"في البيوت القديمة، لا يموت الصمت أبداً، بل يتحول إلى لغة. لغة لا تفهمها إلا الأرواح التي تنتمي إلى ذلك المكان."
..............................................................
كان صوت الباب الذي فُتح في الطابق العلوي هو آخر صوت سمعوه قبل أن يحل صمت ثقيل ومُشبع بالترقب. صمت لم يكن فارغاً، بل كان مليئاً بالاحتمالات المرعبة، كأنه كائن حي يحبس أنفاسه معهم. وقفت "ليان" و"سارة" والجدة متجمدات في أماكنهن، عيونهن مسلطة على عتمة الدرج، كأنهن يتوقعن رؤية شيء ما يهبط منه في أي لحظة. عقارب الساعة على الحائط بدت وكأنها توقفت، وكل ثانية تمر كانت تمتد إلى دهر.
"من... من هناك؟" همست "سارة" بصوت مرتعش، بالكاد يخرج من حنجرتها الجافة. كانت قبضتها على ذراع "ليان" قوية جداً، وأظافرها تغوص في لحمها، لكن "ليان" لم تشعر بالألم، فكل حواسها كانت مركزة على الظلام في الأعلى.
لم تجب الجدة. بدلاً من ذلك، تحركت بحركة فاجأت الفتاتين. لم تكن حركة شخص خائف، بل كانت حركة شخص يؤدي طقساً قديماً ومعتاداً. استدارت بهدوء نحو طاولة جانبية، والتقطت مصباح زيت قديماً، من النوع الذي لم تره "ليان" يُستخدم إلا في حالات انقطاع الكهرباء النادرة. أشعلت الجدة الفتيل بعود ثقاب، وارتعش اللهب للحظة قبل أن يستقر، ملقياً بضوء دافئ وراقص على وجهها المتجعد، مما جعل أخاديد الزمن تبدو أعمق وأكثر غموضاً.
"ابقيا هنا"، قالت الجدة بنبرة حازمة لم تسمعها "ليان" منها من قبل. نبرة لا تحمل أثراً للخوف، بل تحمل ثقل سنوات من التعايش مع هذا السر، نبرة قائد يستعد لمعركة يعرفها جيداً.
صعدت الجدة الدرج ببطء، خطوة تلو الأخرى. لم تكن تحمل المصباح أمامها لتكشف الطريق، بل كانت تحمله بجانبها، كأنه درع أو تميمة. كان صرير الخشب القديم تحت قدميها هو الصوت الوحيد الذي يكسر الصمت، وكل صرخة خشب كانت تبدو كأنها أنين من ماضٍ بعيد. تابعتها "ليان" و"سارة" بنظراتهما، حبستا أنفاسهما. وصل ضوء المصباح إلى أعلى الدرج، وكشف عن الممر الطويل المؤدي إلى الغرف. كان فارغاً. كل الأبواب كانت مغلقة، بما في ذلك باب غرفة "ليان". سارت الجدة على طول الممر، وتفقدت كل باب، ثم عادت ووقفت عند رأس الدرج.
"لا يوجد أحد"، قالت الجدة بصوت عالٍ، لكنه كان يفتقر إلى الطمأنينة، كأنها كانت تحاول إقناع نفسها قبل أن تقنعهما.
"لكننا سمعنا الباب! لقد كان واضحاً!" قالت "سارة" بصوت خافت، وهي لا تزال تتمسك بـ "ليان".
"البيوت القديمة لها أصواتها الخاصة يا ابنتي. تتمدد وتتقلص مع تغير الحرارة"، ردت الجدة، لكن "ليان" عرفت أنها كذبة أخرى. كذبة باهتة ورقيقة. هذا لم يكن صوت المنزل. كان صوت "ليليث". كان إعلاناً عن وجودها.
عادت الجدة ونزلت الدرج، وأطفأت المصباح بنفس الهدوء الطقسي. "اذهبا إلى النوم. سنتحدث في الصباح".
