها. لم يقل شيئاً، ولم يمنح أباه نظرة لوم. كان الأمر أعمق من اللوم، كان جرحاً لم يجد بعد طريقة للتعبير عنه.
استدار محمد ببساطة.
لم يركض، ولم يصرخ. فقط مشى خطوتين سريعتين وهادئتين نحو الباب. كان انسحابه انسحاباً كلياً، يبتعد عن اللوحة، وعن غرفة الرسم وعن قصص الماضي التي تحولت فجأة إلى خنجر مغروس في صدره.
یا محمد، انتظر! نادى أيوب بصوت متهدج، يمد يده في محاولة متأخرة للإمساك به.
لكن محمد لم يلتفت.
فتح الباب، وخرج من الغرفة، تاركاً وراءه الأب وحيداً بين اللوحة غير المكتملة والرواية القاسية التي لم يكن يوماً شجاعاً ليحكيها. كان صوت إغلاق الباب هادئاً، لكنه كان كالرصاصة في قلب أيوب.
ركض محمد إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه انزوى في زاوية الغرفة، بعيداً عن أي ضوء، بعيداً عن أي صوت، وكل ما تبقى معه هو صدى جملة أيوب: " قالت لي: إن لم تسمح لي بدخول عالمي، فسوف أخرج من عالمكم."
" نهاية الفصل السابع "
زهراء سعود