كانت تلك طريقة واضحة لإنهاء النقاش، لمحاولة دفن الحقيقة مرة أخرى تحت سجادة الصمت. لكن شيئاً ما كان قد انكسر داخل "ليان" الليلة. جدار الخوف والطاعة الذي بنته حول جدتها لسنوات قد انهار.
"لن أنام قبل أن أعرف الحقيقة، جدتي. من هي عائلة دي لاغرانج؟"
تنهدت الجدة تنهيدة عميقة، وبدا وكأن كل طاقتها قد استُنزفت. جلست على أقرب كرسي، ومررت يدها على وجهها المتعب. "هذا اسم لم يكن يجب أن يُنطق في هذا البيت مرة أخرى".
"لقد نُطق بالفعل"، أصرت "ليان"، وجلست قبالتها، بينما جلست "سارة" بجانبها كدعم صامت. "والآن أريد أن أفهم".
"دي لاغرانج..." بدأت الجدة بصوت خافت، كأنها تستدعي ذكرى مؤلمة. "لم تكن مجرد عائلة غنية وغريبة الأطوار كما تقول القصص. كانوا أكثر من ذلك بكثير. كانوا 'حفظة'. يؤمنون أن بعض الأرواح، عند الولادة، تكون مرتبطة ببعضها البعض بقوة شديدة، خاصة التوائم. كانوا يعتقدون أن هذه الأرواح تتقاسم وعياً واحداً، وأن أحدهما يعيش في عالمنا، والآخر يعيش في عالم موازٍ، عالم الظلال. كانوا يسمونه 'الصدى'".
نظرت "ليان" إلى "سارة"، التي كانت تستمع بعيون متسعة، وفم مفتوح قليلاً، كأنها تستمع إلى أسطورة قديمة وليست تاريخ عائلة صديقتها.
"والدتكن... والدة أمكِ، جدتي أنا، كانت من هذه العائلة. لقد ورثتِ أنتِ ووالدتكِ هذا الدم، وهذه... القدرة".
"قدرة؟" سألت "ليان"، والكلمة بدت غريبة على لسانها.
"القدرة على الإحساس بالصدى، بالتواصل معه. لكن ما حدث معكِ ومع ليليث كان مختلفاً. كان أقوى من أي شيء رأوه من قبل. الارتباط بينكما كان قوياً جداً، لدرجة أنه كان خطيراً. كانوا يخشون أن يقوم الصدى بسحب الروح من عالمنا إلى عالمه، أو العكس. كانوا يخشون من 'الاندماج'، وهو حدث كارثي يمكن أن يمزق النسيج بين العالمين".
"وماذا حدث؟" سألت "ليان"، وقلبها يخفق بعنف.
"عندما وقع الحادث الذي أودى بحياة والديكِ، لم يكن مجرد حادث سيارة. لقد كان هناك شيء آخر. شيء يتعلق بقوة ليليث. في تلك الليلة، كانت قوتها تتزايد، وكانت مشاعركما تتغذى على بعضها البعض. حدث شيء ما، شيء جعلهم يقررون أن وجودكما معاً يشكل خطراً لا يمكن السيطرة عليه. لذلك... قاموا بالفصل بينكما".
"الفصل؟ ماذا يعني ذلك؟"
"لقد استخدموا طقوساً قديمة لغلق البوابة بين العالمين، لإغلاق الاتصال بينكما. لقد 'أغلقوا' ليليث في عالم الظلال، على أمل أن تعيشي أنتِ حياة طبيعية وآمنة هنا".
شعرت "ليان" بالغثيان. لم يتم "فقدان" أختها. لقد تم التضحية بها. تم حبسها في عالم مجهول لحمايتها هي.
"ومن هم 'هم'؟ من الذي فعل ذلك؟"
"الرجل الذي رأيتِه في الصورة. جدكِ. لقد كان آخر 'حافظ' من عائلة دي لاغرانج. لقد فعل ما كان يعتقد أنه الصواب".
لم تستطع "ليان" استيعاب المزيد. وقفت فجأة. "أنا... أنا بحاجة لبعض الهواء".
خرجت إلى الشرفة الخلفية، وشعرت بالهواء البارد يلسع وجهها. كانت النجوم تتلألأ في السماء، لكنها بدت بعيدة وباردة. كل حياتها كانت كذبة. كذبة بنيت على تضحية مروعة. شعرت بمزيج من الحزن على أختها التي لم تعرفها، والغضب على عائلتها التي اتخذت هذا القرار، والخوف من هذه القوة التي تسري في دمها.
لحقت بها "سارة" بعد دقائق. "ليان... أنا آسفة جداً".
"لا تعتذري. أنتِ لم تفعلي شيئاً"، قالت "ليان" بصوت أجوف. "كل شيء كان خطأ. لقد حبسوها هناك. وحدها. طوال هذه السنوات".
"وماذا ستفعلين الآن؟"
نظرت "ليان" إلى المفتاح الأسود الذي كانت لا تزال تمسكه في يدها. "سأجد ذلك المنزل. وسأفتح ذلك الباب. يجب أن أعرف الحقيقة".
في اليوم التالي، كان الجو في المنزل مشحوناً بالتوتر الصامت. الجدة كانت تتجنب النظر إلى "ليان"، و"ليان" كانت تشعر بأنها غريبة في بيتها. في المدرسة، لم تستطع التركيز على الإطلاق. كل ما كانت تفكر فيه هو المنزل، والمفتاح، وليليث.
"لدينا العنوان التقريبي"، قالت "سارة" في وقت الغداء. "المنطقة الشمالية، بالقرب من غابة 'وايندوود'. يمكننا الذهاب في عطلة نهاية الأسبوع. سأقول لوالدي أننا سنذهب للتخييم".
وافقت "ليان" على الفور. الشعور بأن لديها خطة، أي خطة، كان أفضل من الشعور بالعجز.
في طريق عودتها من المدرسة، قررت "ليان" أن تسلك طريقاً مختلفاً، طريقاً أطول يمر عبر جزء قديم من المدينة. كانت بحاجة للتفكير، والمشي كان يساعدها دائماً. وبينما كانت تمر بجانب متجر صغير للتحف والأنتيكات، لمحت شيئاً في الواجهة الزجاجية جعلها تتوقف فجأة.
كانت مرآة. مرآة بيضاوية ذات إطار فضي مزخرف. لكن لم يكن شكلها هو ما جذب انتباهها. لقد كان الانعكاس.
للحظة واحدة، لم ترَ انعكاسها هي. رأت انعكاس فتاة أخرى. فتاة تشبهها تماماً، لكن شعرها كان أطول قليلاً، وعيناها كانتا تحملان نظرة من الحزن العميق الذي بدا وكأنه يعود لقرون. كانت ترتدي فستاناً أبيض بسيطاً، وتقف في مكان يبدو كغابة ضبابية.
رمشت "ليان"، وعاد انعكاسها الطبيعي. كانت تقف في شارع مزدحم، والسيارات تمر من خلفها.
شعرت بقلبها يتجمد. هل كانت تتخيل؟ أم أن "ليليث" كانت تحاول التواصل معها مرة أخرى؟
دخلت إلى المتجر، وقلبها يخفق. كان الداخل مليئاً بالغبار ورائحة الخشب القديم. كان هناك رجل عجوز يجلس خلف طاولة، يقرأ كتاباً.
"أهلاً"، قالت "ليان" بصوت متردد. "المرآة... المرآة في الواجهة. هل يمكنني رؤيتها؟"
نظر إليها الرجل العجوز من فوق نظارته. "بالتأكيد".
أحضر المرآة ووضعها على الطاولة. كانت ثقيلة وباردة الملمس. نظرت "ليان" فيها مرة أخرى. لم ترَ سوى انعكاسها القلق.
"هل... هل تعرف شيئاً عن تاريخها؟" سألت.
ابتسم الرجل العجوز. "كل قطعة هنا لها قصة. هذه المرآة، يقولون إنها جاءت من ممتلكات عائلة قديمة كانت تعيش في الشمال. عائلة غريبة، كانوا يقولون إن مراياهم لا تعكس ما هو موجود، بل ما 'كان' أو ما 'يمكن أن يكون'".
شعرت "ليان" بقشعريرة تسري في جسدها. "سأشتريها".
لم تكن تملك الكثير من المال، لكنها استخدمت كل مدخراتها التي كانت تجمعها لشراء هاتف جديد. لم يكن الهاتف مهماً الآن. هذه المرآة كانت مهمة.
عادت إلى المنزل وهي تحمل المرآة بعناية، كأنها تحمل قطعة أثرية مقدسة. وضعتها في غرفتها، وسندتها على الحائط، وجلست أمامها على الأرض.
"ليليث؟" همست في صمت الغرفة. "هل أنتِ هناك؟"
لم يحدث شيء. كان انعكاسها هو الشيء الوحيد الذي يحدق بها. شعرت بخيبة أمل. ربما كانت قد تخيلت كل شيء.
في تلك الليلة، استيقظت فجأة في منتصف الليل. لم يكن هناك صوت قد أيقظها، بل كان شعوراً. شعور بأنها ليست وحدها.
جلست في سريرها، ونظرت حولها في الظلام. عيناها استقرت على المرآة الجديدة.
لم تكن تعكس ظلام الغرفة. كانت تتوهج بضوء أزرق خافت، ضوء يشبه ضوء القمر تحت الماء.
نهضت من السرير، واقتربت من المرآة ببطء. كلما اقتربت، أصبح التوهج الأزرق أقوى.
وقفت أمامها، ونظرت إلى داخلها. لم يكن انعكاسها هناك.
كانت ترى ممراً طويلاً، جدرانه مصنوعة من حجر داكن ورطب. وفي نهاية الممر، كان هناك باب خشبي مغلق. نفس الباب الذي رأته في كوابيسها.
مدت يدها ببطء، وترددت أصابعها قبل أن تلمس سطح المرآة البارد.
وما إن لامسته، حتى شعرت بصدمة كهربائية خفيفة، وسمعت صوتاً.
صوت طرقات.
ثلاث طرقات منتظمة، قادمة من الجانب الآخر من المرآة.
طرقات قادمة من خلف الباب في نهاية الممر.
**************************************
عائلة "دي لاغرانج" كانوا "حفظة"، والجد كان آخرهم. هل فعل ما فعله لحماية "ليان"، أم لحماية العالم من قوة "ليليث"؟ وهل كانت الجدة شريكة في هذا القرار؟
المرآة التي اشترتها "ليان"، هل هي مجرد قطعة أثرية، أم أنها أداة تواصل، بوابة أخرى بين العالمين؟ وهل بشرائها، قد جلبت قطعة من عالم الظلال إلى غرفتها؟
الطرقات الثلاث القادمة من خلف الباب في المرآة... هل هي "ليليث" تحاول الخروج، أم أنها تحذر "ليان" من شيء ما؟ أم أن هناك شخصاً آخر محبوساً معها في ذلك العالم؟
كيف حالكم يا رفاق 🤍🫂
شكرا لكل أحد وصل لهذا الفصل وتغط علي النجمة 🌟
أو كتب تعليقا جميلا
أتمني أن تكون الرواية. نالت إعاجبكم
حرفيا الي الان هذا لا شئ في الرواية 🤭
فكرة الرواية لن أقول الأولي من نوعها ولكن مختلفة عن أي رواية أخري 🌚
انتظر ردة فعلكم علي الأحداث 👀✨
ألقاكم في الفصل القادم بعون الله 💞
Elysia